شيخوخة

 

 

1

في اليوم الذي أتم فيه الـ25؛ لاحظ جابر في صدغيه شعرا أبيض، يتكاثر مع مرور الوقت .. شعرة ثم أخرى ثم ثالثة، تنتشر بسرعة، تقفز بخفة في كل لحظة .. ومع مرور الأيام بدأ يلاحظ تغيرات تطرأ على جسده، تغيرات شاذة لا تفسير لها، الشيب الفضي، وترهل الرقبة، وانكماش الجفنين .. لأول مرة في حياته يقف أكثر من دقيقتين للتبول، ولأول مرة في حياته أيضا يجد صعوبة في الانتصاب .. لقد بدى له وكأنه يشيخ في العمر، وهو ما لا يبدو منطقيا، وبالتالي يظهر كاحتمال مرعب لا تفسير له .. لأول مرة في حياته “أيضا” يواجه معضلة لا يمكن تحليلها .

زار طبيبا بعد شهرين من التأجيل والتهرب، فأخبره بتلقائية الأطباء الوقحة:

– لا أعلم ما الذي يحدث بالضبط .. ولكنك تملك جسد رجل في الـ40 من عمره على أقل تقدير .

كان الطبيب رجلا من قرية ريفية صغيرة، ظل طوال حياته يحاول قمع الخرافات التي تربى عليها، والتي تحاول بين الحين والآخر أن تقفز على عقليته التي سوَّرتها رياضية الطب الحديث .. وها هو الآن يقف أمام جابر، في أضعف لحظة من الممكن لخزعبلاته الموؤودة أن تثب من جديد .

خرج من عنده مصعوقا، لا يفرق بين الظلمة والضوء .. لأول مرة في حياته “أيضا” يمر بتجربة حقيقية، لا علاقة لها بصراعات مرفهة تتعلق بمصير اللذة الضائعة، ومأزق الخيار والقرار .

كان يمتلك مهارة فائقة في التحكم بأفكاره، في لي عنقها بطريقة تساعده في تفعيل إحساسه بالتفوق، الإحساس الذي يجبره على أن يستحقر الجميع، فيبادله الجميع بكره ونفور، مندحرا في عزلة يبغضها ولا يرغب التخلي عنها في نفس الوقت .. ولكن ما يواجهه الآن لا يمت بصلة للعقل، إنه أمر يظهر على شعره، ووجهه، ورقبته، وقدميه .. لا يمكن أن تحلل شيئا ماورائيا يجبرك على التبول 4 مرات في الليل .

 

 

2

لم يكن جابر رجلا سعيدا، مزاجيته تتحكم في رتم يومه، وفي طريقة تفكيره المضطربة .. ولأنه يرى في نفسه شخصا معقدا، ويحب النظر إلى الأمور بشكل معقد، فإنه يحلل حالته بنفس الطريقة من التعقيد، بالرغم من أن حالته المزاجية تتلخص في مشكلة مباشرة: عدم قدرته على تقبل الجمود، الخضوع كغيره لجبروت الروتين المكرر ببطء .. ثمة أشياء معينة لا زال يتوقع أن تكون ممتعة، لأنها “كانت” ممتعة: الأصدقاء، والحب، والأعياد، وسهرات الأربعاء، والشروق والغروب، والحفلات، والمطر .. ولكن هذه الأشياء لم تعد ممتعة، ببساطة، تتحول إلى روتين ممل بطيء، نتقبله ببديهية تسلب قيمته الجوهرية، ولا تظهر إلا في لحظات خاطفة .. ولذا ففي كل مرة يقوم بها يتوقع منها ما لا يمكن أن تُـقدمه، فينصدم، ويغضب، ومن ثم يكتئب، تسلبه الحادثة جزء من لاوعيه، وتضعه أمام حقيقة تبدو أثقل من تحملها: أنت لم تعد أنت، أنت شيء روتيني بارد جاف، يستسلم لتكرار اللحظة المتقلبة .. ولأنه لا يملك الرغبة في استحداث متع جديدة أو تقبل جمود الحياة؛ يظل يكرر هذه الحالة، بإصرار يفضح رغبة ملحة في أن يشعر بالشفقة على نفسه، وكأنه قضية تتكشف كل يوم خسارتها الفادحة .

كان يدافع عن البطء، باعتباره ضدا للسرعة التي يتبناها العصر، ولكنه ما إن يجلس متعطلا بخمول، يتأمل دبيب الوقت على جدار الزمن، حتى يبدأ في مهاجمته .. يدافع عن السرعة، باعتبارها انعكاسا لروح العصر، ولكنه ما إن يجلس أمام التلفاز بأحداثه المتلاحقة التي تختصر الزمن في علب صغيرة، وتقذفها تباعا كرشاش آلي، حتى يبدأ في مهاجمته .

العاطفة تبدو مبتذلة في مواقفها المكررة، ولكن القسوة أيضا تبدو أثقل من القدرة على تحملها .. كل المواقف في هذه الحياة تتبرأ لديه من ردات الفعل المناسبة، حتى يبدو غير قادر على تحديد ما يريد، وبالتالي اختيار ردة فعل تجاه شيء ما .

نعم .. لم يكن جابر رجلا سعيدا، ولم يكن معقدا أيضا، بقدر ما كان يسعى إلى أن يكون معقدا، ليخفي وراء تعقيده جمودا مملا نحو الحياة .

 

 

3

أصبح يتأمل نفسه أمام المرآة كل يوم، ثم يقوم بأخذ صورة لكامل جسده العاري، ويضعها في ألبوم تم ترقيمه بتواريخ الأيام .. يتأمل الاختلافات التي تطرأ عليه بكآبة مشمئزة، يلاحظ حبات شاذة تظهر على خديه، وزيادة الترهل في جلد رقبته، وتهدّل خصيتيه وتضخم ثدييه .

تم إخضاعه لكثير من الفحوصات، وأدرج كحالة شديدة الندرة، بل منعدمة المثيل .. رغم أن طبيبا كشف له عن حالة قرأ عنها، لرجل في بلاد الأسكيمو في القرن الثالث عشر، هرم فجأة خلال شهرين ثم توفي، فغضب جابر، وأخبره صارخا بعدم رغبته في سماع ذلك، ولكن الطبيب أصر على أن هذا جزء من واجبه، أن يضعه تماما في الصورة، فوقعت بينهما مشاجرة كادت أن تتحول إلى مضاربة حامية الوطيس .

كما أخبره صديق له يقرض الشعر، بقصة رجل جاهلي معاكس لحالته، أخذ فجأة يعود إلى شبابه في عز شيخوخته، إسودَّ شعره واستقام ظهره وظل محافظا على شبابه حتى توفي .. فغضب جابر من جديد، وصرخ في صاحبه:

– لماذا تتضمن جميع قصصكم أناسا يموتون ؟! ما الرابط بين موتهم وحالتي ؟!

فرفع صاحبه كتفه بحيرة وهو يقول:

– لأن هذا ما يفعله الإنسان .. يعيش، ثم يموت .

 

 

4

تذكر وهو يشاهد ألبوم صوره اليومية حديثا مع والده أثناء مراهقته، الحديث الوحيد الجاد الذي دار بينهما طوال حياتهما .. كان والده رجلا عسكريا نشأ حازما يضرب بيد من حديد، ظل جابر مقتنعا بأن والده لا يُـكنُّ كثيرا من العاطفة له، لسبب غامض لا يستطيع إدراكه .. أحب شيئان في الحياة: الجيش، وزوجته ( والدة جابر )، وحينما توفيت بعد تقاعده بدى وكأن كل شيء لم يعد ذا قيمة، أصبح يشرب طوال اليوم، يجلس أمام التلفاز بصمت مميت، مستغرقا في ضمور زمني لا يتحرك .. جلس جابر بجانبه ذات يوم، يتطلع في سرب الصور المتلاحقة في التلفاز، في مشهد جامد يتكرر يوميا بخمول مستفز، إلا أن والده التفت نحوه فجأة، ثم أخذ يخبره دون مقدمات عن اليوم الذي اقتيد فيه إلى الحرب، ليجد نفسه فجأة محاطا بالموت، وبكل ما يقتاد من عتاد وما يخلف من نتائج .. طوال المدة التي تدرب فيها على التعامل مع الأسلحة واختراق الثغور وقفز الحواجز، لم يتوقع في يوم ما أن يقتل رجلا بالفعل .. حدَّق في ابنه بوجهه السكران وهو يقول بعمق مهيب:

– إنه أمر يشبه الموت، نعرف أنه موجود، ولكننا لا ندرك حقيقة أنه موجود بالفعل، أقصد الوجود الذي يعني إمكانية الحدوث، ولو كنا نعي ذلك لما استطاع أحد أن يعيش، كما لو كنا نعي احتمالية اغتيال إنسان آخر بنفس تلك الدرجة من الإدراك، لما انضم أحد إلى الجيش .. انتباهات الوعي المركزة لدى الإنسان تغيب في عمق الزمن، تتلاشى مع الثواني التي تمر، حتى يصبح ذلك الإدراك موجودا كمعلومة جافة، أكثر من كونه احتمالا حقيقيا .. ولهذا ننصدم بحدوث أشياء متوقعة، كالموت والتعاسة والخطيئة .. الزمن اللعين يجعلنا غير قادرين على إدراك شيء ما بنفس القوة، طوال مدة طويلة .

فكر جابر وهو يتطلع في صوره، فأدرك أنه في موقف يشابه موقف والده في الحرب تجاه الموت، كحالة قد تقع له، أو كأداة قد يغتال بها غيره .. إنه يدرك بدقة ما الذي يحدث، هذه الشيخوخة المتلاحقة لا تسمح له أن يدفن هذا الإدراك المركز، إنه يشيخ بسرعة مهولة، الزمن لا يمنحه فرصة للنسيان، لصناعة الوهم .

كان كل من مر بحالته يسأله سؤالا قبل كل شيء:

– هل تشعر أنك كبير ؟!

فيجيب ساخرا بغضب:

– لا، لا أشعر أنني كبير، رغم أنني حينما أسعل تنطلق صافرات الإنذار في بيت جارنا، وحينما أحاول صعود درجة رفيعة أشعر بتصلب الأعصاب في فخذي، وحينما أنظر إلى زوجتك أحتاج إلى 5 دقائق كي تصل الحرارة إلى ذكري .

فيتشاجر معه البعض، ويضحك بعض آخر يعود ليسأله متحذلقا:

– ولكن ماذا عن الروح، روحك لازالت شابة، ألا تشعر بذلك ؟!

لقد بصق على أحدهم ذات مرة، وحاول ركل آخر، وصمت جامدا في مواجهة آخرين .. كان يفكر كثيرا في هذه النقطة، فلا يستطيع تبرير ما يحدث .. لم يكن يشعر أنه يسير إلى الشيخوخة، ولكنه لم يشعر أنه شاب أيضا .. الروح ترتبط بالجسد كما يرتبط الجسد بالروح، يتجاوبان بسرعة قاسية يباركها الزمن، الزمن اللعين، سرعة لا يستطيع عقله أن يدركها .

تحول مع مرور الوقت إلى قضية شعبية في المدينة، الجميع يحاول أن يكون صديقا له، والجميع يحاول أن يمنحه خلاصة الحكمة، والجميع يشترك في شيء واحد يقدمه له: الأكل، أصبح يتلقى طوال الوقت أطباقا مختلفة من أقاربه وجيرانه، وكأنه يربي فيلا في حوش البيت .. يتردد على عيادات الأطباء دوريا فيكتشف كل يوم علة جديدة، السكر والضغط وضيق التنفس، أمراض بالجملة تزحف إليه واحدة تلو الأخرى، تبدأ بهجوم خفيف، ثم تزداد في تطاولها مع مرور الوقت .

 

 

5

عزم على السفر بسيارته إلى الريف، هربا من كل شيء، حيث تكتسي الجبال والوديان باللون الأخضر، وتزهر الورود على حواف الطريق .. وقف أمام جبل اللوث، تختفي قنته وسط الضباب، وتستقر على حوافه أشجار البلوط الصغيرة، وتخرُّ مياه الجدول منحدرة إلى النهر المجاور .. أخذ يتأمل بإعجاب وسكينة، سادرا في عمق اللحظة، يفكر في كثير من الأشياء الرقيقة تطفو بهدوء على السطح، ذكريات ربيع الصبا المندثر، تتخايل بألق لطيف، حينما كان طفلا لا يستوعب الزمن فينجو من سطوته، يمر في اللحظة فلا يخرج منها إلا حينما يريد، تتمدد فيه حتى تبدو طريقا لا نهاية له ..

وبعد مرور عدة دقائق بدأ يشعر بالملل، والتكرار .. أخذ يردد في نفسه بصمت يغذي هدير أفكاره “طيب، ثم ماذا ؟!” .. فركب سيارته من جديد، وعاد من حيث أتى .

اعتاد أن يتردد على الطرق السريعة، شيء ما في مُطلقها الفسيح يُـشعره بسكينة أريحية، وكأنه يهرب في مكان لا يمكن أن يتوقف، مكان لا يبدو مطلقُه خاضعا لاعتبارات الزمن، تشتبك سماؤه بأرضه في امتدادات البصر، فيبدو كونا لا نهائيا .. يتوقف عند بوفيهات المحطات، يتأمل الأوجه الغريبة التي تطفح بغبار السفر، الجميع يبدو غاضبا، بغموض، على الطريق، وعلى بطء الوقت، وعلى كل شيء بينهما ..

اعتاد أن يفطر في بوفيه محطة الشرائع، ويخوض أحاديث جانبية مع صاحبه أبو حسين .. حينما يجلس على طاولة واحدة مع جابر، يحضر برفقته مصحفا ويضعه بينهما، فيغضب جابر صارخا:

– هل تظن أنني شيطان، إنه مرض أيها الجاهل اللعين .

فيرد ابو حسين وقد رفع يداه مبررا بقسوة:

– لم أسمع بمرض كمرضك، ولن أسمح للشيطان الخبيث في داخلك أن ينتقل إلي .. لست مستعدا للشيخوخة بعد .

– عن ماذا تتحدث بحق الله ؟! لقد تجاوزتَ الستين .

– ألا تعرف قراءة الأرقام ؟! .. الستون أصغر من السبعين، والسبعون أصغر من الثمانين، لا أريد أن أقفز الزمن، أريد أن أصل إلى السبعين حينما أصل إلى السبعين .

أعرض جابر عنه وأخذ يحدق في الفراغ، ثم قال بضعف:

– لا أملك ما يكفي من الحكمة لأصبح رجلا في الخمسين من عمره، لست أعرف شيئا عن الحياة .

– وهل أبدو لك رجلا يعرف شيئا عن الحياة ؟! إنني أعمل كالكلب في هذا المكان منذ عشرين عاما، ولا أملك ذرة وقت لأستمتع بأي شيء، هل يبدو لك ذلك مصير رجل حكيم .

– وما الذي ستفعله يا قلبي للاستمتاع بالحياة ؟!

فكر أبو حسين بشيء من الصعوبة، بدى سؤالا بديهيا لا يقبل الحيرة، إلا أنه لم يجد جوابا واضحا فقال بحدة:

– لست أعلم .. أفعل ما يحلو لي .

– طيب، وما الذي يحلو لك ؟!

– وما شأنك أنت ؟! ما هذه الأسئلة الغبية ؟!

فرفع جابر يده مستسلما بسأم .. استغرق لحظات في تذكر رحلته الأخيرة ثم قال:

– لقد ذهبت إلى الريف مؤخرا، وقفت أمام جبل اللوث، وتأملت السحب التي تتراكب فوق الحقول، وحدقت بلذة صافية في قطرات الماء التي تنحدر من سفح الجبل ..

– جميل .

– نعم جميل، ولكن ثم ماذا ؟!

– ما الذي تقصده ؟! إنه شيء جميل، يجب أن تستمتع به .

– نعم لقد استمتعت به، ولكني لا أستطيع أن أستمتع به إلى الأبد، لا أحد يقبض على اللحظة ليحتفظ بها على نفس درجة الجِدَّة والتوهج، إنها تبلى وتجمد وتتحول إلى اجترار مكرر، فنأخذها ببديهية كما نأخذ الشمس والقمر والنجوم، لا أحد يستمتع بغروب الشمس أكثر من مرة في الشهر، كن متأكدا من ذلك .

فهتف أبو حسين بغضب:

– ألست حيا ؟! منذ متى أصبح هذا لا يكفي ؟!

– إذا هكذا تكون الحياة: أن تنجو وتعيش .. دعني أسألك، ما أكثر حادثة لازالت عالقة في ذهنك ؟!

كان جابر مقتنعا أنها ستكون حادثة تافهة، تناسب تفاهة أبو حسين، وتثبت سخافة فلسفته البدائية .. فكر الرجل قليلا ثم قال مبتسما ببلاهة:

– قبل ستة أشهر، في هذا البوفيه تحديدا، في منتصف ليلة مظلمة .. كان يفترض أن أغلق المحل، ولكنني تأخرت لسبب لا أذكره .. المهم، تفاجأت برجل يقتحم المكان، بوجه يعبر عن كل ما يمكن للسعادة أن تكون عليه .. أقبل نحوي هاتفا بذهول صبياني “لقد أنقذتني يا رجل”، كان شابا في منتصف العشرينات، طلب ست سندوتشات أكلها في نهم، وفي كل مرة يفرغ فيها من لقمة ضخمة ينظر نحوي قائلا “لقد أنقذتني يا رجل، بحق الله لقد أنقذتني” .. شعرت وأنا أقف أمامه بشيء من الفخر، منذ مدة طويلة لم أشعر أنني أقوم بشيء له قيمة .. لازلت أتذكر ذلك الرجل في كل مرة أشعر فيها بالكآبة تجاه هذا المكان، بل أنني أصبحت أنظر إلى كل زبون بنفس هذه الطريقة .. ماذا لو لم أكن هنا ؟!

ضحك جابر بهدوء ساخر ثم قال:

– يؤسفني أن أقول لك أن غيرك سيكون هنا .

– ولكن لا يوجد غيري، أنا الموجود، أنا، وما دمت موجودا فأنا أستحق أن أشعر بما أشعر به .. لو لم يكن الرئيس موجودا لوُجد غيره، طبيعي، ولكنه هو الموجود، ولأجل ذلك ننحني جميعا أمامه، إذهب وقل له لو لم تكن موجودا لوُجد غيرك، ولننظر إن كنتَ ستظل موجودا .

ضحك جابر باندماج لم يشعر به منذ مدة طويلة .. رفع قارورة البيبسي قائلا:

– في صحة النجاة، والوجود، واللحظة، والملل، والسرعة، والبطء .. والشباب، والشيخوخة .. والشيطان فوق البيعة .

 

 

6

حينما وقف أمام باب شقة ياسمين، تذكر أول مرة كان هنا .. منذ 5 سنوات تقريبا، ذبح على سريرها عذريته، ورمى مالها في يدها، ثم خرج ليقف في نفس الرواق المظلم الذي يقف فيه الآن، مرتبكا، غاضبا، يباغته شعور عميق بالدونية والانحطاط .. ثم عاد إليها عدة مرات حتى انقطع فجأة دون سبب .

حينما دخل شقتها أخذ يتأمل المكان بحذر، ويتأملها بحذر أكبر وهي تتنقل بسرعة من مكان إلى مكان، تسأله أسئلة عامة عن الأشياء التي يفضلها، وتعقد من خلال أجوبته الصفقة، فكل طلب معين له قيمة محددة، ومع ازدياد غرابته يزداد السعر .. لاحظ أن المكان لازال شبيها بما كان عليه، الأثاث المرتب، ورائحة ورد الجوري المختلطة بالياسمين، والمصحف المركون على الطاولة للبركة، ونافذتها الواسعة التي تُطل على الحديقة .. حتى هي لم تتغير كثيرا، وقفت أمامه فجأة، أخذت تحدق فيه بحيرة ثم قالت:

– هل أعرفك ؟!

ابتسم بشيء من الخجل والتردد، ثم قال:

– أنا جابر .

فأخذت تردد بصوت خافت “جابر، جابر، جابر” وكأنها تحاول ربط الاسم بالصورة، دون جدوى .. فقال:

– ربما تذكرينني بشكل مختلف ..

شرح لها ما حدث بإيجاز مرتبك، فأخذت تنصت بحذر شديد، تلاحظ مواضع الشبه بين الصورتين، ولكن لأنها اعتادت أن تبقي مسافة بينها وبين زبائنها، أخذت تهز رأسها مبتسمة رغم فضولها الشديد .. وبعد لحظةِ صمتٍ قالت بتلقائية محترفة:

– إذا .. هل تريد أن نبدأ ؟

بعد أن قضى وطره استلقى على السرير بجانبها، يتذكر اللحظة الأولى قبل 5 سنوات، حينما كان شابا بالفعل، يكاد رأسه أن ينفجر من فرط اللذة .. ظلت مستلقية بجانبه، رغم أنه لم يحدد في طلباته ذلك، فهو أمر إضافي يجب أن تتم إضافته قبل البدء .. ولكنها ظلت مستلقية رغم ذلك، تتأمله بطرف عينها، وتحاول تحليل ما يحدث .

أشعلت سيجارة وعرضت عليه أخرى، فرفض بحجة ضيق التنفس .. دخنت بهدوء، ثم قالت:

– كم عمرك ؟!

التفت إليها متفكرا ثم قال مبتسما:

– 25 عاما .. و50 عاما، تقريبا بالطبع .

فردت بشك:

– أها .. وهل تزوجت من قبل ؟!

– لا .. وأنتِ ؟!

فضحكت قائلة:

– لا .

ثم استكملت بحذر وتردد:

– لقد كنت مخطوبة لفترة، حينما كنت في العشرين .. ولكن لم ينجح الأمر .

– لماذا ؟!

صمتت بجمود طغى على وجهها فجأة، ثم قالت مبتسمة بعد تردد بحسرة ساخرة:

– لقد تزوج ابنة عمي ..

نفثت دخانها متفكرة .. ثم أضافت:

– رغم أنني أحببت الوغد اللعين دون أن يستحق .

فقال جابر:

– أليس هذا هو الحب الحقيقي ؟! أن تحب شخصا لا يستحقه بالضرورة ؟! وإلا لأصبح شيئا آخر، أشبه بمكافأة أو توافق انطباعات ومصالح .

فابتسمت ثم قالت:

– أظن ذلك .

قام من السرير بصعوبة، شعر بظهره ثقيلا لا يكاد يحمله .. أخذت تتأمله وهو يستعد للخروج، يغلق أزرار ثوبه محدقا بوجوم .. فقالت فجأة:

– هيه، كيف هي الحال في مثل حالتك ؟!

تطلع فيها بشيء من الدهشة والحيرة، ثم قال متفكرا:

– إنها تشبه ركوب القطار .

فقالت مبتسمة:

– وماذا يشبه ركوب القطار ؟!

– ألم تركب قطارا من قبل ؟!

– لا .

وقف يتفكر للحظات ثم قال بهدوء:

– هنالك زمنان في القطار، زمن في داخله تشعر فيه بدبيب الوقت، وبكل ما يصدره البطء من ملل وخمول، حتى يبدو وكأنك عالق في مكان ما .. وهنالك زمن خارج القطار، سريع، تمر فيه الأماكن كرسومات انسكب عليها ماء فاختلط بعضها ببعض .

أخذ يتأملها للحظات فتبادله النظر بجمود .. استدار متجها نحو الباب فقالت له ساخرة:

– هيه، تعال مرة أخرى وسأمنحك خصما .. ليس لدي زبائن كثر فوق الخمسين .

فابتسم وهو يهز رأسه ثم خرج .

 

 

7

ظل الطبيب النفسي منكبا على قراءة ملفه، وحينما انتهى رفع رأسه وحدق في جابر بدهشة وحيرة يحاول كبح جماحهما .. ثم قال بصعوبة:

– إذا أنت في الستين من عمرك ؟!

– تقريبا .

– بالطبع .. ولكنك أيضا في السادسة والعشرين ؟!

– بشكل أدق، في السادسة والعشرين و8 أشهر بالضبط .

فهز الطبيب رأسه بأوتوماتيكية مصطنعة، أغلق الملف وصرف انتباهه إلى جابر بكامل جسده، بطريقة كاريكاتيرية، وكأنه يستعد لإلقاء سر خطير .. ثم قال بعد تردد:

– ما الذي تشعر به تجاه هذا ؟!

صمت جابر متفكرا، وكأنه لم يسمع سؤاله .. ثم قال:

– لقد فكرت بالموت لأول مرة مساء البارحة .. أعني أول مرة بطريقة شخصية، كنت أفكر فيه سابقا كموضوع فكري فلسفي .. ولكنني الآن أفكر به كاحتمال مطروح، ثمة فرق هائل بين الحالتين .

ثم صمت وهو يتذكر حديثه مع والده بوجوم، فقال الطبيب:

– هذا أمر طبيعي .. الجميع يفكر بالموت .

فاندفع بحدة:

– ولكن الجميع لا يفكر به كما أفكر به، نعم الموت يوجد في كل مكان، ولكن لا أحد يشعر به حقيقة .. نحن جميعا منغمسون في اجترار الزمن، في ملاحقة اللحظة التي تسحبنا وراءها أينما ذهبت، نعرف الموت والقدر، نتأسف على الأحلام الضائعة والمتع المهدرة والسنوات التي تمر كالسحاب، ولكننا لا نفعل شيئا تجاه ذلك، لأننا منغمسون في الزمن، الزمن الذي يجعلنا نركض وراءه كالكلاب بتحركه المستمر، وحينما نقع على الشيء الذي نريد، في تلك اللحظة الأسطورية الهلامية، نكتشف أنها لا تلبث إلا أن تتلاشى سريعا، فنعاود اللحاق وراءها مرة أخرى، وهكذا تستمر الحياة إلى أن نكتشف أن أحلامنا مهدرة بالفعل، وأن سنوات شبابنا ضاعت ببساطة، وأن متعنا مجرد غطاء لملل روتيني بغيض .. يجب أن يتوقف الزمن اللعين إذا أردنا أن نفهم الحياة، أن نستمتع بها .. ولكن لا أحد يستطيع إيقاف الزمن، لا أحد يستطيع القبض على اللحظة .

صمت بانفعال، وأخذ يحدق في الطبيب الذي بدت عليه بوادر دهشة مترددة .. فقال كيفما اتفق:

– ولكن هل خرجت بأي شيء من هذه التجربة ؟!

– وما الذي يفترض بي أن أخرج به بحق الله ؟! إنني أموت هنا، لا وقت لاكتساب الحكمة .

– كثيريون يؤكدون أن مثل هذه التجارب تقود إلى اكتشافات مذهلة، تمنحك قدرة على الاستمتاع بأشياء أصبحتَ تنظر إليها من زاوية مختلفة .

– هل تسمعني ؟! لا يمكن أن يتغير شيء بتاتا ما دام الزمن متحركا .. لقد ذهبت إلى الريف، حدقت بشغف في الطبيعة اللعينة هناك، وفي خلال 10 دقائق تحولت الصورة التي كنت مأخوذا بها لتصبح: مكررة، هكذا وبكل ببساطة .. خلال 10 دقائق فقط اختفى الشعور وبقيت الذكرى، لم أعد أشعر بشيء، لأن الشعور لم يعد موجودا، الذكرى هي الموجودة فقط .. هل تفهم ما أقول ؟! من يوم كامل، لا أنال سوى 10 دقائق فقط، 10 دقائق، كل ما عداها يتسرب كالماء في قبضة اليد، أقضيه لمجرد مرور الوقت .. هذا الزمن اللعين، هذا الزمن اللعين الحقير .

شعر بغضب عارم يجتاحه، أراد تحطيم كثير من الأشياء، أراد أن يصرخ بكل قوته لا لشيء سوى أن يثبت للكون أنه لازال غاضبا .. وقد همَّ بفعل ذلك، ولكن موجة سعال داهمته سريعا، فأخذ يسعل بشدة حتى شعر بأحشائه تخرج من فمه، فتهاوى على كرسيه بانهزام وهو يتنفس بصعوبة .

كان الطبيب يجلس بحيرة وخوف، يحاول مداراة شعور عميق بالحسرة على قبول مقابلته .. يفكر وهو يحدق فيه بقلق “ما الذي يفترض أن تقوله لشخص كهذا ؟!”

اعتدل جابر في جلسته، وعاد ليتحدث من جديد:

– لقد ضاجعت فتاة في الشهرين الأخيرين .. أي منذ أن كنت في الخمسين وحتى أصبحت الآن في الستين .

أخذ يضحك لاعنا وهو يصرُّ أسنانه بغضب، ثم عاد ليستكمل:

– بعد المرات الخمس، لم أعد أشعر بالإثارة فعلا إلا حينما أقذف، كل شيء قبله أصبح مجرد تكرار لا طائل منه .. هل سألمس شيئا جديدا لم ألمسه ؟! هل سأقع على مكان سري لم أصل إليه من قبل ؟! لحظة القذف لا تتجاوز 20 ثانية، كل تلك الأساطير حول الأنثى، كل تلك المجهودات الخرافية التي تُـبذل من أجلها، كل تلك الأهمية التي تناط بالجنس، كلها، تتلخص في 20 ثانية لعينة ..

أخذ يضحك بشيء من الهستيريا وهو يردد:

– 20 ثانية ؟! هل تستوعب كمية الانحطاط الذي نمر به ؟! هل تفهم حقارة الوضع الذي نحن فيه ؟! هل نملك سيطرة فعلية على أي شيء ؟! هاه ؟! أخبرني .

صمت بانفعال، يحدق في الطبيب الذي يبدو في أقصى مراحل التوتر .. فقال جابر مشمئزا:

– هل أنت طبيب بالفعل ؟! أخبرني لن أغضب .

غصَّ الطبيب بكلماته ثم قال بصعوبة:

– لقد اشتهرت في معالجة الأطفال الذين يعانون من التبول اللاإرادي .. ولكنني لست جيدا في التعامل مع الحالات الشـ ..

ثم صمت مرتبكا، فأخذ جابر يحدق فيه بذهول .. ثم قام من كرسيه بصعوبة وخرج بصمت .

 

 

8

اعتاد في الأيام الكثيرة التي أصبح يستلقي فيها عاجزا عن النوم، أن يغرق في أفكار خيالية لا تمتُّ بصلة لمنطقه المتجرد .. يتخيل أن لديه سيفا أسطوريا، وقاربا أسطويا، وبوصلة أسطورية، يقودها إلى حيث يعيش الزمن، في جزيرة منزوية من هذه الأرض السحيقة، يهاجمه على حين غرة ويغرس سيفه في قلبه، فيموت الزمن، وتتحول الحياة إلى تمدد بطيء، تقبض فيه على اللحظة، وتستولي على الشعور دون أن يسلبه تكرار الثواني المتلاحقة .. ولكنه يغرق سريعا في تخيل تلك الحياة اللازمنية، كل ذلك البطء، والتخمة باللحظة المتمددة .. فيدرك أن الإنسان كائن حقير، لم يخلق في هذه الأرض ليستمتع، هذه الحياة لم تصمم للمتعة واللذة، وقد صُـمّم الإنسان خصيصا لهذه الحياة، فلا طائل من ملاحقة ما لا يمكن أن ينال .. إنها تبدو الآن له كما قرأ لمدام دي ستال ذات مرة “في الحياة يجب أن تختار: إما الملل، أو العذاب”

كان يخرج في منتصف الليل، يلفُّ الشوارع الهامدة في الظلام المهيب، حينما تغفو عين السهر، لاصوت يعلو على صوت عكازه الذي يضرب في الأرض .. يتحدث لأشخاص غرباء في المطاعم والكافيهات، عن الحياة والقدر، عن الحب والقسوة، عن اعترافات لا تروى إلا في ليلة خارقة، تختزل الوجودَ في رجل واحد يتوسد أحضان الطبيعة، يبدو لنفسه وحيدا في هذا الكون، وكأن الوجود تجرد من كل شيء لينصت له، جميع من حوله مجرد اكسسوارات لتبرير وجوده .

دخل المستشفى عدة مرات، أصيب بجلطتين، واحدة في الدماغ والأخرى في القلب، ونجى منهما ليشيخ من جديد .

القسوة في العالم أصبحت تبدو بالنسبة له وباءا يجترُّ الجميع .. يتفاعل مع من أصيب بمأساة، يشاركه لعناته، ويرفض مواساته، مؤكدا أن الموت مصير يوحد البشر، مهما اختلفوا .. فالفقير يخاف الجوع، والغني يخاف الفقر، والصحيح يخاف المرض، والمريض يخاف اليأس، والقنوع يخاف المفاجأة، والجميع يخاف الموت .. نعم، الموت يوحدنا .

 

 

9

في اليوم الذي أتم فيه الـ26، توفي جابر وقد تجاوز الـ80 من عمره .

 

 


⁂

أحمد الحقيل

روائي وقاص سعودي. عن الكاتب ←

النشرة

رسالة حين يُنشر نص جديد في المدونة أو يصدر كتاب.

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة