منذ أن توفي مسعود بن ربيع في عرسه والموت لا يفتأ يهاجم القرية، يزحف كفلول الحرب، يشعر به الناس ظلا ثقيلا فينظرون إلى بعضهم نظرة المودع، يتذكرون ويسمرون ويندحرون كالخوف في ظلام الليل .. تفترُّ من حولهم أحاديث العهود القديمة حول وباء الموت، حول قصص القرى الغابرة في عمق الصحراء الشاسعة، فيزدادون اندحارا في بوتقة رعبهم .. فوباء الموت كما يقال هنا غد أحمر لا يُبقي ولا يذر .
توفي خالد بن رجب بعد أن سقط من سلم بيته، فاحتشد الناس في المقبرة، ينظرون شزرا إلى بعضهم ويلوذون بالصمت مخافة استفزاز القدر ..
مرَّ اليوم بطيئا يجترُّ كالاحتضار، يزحف بأذياله فيسحب أغبرة التصنع .. بدى الجميع كأحجار متجمدة، يتطلعون تطلع المشبوه ويتحركون تحرك المغدور به .
أطلق صالح بن هشام نظرة حائرة في السماء، تبدو كروح تُـنتزع، يفترش لحافا رقيقا بسطه في سطح بيته، وحيدا يفكر في قتامة الليل الثقيلة .. كان يكره الليل، ولم يصعد هنا منذ سنوات طويلة .. أتاه الموت في حلمه قبل يومين، وخيَّره أن يختار بين نفسه أو أحد أبنائه، فأفاق والدنيا سواد قاتم وليل سرمدي .. حدَّق في أبنائه على طاولة الإفطار، يأكلون ويتسامرون كمن لا غد له .. أحس بكل ما كان مستعصيا على الشعور، القسمات الخفية التي تتسرب في الروح كعبق العطر .. ردد في نفسه وهو لا زال ينغمس في ظلمة الليل البغيض: الموت قدر، ولا ردَّ لقدر .
احتشد الناس في جنازته، بعد يومين فقط من جنازة بن رجب .. الشمس الملتهبة تضرب هامات الرؤوس، الأفواه المتيبسة والأعين الذاهلة والأجنَّة المرتعشة .. الموت هنا لا محالة .
تذكروا حديث صولعة المجنون، حينما أخذ يلفُّ القرية صارخا بأنه شاهد الموت يلتفُّ عليها في هيئة لا يستطيع جنانه أن يصفها .. همسوا بندم على أنفسهم: طوبى للمجانين .
وقف عثمان الركابي عند باب بيته، عائدا من جنازة بن هشام .. أدرك أن الجميع سيقبل نحوه بعد لحظات، سيتطلعون إليه تطلع اليائس ويترقبون ترقب المتأمل .. شعر لأول مرة في حياته بالندم على مكانته كشيخ للقرية، وفكر في نفسه والقلق ينهش أطرافه: كيف لرجل خَـبَر الحياة أن يصارع صانعها ؟! .. إنها قضية خاسرة ..
جلس الجميع أمامه .. تطلعوا فيه تطلع اليائس وترقبوه ترقب المتأمل، نهض بصعوبة من كرسيه واتجه متمايلا نحو النافذة، حدق في الشمس الراكنة إلى الغروب، فتذكر أحاديث القرى التي غدر بها الموت، واسترجع الخرافات التي تتحدث عن وبائه إذ يتسرب في المكان ليقضي على كل ذي نَفَس .. داهمه حديث والده حينما أخبره بلهجة جازمة بأنه لا يوجد شيء غير الموت والحياة، الأول شر يتمخض عن كل الشرور، والآخر خير صرف يلد الرحمة والأمل .. التفت نحو الجموع المتلهفة والعجز ينتفض في وجهه، ثم قال بلهجة جازمة تطفح باليأس: سننتظر ما تحمله الأيام .. لا أحد يستطيع مباغتة القدر .
مر الغد كالبرزخ يرزح تحت كمد القلق، والناس تقف على حافة حياتها كالمودع .. توفيت عائلة خليل المرتضى، سبعة أشخاص لفظوا أنفاسهم الفتيَّة تحت سقف بيتهم المنهار .. احتشدت القرية رجالا ونساء في جنازتهم، يتلقفون عدوى اليأس، يشتركون في فكرة تربض في أوكار هواجسهم: لا يوجد شيء أبشع من الموت سوى انتظاره .
عاد عثمان الركابي إلى بيته منهكا، يحمل جبلا فوق كاهله، نظر إلى السماء بحثا عن جواب، أي شيء يستطيع من خلاله أن ينقذ قريته، ولكن لم يكن في السماء غير شمس تغزو الأفق .. ألقى بنفسه فوق سريره وانغمس في نوم جارف، وبعد لحظات أفاق والعرق يتصبب من جبينه، والشرر يتطاير من عينيه .. لقد أجابت السماء !
ظل لأيام يرتجف في ذات نفسه، يتوارى كالظل عن الآخرين، يحاول حماية سر لا يمكن حمايته .. وعندما توفي خالد بن ربيع مع اثنين من أبنائه؛ أدرك أنه لا يستطيع مصارعة القدر .. حشد أعيان القرية في بيته، واستدعى أبناءه السبعة .
حدَّق في الجموع خلف حاجبيه الكثيفين، ثم أطلق نظرة حائرة نحو ابنه الأصغر مروان ذو السابعة عشر .. لم يكن هنالك وقت لرفاهية العاطفة، صرخ في نفسه بكل قوته: تمالك نفسك أيها الرجل العجوز .
أخبرهم بأن الموت أتاه في حلمه، وأمره ن يختار بين أهل قريته وبين ابنه الأصغر .. وريثما نطق بكلماته أطلق صمته في الأثير المحتقن، وترك الأعين تنفجر في أحداقها مطأطئا رأسه، ثم قال بحزم يُشوِّهه شعور عميق بالذنب والعاطفة: لقد اخترت ابني !
فكَّر مروان وهو يفترش سريره بعد ساعات من الاجتماع بأن القدر قد اختاره، فلا مآل ينتظره في غير ما اختاره القدر له .. لم يحادثه والده المندحر في خجل عجزه، واكتفى إخوتُه بالتحديق فيه حزنا ووجعا، واندفعت والدته تنثر الدموع وتجهش بالألم .
فكر في الهرب .. ولكنه لم يشعر برغبة في ذلك، فإلى أي دنيا سيهرب ؟ وهل يستطيع الإنسان أن يهرب من قدره ؟
شعر بالحزن والخوف واليأس .. ولكنه أيضا أحس إحساسا عميقا ببطولة موقفه، تتجسد في النظرات المبجِّلة المعظِّمة من حوله .. سيُخلَّد ذكره، ويُمجَّد اسمه، وربما يصبح مثلا من الأمثال الخالدة .
أقبل والده إليه في ظلمة الليل، جلس بجانبه وتطلع فيه بخجل، شعر بأن الحياة علمته كثيرا من الأشياء، ولم تعلمه كيف يضحي بفلذة كبده دون شعور بالندم .. حدق في عينيه وشدَّ على ساعده، ثم همس متجلدا يتكلف الصبر: لا أحد يختار قدره .. أنا لم أخترك يا بني، لقد اختارك الموت .
أقبل أهل القرية إلى توديعه، وأصروا على تزويجه سبع زوجات قبل لقائه بالموت .. فاختار من بين بنات القرية ما طابت له نفسه، ودخل بهن يوما بعد يوم، وافتخر كل أب لزوجاته بأن ابنته ستحمل ابنا لمروان الركابي .
وعندما أزفت اللحظة؛ خرج عند مشارف القرية، الفجر ينبعث في الفضاء كربيع الذكريات، وفلول الأمس تبدو كوهم تسرب في النسيان .. وقف الجميع رجالا ونساء وأطفالا مودعين، يحدون بالأناشيد، يهتفون باسمه، يبكون شبابه ويخلدون بطولته .. احتضن والدته حتى خرَّت مغشيا عليها، وقبَّل رأس والده، وعانق إخوانه، وصافح أصدقاءه .. ثم مضى يصعد مبتعدا، يغرس قدمه في الرمل والأصوات من خلفه تطرد خوفه إلى المدى البعيد .
قطع مسافة لم يشعر بها .. كانت الأفكار تموج في عقله، تدفعه إلى الجنون .. فكَّر في مصيره، وتذكر سؤاله لوالده حينما كان طفلا: هل يوجد إله في السماء ؟ .. فأجابه بثقة الحكماء: يوجد حياة وموت، ولا شيء غيرهما .. صمت قليلا ثم عاد ليسأل: ولكن من أنقذ جدي حينما احترقت المزرعة ؟ .. فرد الوالد باسما: لم ينقذه شيء .. لقد اختارته الحياة كما اختار الموت جدتك في ذات الحادثة .
وصل إلى المكان المحدد، فوقف يتطلع من حوله .. الصحراء تبدو كخيالات طفل لا حدود لها، شمس الغروب تستقرُّ في آخرها فتبدو كرمَّانة تشبك الأرض بالسماء .
توسد الأرض، وجلس ينتظر الموت، يترصده وجنانه يكاد ينضج في صدره .. مرَّت الساعات بطيئة حتى أظلمت العين، ولم يأتي شيء إلى هنا .
انقضى اليوم الأول فداخله الشك في صحَّة المكان .. أخذ يدور على امتداد نطاقه دون جدوى .
وحينما تصرَّم اليوم الثالث أدرك أن ثمَّة شيء خاطئ، فعزم على العودة إلى القرية، وخالطته المخاوف مما سيقوله الناس، من خيبة الأمل والتفسيرات المحتملة المتعجلة، فوضع أكثر من صيغة لاجتثاث شكوكهم وإخبارهم بالحقيقة كما هي: الموت لم يحضر .
امتدَّت به المسافة أطول من المدة المفترضة، فظنَّ أنه حاد عن طريق القرية .. أخذ يدور في محيطها حتى أعياه التعب، ولم يتمكن من إيجادها، فافترش الرمل وأطلق بصره في الفضاء منهكا .
لاحظ صخورا غريبة تبرز من تحت الرمال، اقترب منها فإذا هي أحجار بيوت طمرها التراب .. تطلع حوله بذهول، مضى يحفر في الرمل، يكتشف قنان بيوت قريته واحدا بعد الآخر، مطمورة تحت أطنان من التراب .
أخذ يقلب بصره بجنون، يتطلع في امتدادات الفضاء الفارغ من حوله .. صرخ بصوت جلجل صداهُ أركان السماء: أين أنت ؟! أين أنت أيها الموت اللعين ؟!
ثم عاد ليحفر بجنون حتى أسقطه التعب، وانهار في إغماءة طويلة .
بدأ الوعي يتسرب خافتا إليه، فأدرك كثيرا من الأشياء المتناقضة، ربما كان حلم والده رسولا من الحياة التي اختارته ليظفر بالنجاة، وربما غدَر الموت بهم كعادته إذ يتلاعب بأقدار الآخرين، وربما ما حدث لا يوجد له سبب، مجرد حظ لعين .. فكَّر في احتمالات كثيرة دون وعي واضح بما حدث، ورسم صورا عابثة دون قدرة على الفهم .
تطلع في الفضاء الشاسع من حوله، لم يكن يعلم ما الذي يجب عليه أن يفعل، هل يرحل إلى أبعد مدى يمكن الوصول إليه ؟ هل ينذر حياته للأسى والكمد ؟ هل يستمر في الحفر عن أمس مضى وانقضى، عن جثث أهله وأقاربه وأصدقائه ؟
كل ما كان يعلمه هو أن الموت لم يختره بعد .