في جنوب المجمعة جبل يُسمى “جبل الموت”، من وصل قمته رمى بنفسه إلى الهاوية.
يقول ناصر، شيخ في الثمانين من عمره، إن فيه جنا يلعبون برأس الآدمي. وينقل فهد، رجل متشكك في الأربعينات، عن دكتور جيولوجيا في جامعة الملك سعود أن في كهوف الجبل روائح سامة تدفعك إلى الجنون والذهان.
“كيف عرف هالدكتور؟”. سأله أحد الواقفين.
“هو عالم”.
“يعني أجرى عليه اختبارات؟”.
“كان ودّه”.
“كيف كان ودّه؟”.
“فجأة تغير، رقاه لحاله بدون ما ينتظر. ومن بكرة لقيناه في السفح، ميت”.
ويحوقل الواقفون برعشة جماعية سرت في أجسادهم. يتحلقون حول ماجد، رجل في منتصف الأربعينات يستعد للصعود إلى قمة الجبل.
وصولا إلى مطلع الشهر، كان ماجد شخصا عاديا في نظر الناس. يعمل إداريا في مدرسة، يستأجر شقة في سطح بيت قديم في حي اليرموك، يشتري الخبز المفرود والصامولي كل ليلة، يطبخ الحمَام مع أصدقائه في الاستراحة كل جمعة. عنده طفلة في الرابعة من عمرها، يحب السيارات القديمة دون أن يقتني واحدة من قبل، يطرح آراء سطحية عن الحياة مكتسبة من مزيج تجربته الضحلة وإدمانه على وسائل التواصل الاجتماعي.
الشيء الوحيد الغريب هو ما بدا عليه من شرود وتفكُّر في الأيام الماضية، في داخله كُنه عميق ينتزعه إلى أماكن بعيدة.
في ليلة السبت الماضي، حلم ماجد برجل مجهول، رغم أنه بدا له مألوفا، يحدق إليه من الحلم، صامتا. أحس بالحلم طويلا، أطول من عمره. أحس بنظرات الرجل مارقة، تخترق روحه، وتقرؤ ما فيها. ولما استيقظ كان شخصا مختلفا. “شفتها في عيونه، كانت عيون مجنون”، يقول صالح، زميله في المدرسة.
لم يطلب الرجلُ المجهول شيئا منه، لكنه عرفه في قرارة نفسه، وكأنه أدخل يده في روحه وترك طلبه فيها.
أخبر زوجته أنه سيصعد جبل الموت، ولم تمض ساعة حتى انتشر الخبر. اجتمعت عائلته وأصدقاؤه، حاولوا بكل الطرق، لكنه كان يجلس صامتا، محدقا إليهم كما كان ذلك الرجل المجهول يحدق إليه من الحلم، إلى حدِّ أنَّ كل من يكلمه تسري رعشة في بدنه، فيتركه. احتجزوه أياما في غرفة فرفض الأكل والشرب. ذهبوا به إلى أفضل الأطباء فلم يجدوا علة فيه. تواصلوا مع الشرطة التي قالت إنها لا تستطيع احتجاز رجل يريد الصعود إلى قمة جبل، جلبوا راقيا تَفَل عليه عدة مرات وأعلن أنه لم يلحظ جنيا في داخله.
ولذا أطلقوه، وخرجوا وراءه، يشيِّعونه ميتا.
راقبوه يصعد، حتى اختفى وراء الصخور. وتفرقوا واحدا تلو الآخر.
وصل ماجد إلى القمة بعد ساعتين. كانت تُطل على سدير بكاملها. يرى المدن تومض في البعد، ويسمع الريح تضرب في الجبل. جلس ينتظر. انتظر طويلا، حتى أحس بشيء ما على يمينه، التفت فرأى الرجل الذي كان في الحلم. قفز مرعوبا، وكاد يهوي من الحافة. لكنه تمالك نفسه، وفكر أن هذا ما أتى به إلى هنا. استغرق عدة لحظات حتى هدأ صدره، وسكنت أنفاسه، وجلس أمام الرجل الذي ابتسم أخيرا.
ابتدأ الرجل بسؤال بسيط: “تذكر ليلة في سن 14، لما سرقت سيارة أبوك، ومشيت بها في طريق شقراء؟”. استرجع ماجد الذكرى في خياله، ولم يذكر منها إلا ضبابا وصورا عشوائية. ما زالت رجفة تتكهرب فجأة في جسده، وعرق يتصبب حارا على جبينه. وتعرَّف أخيرا على الرجل، أربعينيٌّ مُقلقٌ وغريبُ الأطوار كان قد قابله في زواج بسيط في حوش أحد أصدقائه. جلس بجانبه، وتحدثا عدة دقائق حديثا لا يذكره. وأرعبه كيف أنه لم يتذكر الرجل، كيف لم يتذكره؟ كيف لا يتذكر اسمه أو عمَّ تحدثا؟ يحدق إليه، إلى عينيه، فيكاد يرى فيهما أمسه وغده. الريح استقرت، وأضواء المدن خفتت. كل شيء يتجمع في تلك اللحظة، حتى أحس بتلك الليلة تتراءى أمامه، شابا طائشا مندفعا.
“هل عشت الحياة اللي تخيلتها في ذاك اليوم؟”.
وتجلَّت الذكرى واضحة الآن، يراقبها أمامه. نعم بدا ماجد للناس عاديا، بدا لنفسه عاديا، لكنه يرى تلك الليلة بوضوح. أحس في ذلك الطريق المظلم أن الحياة مشرعةٌ أمامه، وأن الفرص لا حد لها، وأنه قوي لن يهزمه شيء. لقد ترك الجامعة في السنة الثانية، توظف إداريا في مدرسة، ادَّخر أموالا زهيدة ثم خسرها في الأسهم، تزوج امرأة اختارتها والدته دون رغبة منه. تطارده هموم طبَّعتها مشاركة الناس حتى صارت عادية. البيت الذي لابد أن يشتريه، الأبناء الذين عليه أن ينجبهم وأن يوفر لهم حياة كريمة، والده المريض الذي تتقاذفه مواعيد المستشفى المتباعدة بأشهر، الأيام التي تمشي رتيبة ومكررة وعصيَّة على التغيير، المصائر المغلقة بلا مهرب.
حياته لم تشبه أيا مما أحسه في تلك الليلة. وإن كانت تشبه حيوات أكثر الناس حوله.
“ودّك ترجع لذيك الليلة؟ واعي بحياتك الحين؟”.
لم يرَ حياته أمامه، لم ير ابنته، لم ير زوجته أو أصدقاءه، لم ير حصيلة ما اكتسبه. رأى نفسه في تلك الليلة في عيني الرجل، وتلبَّسه توق غريزي متفجِّر من مناطق وحشية في نفسه، قبل أن يكون إنسانا، توق كامن في الماورائيات الماحقة لما غيرها.
لا حاجة للتفكير. طُويت الأقلام وجفَّت الصحف.
لما قذف بنفسه من الحافة، خرجت روحه حتى رأى جسده يهبط متدحرجا بين الصخور. ظلت تحوم لحظات فوق الأرض، ولما استقرت كان جسده قد عاد إلى عمر الرابعة عشر.
التفت فلم ير الرجل، انحدر من الجبل فلم يجد جثته، مشى فلاحظ المدينة كما كانت قبل ثلاثين سنة. دخل بيتهم فلقي والده ووالدته كما كانا في الأربعينات. رأى نفسه في المرآة أخيرا، ولم يكد يتعرَّف على وجهه القديم. عاش حياته واعيا بكل ما يحدث، كل الأسهم والعقارات التي سترتفع والمشاريع التي ستنجح والحوادث التي ستطرأ وتبعات القرارات التي ستُتخذ والكوارث التي ستقع. عاش حياته وهو يعرف المستقبل جيدا، يعيش حياة مكتوبة قرأها من قبل. وبقيت في نفسه أمنية تمنى لو أنه أدركها في حينها: لو أنه أخذ صورة لابنته التي أفناها، ليتذكرها.
————–
أطرق ماجد مع نهاية القصة.
في الاستراحة الصغيرة ثلاثة أشخاص، يجلسون بصمت، يمسكون بيالات الشاهي بعد وجبة حاشي دسمة، وتسحبهم خيالات بعيدة.
لو سقطت إبرة فستُسمع.
وأخيرا يضحك إبراهيم، فيتبعه الآخرون. ضحكٌ من الصعب تحديده، يبدو ضحكا مرتبكا يدفع بالاستهزاء فكرةً كئيبة.
“لا وحاط اسم الشخصية ماجد، مثله”، يقول إبراهيم ويبتسم البقية. هذه أول مرة يقابل فيها ماجد، لقد أتى مع صديق مشترك. بدا ثريا لا ينتمي إلى طبقة استراحتهم، لكن سمحا ولطيفا ينتمي إلى سواليفهم. تحدث إبراهيم عن مشاكله ثم ظل يتفاجأ به طوال الجلسة وهو يحدق إليه بغموض. وقد أزعجه ذلك وكاد ينفِّره لولا أنه في حرز استراحته وبين أخوياه.
يجاريهم ماجد في الضحك والابتسام والذبَّات. وتمضي دقائق عدة حتى مسحت السوالفُ أثر القصة. يرفع إبراهيم جواله بعدما خرج الجميع، ويبحث عن “جبل الموت”، فتظهر نتائجُ قصص ومرويات عنه. تسري رعشة في جسده، ثم يضحك طاردا أي فكرة شاطحة ويهمس “الملعون”.
السماء غيمٌ كلها، الأرض مبللة بمطر الساعات الماضية، الألوان داكنة في عتمة النهار الغائم.
يدف إبراهيم عربة التسوق بجانب زوجته في أسواق العثيم، يُنزل الأغراض في بيتهم الشعبي في حي النظيم، يجلس أمام مباراة النصر والفيحاء. تسأله زوجته فيم يفكر، فينتبه، باستغراب، هل يفكر في شيء؟ ليس في عقله فكرة واحدة، ويرد ردا يُسمع متملِّصا لكنه صادق “ولاشيء”، بنبرة تساؤلية استغرابية، كيف أكون شاردا ولا أفكر بشيء؟
لقد نسي القصة تماما، وكأنها لم تحدث.
يقف عند باب بيتهم ليدخّن. يتأمل الناس، وقطر المطر المتدلّي من الحواف، وهمهمة الأصوات المبهمة. ويحس برأسه يطفو في ضباب ثقيل بين أشجار عملاقة. تتراءى له إيحاءات غامضة في مرئيات يومية. يرى لطخة قهوة مهيَّلة على الفرشة، فيرى فيها شروق شمس محدَّد يذكره بوضوح من طفولته. يُمسك كأسا فيسري ألم في ركبته، حيث كان قد سقط على كسرة زجاجة انغرست بين الرضفة والغضروف، في مراهقته. يمشي في شارع مظلم فيُخيَّل إليه أن الأرض ترتفع وتهبط بهداوة، وأنه يمشي في صدر الفتاة التي أحبها في شبابه ورفضت الزواج به. يتأمل الغيوم الملبَّدة في السماء، فيلحظ فيها تشكُّل وجهٍ يشبه وجه والده.
توفي والده في حادث على طريق مكة، فوجد نفسه معيلا لوالدته وإخوته الصغار الذين يشاركونهم البيت الشعبي الصغير. يعمل مراسلا في وزارة البلديات. زوجته حامل بابنهما الثالث. يراجع كل أسبوع خطته المالية التي وضعها فيجد أنه يصرف أكثر مما يجب، وأن نهاية الشهر ستأتي بحساب بنكي فارغ.
يشرد كثيرا في لحظاتِ ذروةٍ وسط اليوم، كُنهٌ عميق في مكنون نفسه ينتزعه إلى أماكن بعيدة. لكن هتافا باسمه أو هزةَ يد توقظه من خيالاته، ولما يسأله أحد ساخرا: “وين رحت؟” لا يبدو السؤال مجازيا بقدر ما يبدو حرفيا، لأنه أحس بنفسه في أماكن أخرى مجهولة وسحيقة بلا معالم، أماكن لا توصَف صورا وإنما إحساسا، كما لو أنها أماكن روح وليست أماكن جسد.
في ليلة ما، حلم إبراهيم برجل مجهول، رغم أنه بدا له مألوفا، يحدق إليه من الحلم، صامتا. أحس بالحلم طويلا، أطول من عمره. أحس بنظرات الرجل مارقة، تخترق روحه، وتقرؤ ما فيها. ولما استيقظ كان شخصا مختلفا.
————–
يجلس إبراهيم في مكتبه الواسع في الدور العاشر من برج تمكين، يحدق ويتفكر. ينهض أخيرا ويخرج. يمر بصفوف موظفي شركته الذين لا يعرف أسماء معظمهم. يركب سيارته ويمسك طريق الملك فهد متجها إلى حي النظيم. لم يبق أحد من أهله هناك، والده لم يمت في حادث على طريق مكة، اشترى لهم بيتا بجانبه في حي حطين. يمشي في سكك حي النظيم حتى يتوقف عند بيت شعبي قديم. يترجَّل، ويتكئ على السيارة، ويحدق إلى البيت في السكة الهاجدة، وهو يدخن.
تمر دقائق عدة، وهو يقف متكئا، دون حراك.
يخرج من البيت رجل وهو يغلق أزرار ثوبه، يمشي إليه حتى يتوقف أمامه: “سلام عليكم”.
يعتدل إبراهيم في وقفته متفاجئا: “وعليكم السلام”.
الرجل يُحدق مستكشفا، بتوتر عدائي محتمل ينطلق من موقف قوة: “واحد من الجيران دق علي، يقول الرجال اللي معه رانج روفر رجع يوقف قدام بيتكم ويراقبه”.
يبتسم إبراهيم بارتباك. يبحث عن كلامه فلا يجده. يبدو متأثرا تأثرا يثير حيرة الرجل ويهدد قوة موقفه. عامود الضوء الوحيد في الشارع يُصدر أزيزا يخترق أذن إبراهيم. كان مسموعا لكنه يسمعه الآن وكأنه داخل ذلك العامود. يسمع أشياء أخرى بالطريقة ذاتها، وكأنه داخلها، قطراتُ ماء على بورسلان مغسلة في أحد المنازل، ضحكات أطفال في آخر الشارع، نبض قلب متسارع، حفيف ثوب، طنين ذبابة، أنفاس امرأة تهرول، رفرفة طائر محلق في سماء بعيدة.
“لو ما معك ذا الموتر قلت ذا ناوي يسرقنا”. ويضحك الرجل بحيرة تطغى على حدَّته.
يتحرك إبراهيم في وقفته، ما زال يبتسم ابتسامة بلهاء غامضة. الأصوات الشبحية تتشابك لتتجمَّع صوتا واحدا. استجمع تركيزه وتلقَّف أقرب فكرة طرأت عليه ثم قال: “أنا ودي أشتري ذا البيت، سكنَّا فيه قبل سنين وودي أشتريه”. صوته رخيم، منوِّم، منتَزع باستنزاف من وسط كل هذه الأصوات المعتملة في رأسه. يصمت لحظة، وقد تركزت كل الأصوات أخيرا ليبقى منها نبض القلب، قلب الرجل أمامه، يسمعه وكأنه داخل صدره، ثم يكمل بنبرة أكثر ثباتا وتأثيرا، وقد بدت له الفكرةُ المرتجلة مُرضية وجميلة: “لي فيه ذكريات أبيها!”.
يقف الرجل وقد أُخذ على حين غرة. زرُّ ثوبه العلوي ما زال مفتوحا، مظهره يوحي بشخص انتُزع من استرخائه. يحس بالعتمة في هذه السكة، بنظرات الرجل المارقة إلى أعماق روحه، بصوته المنوِّم، بغرابته وحيرته التي تبدو مسالمة ومهدِّدة في الوقت ذاته، بالصمت المهيب الذي جثم حولهما وجعل أصواتهما أكثر وضوحا من أي صوت سمعه من قبل. في لحظات مباغتة تبادلا الأدوار، وخسر الرجل موقف قوته. يهز رأسه ويحاول أن يجد التعبير المناسب. “طيب، والمطلوب؟”.
لكن إبراهيم لا يرد. صوت نبض الرجل يتسارع، إلا نأنه الآن يرى، يرى في عينيه حركةً وألوانا وأضواء. عيناه ترتعشان بالصور. يريد أن يقترب أكثر ليرى ما في عينيه، يكاد يلمح مشاهد محدَّدة، صور لحظاتٍ وأطفال وسيارات ومقابر ومنازل وأوجه. ويفهم، أخيرا. يُرجع رأسه إلى الخلف، متفاجئا، يبتسم أمام قلق الرجل المتصاعد ذعرا، ويمسح حيرته بما يستطيعه من تعبيرات مطَمئنة: “طبعا ما تملك البيت والا؟”.
“لا طبعا”، يهمس الرجل بين أسنانه، “أنا عساي أملك هدومي عشان أملك بيت!”. لاحظ التغير الذي طرأ على إبراهيم، وزاده توجُّسا. أراد التراجع، أحس ببيته في الخلف، حرزا آمنا، لكنه فكر أن على الحرز أن يُحمى ليكون حرزا. تلفَّت حوله، لمح كلبا ضالا، وشجَّعه أنَّ في المشهد أحدا غيرهما، حتى لو كان كلبا. تقدم خطوة: “اسمع، أنا مشاكلي واجد”.
“عارف”.
“ولا ناقصني مشكلة واحد برانج روفر يوقف قدام بيتي يترصدني”. يبلع حصاةَ ريقٍ نشبت في حلقه. “أنا أصلا ما يهمني وش تبي، لأني مدري وش أنت. أنا بس يهمني انك ما عاد تجي”.
يضحك إبراهيم، ملامحه تفيض بالطمأنينة المُعدية، ثم يمد يده: “صادق، صادق. العذر والسموحة منك يا …”.
يسلم عليه بتردد. “سعيد”.
يبتسم إبراهيم، يضع يده على كتفه، ويوشك أن يسأله هل سمعت يا سعيد يوما بجبل الموت؟ لكن هامش عينه يسحب نظراته إلى البيت الشعبي القديم، بيتُه، حيث كان ابناه وابنته التي لم يرها في بطن زوجته، ويتجاور الشاخصان في مرمى بصره، يتراوح بينهما، بين التوق المفتون إلى حياة مسيَّرة بلا كَبَد، وبين اللذة الوحشية التي تصاحب حياة مجهولة وخطيرة في ذلك البيت.