اغتيال الوعي

 

1

العقل مجرد حبل يمسك بزمامنا، كالكلاب ..

حينما ينفصم ذلك الحبل في انتفاضة الشعور المجرد في ثورات الغضب والحب والنشوة والألم والإلهام؛ نصبح كما يفترض بنا أن نكون، عارون من افتراضات المنطق، منغمسون في انطباعية الشعور العمياء .

نحن حيوانات عاقلة .. ولكن من قال بأن العقل يجب أن يمسك الزمام ؟!

 

 

2

عندما كنت في السادسة من عمري شاهدت الموت لأول مرة ..

صعدت على حافة سور السطح لأقبض على حمامة تستقر فوقه، فسقطت وأنا أنظر للحمامة اللعينة تبتعد عني حتى ارتطمت بالأرض .. شعرت كورقة ممزقة، رفعت رأسي بألم فرأيته، كان رجلا كغيره، لا يبدو كائنا بقدرات خارقة .. اقترب مني، أخذ يُمرر يده على جسدي بدهشة وكأنه يبحث عن شيء مفقود، نظر في عيني نظرة من يُفتِّـش عن إبرة في كومة من القش، ثم همس وكأنه يحادث نفسه “كان يفترض بك أن تموت” .. اعتدل قائما وهو لازال يتطلع بدهشة حمقاء، ثم مضى واختفى .

 

 

3

كل فعل في قريتنا “مفلتر”، هنالك لائحة غير معلنة لا يمكن لأي فعل أن يحيد عنه .. كنا أشبه بحيوانات أسيرة، تُضرب فلا تدرك من يضربها وإلى أين تمضي .. لقد كرهتها كرها عميقا .

كنت أفترُّ كالشرارة، أقفز من مكان إلى مكان، أصعد الأسطح وأتبوء مواضع الخطر .. سرقت سيارة والدي وهشمت بها جدار جارنا لمجرد تجربة شعور الاصطدام بشيء ما، قفزت من نخلة نحو بركة ماء صغيرة لتجربة نشوة التحليق، جمعت مئات من أعواد المفرقعات وفجرتها داخل المسجد أثناء الصلاة لمجرد الضحك .. كنت أفعل دون افتراض للنتائج .

ضربني والدي، ثم أمي، ثم إمام مسجدنا، ثم مدير مدرستنا، ثم بدا وكأن الخلق بأكمله أصبح يضربني، كفٌّ من هنا ورفسة من هناك .. لم يعد هنالك أحد يشعر بالذنب تجاهي، أصبحت قضية خاسرة، كل جنون ينسب إلي، وكل ردة فعل تجاهي مبررة لا ضرر فيها .

حتى أن جدتي اعتادت القول لوالدتي ” ابنك هذا يذكرني بجدي، تزوج في الـ16، وجاءه ولد في الـ17 ، واشترى مزرعة ثم احترقت في الـ19، وسافر متاجرا في مطلع الـ20، وعاد ثريا في الـ21، وخسر كل ماله في الـ22، ثم توفي فجأة وهو في الـ23 .. وكأنه كان يسابق الموت”

وحينما حملتُ متاعي مهاجرا، أوليت ظهري للقرية وحشرتها في سرداب الذكريات .. واختفيت لأولد من جديد .

 

 

4

كانت تنظر نحوي برقة وقد استلقينا بخمول على السرير، تداعب شعري كأم حنونة، ثم تقول بحيرة ممتنة “لا أفهم كيف يعمل شخص عظيم مثلك في السرك ؟!” .. فكرت في أكثر الأقوال المبتذلة التي تناسب عقليتها السخيفة، ثم قلت “إنه مثلي، لا حدود له، ولا تزييف فيه”

الكل يدرك جيدا من أكون .. لا أمثل، ولا أخادع، ولا أبيع الوهم .. حينما أصعد على الحبل المعلق في السماء فأنا مهيأ للسقوط، حينما أضع رأسي بين فكي أسد مُدرَّب فأنا ألعب باحتمالية وعيه المفاجئ، حينما أغلق على نفسي في بركة ماء أخرج منها بخدعة معقدة فأنا أستفز الموت .. تهشمتُ واحترقت وغرقت وانسحقتُ حتى اعتدت طعم الألم .. كنت أقف من جديد كما كنت، فينظر نحوي الآخرون كشذوذ في الطبيعة، وقد كنت كذلك .. ما أفعله هو أشبه بالوقوف على حافة الحياة، دون السقوط كغيري .

سافرت إلى كل مكان حتى انتهى العالم، وأصبح يجترُّ كفيلم معاد .. حينما خبرت أسرار المهنة كونت معسكري الخاص، وأصبحت أتنقل به فيجتمع الناس حولي كمن يتحلَّق حول معجزة، نرحل من بقعة إلى بقعة، أتعلم لغتها وطبيعتها ومزاجها، أنام مع نسائها وأشرب خمرها وأسرق من أهلها، ثم نرحل كالدخان .

فعلت أثناء ذلك كل شيء يخطر على بال بشر، صعدت الحبال ولاعبت الرماح وشربت السم ومشيت فوق النار واستلقيت فوق السكاكين .. حتى بدى وكأن الموت يعجز عن مطاردتي .. رأيته للمرة الثانية في سنواتي الأولى، كان يقف بجانبي بعد سقوطي من الحبل المعلق أثناء التدريب، حائرا عاجزا كما كان أول مرة .. شعرت بطقطقة العظام في ظهري، ملقى على الأرض الصلبة وسط الصالة الخالية، الضوء الخافت يضيء الأفق، أنظر نحوه عاجزا، فيبادلني النظر بحيرة يائسة .. اقترب مني، شعرت بضربات قلبي تتصاعد، أنفاسي تختزل خطوط الصوت، والعالم يتكدس في صورة وجهه الضبابي .. ركع فوقي وأخذ يتأملني بحيرة، ثم اعتدل مستسلما، ومضى .

وبعد 5 أشهر خرجت من المستشفى، فركبت سيارتي وانطلقت بها مسرعا نحو أقرب جدار .. وحينما استخرجوني حيا بعظام مهشمة كانت السيارة تبد كورقة ممزقة .. أودعوني في مستشفى نفسي لمحاولة تحليلي، فأخبرتهم ببساطةٍ لا يمكن تشويهها بتعقيد المنطق “كل ما هنالك أنني لا يمكن أن أموت” .. استغرق أفراد الطاقم الطبي في محاولة قراءتي، غير أنه لم يكن هنالك عمق لكي يقرأ .. سألني أحدهم بحذر “هل تقول بأنك خالد ؟!” نظرت نحوه مبتسما ثم قلت بوعي ثابت “الخلود فعل مستمر .. ربما سأموت لاحقا، في زمن بعيد جدا، ولكن ليس الآن”

 

 

5

لازلت أحتوي في أعماقي على طفل حقير، أحاول التخلص منه فيتشبث بي رغما عني .

حينما أخرج مع فتاة تحدثني عن ابنها أتذكر أمي، حينما أشاهد كهلا يحاول قطع الطريق المزدحم أتذكر أبي، حينما أقع على أعواد الحلوى التي اعتدت شراءها في طفولتي أتذكر قريتي .. كان يجب أن نمتلك حق مسح الماضي كأقل مكافأة عن حقارة الهشاشة الروحية التي نُجبر على عيشها، على القوانين التي لم نوافق على أي منها، أن يكون هنالك زر صغير في مؤخرة الرأس نضغطه لشطب جميع ما مضى .

قابلت رجلا من القرية فأخبرني بوفاة والدي .. شعرت بوخزة في أعماق الضمير، وخزة لعينة .. ثم أخبرني عن أمي، عجوز وحيدة تحتضر في مستشفى القرية الحقير .. أردت أن أشبعه ضربا، أن أشبع العالم بأكمله ضربا، ولكنني كنت مشغولا بمكافحة شعور مفاجئ بالألم ..

جرَّت الأيام ساعاتها زحفا، مدججة بصراع مرير لم أعهده من قبل، هذا الطفل اللعين يحاول السيطرة، يزحف في أعماقي ببطء يثير القلق .. فقررت الذهاب إلى قريتي لمجرد إخماد هديره .

دخلت المستشفى، أخذت أسير بين أسرة العناية المركزة .. أوْجهٌ كثيرة لا تشبه وجه أمي، عدت إلى الممرض فوجهني إلى أول سرير مررت من عنده، وقفت أمامها فلم أتعرف عليها .. امرأة نحيلة لا تشبه تلك المرأة السمينة التي أعرفها، المرأة التي كانت تقود المطبخ في الأعياد بحزم حديدي، المرأة التي تخوض جدالا حادا يشمل الضرب والرفس على شيء لا تتذكره .. هذه المرأة لا أعرفها، غارقة في ضباب لا ينقشع، ميتة قبل موتها .

لم أشعر بهذا الألم من قبل، هذا الوخز اللعين .. هربت من القرية المأفوكة مكركبا لأول مرة في حياتي .

لماذا يشعر الناس بالحب ؟! بالعاطفة ؟! إنها قنابل موقوتة تنتظر الانفجار .. شعرت بكره عميق لكل شخص أحببته ذات يوم .

 

 

6

عندما كنت في السابعة حملتني امرأة جميلة في مجلس مكتظ، أخذت تلاعبني وتداعبني بألق، فقمت بتقبيلها على خدها الأيمن، ظنت أنها قبلة طفل فابتهجت، إلا أنني اندفعت بقبلة أخرى على شفتيها، فرجَّ المجلس بالضحك، وصرَّحت عجوز ساخرة “هذي أولها الله يستر من تاليها”

لا أحتفظ بالذكريات، إنها ملاذ من لا يملك شيئا يعيش له .. ولكنني لازلت أتذكر جيدا أول فتاة نمت معها .. مريم .. كنا نجلس على صفيح جبل الزور، الشمس تتسرب بين أغصان الشجر، ودبيب الريح يحرك خصلة من خصلات شعرها، أقترب منها فأشمُّ رائحتها المتسللة بين اللحم والجلد، نقية تتضوع فوق تقاطيع بشرتها المُحمرَّة في شعلة بياضها الحليبي .. أكاد أتخيلها الآن أمامي .. كنت كطفل يقبض هدية لأول مرة في حياته، أخذت أفكر: كيف سيبدو ملمس الفتاة على يدي؟ هل يختلف عن غيره؟ كيف سأشعر برحيق لعابها في فمي؟ كيف ستلتصق بشرة صدرها الناعم بصفيح صدري؟ .. إنه شعور مقدس، ذلك الشعور العذري بالجسد .. يجب دائما أن تغازل كالبكر، وإلا فسيصبح الجنس مجرد إشباع للذة صاخبة، بدل أن يكون استشرافا لجمال عذري جديد .

لقد تذوقت كل شيء، حتى بدت كل الأجناس مقسمة إلى مذاقات مختلفة فريدة .. السمراء تختلف عن الشقراء، والصهباء لا تشبه أيا منهما .. كل عرق يتميز بطعم متنفذ فريد، تشعر به في ملمسها وريقها ونفحة لذتها .. شعور مقدس تشوهه قناعات المدنية المريضة، ولذا أجد نفسي في كل مرة أهمُّ فيها بالرحيل محاكما بتهمة استغلالها، وكأن ذلك شيء خاطئ .. فأندفع بحميَّة عصبية ساخرة، أخبرها بأنني أقدس المرأة تقديسا جماليا شاعريا يخترق كينونتها كأنثى، كحيوان .. فتقذف نظرة غاضبة بسخط، تُـلحقها بصفعة ترتج مع صرختها “ولكنني لست حيوانا يا واطي”، فأكاد أفقد طولي ضحكا لأتلقى رفسة تطيح بي خارج الباب، فأهتف لها خلف الحديد المغلق “ولكن جميعنا حيوانات .. إنه قدرنا .. لا يجب أن نتصنَّع ما لا نملكه”

 

 

7

كان ابن خالتي سعدون سليل عائلة طحنتها لعنة الأقدار، فلم تُبقي أحدا منها .. والدته توفيت حينما سقطت في قدر ماء ضخم جهزته لذبيحة زواج جارتها، وزوجها قتل حينما دهسته شاحنة مسرعة، وأخوه مات حينما سقطت على غرفته بقايا طائرة متحطمة … ملَّ سعدون من تحيُّن الموت في كل زاوية، فقرر مواجهته وقفز من منارة المسجد .. إلا أنه لم يمت، ولم يتأذى، بل قام بابتسامة أمل مذهولة .. فكر بأن الأقدار تصالحت معه أخيرا، فعاد إلى البيت مستبشرا، يمضى وكأن الدنيا فكرة عابرة .. وقبل أمتار قليلة تعثر في حصاة صغيرة وهوى بثقله على الأرض، فانكسرت رقبته ومات .

لقد وضعت صورته في صدر مكتبي .. حينما يسألني الناس عن ملهمي أشير إليه، الرجل الذي ساهم في صنع أسطورتي كشذوذ في الطبيعة .. ثم أنطلق منه لأقص قصة فارس جاهلي منسي يتبوء مرتبة رفيعة في جوهر تكويني، قد بلغت شجاعته ذروة مداركها في موقعة من المواقع، إذ وضع نفسه في قُنَّـة الصفوف وأمام فوهة مدفع الموت المفتول، ثم انطلق قبل الجميع كعاصفة تخترق المسافات .. ما حدث شيء بسيط، ومتوقع في عرف الواقع، فقبل أن يشتبك مع أي أحد من العدو، أتاه سهم فشق جبهته .. ومات .

لم يعرف أحد شجاعته لأنه لم يملك دليلا عليها، لم يقتل أحدا، ولم يفتك بجماعة، ولم يخترق بخيله أو حسامه جحافل العدو .. سهم واحد، قضى على كل شيء .. سهم واحد حوّله من أن يكون بطلا، إلى مجرد ضحية .

 

 

8

رأيت الموت للمرة الثالثة .. إنه يزداد حقارة وجنونا .

خرجت مع سارة، فتاة جميلة لم أتذكر اسمها إلا بعد مصرعها، كنت منشغلا طوال سهرتنا برسم صور خيالية لليلة حامية الوطيس .. خرجنا من المطعم ووقفنا على قارعة الطريق لنذهب إلى الجهة المقابلة، لففت يدي على كتفها واقتربت منها، رائحة عطرها تختلط برائحة جوهرها النقية .. تقدمَتْ خطوة إلى الأمام وتراجعتُ خطوة إلى الخلف ملتفتا نحو رجل يسأل عن مكان ما، فلم أشعر إلا بسيارة تشطف عن جسدي بإنشات معدودة وبهدير جسدها يتطاير في السماء .. وقفت مصدوما للحظات، ثم ركضت نحوها كالمجنون، ركعت بجانبها فلم أرى شيئا يدل على الحياة، الدم المتخثر والأشلاء الممزقة وبقايا ذلك الوجه الجميل .. وحينها رأيته، يقف بين الشخوص المتجمهرة، ينظر نحوي بنفس تلك النظرة الحائرة، مدججة بشعور خفي من الغضب والسخط، وكأنه يؤنبني على خداع قدر خطفها عوضا عني .. ثم رفع رأسه وأخذ ينظر إلى الرجل الذي كان يسألني، فالتفتُّ نحوه، يقف مرعوبا وفي يده خريطة مبعثرة، اتجهت نحوه دون وعي واضح بطبيعة الموقف، ومنحته وصف المكان الذي أراد، فأخذ يسمعني بذهول مرتعب، فكرت بأنها أقل خدمة أقدمها لمن وقف بيني وبين اللاحياة، إنه الوصف المثالي للموت بالنسبة لي .. التفتُّ إلى المشهد مرة أخرى، حاولت البحث عن الموت فلم أره، كان قد اختفى منذ أن لفظت سارة آخر نفس حقير من أنفاسها المهدرة .

هربت من المشهد نحو الأزقة الضيقة .. أشعر كمن يتهاوى في بعد سحيق، كل شيء بدى أكثر ظلمة وكآبة ..

دخلت أقرب حانة وانخرطت مع أقرب مجموعة سكرى .. أخبرتهم بما حدث لسارة، أخبرتهم بتجليات الموت، والسرك، والنساء، وأمي وأبي وقريتي، أخبرتهم بكل شيء .. حتى شعرت بارتطامي بأعمق عمق بلغتُه في حياتي، فبدى وكأنني أنسلُّ من ذاتي، أتحول إلى أضعف نسخة عهدتُها من نفسي .. رفعت كأسي المترعة، نظرت بعمق في الأوجه اللاواعيه، واقترحت نخبا بثبات أخرق “لسارة .. لم أكن أتذكر اسمها، ولم أبالي بمن تكون، كل ما أردته هو أن أضاجعها حتى ينفجر الدم في دماغي .. لقد استوجب الأمر موتا كاملا، دمٌ وأشلاء واحتضار وانتزاع، عرض مسرحي متكامل؛ لأدرك أنها شخص ما .. أظن أنني آسف على ذلك” .. ثم تجرعته فلم أعد أدرك شيئا حولي .

 

 

9

في قريتنا كان هنالك تاجر منحط، جمع ماله بأكمله واستثمره في محطة للبنزين .. إلا أنه بعد الانتهاء من كل شيء تفاجأ بقرار يمنع وصول الوقود إلى تلك المنطقة بسبب مشاريع في البنية التحتية .. لَعَن وضرب وكاد أن يَـقتل، بدى كرجل لا يملك شيئا ليخسره، أسرته وبيته وحياته بدت مجرد إكسسوارات لحلم تحطم .. كان يخرج كل يوم مع غروب الشمس متجها نحو محطته، يشعل الأنوار ويفتح الأبواب ويجلس على كرسي في الطرف القصي، حينما تمر بجانبها تبدو لك آهلة بالحياة، العديد من السيارات تقف غافلة أمام مواطير البنزين، إلى أن يدرك أصحابها بأن هذا المكان الذي يحفل بالضوء لا يوجد فيه غير رجل يجلس على كرسي في الطرف القصي .

أصبحتُ أشعر بكثير من الآلام، تنخر في أعماق عظمي .. لم أعد قادرا على التوازن جيدا فوق الحبال، ثمة رعشة بغيضة في يدي حينما أحكم قبضتي على السكين، أصبحت أشعر بالتعب، أستغرق في النوم ألما وأصحو على ألم أشد وقعا .

العالم فجأة لم يعد مهتما بما أفعل، لم أعد شيئا يضطرب في عمق الكون، أصبحت شيئا فقط كغيري .. لم يعد هنالك أحد يحضر إلى السيرك، وحينما يحضر بعضهم بأطفالهم يتوقعون ما يرونه في الملاهي والمهرجانات، ما أفعله مجرد تهريج بالنسبة لهم .. استقال مساعدي، استلم مستحقاته ثم مضى متجها إلى الباب، وقف ونظر نحوي بنظرة واعظة بغيضة ثم قال “لقد انتهى كل شيء .. العالم كبر، وكبرنا معه” .. 15 عاما أمضيتها مع هذا الوغد الحقير .

ظللت أشعل الأنوار حينما ألغي العروض لقلة الحضور أو لعدم قدرتي على الأداء، وأجلس على كرسي في القاعة المقفرة، فأتذكر ضاحكا بألم تاجر قريتنا .. أي لعنة تلك التي تصيبني، الموت أكثر رحمة مما يحدث، أخذت أشرب هاربا فأصرخ باسمه، طالبته بالنزول كما يفعل الرجال، أن يواجهني دون اللعب بهذه الطريقة .. تعثرت في حبل قصير ووقعت على الأرض، كنت معتادا على السقوط، نظرت بألم لعين في ساقي فإذا بها جذع منكسر، لم أفهم جيدا كيف لسقطة بسيطة أن تحدث هذا الألم، ثمة شيء خاطئ .

 

 

10

منذ مرحلة معينة في حياتي، ظننت بأنني لست بشرا .. شيء أكثر تقدما، أكثر خطرا، شيء يستطيع مراوغة القدر .. لازلت مقتنعا بذلك، العالم تغير ولكنني لازلت كما كنت .

عندما جلست أمام الطبيب أخبرني بأنني مصاب بسرطان في العظام .. لم أطرح أسئلة ولم أطمح لأجوبة، لست بحاجة لأجدد قناعتي بـ “ماهيتي”، فأنا لست قناعة وإنما واقع، شيء لا منطق فيه، يستمد قوته من غموض جوهره .. لقد استقبلت قلقه بابتسامة واثقة .

في عشرة أشهر فقط .. كسرت يداي وقدمي الأخرى، مررت بزمن لعين لم أعد قادرا فيه على شرب حسائي بنفسي، وظللت أفكر بأنني مررت بحالات أكثر سوء وخرجت منها، ليس لشيء سوى أنني “أنا”، الإجابة الأكثر منطقية لما حدث لي طوال حياتي .

رائحة المستشفى تخنقني، المطهرات والأدوية ورنين الأجهزة وفحيح الأحياء الضعفاء على طريق الموت .. هربت من نافذة الدور الأرضي فسقطت من مسافة متر واحد، وحينما أفقت في سريري بعد أيام لم أجد يدي اليمني .

الأنابيب الموصلة في جسدي تبدو أكثر قوة مني، أحاول نزعها فأشعر بطقطقة عظامي .. ظللت افكر بكل تلك الحبال التي صعدتها والسكاكين والأسود والنيران والنساء، فكرت بأمي النحيلة فوق سرير الموت، تذكرت سارة وسعدون والفارس الجاهلي .. ما يحدث مجرد اختلال كوني لا يمكن أن يستمر لشذوذ في الطبيعة مثلي .

كنت أفيق للحظات خاطفة، أهرب فيها من غيبوبة الأدوية والعلاجات السوداء .. ضوء اللمبة الساطعة فوقي يكاد يحرق عيني، التفتُّ ببطئ عن يميني، رأيته يجلس على كرسي بجانبي، يتطلع نحوي .. حاولت أن أبتسم بثقة فلم أستطع، وأخذت أبحث عن نظرته الحائرة، فلم أجدها .. أدرت رأسي إلى الأمام، ثمة جزء طفيف تخلص من غبش الغيبوبة نحو الوعي بالموقف، يهمس في ذاتي بأن ضوء اللمبة الساطعة هو آخر شيء سأشاهده .

⁂

أحمد الحقيل

روائي وقاص سعودي. عن الكاتب ←

النشرة

رسالة حين يُنشر نص جديد في المدونة أو يصدر كتاب.

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة