إلى رفيقة وودي آلن وهولدن كولفيلد
كوني بخير J
———————
الرصيف 1
في وقت مضى، كنا كبعضنا، سواسية .. نأكل ونشرب ونخرج ونلهو ونقرأ ونكتب، نشبه بعضنا ويشبهنا كثير ممن حولنا .. وفجأة؛ لم نعد نقف على نفس الرصيف، كنت أنظر إليه، يقف على رصيف مقابل مع ثلة لا تشبهني في شيء .. أصيب بورم خبيث في كبده، فلم يعد مثلي، كنت رجلا يوعد بالحياة، وكان رجلا يتوعده الموت .
ظللنا نجتمع على دلة القهوة في مُلحق بيتهم .. أحاول أن أتفهم جميع ما يمر به، كل تلك الأحاديث الثقيلة عن الأدوية والعلاجات والمستشفيات، حاولت أن أسترجع قراءاتي عن كل ما كتب عن الألم والمعاناة، عن الفهم الكامن في كل تلك الاستنتاجات الضخمة التي قرأتها؛ ولكنني لم أكن قادرا على ذلك .. الألم على صفحات الورق لا يشبه الألم الحقيقي في شيء .. كنت أنظر إليه بخجل، وشيء خبيث يهمس في أعماقي: أنا لم أعد أشبهك، أنت رجل يسير إلى الموت، ويريد أن يسحبني معه .
عندما كنا نكتب القصص والشعر، كان كل شيء يبدو شاعريا .. الألم والخسارة والموت والانهيار …إلخ، حالات معقدة تُغري نزوات عقدنا المرفهة، تدغدغ نزعة الانغماس في الذات المسحوقة، وتكتفي بأن توجد في الورق .. إلا أن ألمه لم يكن شاعريا، لم يكن ورقيا، لم يكن مساحة لأن تنغمس في دراسة عمق الأشياء .. ألمه كان معديا، حقيقيا، يثير الكآبة والحزن، لا يغري قلم الفنان وإنما يهاجم روحه، أدركت أن ثمة فرقا كبيرا بين أن تتناول الأشياء كفنان، وبين أن تفعل ذلك كشخص .. ولذا أصبحت أتهرب منه، أنوء بنفسي عن الوقوف فوق رصيفه المظلم .. كان يبحث عني كثيرا، يفضلني على الجدران الخرساء التي تبارزه الصمت في المستشفيات، وحينما أجتمع معه أخيرا ينظر إليَّ بطريقة تجتمع فيها أشكال مختلفة من المشاعر المتناقضة، ينظر إلي نظرةَ من يحاول أن يفهم ما الذي حدث بالضبط، كيف أصبحنا على رصيفين مختلفين بعد أن كنا نقف على رصيف واحد، ولماذا .
كان قبل مرضه يتعاطف كثيرا مع والدي، يشعر تجاهه بألم يصل إلى حد الشفقة .. كان والدي رجلا متهالكا صاحَب المرض حتى صاحبه، وأصبح جزء من شخصيته، أمضى جُلَّ حياته يركض وراء الأطباء والأدوية والمراجعات، بين جدران المستشفيات الكئيبة، أفكاره وأحلامه وطموحاته تتركز في هدف واحد فقط: الهرب من الموت .. أمي وأنا وإخوتي كنا نبدو كإكسسوارات لا قيمة لها .. كنا ننظر إلى حياته المهدرة بشفقة، ونتساءل بحيرة عن مغزى الحياة في كل هذا الألم .
كان يسألني عنه كثيرا أثناء مرضه، يضحك بسخرية ثم يقول مؤشرا بإبهامه “لقد تطلب الأمر مرضا مميتا كي أفهم والدك .. لا توجد غاية في الحياة أكرم ولا أكثر منطقية من غاية الهرب من الموت .. هل تسمعني، لا يوجد”
أمضى عامين في المستشفيات، بين الأجهزة والأدوية والروائح المعقمة وطنين الأجهزة الكئيبة، يستأصل ورمه فينبت مرة أخرى، متشبثا بأمل مريض، يرفض الاستسلام لافتراضات النهاية الحتمية .. ثم مات، كما كان متوقعا، وبعد كل تلك المعاناة، وبكل ما تفرضه الحقيقة من بساطة .
في يوم عزائه جلست في طرف من المجلس، أراقب الأوجه الكالحة بخمول .. تخيلته يدخل فجأة من باب البيت في كفنه، يتطلع له الآخرون بجزع إذ يسير بثبات وهو يرفع يده مسلِّما، يجلس على الكنبة وهو يضع رجلا على رجل، ثم يخبرنا بصوته الجهوري المستفز، يخترق البُرد اليماني الذي يغطي وجهه بأننا نخدع الموت بالنجاة كل يوم، حينما لا نموت بسكتة قلبية أو حينما نتجنب الاصطدام بشاحنة مسرعة أو حينما لا ننزلق في سلم البيت أو حينما لا نصاب بوباء هالك، ولكن الموت يملك آلافا من الفرص لينتقم، وحينما يفعل ذلك لا ننال فرصة أخرى كما ينال .. إنها معركة غير عادلة .
الرصيف 2
– بالنسبة لي، فأنا لا أنظر للأمور بهذه الطريقة .. لقد سمعت عن رجل أنقذ عشرين فتى من مبنى محترق، عشرون شخصا، عشرون حياة .. حينما تقول “حياة” في هذا العصر فأنت لا تعي جيدا قيمتها، لأن العالم يفوق ستة مليارات حياة، العالم الذي يمطرنا بأخبار قتلى وضحايا تفوق ألف حياة في اليوم الواحد، فما هي قيمة الحياة حقيقة ؟ .. ولكن حينما تتخيلها فرديا، حينما تنظرين إلى سعيد هذا الذي يقف خلف طاولة الاستقبال، فحياته هي كل شيء، هي أثمن ما يملك، هو وأنا وأنتِ، جميعنا، بكل ذكرياتنا وأحلامنا ورغباتنا وخططنا نمثل رصيدا ضخما من الحياة، لسنا مجرد رقم في عدادة هائلة .. هذا الرجل، أنقذ عشرين حياة بهذه الطريقة، عشرون نسخة منا، كل ما سيفعله هؤلاء، كل الأشياء والانجازات والخيبات، كل الأجيال التي ستخرج من صلبهم، جميعها، تعود إلى هذا الرجل .. ولهذا أنا لا أنظر للأمور بهذه الطريقة، فالفنان يخلق وهما يعيش لسنوات طويلة ويوجد وعيا يؤثر في الكثيرين، ولكن هذا الرجل خلق شيئا حقيقيا، شيء لا يوجد في الورق والجامعات وسراديب الوعي، هذا الرجل أعظم قيمة من أي فنان .. المشكلة أننا لم تعد نتصل جيدا بالحقائق من حولنا، أصبحنا نعتمد كثيرا على المؤثرات، الموسيقى والحبكة والكاركترات والأفكار الكبيرة التي توجد في الأفلام والروايات، تخلق جوا يُمكِّننا من التأثر بنفس الحقائق التي لا نستطيع أن نتأثر بها على الطبيعة، حتى في الحياة كل شيء أصبح يعتمد على الوهم، حينما تريد تسويق خطر معين يجب أن تقدمه وفق آلية معينة، حينما تريد أن توصل رسالة للناس يجب أن تصوغها بطريقة تلامس منطقة التأثير، بل أنك حينما تريد أن تعترف لفتاة بحبك يجب أن تستخدم عباراة معبرة ترسخ في الذاكرة .. الحقيقة الجافة الصريحة لم تعد شيئا كافيا، ولذا أصبح إنسان هذا العصر في حد ذاته فنانا، يخلق كثيرا من الوهم والأجواء والخيالات ليُضفي قيمة مؤثرة ونابضة على الحقيقة .
ابتسمت بمكر ثم قالت:
– هل تظن بأنني سأقبل رأيك حول الفنانين ؟! أنت تكن حقدا دفينا علينا .
دفع الحساب وهو ينظر نحوها بسخرية:
– فيلم واحد وأصبحت تتكلمين باسم الفنانين ؟!
فابتسمت ممسكة بذراعه وهما يخرجان من دار السينما نحو الشارع:
– هل نسيت ؟ أنا هدية السماء لكل ما هو منحط في هذا العصر، لقد كانت هذه كلمات منظر عظيم .
فهز رأسه باستسلام وهو يشعل سيجارته:
– المشكلة أنني لا أستطيع مجادلة نفسي .. فأنا منظر عظيم .
انتزعت السيجارة من يده وأخذت نفسا طويلا:
– هل تعلم بأن لديك كل النرجسية لتصبح فنانا .. أنا لا أعلم لماذا لم تصبح فنانا .
استرجع سيجارته بحدة مصطنعة:
– لماذا تقلعين عن التدخين إذا كنت ستصادرين سجائر الآخرين ؟!
– أخبرني، لماذا لم تصبح فنانا ؟! هل لأنك تكرههم أم أنك تكرههم لأنك لم تصبح مثلهم ؟!
ألقى بنظرة حادة على ابتسامتها المستفزة:
– لقد أحببتك أكثر حينما كنت طالبة تهاب محادثتي .. ما الذي حدث لتلك الفتاة، أين ذهبت بالضبط ؟!
– لقد ابتلعتها عبقرية الهدية السماوية لكل ما هو منحط .
هز رأسه مبتسما بندم:
– لقد خلقت وحشا .
– هيا أخبرني .. لماذا ؟!
– لماذا ماذا ؟!
– لماذا لم تحاول أن تصبح فنانا ؟!
– ومن قال ذلك ؟! .. لقد أمضيت شبابي وأنا أحاول أن أصبح فنانا .
– ما الذي حدث ؟!
– لم أصبح فنانا .
– لماذا ؟!
– كيف لماذا ؟! كل شيء يجب أن يكون له سبب ؟! لم أصبح فنانا لأنني لست فنانا، حاولت ولكنني فشلت فشلا ذريعا .. هكذا وباختصار .
صمتت ترتب أفكارها وهي تنظر إليه، احمرار خديه ينبئ عن سخط لا سخرية فيه .. فقالت بهدوء:
– لا أحد يعرف ذلك عنك ؟!
– لأنه لا يوجد أحد شاهد ما قمت بتصويره .. لقد عرض في مسرح واحد، ذهبت إلى هناك فكان خاليا عدى رجلين يجلسان بجانب بعضهما .. هل تصدقين أن أحدهما فقأ عيناه من هول ما رأى .
– صحيح .. والآخر استفرغ ما في جوفه حتى خرجت أحشاؤه من فمه .
– أها .. إذن كنت هناك ؟!
توقفا عند كشك صغير يبيع الدونات والقهوة، كانا يمران من عنده في كل مرة يخرجان فيها من دار السينما .. أخذت قهوة واكتفى بإشعال سيجارة جديدة، فعادت لتقول بإلحاح:
– أريد أن أشاهد الفيلم ؟
– أي فيلم ؟
– فيلمك .
– هل جننت .. ألم تسمعي عن الرجلين اللذين شاهداه .. لا يمكن أن أفعل ذلك بك، أنت هدية سماوية .
ضربته بخفة على كتفه ثم قالت:
– دع عنك هذا .. أريد أن أشاهده .
– لقد أحرقته منذ سنوات .
نظرت إليه بمكر:
– كذاب .
– نعم صحيح، لقد كشفتني، الفيلم لازال يعرض سنويا في المسارح، كمية هذا الجمال تفوق قدرة الناس على إفلاته .
صمتت قليلا ثم قالت:
– هل تريد أن تخبرني بأنك لم تخرج سوى فيلم واحد فقط ؟!
– ولماذا أخرج غيره ؟!
– إذن أنت لم ترد أن تصبح فنانا بصدق، لقد كانت مجرد نزوة ؟!
– لقد أردت ذلك، ولكن المسألة ليست في ما أريد وما لا أريد .. المسألة تتعلق بما أستطيع أن أفعله وما لا أستطيع فعله .
– وهل أنت مقتنع بحقيقة ذلك وأنت لم تخرج سوى عمل واحد فقط ؟!
توقف عن السير والتفت نحوها بسأم حاد:
– هل تذكرين قصة الرجل الذي أنقذ عشرين شخصا، وكيف أنه أعظم قيمة من أي فنان … إلخ، حينما كنت في الثالثة والعشرين من عمري أنقذت رجلا من الموت، أنا، فعلت ذلك .. شعرت بشيء جميل، بشعور صاف من الامتنان، صحيح، ولكنني لم أشعر بأن ذلك كان كافيا، الحقيقة لا تعني بالضرورة أن نؤمن بها، أن تعلم بأن إنقاذ حياة إنسان أهم قيمة من أي إنجاز لا يعني أن تؤمن بذلك، أنت لا تصلي لأنك تشاهد الله عيانا ولكن لأنك تؤمن بأنه موجود في مكان ما .. الإيمان هو ما يميز الإنسان، وليس الحقيقة، والإيمان لا يشترط وجود الحقيقة كما أن الحقيقة لا تفرض حدوث الإيمان .. هل أنا مقتنع بأنني لن أستطيع أن أكون فنانا ؟! منذ مدة طويلة أدركت ذلك، منذ أن بدأت تقريبا، لم أكن في حاجة للقيام بفيلمي أصلا لإثبات ذلك فضلا عن القيام بآخر، الفرق أنني كنت أؤمن بأنني أستطيع، ثم لم أعد أؤمن بذلك، هكذا وبكل بساطة، لا شأن للحقيقة بما حدث فالحقيقة كانت واضحة من البداية: أنا لا أستطيع أن أكون فنانا .. نحن لا نفعل أي شيء بدافع الحقيقة، نفعل بدافع الإيمان، الإيمان اللاواعي بذاته، الإيمان الذي يطارد الوهم أحيانا دون جدوى بكل اندفاعه وانعدام منطقيته .
صمتت بحذر وهي تسير بجانبه، تسترق النظر إليه خلسة بانسيابية، شعرت بشيء يشبه شعور الشفقة، كافحته حتى وأدته، لم يكن مقبولا لديها أن تنظر إلى معلمها بهذه الطريقة .. وقفا عند باب شقتها، قـبَّلها وهو يخبرها باجتماع مهم يجب أن يحضره في الصباح الباكر، ذهب إلى شقته وهو يحاول أن يحلل سبب كذبه المفاجئ، ولماذا لم يرغب بالدخول هذه الليلة .. ودخلت هي إلى شقتها وهي تفكر في السبب الذي جعلها لا تجبره على الجلوس كما تفعل دائما رغم يقينها بكذبه .
حاول النوم والقراءة ومشاهدة التلفاز على مدى ثلاث ساعات متواصلة، ولكنه لم يستطع .. كان يكافح رغبة لا يريد الخضوع لها، يحاول وأدها فتثب من جديد حتى انكسر أمامها، فأخرج بَـكْرة فيلمه الوحيد، مسح طبقات الغبار المتكدسة عليها، وضعها في جهاز البروجيكتر بعد أن أغلق الضوء، ثم رمى نفسه بخمول فوق كرسيه، أمام بقعة الضوء العريضة، منغمسا في الصور المتلاحقة التي تمر بخمول .. أخذ يشاهد دون وعي بحقيقة ما يشاهد، يفكر في كثير من الأشياء التي كان يظن بأنها دفنت إلى الأبد، يشعر بثقل لم يشعر به منذ زمن بعيد .
الرصيف 3
“الشعراء يفسدون الحب .. يصفونه بكل ما يتدثر برداء الخيال وينسلخ من صبغته الواقعية، الحب يتحول معهم إلى أقصوصة أسطورية .. الشعر غير حقيقي، إنه غذاء الخيال، وليس له في الواقع سوى مجرد انعكاس ظل الأصل .
لا يوجد شيء أكثر بلاهة من العشاق .. جميعهم يزعم أن ابتسامته انجرفت فَرِحَـةً كزورقٍ في نهر حبـك فاصطدمت متحطمَّة بصخور قسوتك .. وأن إشراقة وجهه كالقمر الذي يقتبس ضوءه من الشمس، أنت، وعندما كسفت هذه الشمس إلى الأبد، غار القمر في ظلامه .. وأن بهاء روحه انغمس في هالة روحك البراقة التي ما لبثت أن تلاشت، فتلاشى معها البهاء وبقيت الروح، كليلة حزينة قاتمة .. ويظلُّ يُعـدِّد في محراب الاعتراف بحبك كثيرا من الهراء، وآلافا من التفاصيل السخيفة”
توقف فجأة عن الكتابة، أخذ يتطلع بخمول في الجدار .. “ما الذي أفعله بحق الله؟” .. أخذ ينظر إلى صورته المنعكسة في خياله بتقزز، قام من كرسيه وخرج هاربا من البيت .
كان يعترف لها بأن ما يعانيه تجاهها مجرد هوس مرضي، وكانت تشجعه على ذلك .. تخبره بأن ما حدث بينهما كان مجرد متعة خالصة، اقتنصتها من زحمة زوجها وأولادها، واقتنصها هو من لعنة الحرمان، لا يوجد عمق في المسألة أبعد من ذلك .
قبل سنتين كان يراقبها حينما تخرج من بيتها .. لقد أوقظت الرجولة في كل فتيان الحي، حتى أصبحت رفيقا لهم في الليالي الموحشة .. في كل مرة تخرج بطريقة مختلفة وشكل مختلف، تتلذذ بالنظرات الصاخبة الموجهة نحوها، تتفنن في طريقة تقديمها لنفسها كـ”أنثى” .. لم تكن مجرد فتاة، كانت امرأة، امرأة نضجت كفاكهة محرمة .
أخذ يسير في الحارة متجها إلى المطعم في آخر الزاوية، إلا أن قدمه كانت تحيد به إلى بيتها المجاور، وقف أمامه، الأنوار مطفأة، ولا أثر لأحد، كان قد راقبهم من نافذته وهم يخرجون قبل عدة دقائق، ولذا تقدم نحو الباب بجرأة مترصدة وضعف أحمق .. كان يعرف كل شبر في ذلك البيت، فتح الباب بالمفتاح الاحتياطي المخبئ تحت اللوح الخشبي، وقف في الصالة المظلمة لثواني، يتطلع في ألعاب أولادها الملقاة بعشوائية، صعد إلى غرفتها، أدار الضوء بعد أن أغلق الستائر .. جاكيتة زوجها ملقاة على كرسي الشوفنيرة، وقميصها الليلكي يستريح على السرير، رفعه واستنشق رائحتها المطبوعة في أنفه ثم أعاده .. وقف بهدوء، وكأنه يتحسس اللحظات القديمة التي جمعته بها هنا .. ألقى بنفسه بهدوء متعَب فوق السرير، يتطلع في ضوء اللمبة الصفراء باستسلام كئيب .
لازال يذكر كل تلك التفاصيل التي قادته إلى هنا قبل عام، ولكنه لا يفكر بها كثيرا .. كان في الـ16 من عمره، أمضى شطرا من طفولته ينظر إليها على أنها مجرد امرأة، جارتهم، صاحبة والدته .. ومنذ أن بدأ ينظر إليها بشكل مختلف حتى أصبحت هي تنظر إليه أيضا بشكل مختلف .
كانت تخبره عن طفولته، وكان يكره ذلك .. يكره أي شيء يشير إلى وجود عدم تكافئ في علاقتهما، كان ينظر إلى زوجها نظرة الند للند، وينظر إليها نظرة الرجل لامرأته .
ظل مستلقيا فوق السرير، يتطلع بخمول في ضوء اللمبة الخافت، يغرق في ضباب اصفراره .. فكر بأن الحزن ليس دراميا في كثير من الأحيان كما يشاهد في الأفلام، يمر كأثر مشاهدة صورة قديمة لمشهد مفقود .
اعتدل في جلسته، أدرك أنه ارتطم في أعمق القاع، تلك اللحظات المتكررة التي يشعر فيها بتقززه من نفسه، ولكنها لحظات تعكر صفو الشعور ولا تكبح جماح السلوك، ولذا كانت مؤلمة دون جدوى .. خرج من البيت، مضى يسير في الشارع المؤدي إلى المطعم في الزاوية .
عندما قطعت علاقتها به هددها بأنه سيفضحها، سيفضح نفسه، سيشعل النار في الحي بأكمله .. ولكنه لم يكن شجاعا بما فيه الكفاية، كان يقول بأنه يتجنب تشويه سمعة عائلته، ولكنه في الحقيقة كان خائفا من أنه سيقطع بذلك أي خيط أمل بأن يعودا إلى بعضهما .. كان يكره الاعتراف بذلك، كان يكره الاعتراف بأشياء كثيرة مهينة، حتى بدأ يقتنع بأن هذه العلاقة تطفح بمشاعر التقزز، بمشاعر الانكسار التي لا تناسب شخصيته .
عندما يخرج مع أصحابه يتجه كل واحد منهم إلى محاولة اقتناص فتاة جميلة، أما هو فكان ينظر إليهن بطريقة مختلفة، لم يعد يملك رغبة في فتاة مراهقة لا تعلم شيئا عن الحب والجنس، لا تعلم شيئا عن الأنوثة والرجولة، لقد تذوق أشياء لم يعد يستطيع أن ينحدر إلى أقل منها .. ولذا أصبح يربط نسيانه لها بأن يكبر في عمره، بأن يصبح قادرا على الانخراط مع امرأة مثلها دون قيود، امرأة تمسح ذكراها .
ولذا كان لا يكاد يتذكرها حينما يذهب إلى السينما، المكان الوحيد الذي يبدو الغرق فيه خيارا متاحا .. كان يعشق أفلام جودار، حينما يشاهد آنا كارينا وجين سيبرغ، وأفلام جوزيف سترينبرغ مع مارلين ديتريتش، وأفلام إنجمار بيرجمان مع ليف أولمان، وأفلام بونويل مع كاثرين دينيوف .. كل تلك الأوجه الخلابة التي تخلق الألق النهم، كان يشاهد بشغف يضج بالغيرة، يفكر بأن بعض الجمال المتطرف يثير الحزن، أن ترى ما يفضح بأن العالم حولك قبيح ونجس، وأن الفن انعكاس مهدد بالتلاشي مع نهاية كل فيلم .
دخل المطعم أخيرا، وقف يبحث عن طاولة شاغرة وقد أخرج هاتفه ليدعو أحد أصدقائه، سار خطوتان فشاهدها تجلس مع زوجها وأحد أبنائها في زاوية بعيدة .. أخذ يتطلع نحوها بجمود مفاجئ، اتجه بانقياد نحو طاولة تختبئ خلف سارية قريبة، وأخذ يتطلع حوله بريبة .. كانت تلعب مع ابنها وتأكل وتضحك، يبدو عالمها كالطفل الضاحك أمام بشاعة الحياة بجهل مريح، تلك المرأة التي فتكت بعالمه واحتفظت بعالمها، شعر بأنه يكرهها ويحبها في نفس الوقت، وبنفس القدر من الشغف .. يجلس زوجها ببرود أحمق، بدا له كرجل لا يحمل امتنانا لما حظي به .
أخذ يتطلع فيها بجمود، يحاول أن يقرأ في وجهها سبب حبه، ذلك الهوس المرضي الثقيل، يترقب لحظةً حاسمة تلتفت فيها نحوه، تتطلع فيه بذهول عينيها الناعستين، ولكنها لم تفعل ذلك، ظلَّت تستطرد الوقت في عالمها، ولذا عقد رهانا مع نفسه “إن لم تلتفت نحوي خلال 3 دقائق فلن تلتفت نحوي أبدا”
جلس ينتظر، يراقب، يتوقع، مرت الدقائق الثلاثة في تمددها لتنحسر عن خسارته المحتملة، فمدّدها إلى ثلاثة أخرى، أتبعها بخمسة ثم عشرة جديدة، حتى مرت ساعة كاملة .. قامت وهي تحمل ابنها واتجهت مع زوجها نحو الباب، ثم اختفت، دون أن تلتفت .