سطوة الوعي

 

1

الذاكرة تشبه الكاميرا .. إلى حدٍّ بعيد .

تلتقط الصورة في لحظة ممتدَّة في عمق الزمن، حيث يبدو كل شيء مثاليا، ثم تفقد القدرة على تكرارها مرة أخرى، فكل شيء قد تغير .

الصورة سرمدية الذكرى .. ولكن اللحظة قد ذهبت إلى الأبد .

 

 

2

فقدت والدتي وأخي في حادث سيارة، الزيارة الأولى للموت .. اضمحلَّ أبي ببطئ، أخذ المرض ينهش جسده وروحه، حتى بقي طيفا تكسوه الذكرى، ثم مات .

الطفولة بلا وعي، ولذا تبدو سحرا خالصا حينما نتكدس في عفن الإدراك .. لقد كانت ربيعا أتبعه فصل شتاء لم ينقشع .

أحببت والدتي حبا عظيما، لا يضاهيه حب .. أن تكون قبيحا منبوذا ثقيل الظل، فلن تجد غير والدتك ملجأ للذات المسحوقة .

حلمت بوفاتها حينما كنت في العاشرة، فأفقت من نومي مذعورا، ذلك النوع من الذعر الذي يبطش بالقلب .. ذهبت إلى غرفتها، أردت الارتماء على صدرها والبكاء، ولكنني كنت رجلا في نظري يأبى الخضوع للألم، ربما لأنه لا يدرك بعدُ ما هو الألم .. فتحت الباب بهدوء، اقتربت منها، أخذت أترقب ارتفاع صدرها وانخفاضه لأتأكد من تنفسها، ثم خرجت .. جلست لحظات على حافة سريري، ثم عدت إليها لأتأكد من جديد، مبعثرا صفحة الليل في مراقبة أنفاسها، مترصدا للموت الذي يخطط لخطفها، أطلق البكاء رثاء على وعي يغتال بساطة الأشياء، وعي تفتق فجأة فبدأ ينظر إلى الأشياء بشكل مختلف .. لقد كانت لحظة مفصلية .

وطوال أربع سنوات لاحقة؛ ظللت أترقب تلك اللحظة، حينما تتجسد الكوابيس، وتسير أطياف الشؤم بخبر موتها .

 

 

3

إنني على خصام مع القدر ..

لقد خُلقت بكل أدوات الألم المحتملة، الدمامة والخمول والاكتئاب والوحدة والقلق الفكري والبغض الموحد من البشر كافة .

كانت جدتي تهمس لوالدتي بشكوكها عني، تؤكد بأنني “مسكون” بشيطان “ثقيل الدم” .. الدمامة تمتزج بثقل العبارة وتمتمة النطق وأزيز الصوت، فتنجز مزيجا مروِّعا، يجبر الناس على النفور .

كنت أنظر إلى صوري متقززا، أرسم شاربا وذقنا وشعرا طويلا في محاولة يائسة لتدليس الحقيقة، أكتب ذكريات مختلقة لأغطي جزء من صفحة وجهي .. طفل أحمق .

وبعد سنوات حينما احترفت المسرح؛ كان الجميع ينظر إلي كتناقض غريب، نكتة أطلقتها الطبيعة الساخرة، حتى أن سوزان ممثلة مسرحيتي الثانية كانت تنظر إليَّ مبتسمة ثم تقول بوقاحةِ من يملك كل شيء “كيف لوجه كهذا أن يخلق فنا بهذا الجمال ؟! .. وجهك يا عزيزي لا يؤهلك إلا أن تكون شحاذا” .. أضحك بتصنع ثم أؤكد ساخرا بألم مبطَّن “بالعكس، أنا أقبح من أكون شحاذا، الشحاذ يجب أن يتملك ملَكة الاستعطاف، والناس لا تعطف على قبيح يثير الغثاء، فصيلتي تعاني دائما من أسوء الظنون وردود الفعل، لا يمكن لأحد منكم أن ينظر إلى رجل موغل في القبح ثم يقول: هذا الرجل طيب .. لو كان طيبا لمنحه الله وجها يدل على ذلك”

 

 

4

عندما بدأت أعي في صغري موقفي على ضفَّة النبذ، أخذت أصارع بشراسة، جربت كل شيء، حاولت أن أبتكر كثيرا من المؤثرات .. ولكنني فشلت، لم أكن ذلك الشخص الذي حاولت ابتكاره .

حتى وقعت ذات يوم على قناع أسود، اشتريته من محل للهدايا .. أخذت ألبسه وأسير به في طرقات الحارة والحواري المجاورة .. النظرات تلاحقني، تترصدني، الأفواه تهمس بذهول ساخر: طفل بقناع أسود .. كان منظرا كاريكاتوريا .

شعرت ببهجة صاخبة، نقية، شعور عميق بالأمان .. لم يكن أحد ينظر إليَّ حقيقة، لم يكن لي ظاهر يستطيعون من خلاله تعليب شعورهم تجاهي، الجميع كان ينظر إلى القناع .

علمَت والدتي بذلك فوبختني، أخبرتني بأن الله يخلقنا على صورته، وأن جميعنا يجب أن يكون فخورا بما خلقه الله .. ثم مزقته .

حاولت تجربته بعد سنوات عديدة، مدفوعا بلحظة حنين أثناء إخراج مسرحيتي الثانية .. لبست قناعا أسودا وأخذت أسير به، أوجه الطاقم وأحاور الممثلين وأجادل الفنيين، حتى وُصمت بالجنون .

لم أشعر بما شعرت به من قبل .. القناع أصبح مجرد ذكرى لا تولد شعورا حقيقيا، صورة فوتوغرافية تجمد اللحظة ولا تختزل الشعور ..

مزقته بكآبة قاتمة، وعدت لأنغمس في كتابة مسرحيتي .. الفن بالنسبة لي كان شبيها بذلك القناع، المشكلة أنه لم يكن يخفي الظاهر، وفي العالم الحقيقي: الظاهر يُمثِّـل كل شيء .

 

 

5

لازلت أتذكر أول يوم دخلت فيه المسرح .

اشتريت تذكرة لمسرحية البؤساء الغنائية، جلست في الطرف القصي من القاعة، متأنقا في بدلة رخيصة، مترقبا بحماسة طفل يتعلم الحبو ..

أتذكر كل شيء في تلك الذكرى، الألوان والروائح والتفاصيل الدقيقة .. لم أشعر بالشغف يوما حتى تلك اللحظة .. أردت الصراخ والعويل، أردت أن أخترق الصفوف وأن أركع أمام فانتين الحزينة، أن أهب لها كل شيء وأن أحتفظ منها بكل شيء ..

خرجت مدركا بأن الوهم في المسرح “حقيقي”، دون تشويه أو غش أو مونتاج، كل شيء يتبدَّى كما هو، حتى وإن لم يكن في الحقيقة كما هو .. إنه مستوى رفيع من الوهم .

وبعد سنوات أدركت ذلك بوضوح أعظم، حينما قابلتُ روزاليندا روز أثناء إخراج مسرحيتي الأولى، المرأة الأكثر إغراء وعظمة في عالم المسرح، “آلهة الشمس” .. كانت لحظة مقدسة .

وقفت أمامها منبهرا، كصبي يكتشف ولعه بالنساء لأول مرة .. أحسست بقوتي كما لم أشعر بها من قبل، الرجل الذي يدير روزاليندا روز، الفنان الذي يعيد خلقها .. بدت الحياة في المسرح خدعة ضخمة، كالواقع، الفرق أنني كنت جزء منها، بل كنت الشخص الذي يقوم بتحريكها .

 

 

6

عندما كنت في الـ13 من عمري بدأت بمصاحبة مسعود “أحمق الحارة” .. كان فتى في الـ16 مصاب بارتجاج في المخ، يمتلك قدرة فائقة على حب كل شيء والحماس لكل ما يحدث من حوله .. كنا نسير في الحارة فنُرمى بأطنان من البيض والحصى، نهرب إلى الأزقة ونصعد فوق جبل الزور المهجور .. كنت أتحدث عن كل شيء، وكان يستمع لكل شيء، علاقة متكاملة .

وذات مرة، ولسبب مجهول؛ وقف أمام شاحنة مسرعة، ورفع يده بكل هدوء مطالبا لها بالتوقف، فدهسته دهسة هشمت ساقه وكادت أن تُطير برأسه .

أدركتُ أن عدم وعيه بوجوده الأحمق يصنع حماسه وحبه اللامشروط، لو كان يملك وعيا خاصا لما قبل بكل شيء كما هو .. إنه أكثر غباء من أن يُكوِّن رأيا عن أي شيء .

هجرته بخجل، لم أكن مستوعبا ما فعلت، أن تصاحب فتى مجنونا لمجرد الشعور بوهم القبول .. لقد ارتطمت بأسفل القاع سريعا .

وبعد سنوات عديدة، جلستُ في أحد المطاعم أمام خديجة المقدادي، بطلة مسرحيتي الرابعة .. تقدمتُ بطلب يدها، حاولتُ أن أبتسم رغم ارتباكي، كنت أدرك شعورها نحوي كممثلة تحاول شق طريقها من خلالي، وتحمل شعورا طفيفا بالود والشفقة .. نظرتْ إليَّ مبتسمة برقة، لمستْ يدي بكفها ثم همست “لا أستطيع أن أخدعك”

فهتفت بيأس صاخب “ولكن الجميع يعيش في خدعة” ثم صمتُّ فجأة وأنا أتطلع في وجهها المذهول .. صمتُ العاجز المدرك لموقفه الضعيف، أن تكون على ضفة النبذ فلن تنال غير الحقيقة، لا أحد يجاملك، الجميع يفرض عليك الوعي بحقيقتك كفرد منبوذ .. الوعي ليس خيارا مكتسبا بقدر ما هو واقع مفروض .

حملتْ حقيبتها وقبَّـلتني بهدوء، ثم مضت .. فجلستُ وحيدا وسط المطعم المكتظ، تذكرت مسعود وأمي، تذكرت كل من ضحك في وجهي، تذكرت كل شيء .. لحظة لعينة تختزل الوجود .

 

 

7

إزميرالدا خوسيه مانزالو كيخوته .. لا أظن أنني أعجبت بها لذاتها، بقدر إعجابي باسمها .

من الخطيئة أن يتقلد هذا الاسمَ شخص قبيح، وإزميرالدا خوسيه مانزالو كيخوته كانت كائنة فقيرة الجمال دنيئة الجاذبية .. يعلوها النمش، أشَـبِّهه بالنجوم فتضحك، وحينما تضحك تبدو أفضل بكثير .. ولذا وجدت نفسي في مهمة متواصلة لإضحاكها، حينما تسحقني الكآبة بالنظر في وجهها القبيح أحاول قول نكتة ساحقة، أنتصر أحيانا فتضحك، وأخسر أحيانا فتعاقبني بالإبقاء على وجهها .. ولذا أستطيع القول بأن إزميرالدا خوسيه مانزالو كيخوته عودتني على أن أكون شخصا ممتعا أكثر، يحفظ كثيرا من النكات، وهو أمر عظيم لا تتوقع الخروج به من علاقة حقيرة كهذه .

انخرطت بعدها في علاقة مع زميلة في صحيفة فنية عملت بها ، جوليا .. ثم آمنة .. ثم الفتاة ذات وشم التنين .. كنَّ جميعا على مستوى من القبح، ذلك النوع الذي لا يقبله إلا المنبوذون المفلسون .

طوال تلك الفترة من حياتي لا أستطيع القول بأنني تذوقت امرأة جميلة، كنت أخلق الجمال وأعجز عن تجربته واقعيا، وهو ما يجعلني أشعر بأنني منافق منحط .. أخبرت سوزان ممثلة مسرحيتي الثانية بذلك، وطالبتها بالنوم معي لإنقاذي من شِـرك النفاق الفني، فوافقت على ذلك .. فاخترتها في مسرحيتي الثانية، ثم الثالثة، حتى وقعتُ على سارة، ممثلة أخرى أبدت استعدادا جادا لمواصلة إنقاذي، فمنحتها ذلك بشرف .

لا أظن أنني شخص دنيء، أو مقزز كما قالت لي إحداهن .. لن أقبل لأحد أن ينتقدني إلا إذا كان موغلا في القبح، يدرك موقفي .. القضاة الأثرياء لا يجب أن يحاكموا لصا فقيرا، إنها محاكمة تفتقد الوعي الفكري بالمؤثرات، ولهذا أظن أنني أحقق ما يريده العدل، أحصل عن طريق موهبتي ما أفقده بسبب عيبي، كانتقام لذيذ، يولد مع الوقت جزء ضئيلا من المودة، وهو جزء أقتنع وأكتفي به .. فأنا لا أمتلك رفاهية الجشع العاطفي .

 

 

9

بعد انتهاء عروض مسرحيتي أغرق في لجة من الكآبة والعدمية، حتى يُخيَّل لي بأن العالم فجوة فارغة لا قرار لها، فأصارع عقلي في محاولة يائسة لمعاودة الكتابة سريعا .. فالحياة أصبحت بالنسبة لي حركة عقلية فنية لا تتوقف، فهذا كل ما أملكه الآن .

أتجول بالسيارة طوال اليوم، أبتعد هاربا نحو الطرق الريفية، منقبا عن أي شيء يجعل للحظة معنى .

صادفت مرة كلبا مدهوسا تتوسط جثتُه قارعةَ الطريق، أوقفت السيارة متجها نحوه، اقتربت منه، الدم يتسرب متخثرا، الذباب يتصارع عليه بصخب .. شعرت بلذعة عينيه البازغتين، وبأطرافه المتهشمة وبطنه المبقور، تصرخ بحسرةٍ على عدمية وجوده الفارغة، جثة كلب لا قيمة لها .

سحبته من قدميه نحو الطرف الترابي من الطريق، الدم يجتـرُّ أثره على الإسفلت، فيلمع في ارتداد الشمس .

حفرت بيدي في الرمل الجاف، صنعت له قبرا مسطحا ستذروه الريح سريعا، ووضعت شاهدا يؤكد وجود كائن ميت، ووقفت أتأمل كمن يقف أمام مشهد يجد صعوبة في فهمه .

عدت إلى سيارتي، أخذت أنظر في شجرة الإجاص على قارعة الطريق .. ولأول مرة في حياتي، ولآخر مرة؛ فكرت جديا بأن أنطلق مسرعا نحو الاصطدام بها، وأنتظر ردة فعل القدر .

 

 

10

لأول مرة في حياتي؛ قررت زيارة طبيب نفسي .. ذهبت لمجرد الحديث لا أكثر، لم أكن أتوقع شيئا .

انقضت 4 أشهر دون أن أشعر بها، أخرجت فيها أطنانا لا حصر لها .. أخبرته ذات مرة بأنني أفضله على استئجار العاهرات، ضحك بصخب ثم قال “إنني أشعر بالإطراء، ولكن لماذا ؟!”، فأجبته ساخرا بصدق “الجنس معهن لذة لحظية، أما الحديث بهذا الشكل فهو أشبه بالتطهير”

أخبرته بكل شيء، النبذ والفشل والحب والطموح والألم والعزلة .. حتى السعادة، كان لها نصيب، أمي والطفولة والمسرح .. كل شيء .. أن تكتب عن حياتك في فنك فهو أمر غير مباشر، أشبه بلعبة كئيبة تلعبها مع نفسك، لا تتميز بلذة الانتقام التي أجدها هنا، أن تصرخ بصراحة عن كل شيء، دون مواربة أو ألاعيب أو تركيز جمالي، مجرد الصراخ الفارغ عديم القيمة .

وبعد مضيّ أشهر حانت الجلسة الأخيرة، أخبرني فيها بأنه لا يستطيع مساعدتي، نظرتُ له ساخرا ثم قلت “ومن قال أنني أنتظر منك أن تساعدني” .. اقترب مني ببطء، نظر إليَّ بعينيه الزرقاوتين الواسعتين، ثم قال بلهجة حذرة رقيقة “أنا لست صديقك، أنا هنا لأساعدك، ولكنك لا تريد لأحد أن يساعدك .. إنك لا تشعر بالغضب، مستسلم بخضوع، إنك تقتات على الألم، تستعذبه، إنه يمنحك معنى لوجودك ولن تسمح لأحد بأن يسلبه منك” .. أخذت أنظر في عينيه بانقياد، أردت أن أغضب بصخب، أردت أن ألقي به أرضا، ولكنني لم أكن أشعر بذلك، لم أكن قادرا على تصنع شعور لم أعد أشعر به منذ أمد بعيد .

خرجت من عنده، وذهبت إلى آخر، وخرجت من الآخر لأذهب إلى غيره .. وظللت أتنقل بين عيادات أشهر الأطباء النفسيين حتى أدمنت التنقل، وأصبح طقسا لذيذا يخلو من أي رغبة حقيقية عدى لذة التطهير .

 

 

11

طوال أيام عديدة ظللت أحلم بأمي .. كابوس لعين .. تقذفني بالأحجار، تلاحقني بها، تعنفني بصخب “لماذا تصر على ملاحقتي ؟! ماذا تريد مني ؟!” .. وجهها يتفجر دناءة وقلقا .. أرفع يدي هاتفا باستعطاف “ولكن أنتِ من يقبل إليَّ في حلمي” .. فتصرخ صراخا صاخبا يمتزج بسخط هستيري “وما الذي أريده منك لأقبل إليك، أنت من يصر على استدعائي .. كفَّ عن استدعائي .. ابحث عن غيري”

ثم تختفي قبل أن يتسنى لي القول “ولكن لا يوجد أحد غيرك”


 

⁂

أحمد الحقيل

روائي وقاص سعودي. عن الكاتب ←

النشرة

رسالة حين يُنشر نص جديد في المدونة أو يصدر كتاب.

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة