جبريل كوكس

نظر نحوي ثم قال بطريقته السريعة المستفزة “دعني أخبرك شيئا يافتى: جميع أولائك الذين يبكون على الأفلام والمسلسلات والروايات مجرد أوغاد يعوضون نقصا عاطفيا وأخلاقيا دنيئا، الجميع لا وقت لديه لأن يكون طيبا عاطفيا حالما، لا وقت لديه لمراعاة شعور الآخرين أو تحمل مشقة الحب التي تفرض نوعا من التضحية، الجميع تحولوا إلى أوغاد يطلقون الأحكام المعلبة ويعيشون الحياة على شفير العادة، ويقومون بإفراغ تلك الطاقات المكبوتة في الأفلام والمسلسلات والروايات، لأنهم أكثر غباء وتخلفا من أن يبتكروا خيالاتهم بأنفسهم”

شرب من كأس التيكيلا الصغير جرعة كاملة ثم أطلق صرخة قوية، لم يكن واضحا إن كانت صرخة نشوة أم ألم مفاجئ .

نظر نحوي بحدة ثم قال “لماذا لا تشرب كأسك بحق الجحيم ؟” حدقت فيه مبتسما بسأم “جبريل، للمرة المليون، أنا لا أشرب” أخذ يتطلع نحوي بذهول لا يمكن اكتشاف إن كان صادقا أم مصطنعا، فمعاشرته تكشف أن كثيرا مما يقوم به عبارة عن أداء مسرحي رفيع .. قال بضيقة وحدَّة “لا تشرب ؟ لماذا لا تشرب بحق الجحيم ؟ هل أنت من أولائك الذين يخافون النار ويصلون طوال النهار ويلعنون إبليس وكأنه اغتصب زوجاتهم ؟” فقلت له بهدوء “كل ما هنالك أنني لا أحب أن أشرب، هكذا بكل بساطة، وقد قلت لك ذلك في كل مناسبة لعينة سألتني فيها لماذا لا أشرب” فهتف بصخب مفاجئ “إذن لماذا طلبت هذا الكأس اللعين ؟” ولكنني في الحقيقة لم أطلب شيئا، لقد افترض أنني أشرب فطلب لي، كما يفعل دائما، ولذا قلت له بخمول حاد “أنا لم أطلب شيئا، أنت تتكلم كثيرا عن الناس والافتراضات المعلبة والأحكام المسبقة ولكنك ريثما جلسنا على هذه الطاولة اللعينة افترضت أنني يجب أن أشرب، لمجرد أنك تشرب ولمجرد أن الجميع من حولنا يشرب .. أخبرني: ألا يعد ذلك فعلا معلبا لا يجدر برجل أصيل مثلك كما تزعم ؟” كنت أبتسم بلذة ناعمة، من الممتع أن تهاجم رجلا كجبريل كوكس، إنها فرصة لا تحصل كثيرا، أخذ يتطلع فيني وقد أحدَّ حاجباه بحيرة شديدة، ثم لوح بيديه استعجابا وهو يهتف “عن ماذا تثرثر بحق الجحيم ؟” أطلقت ضحكة صاخبة حاولت كبت جماحها، لقد كان وجهه أشبه بعبارة ساخرة في كتاب هزلي ..

حاولت إجابته غير أنه انطلق فجأة ودون مقدمات ليقص حكاية حدثت له في طفولته، كان يسير مع والده بالسيارة في طريق مظلم مليء بالحفر، ماء المطر المتوقف قد ملأها فلم يعد يتضح عمقها للسائرين .. مر بجانبهم رجل على دبابه، يتمايل بين الحفر المثخنة بالماء، وطأ على إحداها فترنح يمنة ويسرة ثم تهاوى .. نظر نحوي بحدة جادة ثم قال “الرجل كان ذكيا، كان يلبس معطفا من جلد أزراره الأمامية ممزقة، ولذا قام بقلب المعطف حتى لا يفتحه الهواء ليضرب في صدره .. وقفنا سريعا خلف دبابه المتهشم، والدي كان رجلا عجوزا، نزل يترنح متجها إليه، كان الرجل ملقى على بطنه بين الإغماءة والوعي وقد هوى رأسه قليلا عن يمينه، غير أن المعطف المقلوب أوحى لوالدي أن الرجل يستقر على ظهره وأن رقبته عانت من التفاف خطير، فاتجه ممسكا برأسه وصرخ فيه بأنه سيقوم بتعديل رقبته بما أنها لا تزال حارة، وهو شيء لازلت لا أفهمه، ارتباط الحرارة اللعينة بالتفاف الرقبة .. المهم، أمسك رأسه ولفَّه لفة قوية فانكسرت رقبة الوغد المسكين، لازلت أكاد أسمع صوت طقطقة العظام ترن في اذني، نظر والدي إلى الرجل فكان جثة هامدة” ضحك جبريل وهو يشرب من كأسه ثم قال بجدية مصطنعة “العبرة من هذه الحكاية ليست أخلاقية ولا تتعلق بموقف والدي ومعضلة معايشته لذنب قتل رجل بريء، ولكن بمعلومة واحدة فقط: حينما تقود دبابا فلا تقلب معطفك أبدا” ثم انطلق يضحك ضحكا صاخبا، أخذت أتطلع نحوه مبتسما بسأم، رفعت يدي لأستوقف قهقهته ثم قلت بهدوء “دعني أقول أولا: قصة رائعة .. ولكن: ألا تذكر أنني أخبرتك بها قبل يومين وأنها حدثت لي مع عمي ؟” نظر نحوي بحيرة مجرم أُخذ على حين غرة ثم قال بكثير من صفاقة الوجه “واذا ؟” فهتفت بصخب مفاجئ “إذن هذه قصتي، لا يمكن أن تسرقها ثم تخبرها لي أنا .. إنك مجرم فاشل، على الأقل سوّق بضاعتك في غير المكان الذي سرقته منه” فرفع يداه متسائلا “ماذا تريد مني أن أفعل ؟” شعرت بأنني أريد لكمه بقبضة يدي، وهو شعور لا بد أن تشعر به مرتان في اليوم على الأقل مع جبريل كوكس، أشبه بجرعة دواء ضرورية، فهتفت بصخب “أن تكون صادقا لو لمرة واحدة في حياتك اللعينة” فصرخ وهو يلوح بالكأس الفارغ في يده بطريقة مسرحية معبرة “هل تسمع نفسك ؟ هل تسمع الهراء الذي تتفوه به ؟ ولماذا أكون صادقا ؟ لا شيء يثير الملل أكثر من قول الحقيقة، عندما تقول الحقيقة فأنت تقول أشياء قد حصلت وانتهت، كل ما هنالك أنك تكررها كالببغاء اللعين، ولذا لا يمكن أن أقول قصتك، لأنك حينما تكذب يبدو بأنك تقوم بشيء جديد، أن تخلق شيئا بالطريقة التي أردت، إنه عمل يرضي شعور الكبرياء الذي ينقب عن الخالق الكامن في ذاتك .. ولأجل ذلك تبدو كل التجارب التي نعيشها أقل لذة من الأشياء التي نتخيلها ونكذب على الآخرين بفعلنا لها، لأنك حينما تتخيلها فهي ملكك، شيء من صنعك، أما حينما تحدث لك فهي ملك القدر الذي لا دخل لك فيه ولا تستطيع أن تسيطر عليه، يقدم نفسه بطريقته الخاصة وليس بطريقتك” .. صرخ في النادل يطلب زجاجة أخرى ثم عاد ليستكمل “هل تعلم لماذا يقدس الناس الأديان يا فتى ؟ لأنها لا تبحث عن الحقيقة اللعينة، وإنما تبحث عن الايمان .. لو كانت تبحث عن الحقيقة لرأينا الله مستقرا فوق عرشه يأمر بذاك وينهى عن ذاك، كل وغد أحمق سيصبح مؤمنا لعينا، ولكن هذا لا يحدث، لأنك يجب أن تؤمن بأن الله مستقر فوق عرشه، ولهذا يتورط الناس بالإيمان بكل تلك الحكايات، لأنها لا تعتمد على التمحيص والتدقيق اللعين والركض وراء وعود الحقيقة الهلامية، هي تضرب على وتر الغريزة وتنفض رغبة الايمان بشيء غامض أكبر منا، شيء لا تحتمل الحقيقة الإنسانية أن تكشف عن كنهه” فتح الزجاجة الجديدة وأخذ يشرب منها بعدما رمى كأسه فقلت له “إذا كنت تزعم النظر بهذه الطريقة فيجب عليك إذن أن تحترم زمرة الفنانين الذين تبغضهم، لأنهم أكثر الناس براعة في الكذب بهذه الطريقة” فصرخ مزمجرا “كيف تجرأ على قول ذلك الكفر العقلي ؟! لو لم تكن الرجل الذي أكن له احتقارا أقل من غيره لهشمت رأسك .. أنا أحترم الفنانين ؟! الأوغاد الذين يظنون بأنهم أشخاص مميزون اصطفاهم القدر من بين البشر، ينقبون عن عمق الأشياء ببلاهة الأحمق الذي يظن أنه اكتشف كنز قارون، ويبتهجون بفكرة الغوص في هلامية الشاعرية اللعينة، قناعتهم بعظمة ما يقومون به يزيف كذبهم حينما يضعون الفن في مرتبة عظيمة لا يضاهيه شيء في قيمته الوجودية الحقيرة .. أنا لا أستمتع إلا بالفنان الذي يكذب لمجرد الكذب، وليس لشيء آخر، لمجرد أنه يريد قراءة فنه العظيم على ورقة لعينة، وهؤلاء قليلون جدا لأن جميعهم يتورط في جلالة مهمة التنقيب العظيمة، وحتى لو وجدت أحدهم فسأبغضه سريعا على كبريائه السخيف الذي جعل كل شيء كتبه مجرد ترديد مزيف لذاته المزيفة، مرآة لعينة يريدني أن أقرأه من خلالها، ولكنني لا أريد أن أقرأه، لا يوجد إنسان يستحق أن تُقرأ ذاته الحقيرة” صمت قليلا ثم عاد ليضيف سريعا “إلا أنا .. لدي ذات عظيمة يجب أن يقرأها الجميع” فهززت رأسي مبتسما بخمول “أكيد أكيد”

كانت لدي ملاحظات حول بعض التناقضات التي تضج بها تصريحاته الصاخبة، ولكنها تناقضات لا تبدو غريبة على رجل كجبريل كوكس يزعم دائما بأنه يؤمن بالشيء وضده في نفس الوقت دون أن تكون هنالك أية مشكلة، فهو “رجل كل الآراء” كما كان يصف نفسه .. كما أنك لا يمكن أن تطالب سكرانا بدقة البحث والطرح، يجب أن تكون نبيلا وتمنحه مساحة للتخبيص .

كان الوقت يزحف نحو منتصف الليل، أجبرنا النادل على الخروج فتلقف زجاجته وخرجنا نحو البرد القارص والكلاب النابحة في النفايات .. أخذنا نسير متجهين إلى بيته القريب، كان يشرب ويترنح يمنة ويسرة، مررنا بجانب رجل ضخم يترجل من سيارته ليتشابك مع رجل قطع عليه الطريق .. نظر نحوه ضاحكا بخمول ثم قال “هيه: هل تستطيع فعل ذلك، هل تمتلك الشجاعة لتفعل ما يفعله هذا الخبيث ؟” نظرت نحو الرجل الضخم وهو يركل خصمه قائلا “لو كنت أملك قامته فستكون الشجاعة مجرد اكسسوارة، لا أحد سيتعرض لك كي تختبر شجاعتك” رفع يده معترضا وهو يتجشأ بصعوبة “ليس بالضرورة، لو كنت ضخما فهل ستكون رجلا قويا لا يقبل الهراء من أحد؟” فكرت قليلا في الإجابة فبدى افتراضا مستحيلا “لو كنت رجلا ضخما فلن أكون أنا الآن، سأكون شخصا مختلفا، طفولتي وشخصيتي ستتأثر بهذه الحقيقة، التجارب التي مررت بها والعقد التي أخضع لها والقناعات التي أؤمن بها ستكون مختلفة، ولهذا فإن الإجابة على هذا السؤال تستوجب أن أعود إلى طفولتي لأفترض سيناريوا جديدا حيث أكون رجلا ضخما، وحينها لن أكون أنا الذي يجيبك، بل سيجيبك ذلك الرجل الضخم الخيالي” أطلق ضحكة صاخبة وهو يردد “ذلك الرجل الضخم الخيالي، يالك من محب لترديد الهراء”، ثم توقف فجأة عن السير ورفع سبابته بجدية كمن سيقول شيئا مهما “أنت لا تستطيع الإجابة لأنك لا تعلم من أنت أصلا ؟ من تكون ؟ لا أحد يعلم من هو بحق الجحيم، أنت لم تكوِّن ذاتك بنفسك، المحيط اللعين من حولك هو الذي كونها عنك، ولذلك لا تستطيع الإجابة عن افتراض سخيف كهذا، أنت عبد لعين لكل ما يتطاير من حولك .. ولكن انظر لي، أنا جبريل كوكس: رجل عظيم، هل تعلم لماذا أنا رجل عظيم ؟” قلت له ساخرا “أضع حياتي رهنا لسماع ذلك” فرد مبتسما بثقة لا تأبه بسخريتي “لأنني رجل متجرد” عاد ليسير مستكملا تصريحه الخطير “أنا رجل لم أتأثر بأي شيء في حياتي، كل شيء قرأته قد كرهته وعشقته في آن واحد، كل شخص قابلته قد أبغضته حتى وإن كنت قد أحببته، كل فكرة فكرت بها اعتنقتها مع غيرها في نفس الوقت .. أنا رجل لا أرتبط بأي شيء في هذه الحياة ولم يؤثر بي أي شيء فيها، ولهذا أنا رجل عظيم، لأنني متجرد من كل شيء، أنا من صنع ذاتي وليس ما يتطاير من حولي” وقف فجأة ليتقيأ على قارعة الطريق، لقد كان منظرا لا يجدر برجل عظيم، حسب الذوق العام بالطبع، لأن جبريل كوكس كانت له وجهة نظر مختلفة، إذ رفع رأسه وهو ينظر نحوي هاتفا “ماذا ؟ هل أنت متقزز ؟ دعني أخبرك بشيء يا فتى: أنا لا أملك سيطرة على جسدي، التقيؤ وظيفة عضوية لعينة، ولكن حينما يكتب هيمنجواي مشهدا تافها في إحدى رواياته المنحطة فهو يملك القدرة على أن يسيطر على هرائه .. أيهما أكثر منطقية: أن تشاهد هيمنجواي يكتب كثيرا من الهراء بمحض إرادته، أو أن تشاهده يتقيأ في الشارع رغما عنه ؟ تذكر أن الإجابة عن هذا السؤال تحدد شخصيتك” ولكنني لم أكن عازما على الإجابة، لا يسع الوقت للإجابة على جميع أسئلة جبريل كوكس، إذ انطلق فجأة ليحكي عن كلب شاهده في الطريق مساء أمس، ذكَّره بامرأة كان يخرج معها .

وصلنا إلى بيته عند الزاوية بعدما أنهى الزجاجة الثانية، كان في وضع يسمح له بتمييز ما يحصل دون أن يدرك ذلك بوضوح، اخترق حالة من الثرثرة اللامجدية، وأصبح يلعن كل شيء ويعلن حبه لكل شيء .. فتحت زوجته جين الباب بقميصها الليلكي، لازال جمالها يصارع اجترار العمر فتبدو امرأة تمتزج الحكمة فيها بلمحة السحر الغابر، نظرت وأنا أمسك بزوجها المترنح ثم قالت “أرى أنه اليوم طرد شياطينه وشياطينك فوق البيعة” ثم وجهت حديثها لي بحدة “وأنت، ألم أقل لك زجاجة واحدة فقط ؟” فتحت فمي لأشرح موقفي غير أن جبريل رفع يداه فجأة ليهتف بتأثر مسرحي “لقد لحقت بي شياطين الماضي اللعينة فاضطررت أن أقتلها كذلك” .. كان يصف لقاءنا الأسبوعي في حانة “الميجيشن درينك” بأنه تطهير لبعض شياطينه التي بدأت تفضل السكون على الصخب، ولذا هو لقاء أشبه بالذهاب إلى دار العبادة، حتى أنه كان يسمي تلك الحانة اللعينة “معبد النسيان” .. أدخلته مع جين مترنحا يتشبث بها، ووقفت وسط الصالة الضخمة أراقبه يسير بجانبها في الرواق المظلم .

هذا البيت لا يشبه جبريل كوكس في شيء .. كل ما فيه يتمتع بحس من الرفاهية واللذة، البيت الكبير والأثاث الفاخر والسيارتان الفخمتان والأبناء المهذبون والزوجة الجميلة ولوحات بيكاسو ومونييه والمكتبة الضخمة التي تضم أشهر دواوين الشعر والرواية وصور أبنائه الموضوعة على طاولته .. هذا ليس بيت رجل يلعن كل شيء ويكره كل شيء وينتقد كل شيء ويخالف كل شيء ويؤمن بكل شيء، هذا بيت رجل يستمتع بالحياة لدرجة لا تسمح له بكل هذا الهراء .

لازلت أتذكر أول مرة دخلته .. كان عقب لقائنا الأول في معبد النسيان، كنت أعرف جبريل كوكس قبل ذلك معرفة سطحية خلال لقاءات سريعة في ردهات الجامعة، بكل ما فيه من غرابة وكبرياء وشذوذ يشتهر به بين زملائه وطلابه، ولكن تلك الليلة فتحت أبوابا جديدة من شخصيته، أبواب أكثر انفلاتا جعلتني أشعر بأنني أقف أمام شخصية خرافية تشبه قصص الفرسان القديمة، إلا أنني حينما وقفت تلك الليلة وسط الصالة أصبت بالذهول والغضب، أخذت أردد بأن ثمة شيء خاطئ، هل كان ذلك الرجل اللعين يخدعني طوال الوقت ؟! كل ذلك السخط والغضب والسخرية والتجرد اللعين مجرد قناع أحمق سخيف ؟! .. عندما أدخلته جين عادت لترحب بي بخجل، كنت حينها أشاهدها لأول مرة، تعارفنا سريعا ونحن نقف بجانب المدفأة الضخمة، ثم سألتني فجأة بفضول ودهشة “لا تبدو سكرانا ؟!” فقلت لها “أنا لا أشرب” نظرت بحيرة ثم قالت “لقد قال لي الأحمق بأنكما شربتما ثلاث زجاجات كاملة” ابتسمت بارتباك، هل يعقل أن هذا اللعين لم يكن يدرك أنني لا أشرب “يبدو أنه بدأ يخلط بين صورتي وصورته” فهزت رأسها بسأم ولوحت بيدها وهي تتجه لتغلق الباب “لا تأخذه بجدية، إنه لا يملك في لحظات نشوته قدرة على ملاحظة أي شيء يقوم به الآخرون، إنه أشبه بممثل يعيش دوره حتى يصبح غير قادر على التمييز بين الحقيقة والخيال، ويغدو كل شيء لعين بينهما غير موجود بالنسبة له، يجب أن تسدد ضربة على رأسه كي يصحو من خزعبلات كاريكتره”

بعد تلك الليلة بدأت أضع جبريل كوكس تحت المراقبة الدقيقة .. لقد كان ممثلا بالفعل، ممثل بارع، ذلك النوع الذي يتقمص شخصيته إلى درجة الهوس، حتى تصبح غطاء له .. كان يعيش كذبته الكبيرة بالفعل مستمتعا بشخصية الخالق الكامن فيه كما كان يقول، ولكنها تظل كذبة ليس لها وجود، وهو أمر كان يتضح سريعا لمن يتقربون منه .. لقد كان مزيفا بالفعل، ولكنه لم يكن مزيفا رخيصا، كان مزيفا يؤمن بحقيقة ما يقول، غير أنه لا يستطيع الالتزام بما يدعي، ولهذا كان في جزء من أجزائه الخفية رجلا يستحق الرثاء، رجلا يبدو شبيها بأولائك الذين يكرههم، الكتاب والفنانون الذين يعيشون على لذة سماع أصواتهم والتنقيب عن شيء يطمحون إليه .

استمرت لقاءاتنا بعد تلك الليلة حتى أصبحت أسبوعية ثابتة، وبعد عدة أشهر من ذلك الوقت توفي ابنه الأصغر في حادث فظيع .. رأيته في المقبرة فلم يكن هو من رأيت، السحابة الداكنة تستقر فوق هامته، والصمت الأسود يخيم على ملامح وجهه، لا يوجد فيه شيء معبر كعادته، كتلة من صخرة كئيبة تثير الألم .

ذهبت في موعدنا إلى معبد النسيان، لم أكن أتوقع حضوره، ولكنني كنت رجلا يأتمر بأمر العادة .. غير أنني تفاجأت بوجوده هناك، ليس هو على الأقل ولكن ذلك الرجل الذي كان في المقبرة، الرجل الذي تلبس جسده .

جلست أمامه بصمت، أخذ يتطلع في الكأس أمامه بجمود .. شعرت بأن كل كلمة يجب أن تُختار بعناية، غير أن الصمت بدى ثقيلا جدا، فقلت له بحذر “لم أكن أتوقعك اليوم ؟” مزَّ شفتاه وهز رأسه قائلا بصوت هادئ “الأموات وحدهم من يموتون يا صاحبي، انظر إلي: أنا حي، اليوم لازال 24 ساعة، لازلت غير قادر على التحليق أو السقوط في بعد آخر أو مناكحة أودري هيبورن: الحياة لازالت كما هي، فلماذا لا أكون هنا ؟”

كان ذلك الرجل ضعيفا هشا، مشاهدته كانت ضربا من الألم، تذكرت قصة قرأتها عن ذلك الخادم العجوز الذي وقف أمام سيده موسيليني بعد تعليق جثته، غير قادر على استيعاب أن هذا الرجل المعلق هو نفس الرجل الذي كان يطلب منه قبل شهرين أن يملأ كأسه .

كان لازال يطلق تلك التصاريح المتناقضة والأفكار الشاذة، إلا أن صبغة الكآبة الهادئة أضفت عليها بعدا سوداويا فسلبت منه نبرة السخط التي كانت تميز شخصيته، النبرة التي كانت تضعه كـ”رجل متجرد” كما كان يقول، بينما يبدو الآن مجرد “رجل يائس” مسكين، تجرُّده ليس بدافع القناعة والتحرر ولكن بدافع الضعف، اليأس من كل شيء .. في تلك اللحظ، ولمرة واحدة في حياته مذ عرفته: كان رجلا عاديا، لم يكن جبريل كوكس الممثل، الكاذب، لم يكن ذلك المزيف الذي يحارب الزيف .

⁂

أحمد الحقيل

روائي وقاص سعودي. عن الكاتب ←

النشرة

رسالة حين يُنشر نص جديد في المدونة أو يصدر كتاب.

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة