الخلق الجديد

 

 

1

– هل هي القيامة يا سيدي ؟!

ظل الرقيب حمدان محدقا بجمود ذاهل في القبور العشرة المنشقَّة .. التفت نحو مساعده سالم باشمئزاز متصلب:

– هل تبدو لك الشمس في الغرب ؟!

تردد الشاب وقد رفع رأسه للشمس:

– لا ..

– هل أنت الآن في السماء ؟!

– لا ..

– إذاً كيف تكون القيامة ؟!

عاد ليحدق في القبور بجمود، يقفان تحت شمس الصيف المصطلية، تهب الريح فتثير أتربة المقبرة، وتتردد في الصمت المطبق أصوات الحركة في المزارع القريبة على الطريق الزراعي .. مر أمامهما كلب شارد، يسير بثقة متنقلا بين القبور، يتشمم الفارغة منها .. قفز سالم في محاولة لطرده، فتأمله الرقيب بخمول، يفكر بأنهما يقفان في موقف لا يختلف عن هذا الكلب، جميعهم لا يعرف ما الذي يحدث .

عاد سالم ليقف بجانبه، شبك يداه بحيرة، يتطلع بطرف عينه نحو الرقيب، فبدى له غارقا في تأمل لا نهاية له، أغلق عيناه نصف إغلاقة بفعل الشمس، ووقف كالصنم، لم يكن يفكر في شيء ذي جدوى، بدى منشغلا بمداراة جموده الفارغ .. كان الرقيب يوصف بالرجل الصخرة، يمر يوم كامل دون أن يفتح فمه بكلمة، تقول زوجته ساخطة أن الله خلق له فما ليستعرض به فقط، يحدق في الآخرين بصرامة لا فضاضة فيها، تبدو عيناه تحت حاجبيه الثقيلين كشعاع من ضوء، يستطيع الجلوس على كرسيه بجمود لساعات طويلة، محدقا في الفراغ أمامه، لا يبدو جليا إن كان يفكر في شيء أم أنه يغرق في نوم يقظ .

قال سالم:

– هل نبلغ الأمارة ؟!

فرد ببطء ثقيل:

– لقد أبلغت الأمير .

كان أمير القرية صالح الرباحي رجلا بدينا مزواجا، ينحدر من عائلة توطنت هذه القرية منذ زمن بعيد .. أخذ يتهادى بين القبور معرضا للسقوط، محاطا بثلاثة من أبنائه .. وقف بجانب الرقيب محدقا بذهول، ثم قال:

– اللهم لا إله إلا أنت .. لا بد أنهم سارقوا جثث، أليس كذلك ؟!

اتجه حمدان بخطوات متئدة نحو أحد القبور، ركع أمامه ثم حرك التراب من حول الفتحة قائلا:

– كما في المرة السابقة، التراب مدفوع من الداخل .

فهمس الرباحي بجزع:

– اللهم لا إله إلا أنت .

ثم اكمل ساخطا:

– كيف حدث هذا للمرة الثانية ؟! أين كنتما ؟!

تطلع حمدان إلى مساعده بجمود ساخط، فنكس الأخير رأسه باستحياء ثم قال معتذرا:

– لقد نسيت .. لم أكن أظن أن شيئا سيحدث .

رفع الأمير سبابته مهددا:

– قبر واحد لرجل مجهول نستطيع أن نتجاوز عنه، ولكن عشرة قبور ؟! ماذا سنقول لأهلهم ؟! .. هذا لا يمكن أن يحدث مرة أخرى .

فقال حمدان بإصرار:

– لو كان لدينا مزيد من الرجال لما حدث هذا ..

فاستكان الأمير كعادته أمام إصرار الرقيب، وقال بلهجة معتذرة:

– ولكنك لا تملك مزيدا من الرجال يا حمدان .. كيف تريد مزيدا من الرجال في قرية نائية في عمق الصحراء لا تتجاوز 60 بيتا، غيرك لا يمتلك مركز شرطة من الأساس .

ثم حدق في القبور من جديد وهتف بجزع ملوحا بيديه:

– اللهم لا إله إلا أنت .. أي مصيبة فعلت لأستحق كل هذا .

ثم مضى هاربا يتهادى بين القبور وقد شمر عن ثوبه .. خرج الرقيب ومساعده من المقبرة قبل الساعة الثامنة، قام سالم بتعبئة “أديتر” الكابرس الذي “بوَّخ” بفعل الحرارة، واتجها إلى المركز داخل القرية، على بعد أقل من 3 كيلو مترات .. تجاهل الرقيب كعادته ثرثرة مساعده الذي كان يستسلم للحديث حين يشعر بالتوتر، ظل يجلس متصلبا وراء المقود، ينصت بجمود لهدير المكينة وعثورة الريح من النافذة، يتكئ بمرفقه الأيسر على حافة الباب ويحدق في الأمام بتصلب .. لم ينتبه إلا حينما سأله سالم:

– هل تريد أن نبلغ مركز المجمعة ؟!

ترقبه سالم حتى قال بحزم قاطع:

– لا .

حدق فيه باستغراب، لقد وصل إلى مرحلة لم يعد يحاول فهم دوافعه، قال له ذات مرة “نحن من جيلين مختلفين، لن أفهم أبدا لماذا تصر على الحديث معي، ولن تفهم لماذا أتجنب الحديث معك” .. ولكن سالم أصر قائلا بهدوء:

– نستطيع الذهاب إليهم في حال لم يتمكن سرور من إصلاح جهاز البرقية .

فرد بحدة:

– تريد الذهاب 60 كيلو بهذه الخردة في طريق صحراوي لإبلاغهم بماذا ؟! .. هؤلاء الأوغاد لا يعلمون شيئا لا نعلمه .

تذكر كل شيء يرتبط بتلك المحافظة اللعينة، حينما نُـقل منها نقلا تأديبيا إلى مسقط رأسه هنا، بعد أن اعترض بالضرب على قرار لرئيسه .. 10 سنوات مرت منذ عام 1388، لقد بنى هذا المركز من العدم، قضى على قطاع الطرق الذي فُـتح من أجل القضاء عليهم، لن يسمح لأوغاد تلك المحافظة أن يلحقوه إلى هنا، إلى بيته الذي منحه الأمير المتبطّل حرية “الحل والربط” فيه .. ولذا قال فجأة باندفاع غير مبرر:

– يجب أن تفهم شيئا: من العار أن تركض إلى الآخرين مع كل مشكلة، هذه المكان هو مكانك، ليس لأحد حق فيه .. هل تفهم ؟!

فقال سالم بطواعية:

– أفهم .

صمت قليلا ثم عاد ليقول:

– وأمر آخر، ما حدث بالأمس لا يمكن أن يتكرر ..

فرد بخجل:

– حاضر .

وصلا إلى المركز، عبارة عن بيت حجري مستأجر من طابق واحد، يعمل فيه حمدان ومساعده سالم، وجندي أمّيٌّ يدعى سرور يتولى أمور المكتب .. على جبين المبنى لوحة متهالكة “قسم الشرطة”، كتب على الجدار بجانبها “لكل من يبحث عن عمل لا عمل فيه”

وجد حمدان في مكتبه رجلا يجلس بقلق على طرف الكرسي، انسحب شماغه على هامة رأسه، يحدق بذهول في الفراغ .. سلم على الرقيب بعد دخوله بحفاوة مرتبكة وسأله عن حال زوجته المريضة بقلة اكتراث، فأدرك أن شيئا ما قد حدث، وهو أمر لا يحدث كثيرا هنا: أن يحدث شيء .. فقال له وهو يتجه إلى المكيف:

– ما الذي أتى بك في هذه الساعة المبكرة يا عدنان ؟!

حدق الرجل فيه بجزع، ثم قال ببطء:

– هل تعرف والدي ؟!

أشعل حمدان المكيف فثار غباره لتنتشر حبيباته في خطوط الضوء، ثم جلس على كرسيه المتهالك فأزعجه صرير الحديد الصدء:

– نعم رحمة الله عليه .

تردد عدنان في الحديث، بدا وكأنه يحاول اختيار عبارة مناسبة دون جدوى .. فقال فجأة:

– لقد عاد .

ظل حمدان متكأ على ظهر كرسيه بجمود، أحدَّ حاجباه بحيرة ثم قال:

– عاد ؟!

فقال الرجل ضاحكا بشذوذ:

– لقد عاد .

اعتدل في جلسته فانفجر صرير الكرسي بشكل لا يناسب توتر الموقف:

– ما الذي تقصده بـ “عاد” ؟!

فهز عدنان رأسه وكأنه يحاول فهم السؤال، ثم قال بعد تفكر:

– عاد .. عاد .. عاد .

كان الجندي سرور يقف بدلَّة القهوة مصدوما بجانب الرجل .. تطلع في الرقيب مترقبا، فبدى وكأنه يغرق في الذهول، رغم أن ملامح وجهه لازالت تصر على جمودها .. قال ببطء حذر:

– أتقصد أنه حي ؟!

فرفع يداه بارتياحِ من وجد الكلمة المناسبة أخيرا:

– نعم .. حي .. إنه حي .

ولكنه لم يجد كلمة أخرى فظل يردد: حي، حي، إنه حي .

دخل سالم مؤكدا أن جهاز البرقية لا أمل في إصلاحه قريبا، ويلعن شركة الهاتف التي لم تصل القرية بخطوط الاتصال بعد .. رفع رأسه فلاحظ ما يحدث:

– ما الحكاية ؟!

فقال سرور متوغلا في ذهوله وهو يؤشر على عدنان:

– لقد قام والده من الموت .

خيم الصمت للحظة بدت وكأنها خارج نطاق الزمن، الجميع يغرق في أفكاره بذهول مطلق، وسط دمدمة المكيف المزعج، وأشعة الشمس المتسللة كالعصيّ من شقوق الستارة ..

ذهبوا جميعا إلى بيت عدنان، لم يكن الرقيب واثقا مما ينتظرهم هناك، فأخذ سرورَ تحسبا لما قد يحدث، وأقفل المركز مخالفا بذلك القوانين .. جلسوا أمام الشيخ الذي تربع متصلبا بجانب ابنه، على رقبته بقعة تراب لم تتلاشى بعد استحمامه، يقلب في سبحته بجمود أمام الموقد الحجري .. صمتٌ مطبق يخيم على المجلس الصغير بأثاثه البسيط وجلساته المهترئة، تفوح فيه رائحة الهيل والتمر والحطب، ويختلط حر الأشعة مع هدير المكيف الصحراوي، الجميع يجلس بطريقة كاريكاتورية متصلبة، والجميع يكابد نغزات فرشة الحصير على الأقدام العارية .. افتتح الشيخ الميت الحديث قائلا:

– لماذا لا تشربون قهوتكم ؟!

رفع الرقيب فنجاله مبتسما فرفع الجميع فناجيلهم بأوتوماتيكية .. ثم قال:

– هذا الحر لا يشجع على شرب القهوة يا عم .

فهز العجوز رأسه مرددا:

– صحيح، صحيح، هذا المكيف صنيعة الإفرنجة يظن أن بإمكانه هزيمة الشمس .. ولكن هذا الحر ليس شيئا عند حرنا القديم .

اتجهوا بأنظارهم إلى الرقيب، شعر بارتباكهم يجتاح ارتباكه فيثير حفيظته .. أخذ يفكر بطريقة يستطيع من خلالها جس نبض العجوز .. فقال بهدوء مصطنع:

– هل تعلم يا عم في أي يوم نحن ؟!

نظر له بحدة ثم قال:

– هل تظنني أصبت بالخرف ؟! .. بالطبع أعلم في أي يوم نحن .

– طيب .. ما هو ؟!

فهتف غاضبا:

– الاثنين .

– والتاريخ ؟!

– 1397 .

فهمس الجندي سرور بصوت خافت:

– لا إله إلا الله .

انتبه العجوز له:

– ماذا ؟!

أدرك الفتى أنه يتحدث إلى رجل ميت، فغص بريقه وطأطأ رأسه محدقا في فنجاله بصمت .. حاول الرقيب أن يحافظ على هدوئه، ولكن أشعة الشمس الحارقة التي تهاجم جبينه، والقهوة اللاذعة التي شربها، وهدير المكيف المزعج، والموقف بأكمله جعل قطرة عرق تسيل على صدغه، هي أقصى مظاهر الارتباك التي قد تظهر على الرجل الصخرة .. فظل صامتا حتى قال الشيخ:

– ما الحكاية ؟! ما كل هذه الأسئلة ؟!

فقال ابنه:

– ولا شيء .. إنهم هنا ليحققوا حول جريمة سرقة حدثت في البيت المجاور .

– سرقة ؟! في قريتنا ؟! العالم يسير إلى الدمار لا محالة، لا إله إلا الله .

أكملوا شرب فناجيلهم بصمت، ينصتون للشيخ متحدثا حول حر الزمن القديم وبرد الزمن القديم وحياة الزمن القديم، لا يبدو شخصا ميتا، يفتقد ذاكرة بما حدث، قام فجأة من الموت، وعاد إلى المكان الذي توفي فيه، ليستكمل حياته من المشهد الذي انقطع منه .

خرجوا من بيت الشيخ فلحقهم ابنه، أمسك الرقيب متجها إلى ظل الجدار، وسأله بعصبية:

– ماذا أفعل ؟!

فرفع كتفه بحيرة ثم قال:

– لا أعلم .. راقبه جيدا، إلى أن نستطيع اكتشاف الأمر .

– ولكن ..

ظل يبحث عن كلمة تكشف ما يريد قوله، يشعر بجحيم الشمس يزحف فوق هامته، فيكاد ينفجر:

– ولكن .. هل هو والدي بالفعل ؟!

نظر الثلاثة في بعضهم بحذر، شعروا بالدم يزحف في عروقهم .. فقال الرقيب:

– طبعا .. ولكن .. انتبه .

حدق عدنان في الرقيب بشيء من الحدة، وكأنه يقول ساخطا “أهذا كل ما لديك أيها الصخرة اللعينة ؟!” دخل إلى بيته مستغفرا محوقلا لاعنا شاتما .. التفت حمدان بحدة إليهما:

– اذهبا إلى المركز بالسيارة .. سأمشي إلى هناك .

ولكن سالم أعطى مفتاح السيارة للجندي وقال لرئيسه:

– سأذهب معك .

سار بجانبه ممسكا بقبعته، أراد أن يلبسها ليتقي حر الشمس المصطلية، ولكنه خجل من أن يفعل ذلك بينما يسير رئيسه حاسر الرأس .. كان حمدان يمشي ببطء راقص كعادته، وضع يداه في جيبيه وأخذ يحدق أمامه بجمود .. شعر سالم بشيء من الارتباك، بماذا يفكر الصخرة ؟! وعلى ماذا يخطط ؟! .. اقترب منه بحذر ثم قال:

– كيف سنحقق في الأمر يا سيدي ؟!

فرد حمدان بثقل:

– بأن ننتظر .

شعر سالم بالإحباط، توقع شيئا أكثر وضوحا ومباشرةً من ذلك .. مرا بجانب محل بائع البهارات مرزوق وهو يغلق المحل مع صبيه، ألقى السلام عليهما فرد سالم بمثلها واكتفى الرقيب بهز رأسه .. كانت القرية في مرحلة انتقالية بين البيئة الزراعية والمدنية، تترواح بيوتها بين الطينية القديمة وبيوت الطين المسلح ونزر قليل تم بناؤه بالبلك، منها مركز الشرطة، لا ترتفع أكثرها عن الدور الواحد عدى عدة بيوت من بينهم بيت حمدان، تصطف بعشوائية فتبدو بعض السكك مائلة بشكل غريب، تمت زفلتة بعضها ولم يحن دور الأكثر منها، رغم أن غير المزفلتة لم تكن ترابية تماما، اندقَّ سطحها تحت وقع الخطى والسيارات المعدودة على الأصابع .. قال سالم بلهجته المصرة:

– ولكن ما يحدث ليس معقولا يا سيدي ؟!

نفخ الرقيب بملل وهو يقول:

– هل رأيت ما حدث ؟!

– نعم .

– إذاً كيف يصبح أمرا غير معقول ؟!

بحث سالم عن جواب دون جدوى، فطأطأ رأسه ليحدق في قبعته التي يقبض عليها بيديه .. أخذا يسيران في عمق الشارع الترابي، يضج من حولهما ظُهر القرية المقفر، والبيوت الهادئة التي يتكدس فيها الظل ليؤوي الهاربين من لهيب الشمس .. تسلل إليهما صوت مطلق الذيابي من راديو العم مفلح حينما سارا بجانب بيته، وقابلا المعلم زهير وهو خارج من المدرسة فحياهما مازحا بلهجته الصعيدية .. ثم دخلا في إحدى السكك الضيقة المؤدية إلى المركز، فاضطر سالم إلى أن يسير خلف رئيسه الذي توقف فجأة، التفت نحوه ثم قال بجمود:

– لماذا لم يصلنا خبر عن صاحب القبر الأول ؟!

– لأنه يعود لعابر سبيل لا ينتمي للقرية، الأغلب أنه خرج من هنا منذ أن …

صمت مترددا ثم قال بغرابة:

– خرج من قبره .

بدت الكلمة شديدة الشذوذ، فظلا يحدقان في بعضهما بصمت، حتى لاحظ سالم نفحة ارتباك طفيفة تلوح على محيا حمدان، الذي صرف نظره ثم قال بصوت مقتول:

– يجب أن نتوقع خبرا من التسعة الباقين .

استدار من جديد ومضى متجها إلى المركز خارج السكة الضيقة .

وجدوا 9 أشخاص ينتظرونهم منذ أكثر من ساعة عند باب المركز، حاصروا سرور بأسئلتهم حتى كاد أن يتعارك مع بعضهم، جميعهم جاؤوا بأخبار أمواتهم الذين عادوا فجأة .. من ضمنهم الشيخ صالح، خطيب الجامع .. استفرد بصديقه حمدان وهو يردد بجزع:

– لقد عاد ابني .. ما الذي يحدث بحق الله ؟!

فرد الرقيب:

– أتسألني ؟! يجب أن تجيب عن هذا السؤال بنفسك .. كيف يعود الأموات من الموت ؟!

فقال الرجل بسخط:

– أنا لست عالما، أنا رجل كتب 20 خطبة يكررها في كل مرة .. وحتى لو كنت عالما فلن أجد جوابا، ما يحدث لا جواب له .

اجتمع حمدان مع التسعة، بكل الأسئلة التي تلاشت دون أجوبة، والضجيج المتوتر الذي لم تُهدّئ جذوته محاولة تحليل الموقف .. أخبرهم بضرورة أن ينتبهوا لمن عاد، فلا أحد يعلم بالضبط ما الذي يمكن أن يحدث .. ثم أعدَّ عدته للسهر في المقبرة مع سالم، وطالب الجندي بفتح المركز طوال الليل استعدادا لأي طارئ .

صليا العشاء في الجامع ثم ذهبا إلى المقبرة مشيا، يخترقان الطريق الزراعي الذي يربط بينها وبين القرية، ببنداقهم الملقمة احتسابا لأي طارئ، وقوارير المياه التي ستطفئ ظمأ الليلة الحارة .. جلسا في زاوية من الزوايا، يتكئان على الجدار، يحدقان في القبور الهامدة التي تكتسي بضوء القمر الخامل .

كان الصمت بطل المشهد، بكل ثقله الآسر، بدبيب وحشته فوق القبور المتوثبة، لا يباغته غير حفيف النخيل المجاور، وهسيس الأنفاس التي تنعتق من احتباسها .. لا شيء سوى الصمت، والظلام الباهت بضوء القمر .

جلس حمدان منغمسا في اجترار سكينة شاذة، هذا الصمت الموحش الذي يثير توتر الآخرين؛ لم يكن يثير فيه سوى شعور عميق بالسكينة .. كان يحلم بالعيش في مكان يبدو الوقت فيه مثقلا، يزحف ببطء، كما كان في طفولته حينما لم يكن للزمن سلطة على أبدية اللحظة، بل أنه كان يفكر ساخرا في أن يطلق على ابنه اسم صمت، “صمت ابن حمدان”، ربما لأنه كان مدركا عدم قدرته على الإنجاب أصلا ..

أما سالم فعلى النقيض، شعر بدقات قلبه كالنواقيس، وبحمأة التوتر كحشرات تزحف بين جلده وعظمه، فانطلق يتحدث عن أشياء لا علاقة لها بالموقف، بطريقة مضطربة غير مترابطة .. أحس الرقيب بأزيز الكلمات ينحدر على أذنه كوابل من رصاص، يشتت سكون اللحظة الموحش، فالتفت إلى مساعده فجأة بسأم خامل:

– لماذا تتحدث كثيرا بحق الله ؟!

انتبه سالم بارتباك، ثم قال بصراحة:

– أظن أنني خائف يا سيدي .

عرك عينه اليمنى بخمول ثم سأله:

– ما هذه التي في يدك اليمنى ؟!

رفعها سالم محدقا بحيرة:

– بندقية .

– إذاً تخاف من ماذا بالضبط ؟!

فكر قليلا ثم قال:

– وهل تستطيع البندقية دفع كل شر يا سيدي ؟!

– إذا لم تستطع فلن يدفع هذا الشر شيء آخر، فلا طائل من القلق إذاً .. الشرطي ليس من يفرض القانون فقط، الجميع يستطيع أن يفرضه، ولكنه الرجل الذي يتقدم حينما يتراجع الآخرون .. وإلا فما فائدتك إذاً ؟!

صمت سالم بشيء من الخجل وقد تشبث ببندقيته، فكر أنه ظُلم في هذا النقاش، إذ لم يكن يتخيل أن تكون هذه الوظيفة مناطة بملاحقة الموتى، لم يكن أحد يتخيل ذلك .

فكر حمدان في حالة مساعده بشيء من الغضب، شعر أنه مسؤول عنه، عن خوفه وقلقه، وهو ما أزعجه، أن يكون مقيدا بفتى عوضا عن شريك .. فقال بهدوء يكبح خلفه انزعاجه:

– هل خرجت من القرية يوما ؟!

انتبه سالم متفاجئا، ربما تكون المرة الأولى التي يطرح فيها الرقيب سؤالا شخصيا، لا يمت للموقف بصلة .. فقال بعد تردد:

– للمجمعة في فترة التدريب ..

ثم صمت بتردد .. راقب سكوتَ رئيسه المنتظِر فتشجع قائلا:

– هل ذهبت لغير المجمعة ؟!

– إلى أبها ذات مرة .. قبل عشر سنوات .

تذكر حمدان تلك الرحلة الشاقة بضبابية، الجبال الخضراء والطرق الوعرة والزرع والمطر .. قال بصوت تلفحه نفحة طفيفة من أسى:

– نحن عبيد الذاكرة، الوقوف أمام تل في قريتنا تسقط خلفه شمس الغروب ليُشعل فتيل الذكريات، يبدو أكثر إثارة للشجن من الوقوف أمام مروج أبها الخضراء .

هسهس صرصار الليل فجأة، وكأنه استشعر حضور حياة غير متوقعة في المقبرة، صحبة أنيسة لا علاقة لها بالموت والأبدية .. فكر سالم قليلا ثم قال:

– كان الوقت الذي قضيته في المجمعة كئيبا، مليئا بالمشاكل، التقطت ذات مرة صورة في محل للتصوير، وبعد أشهر عديدة وجدتها فجأة، لاحظت أنني كنت مبتسما، لم يكن هنالك ذرة حزن تعكس حقيقة ما كان يحدث، أدركت أن تلك اللحظة كانت بالفعل أسعد لحظة لي هناك، رغم أنني لم أدرك ذلك حينها .. أظن أن الذاكرة تشبه هذه الصورة، تمنحك فرصة اكتشاف ما لم تلاحظه في وقته .

ابتسم حمدان بلذة وهو يستغرق في انهمار السكون، ابتسامة لا تكاد ترى، ثم همس بصوت لا يسمع:

– ولهذا نتحسر على الماضي، لأننا أكثر غباء من أن ندرك لذته في حينه ..

– الإنسان مخلوق معقد بالفعل يا سيدي .

أحس سالم بعاطفة جياشة تجاه هذه اللحظة، هذا القرب الحميمي من الرجل الصخرة، صورة الأب والأخ والصديق التي تختبئ خلف مظهر المعلم المتصلب .. فاستغل أريحية اللحظة النادرة قائلا:

– لقد كان من المفترض أن أذهب إلى العاصمة للدراسة، ولكنني لم أستطع بعد وفاة أخي منصور .. اضطررت أن أساعد والدي في المزرعة .

تذكر الرقيبُ الأخ بضبابية:

– هو الذي كان يعمل شرطيا أيضا ؟!

– نعم .

– أين ؟!

– بعيدا في القصيم .. كان مفترضا أن يعود هنا ليعمل معك، وأذهب أنا إلى العاصمة .

– متى توفي ؟!

– قبل سنتين تقريبا .. قبره هناك، وقبر أبي أيضا، لقد توفي بعده بمدة .

خيم صمت طفيف، فكر سالم لأول مرة “ماذا لو قام أحدهما الليلة ؟! واللعنة” .. عاد الرقيب ليقول:

– هل مات أثناء الخدمة ؟!

– لا .. مات هنا .

– كيف ؟!

– بعد سنة من ذهابه شهد وفاة جار له، دعسته سيارة فانفصل رأسه عن جسده .

التفت حمدان لأول مرة بجمود منذهل:

– انفصل رأسه ؟!

فهز سالم رأسه بنصف ابتسامة:

– نعم، انفصل .. أصيب بجزع مجنون وحمى لعينة، فعاد إلى القرية فريسة هواجس شيطانية .. كان يصرخ برغبته في أن يعيش الحياة، أن يذهب إلى أماكن لم يذهب لها بشر من قبل، أن يشاهد ويتذوق ويلمس ويقوم بأشياء لم يقم بها بشر من قبل .. كان يمسكني فجأة ويقبلني بقوة، ثم يخبرني باكيا أنه يملك حبا لا يجد له مكانا، يتكدس في أعماقه بشغف يكاد أن يقتله .. تسلل ذات عصر والحمى تهدر في جسده، لحقته حتى وصلنا إلى سلسلة الجبال الصغيرة عند الجزء الشرقي من القرية، كان يسير كالمجنون ملوحا للسماء، يشير إلى الحفر الغريبة التي تظهر في زاوية كل جبل، يصرخ بهستيريا “أريد أن أعرف ما الذي يسبب هذه الحفر بكل هذا التناسق المذهل، أريد أن أعرف لماذا يموت ورق الشجر في الخريف، ولماذا لا ينبت عندنا شجر الصنوبر” ولماذا ولماذا ولماذا .. وبعد أقل من أسبوع توفي بفعل الحمى .

خيم صمت ثقيل على اللحظة .. قال الرقيب فجأة بصوت عميق:

– تدعى رياح التعري .

– ماذا ؟!

– التي تسبب تلك الحفر في الجبال .

فهز سالم رأسه بحيرة:

– أها .. ممكن .

ثم عادا ليحدقا بجمود في القبور .. لأول مرة شعر سالم برغبة في الصمت، أخذ يتذكر أخاه، هل من الممكن أن يصيبه الجنون كما أصابه ؟! ولكن كيف تقارن اقتطاع رأس بمشاهدة انبعاث الموتى ؟! .. أدرك بلذة أنه أكثر قوة من أخيه، لا حاجة لأن يشعر بالاستسلام أمام الخوف .. تشبث ببندقيته وشعر بكل ما يجدر بشرطي متوثب أن يشعر به .

مرت الساعات ببطء، حتى شعر الاثنان بسخافة ما يقومان به .. وفي منتصف الليل سمعا أصواتا غريبة تأتي من القبور الأمامية، اتجها إلى هناك بهدوء شديد، وكأنهما يتربصان بمجرم لا يعلم بوجودهما، وقفا على مسافة بعيدة من القبور، وتشبث كل ببندقيته، متوثبا للانقضاض، ولديه فكرة مسبقة مرعبة لما سيحدث .. لاحظ حمدان أولا يدا تخرج من أحد القبور، وشاهد سالم يدا أخرى، وفي لحظة لا يمكن أن توصف بغير الصورة المجردة للموقف، دون وسيط لغوي؛ انبثق عشرة أشخاص من عشرة قبور، خرجوا كطفل حينما ينبثق من فرج أمه، يتفتق كحياة جديد .. وقفوا يتطلعون حولهم بشيء من الحيرة، ثم اتجهوا يسيرون بشكل عشوائي إلى باب المقبرة .

ستُـعدُّ محاولةُ وصف شعور حمدان وسالم مجرد إضاعة للوقت .. ركضا نحو الباب، وقفا بجانبه يحدقان بانطباعات متداخلة يجتمع فيه الرعب والجزع والانبهار والخضوع والتكذيب، مر بجانبهما سرب الأموات العشرة، كحلم كابوسي مستحيل .. وقف أحدهم أمام الاثنان فجأة، شيخ بلحيته المشعثة وجسده الملطخ بالتراب، حدق فيه سالم بانتباه، ثم تراجع فجأة كمحتضر يسلم روحه للموت .. قال الشيخ بأوتوماتيكية متحجرة:

– ما الذي تفعله هنا مع الرقيب ؟!

فتح سالم فمه ولكن دون جدوى، غص بروحه وهو يحدق في والده بجزع وهول .. فقال الرقيب وهو يحاول السيطرة على رعبه:

– إنه معي .. إنه يعمل في قسم الشرطة .

– هل تم قبوله بهذه السرعة ؟!

ظل سالم واقفا بتصلب كالصنم، لم يلاحظ جزع الرقيب الذي قال بصعوبة:

– لقد كنا في حاجة ماسة للتوظيف .

خيم الصمت للحظات، ثم عاد الشيخ ليقول بجموده الصخري المريب:

– يجب أن تتبعني إلى البيت .. لا تتأخر .

ثم مضى ليلتحق بسربه، فأمسك الرقيب بذراع سالم يجره جرا ..

سار الاثنان وراء الأموات العشرة دون أن ينطق أحدهما بكلمة، يتخلفان عنهم عدة خطوات .. 3 شيوخ و4 رجال وعجوزان وامرأة شابة، عراة حفاة، ولكن لا يبدو أن أحدا منهم يدرك ذلك، أو يدرك اللحظة التي هو فيها الآن .. كان الطريق الزراعي الذي يربط المقبرة بالقرية مظلما، يتخلله ضوء القمر المتسلل بين الشجر المتشابك، فيكشف شيئا من أجسادهم، ويتخلل الصمتَ الموحشَ حفيفُ الأغصان وهسيس صرصار الليل وخشخشة الخطى فوق أوراق الشجر على الطريق .. يسيران بصمت مطبق، بلغ الجزع من سالم مبلغا كبيرا، بدى كالمنوَّم في سكرة ذهوله، أما الرقيب فكان يحدق بهدوء جامد، يخفي خلفه توترا صاخبا منجرفا .. قال الأول فجأة:

– إنه أبي .

فرد الرقيب بترقب:

– نعم .

رفع سالم يده إلى جبينه، عركه بشدة وكأنه يحاول القبض على عقله .. ثم قال:

– إنه أبي بحق الله .

تذكر الرقيب وفاة والده بضبابية، لم يستطع تحديد الوقت فقال:

– متى توفي ؟!

فكر بجهد:

– قبل 6 أشهر تقريبا .. قبل أن أعمل معك .

كان الجميع يسير بأوتوماتيكية تثير الرعب، بدى وكأنهم دمى تحركها خيوط خفية، يقطعون ظلال الظلمة بأرجلهم الحافية وأجسادهم المغطاة بالتراب .. لقد كان مشهدا خارقا، اقترب الرقيب خطوتان فلحقه سالم وهو يتطلع إلى والده من بعيد، وقفا بجانب شاب حليق، على ذقنه جرح موس لم يلتئم، يسير محدقا في الأرض، دون ملامح، وجه صخري .. تجرأ الرقيب هامسا:

– هل أنت جاسر بن مسعود ؟!

التفت الشاب بهدوء، ابتسم للرقيب:

– نعم أنا .. تبدو مألوفا أيضا ؟!

– أنا رقيب الشرطة حمدان، وهذا مساعدي سالم .

ولكن سالم ظل يحدق برعب جامد، دون وعي بالموقف .. فكر الشاب لحظة ثم قال:

– نعم تذكرت، لقد قبضت على الأوغاد الذين كانوا يسرقون من محصولنا .

هز حمدان رأسه إيجابا، تردد لحظة ثم قال برقة:

– هل تعلم أين أنت يا جاسر ؟!

فرد باستغراب:

– نعم، أنا في طريقي متجه إلى البيت .. لماذا تسأل ؟!

– ولا شيء .

هز حمدان رأسه مبتسما، فبادله الشاب بابتسامة امتنان ثم عاد ليحدق بجمود في الأرض .

انتبه سالم فجأة للشابة التي تسير بجانبه، عارية يترجرج ثدياها المتهدلان مع كل خطوة، فتراجع متفاجئا ليصطدم بحمدان الذي كاد أن يسقط أرضا .. لقد بدى الموقف غير قابل للتصديق، بكل عبثيته الساخرة، ولذا تأخرا بخطوات قليلة وظلا يتأملان العشرة دون أن ينطق أحدهما بأي كلمة .

دخلوا القرية فاتجه كل واحد من “الأموات السابقين” إلى بيته، كان عدد من أفراد القرية قرر السهر في انتظار ما قد يحدث، يفكر الكثير منهم باحتمال عودة ميت لهم ..

لحق سالم والده ثم توقف فجأة والتفت نحو حمدان، حدق فيه منهارا ثم قال بحيرة:

– كيف من المفترض أن نتعايش مع ما شهدناه ؟!

فكر حمدان لحظة وقد وضع يداه في جيبه ووقف بثبات .. ثم قال بخمول:

– أن تتقبله دون صراع، كأي حدث آخر .

رفع يداه بحدة:

– ولكنه ليس كأي حدث آخر ؟!

– لا يجب أن تجعل ما حدث يؤثر فيك .

فصرخ سالم بغضب:

– ولكن هذا ما يجب أن يحدث: أن يؤثر فيك .. لا يمكن لأي شخص أن يخرج من تجربة لعينة مرعبة ساحقة كهذه كما كان ..

حدق فيه بترقب ثم قال بحسرة:

– ألا تشعر بذلك ؟!

التزم حمدان الصمت متصلبا في مكانه، محدقا بثبات، فشعر سالم بخيبة أمل بشعة، هذا الرجل الحجري اللعين .. فاستدار متجها إلى اللحاق بوالده .

استقبل الرقيب في الصباح عائلات الأموات التسعة، بعجز عن التفسير، وصورة لا تفارقه من مشهد الانبعاث .. وفي الليلة التي انسحب منها سالم للتعامل مع عودة والده تكرر ما حدث، قام عشرة أشخاص من قبورهم، فسار حمدان ورائهم حتى تفرقوا في طرق القرية نحو بيوتهم، كما حدث في الليلة الماضية .

أصرَّ الأمير على ضرورة إبلاغ أحد ما خارج القرية، ولكن حمدان وقف له وقفة صارمة .. لم يحاول تبرير موقفه، كان يدرك جيدا أن الرباحي لا يحل شيئا ولا يربطه دون أن يقر بذلك، يخضع لخوف يمنعه من اتخاذ أي قرار .

لم يقم أحد في الليلة الثالثة .. ظلت المقبرة منغمسة في ظلمة الأبدية .

 

 

2

بقيت الأسباب دون تبرير، فتوقفوا عن البحث عنها .. أحدهم قال أنها معجزة كمعجزة الشمس، لا أحد يستطيع تبريرها، الفرق أننا شهدنا حدوثها ولم نشهد خلق الشمس، ولذا تقبلوها كمسوغ للإذعان لله، كانعكاس لقدرته الجبارة الغامضة .. لم يعلم أحد من الأموات شيئا مما حدث، تجنب الجميع إبلاغهم، وحينما علم أحدهم وهو جاسر بن مسعود أصيب بانهيار عصبي، وكاد أن يصاب بالجنون، لم يتذكر شيئا من ليلة الانبعاث، ولم يتذكر شيئا من وقته الذي قضاه في الأبدية .

أما سالم فلم يكن كغيره، لم يعد ينظر إلى الحدث من الصف الثاني، لقد أصبح متورطا، كحالةٍ وكشرطي، خرج من تلك الليلة بتوقعات كئيبة وتطلعات قاسية .. ظل لأسابيع يحدق في والده بريبة، يفكر أين كان، وما الذي حدث له طوال تلك الأشهر، ولماذا عاد، كثير من الأسئلة التي يُغضبه ويثير توتره عدم وجود أجوبة لها .. سأله عن الجحيم، والجنة، وعذاب القبر، والملائكة، والشياطين، ولكنه لم يجد جوابا من الشيخ الذي بدأ يشعر بعدوانية ابنه، يصرخ فيه صاخبا “لماذا تسألني كل هذه الأسئلة اللعينة ؟! ما الذي حل بك ؟!” فيكتفي سالم بالتحديق فيه بنفس الريبة المتكررة، لامباليا بتقريع والدته .. حتى أنه كان يحتفظ بسلاحه تحت وسادته، تحسبا لأي تحول شيطاني طارئ لوالده، يحاول تحليل الموقف دون جدوى، مما جعله ينغمس في صمته، ينظر بحنق إلى الجميع .. وقف ذات مرة أمام المرآة، فلاحظ أن ثمة شيء خاطئ في وجهه، ذلك الجمود الحجري، بدى وكأنه يحاول تقليد حمدان، مما جعله يتصلب واقفا بذهول أمام المرآة لعدة دقائق .

بدأت تنتشر في القرى المجاورة أخبار ما حدث، خرجت من أفواه اليمنية الذين يعملون على استيراد المواد الغذائية لدكان عزام، وعزام نفسه الذي سافر للمجمعة مرة بغرض التجارة، والمزارعون الذين رحلوا لبيع محاصيلهم، وغيرهم من النفر القليل الذي خرج من القرية، ولكن لا يبدو أن أحدا صدق ما قيل .. ليس من السهل أن تقنع الآخرين بأن مجموعة من الأموات قاموا من قبورهم، وحتى لو صدق بعضهم فسيجد صعوبة في نشر الخبر، فوسائل الاتصال تفتقد للرشاقة الكافية، كما أن موضع القرية النائية فرضها كمكان مجهول، وهو ما جعلها في معزل عن أي تدخل خارجي لمدة تزيد عن خمسة أشهر .

حينما استقبل حمدان صديقه صالح إمام المسجد في مكتبه، أخبره فجأة وهو ينقر بأصبعه على الطاولة بترقب:

– هل تعلم أننا لم نبلغ أحدا، رسميا ؟!

ثم رفع عيناه ليراقب ردة فعل صاحبه الذي قال باستنكار:

– أعلم ذلك .. ولكن لماذا ؟!

فكر حمدان بعمق:

– ما يحدث أمر خطير .. يجب أن نبحث القضية بهدوء قبل أن نؤكد أي شيء، ثم إنه أمر داخلي، لا نريد أحدا أن يعيث في القرية على مزاجه .

فكر أن ما قاله بدى مقنعا، إلا له .. لم يكن هذا السبب هو الدافع لإخفاء سر القرية الخطير، كان يشعر بشيء غامض يجبره على ذلك، حدس قوي لا يستطيع فهمه، وتوجُّس غير مبرر من احتمال انكشاف ما يحدث .. قال صالح مستفسرا:

– لا تستطيع أن تكبح سر ما حدث ..

– لقد مضت خمسة أشهر ولم نسمع شيئا من أحد .

فهز الإمام كتفه:

– الأخبار تسير ببطء وسط هذه الصحراء، لا يوجد هواتف، ولا أحد يخرج من هنا إلا نفر قليل .. ولكنها ستصل لاحقا .

– سنتعامل مع اللاحق في وقته .

– هل خرج غيرهم أصلا ؟!

– لا .. 21 قبل خمسة أشهر .

صمت الرقيب قليلا ثم قال متفكرا:

– ألا تلاحظ أن جميعهم لم يمضِ على وفاته أكثر من سنة وشهرين تقريبا ؟!

فكر الإمام بعمق ثم قال:

– لماذا ؟! ولماذا هم بالذات أصلا ؟!

فعاد الرقيب لينقر على طاولته بحيرة جامدة:

– لا أعلم .. لا أعلم .

أخذ صالح يتحدث عن الاحتمالات الدينية وراء ما يحدث، مضطربا لا يستطيع القبض على فكرة واحدة دون استطراد، اقترح استدعاء شيخ من العاصمة، ولكنه فكر في كل اللغط والتعب الذي سيتسبب به هذا الاقتراح، فصرف نظره مؤكدا عجز أي أحد عن تفسير ما حدث .. تصلب حمدان متفكرا بعمق، وخيط ضوء يتسرب على خده من الستارة المشقوقة، انتبه إلى فكرة خطفت بين هدير أفكاره:

– متى كانت آخر وفاة في القرية ؟!

صمت الإمام بحيرة، فكر قليلا ثم انتبه بشيء من الذهول:

– منذ خمسة أشهر على ما أظن .

حدق الاثنان في بعضهما بترقب .. قال حمدان:

– لا أظن أن هذا حدث من قبل ؟!

– لا .. خمسة أشهر مدة طويلة جدا .

مر الشهر السادس دون وفاة .. سرت الفكرة بهدوء، وخفة، وانسيابية .. تنقلت من دار الإمام إلى دار جاره إلى مجلس القرية إلى السوق الشعبي .. رفضها الجميع بصرامة، ولكن مجرد الاقتراح افترض التفكير فيها، وجعلها مرورُ الشهر السابع دون وفاة عرضة لإعادة الطرح، ومع كثرة الإعادة تفتقد الفكرة غرابتها .. كما أن حادثة الانبعاث من الموت لم تكن أكثر منطقية مما أصبح يقترحه البعض: لا أحد يموت في هذه القرية !

ظلت الأخبار تنتشر ببطء في محيط القرية القريب، حتى استقبلت رجلا يطرح كثيرا من الأسئلة التي قابلها الجميع بصمت، تبعه آخر، وثالث، ورابع، ذهب بعضهم وجلس البعض الآخر .. كان حمدان رغم مخاوفه الغامضة يدرك أن سرا كهذا لا يمكن احتكاره، فيثير ذلك شعورا بالحنق لا يمكن أن يبرره، يواجهه بتسويف واتكال .

قرر البحث في المصدر، ولذا اتجه بعد صلاة العشاء إلى مُغسّل الأموات في المسجد الجامع، رجل في الخمسين من عمره يدعى علي، قدم وحيدا إلى القرية منذ زمن، يعيش في عزلته كما يصف نفسه وكأن لا غد له، بلكنته الجنوبية وسحنته المتيبسة، يعمل لقاء قوت يومه ومسكن خلف غرفة الإمام .. التقى به حمدان مرات عديدة في المسجد والسوق الشعبي، فظهرا كوجهين مختلفين لرجل واحد .

لم يرغب الرقيب في إثارة أي ارتباك لدى الرجل، ولذا لم يأخذ معه سالم الذي أصبح أكثر اندفاعا وصعوبة، جاء إليه وحيدا متبسّطا، حمل حافظة عشاء وهو يقول له بحذر:

– إن كنت تكسب قوتك من تغسيل الموتى فلا بد أنك تموت من الجوع .

استقبله الرجل استقبال من لا يرى في حضوره المفاجئ أمرا مريبا، جلسا في حوش الجامع، حدق في حمدان بغموض وهو يفرش السفرة الصغيرة، ثم قال فجأة:

– إنني أسمع أشياء لا تعقل .

فقال الرقيب وهو يفتح الحافظة ويمد يده للطعام:

– ربما لأن أشياء لا تعقل قد حدثت .

لم يمد الرجل يده إلى الطعام الموضوع أمامه، بدى وكأنه لم ينتبه لإصرار حمدان، لم يكن نفورا أو حدّة من غرابة الموقف، بل بدى مرتاحا بحضور الرقيب، مدركا لما يريد، ولذا ظل يحدق بجمود ثم رفع رأسه قائلا بثبات أريحي:

– هل تعلم من هو آخر شخص توفي في هذه القرية ؟!

شعر حمدان بالرضى وهو يلوك لقمته، لقد نال ما أراد بسرعة لم يتوقعها .. فقال:

– لا .

– مرجان .

فكر حمدان بقوة:

– الرجل الذي يسكن في الجامع ؟!

فهز علي رأسه بعمق:

– هل تعلم من هو ؟!

– لا .

صمت علي لحظة، بدى وكأنه يبحث عن جملة تناسب الموقف .. ولكنه لم يجد شيئا، فقال بملامح ضبابية:

– إنه رجل ليس كالرجال ..

تأمله حمدان بريبة وترقب، شعر بالدم يزحف في عروقه وينبض في أحشائه، ثمة شيء حاسم لا محالة .. استكمل علي:

– كان يملك وجها تقرأ في تجاعيده ختم كل عام مر عليه، وتشاهد في عينيه صور من ماتوا كبقعة ضوء .. لطالما فكرتُ ساخرا أنه الزمن أو القدر أو الموت، يتنكر كواحد منا .

خيم توتر مستفز على الموقف .. بدى علي رجلا مخيفا للحظات، بحاجبيه الكثيفين وبشرته المتيبسة ولغته الغامضة .. إلا أن وجهه رق فجأة، ثم قال وكأنه يهم بالبكاء:

– حينما غسلته، لم يبدو جسده كأجساد الآخرين .. في كل لمسة كنت أشعر بموجة تغمرني، وكأن الله لمسني بيده فملأني نورا، أو ظلمة .. المهم أنني امتلأت بشيء ساحق .

ظل حمدان صامتا، منصتا بانتباه متوثب، لقد أتى إلى هنا بتوقعات منخفضة لا تمت بصلة لما يسمعه الآن .. فقال بحذر شديد:

– ولكن من يكون فعلا ؟!

هز علي رأسه بهدوء حزين:

– عابر سبيل لا يعرفه أحد .. قدم قبل سنة وثلاثة أشهر تقريبا .

خيم صمت ثقيل، يقطعه مواء قطة مريضة فتحدث ثقبا مزعجا في السكون الموحش،
احتمالات كثيرة بدأت تفرض نفسها بجزع في رأس الرقيب، يردد في نفسه ذاهلا “سنة وثلاثة أشهر، سنة وشهرين” .. استكمل علي:

– منذ أتى إلى القرية شاردا لم يبدو على حال سليمة، كان يجلس متصلبا كالتمثال، يحدق في الفراغ تحديق رجل خسر كل شيء .. وقبل وفاته بيوم جلس بجانبي بعد صلاة المغرب، ثم قال فجأة “هل تحب الحياة يا علي ؟!” قلت له “بالتأكيد” فهمس بعمق “وأنا أيضا، إنها معجزة الله فكيف لا أحبها، الإنسان والحيوان معجزة الله أيضا، فكيف لا نحبهم، حتى وإن كان بعضهم لا يستحق هذا الحب” صمت مشمئزا للحظات ثم قال “كل ما خلقه الله لا يختلف كثيرا عن الإنسان، الملائكة والشياطين والسماء والأرض، جميعنا سجناء قدر لا نفهمه، هل تظن أن الجان يدرك لماذا يفعل ما يفعل ؟! أو الزمن ؟! أو الموت ؟! أو أنا وأنت ؟! .. لا أحد يفهم شيئا، ولكن الجميع يتشبث بوظيفته، بحياته، لأننا نحب هذا الوجود .. إننا فريسة خضوع، نظن القدرة على الخلاص منه، ثم نكتشف أننا واهمون .. نحن عبيد، عبيد واللعنة”

صمت علي بتأثر، حدق حمدان في الرجل بجزع استولى على ملامحه، كما لم يشعر به من قبل .. مد المُغسّل يده إلى الطعام بارتياح مفاجئ، وكأنه كان يمثل مشهدا مسرحيا انتهى، فعاد إلى طبيعته .. أحس حمدان برعب غامض وهو يتأمل الرجل، ما حدث هنا أمر يعتمد على المفاجأة اللادغة، فيكشف ضعف الموقف البشري حينما يتجرد من سلاح التوقع .. انسحب متحججا بتأخر الوقت، وخرج من عنده وهو يشعر لأول مرة برغبة ملحة في الصراخ .. ولكنه عاد إلى الباب فجأة وسأل الرجل:

– لماذا تقل شيئا لأحد ؟!

رفع علي رأسه:

– لقد قلت للأمير ذات مرة، ولكنه لم يبدو مقتنعا بما أقول .

خرج وهو يلعنه ويلعن الأمير الأحمق .. أخذ يسير في الأزقة المظلمة للقرية الخاوية على عروشها، يفكر بما يشبه الحمى “
إذاً جاء مرجان قبل سنة وثلاثة أشهر، مات بعد مجيئه 21 شخصا، وحينما مات انبعثوا، ولم يمت أحد منذ موته .. واللعنة” .. توقف بجمود وسط الظلمة، ثم استكمل سيره وهو يضحك ساخرا بصمت إذ ينصت لصدى أفكاره المتلاحقة، تختلط كالأحلام بوقع خطواته الصاخبة “ما يحدث خرافة لا يمكن قبولها، لا يمكن” .. ولكنه عاد ليفكر بجدية “كل ما حدث منطقي، نعم إنه مرجان، ولكن من يكون مرجان هذا ؟! هل هو الموت ؟! القدر ؟! الزمن ؟! وليّ مصطفى ؟! هل هو مجرد صدفة لعينة ؟!” شعر بانقباض في معدته، ونبضات حادة في صدغه، أحس بنفسه كقنبلة توشك على الانفجار، كل هذا بدى لغطا لا يقبله العقل، ولكنه تذكر أن العقل يقبل ما يراه كما قال لمساعده ذات مرة .. لقد كانت لحظة حرجة لو خير لسالم أن يشاهدها مقابل سنة من عمره لقبل، حمدان لم يكن حمدان في تلك الليلة .

جمع أعيان القرية في مكتبه صباحا، أخبرهم بما يعرفه دون مقدمات، فبدى الجميع كصورة فوتوغرافية لا تتحرك، اختفى دبيب الوقت، تلاشى في اجتراف الذهول، كل شيء بدى بلا وجود أو معنى .. أصر حمدان على ضرورة أن يكون ذلك سر لا يخرج خارج القرية، لا أحد يعلم حقيقة ما الذي يحدث، فاللعنة قد تتستر في رداء الكرامة .. جلس سالم منزويا في الزاوية البعيدة، يراقب الرجل الصخرة، يبدو في أحلك الظروف قادرا على الاحتفاظ بجمود اللعين .. تشككوا، ثم اقتنعوا، ثم أنكروا، ورفضوا، وبعدها اقتنعوا فكبروا وهللوا .. إذا صدقوا خجلوا من شذوذ ما صدقوه، وإذا أنكروا تذكروا أمواتهم الذين بُعثوا .. الحياة بدت احتمالات لا تخضع لسطوة العقل الناقصة، الحقيقة كما قال حمدان لهم “ما تراه، لا ما يقنعك به الآخرون، ونحن رأينا، وسنرى” .. خرجوا من المكتب والخلود يبدو نصب أعينهم، القرية التي لا يموت أحياؤها، ولكنه خلود كما قال حمدان الذي تحول إلى حكيم القرية فجأة ” قد يكون لعنة تتستر في رداء الكرامة”

فكر سالم المنزوي في زاوية من المكتب بذهول ساخط “ولكن كيف نمضي في الحياة بلا موت ؟!”

جلس أمام رئيسه بهدوء .. ثم قال له:

– إنني لا أفهم يا سيدي .

فقال حمدان دون أن يطالعه:

– لا أحد يفهم يا بني .

إنها المرة الأولى التي يخاطبه فيها بكل هذا التودد .. ولكن المساعد قال بإصرار:

– لا يعجبني ما يحدث .

فاعتدل الرقيب في كرسيه بهدوء، وضع يده على ذقنه محدقا في مساعده .. ثم قال:

– وهل يعجبك الموت إذاً ؟!

فكر سالم بتلقائية:

– لا .. ولكنه ما يفترض أن يحدث .

– ومن يحدد ما هو مفترض ؟!

فهتف سالم باندفاع:

– الله الذي قال إن الموت الحق، الطبيعة التي تتكدس بالجثث، التاريخ الذي لا يضم سوى الأموات .

صمت الرقيب وقد تبدلت ملامح وجهه، لم يعد سالم فتى كما كان قبل الأشهر الماضية، ربما أصبح شريكا بالفعل كما كان يتمنى، غير أنه الآن يغير أمنيته بأن يعود فتى كما كان .. حدق فيه بجموده الحجري، فكر في مرجان، حاول أن يتذكر ملامح ذلك الرجل/الكائن، فلم يستطع .. وبعد لحظة أكمل سالم مسايرا بهدوء:

– لا يمكن أن نحافظ على سرية ما يحدث، إنه أمر لا يمكن ان يتحقق، حتى الأشخاص الذين اتفقوا على سرية ما يحدث أؤكد لك أنهم بدؤوا يفكرون في استقطاب أقاربهم .. لا يمكن احتكار أمر بهذه العظمة المهولة، يجب أن نتعامل مع القضية كواقع لا مفر منه، وأن نفكر: ما الذي سنفعله حينها ؟!

وهذا ما حدث .. كانت الأخبار تنتقل ببطء بالفعل، ولكن المهم أنها تنتقل .. التكرار يكسر بالفعل حواجز اللامنطق، والشواهد المتواترة تكثف خرافة التصديق، واليائسون – وما أكثرهم – يملكون قوة إيمان عظيمة .. لقد اقتنع الناس بأشياء أكثر غرابة في جوهرها: الملائكة والرسل والجنة والجحيم والقيامة والشياطين والعين … إلخ، فلماذا لا يصدقون ما يقال عن هذه القرية ؟! أليس الله قادر على كل شيء ؟!

وصل عدة أقارب لعدد من عوائل القرية، تم استقطابهم بهدوء لم يصل إلى الكتمان المطلوب .. إلا أن أول عائلة جديدة كانت قد وصلت بعد أيام من الاجتماع المشهود، يحملون 3 جثث ملفعة في كفنها، أولهم جد توفي قبل 10 سنوات، وابن توفي قبل سنتين، يبدو جسدهما متآكلا خلف البرد اليماني، وآخر توفي قبل شهرين .. ابتنوا خيمة في حافة القرية، وبسطوا أمواتهم أمامها .. كان منظرا مهولا لا يمكن تصديقه .

تبعتهم عائلة أخرى، ثم ثالثة، جميعهم في نفس اليوم، وجميعهم محملون بأمواتهم أمام خيامهم .. بعضهم بدو أتوا من عمق الصحراء، وبعض آخر جاؤوا من محافظات ومدن قريبة .

في الليلة الثالثة قام ابن العائلة الأولى الذي توفي قبل شهرين، واثنان من العائلة الثانية، ولا أحد من العائلة الثالثة الذين حملوا ثلاث جثث توفيت قبل 20 عاما .. لأول مرة يشهد أهل القرية انبعاث الأموات، بعد أن احتكره كل من حمدان وسالم، اللذان حاولا بمساعدة الأمير ردع ما يحدث، ولكنها كانت محاولات لا تجدي .. كما قال سالم: لا أحد يستطيع احتكار أمر كهذا .

ولذا لم يهدأ مدخل القرية منذ ذلك اليوم، الجميع أتى بحثا عن القرية التي تحيا الأموات فيها ولا يموت الأحياء .. منظر الحوافّ التي امتلأت بالخيام والجثث المصطفة أمامها غير قابل للوصف، يتجاوز حدود الصورة الجافة ويخترق كُـنْها غامضا يثير أقسى مشاعر الرعب الغامض، لقد وصلت القرية إلى مرحلة لا رجوع فيها، انبعث المئات من الأموات، وتم دفن من لم ينبعث كي لا يتعفن، وعزم الآلاف من الأحياء على السكنى فيها، فبدأ القادر منهم يبتني بيتا لنفسه، واكتفى العاجز بأن يسكن ولو تحت ظل صخرة .. فارتفعت الأسعار واحتدم وطيس التجارة وبدى وكأن القرية مقر حج يفد إليه الحجاج من كل فج عميق .

ثم جاء الرد الرسمي بعد عدة أسابيع، حينما وصلت سيارة من أمارة المجمعة، فيها مسؤول من أمارة الرياض، فخرجت الأمور عن سيطرة حمدان، إلا فيما يتعلق بأمور الأمن .. وقف بجانب سالم فوق سطح المركز، يتأمل المنظر بيأس، أمام شمس الغروب التي تسقط في الأفق خلف صف الجثث والخيام والبيوت التي تبنى، معذبا بإحساس ينغز في أعماقه “ما يحدث لا بد أن يكون له عاقبة” .. التفت نحوه سالم، تأمله بشيء من الحدة، ثم قال بعمق:

– هل من الممكن أن تتحول الكرامة إلى لعنة ؟!

ظل الرقيب محدقا في الحشد كصنم الشمع، ينصت لضجيج الأصوات، يراقب الأجساد المتراصة والأوجه الكالحة .. ثم قال ببطء:

– ومن قال أنها كرامة ؟!

– إذاً ماذا تكون ؟!

ابتسم ابتسامة غير ملحوظة، ثم قال دون أن يلتفت لسالم:

– لقد قلتَها: ما هي الحياة بدون موت ؟! .. إنها ليست حياة .

صمت لحظة ثم أكمل متأوها:

– وأنا أيضا لا يعجبني ما يحدث .

تردد سالم لحظة، ثم قال بهدوء يكبح جماح اندفاعه:

– بعد كل ما مررنا به، هل تسمح أن أطلب طلبا منك ؟!

فهمهم الرقيب همهمة من يوافق على مضض .. فقال سالم بحدة:

– أريدك أن تصرخ .

التفت حمدان نحوه بدهشة، أطرق لحظة وكأنه يحاول قراءة ملامح وجهه الساخر، وحينما لم يجد ما يدل على ذلك كرر باستنكار:

– أن أصرخ ؟!

– نعم .

رد مسايرا بهدوء:

– طيب .. لماذا ؟!

فهتف سالم بغضب:

– لأعرف أنك إنسان، أنك كائن بشري لعين ..

إن كان يبحث عن إثارة دهشته فقد حقق المطلوب، أخذ يحدق فيه بذهول لم يحدث إلا في المقبرة واجتماعه بعلي .. ولكن سالم أصر على موقفه وهو يقول بشغف:

– ما يحدث خطأ، خطأ، هذا المنظر لا يمكن أن يقود لأي خير .. يجب أن تفعل شيئا .

سيطر حمدان على دهشته سريعا، ثم قال بجمود تلفحه نفحة طفيفة من أسى:

– لا أعلم ما الذي كنت تظنه عني .. أنا مجرد شرطي، في قرية نائية حقيرة .. هذا ( رفع يده مؤشرا على المشهد ) أمر لا طاقة لي به .

ظلا يحدقان في بعضهما بثبات، أدركا أن كلاهما يقبض على موقفه بيأس، فالتفتا من جديد ليغرقا في تأمل المنظر المهيب، يحتفظ كلاهما بخيبة أمله: خيبة سالم بحمدان، وخيبة حمدان بنفسه .

 

 

3

أفاق سالم فجرا على عويل والدته، تصلب فوق سريره بلا وعي .. نزل سريعا فشاهد والده ملقى وسط الصالة، شاخص البصر، أقعت والدته مولولة وهي تردد “ها قد خسرته مرة ثانية، رحماك يا رب”

ركع أمامه، كان ميتا لا محالة .. انشغل بحادثة الوفاة وتهدئة والدته عن إدراك الصورة الأكبر: القرية لم تعد محصنة ضد الموت .. انتبه للفكرة حينما سمع أصوات عويل تجتاح بيتهم، من كل مكان، فتح الباب إلى الشارع فأبصر ما جعله شاخص البصر كالميت: جثث في كل مكان، عويل يتردد من كل بقعة .. على شارع حارتهم سقطت خمس جثث على أقل تقدير، خطى خطوتان إلى الأمام كشفت له عمق الطريق، فظهرت أمام عينه جثث أخرى .. تصلب في مكانه كالمنوّم، ينصت دون وعي للعويل الذي تضج به القرية، للموت الذي اجتاحها فجأة، هل هي الحرب ؟! الطاعون ؟! القيامة ؟! .. كانت هنالك جثث عند أبواب البيوت، بدى وكأن أصحابها حاولوا الهروب أو خرجوا لجلب المساعدة، فسقطوا سقوط من مات في الحرب، رجال ونساء، الشمس تطل برأسها من الأفق وكأنها أقبلت لتراقب ما يحدث، والصراخ المنبعث من داخل البيوت يكشف ما كان مستورا من مصائب .. أخذ يمشي ذاهلا دون قدرة على الاستيعاب، عند بيت جارهم تحلَّق الأبناء الصغار حول جثة والدتهم في الحوش وقد فتحوا الباب على مصراعيه، عند دكان مرزوق سقط صبي المحل متشبثا بالمفتاح المثبت في القفل، أمام المسجد سقط ثلاثة أشخاص عند الباب أحدهم كان أمير القرية صالح الرباحي .. شعر بالدم يصعد إلى هامة رأسه بوحشية، حتى خيل له أن عينه تدمع دما، وأنه سيسقط في هوة لا قرار لها .. ما يحدث لا بد أن يكون حلما، وهما، خيالا، جنونا، شيء لا علاقة له بالحقيقة .

تذكر رئيسه حمدان فجأة، سيعرف حتما ما الذي يحدث .. استدار ليركض فتعركل في جثة لم ينتبه لها، سقط بجانب الرجل الذي انبطح على بطنه، شاخص البشر، اندلق لسانه ليتعفر طرفه في التراب .. تقيأ سالم أمام الجثة، شعر برعب لا يمكن أن يوصف، لم يكن يشاهد مجرد أموات، ما يحدث هو اللعنة التي كان يتحدث عنها، الجحيم الذي جثم على قريته فجأة .. أخذ يركض بجنون بين الأزقة التي تكدست إما بالجثث أو بالنائحين، فمر على حافة القرية حيث خيام القادمين، وقد اختلطت الجثث التي حملها البعض ولم تبعث أو تدفن بالجثث التي ماتت الآن، وسط هدير صاخب من الصراخ والبكاء والأجساد المتراصة، منظر هائل يجسد هول ما يحدث .. وقف أمامه متصلبا وقد نسي الرقيب، وحينما تذكره ركض متجها إلى بيته .

وجد عند بابه جثة امرأة، لا بد أنها زوجته، سقطت على ظهرها وقد غطى الخمار الأسود نصف وجهها .. دخل البيت بقلب يتأرجح ككرة في الموج، اقتحم ظلمة الرواق إلى الصالة، فشاهد جسد الرقيب بقميص نومه، يكشفه ضوء النافذة المقابلة للدَّرَج وقد سقط فوقه .. اقترب منه بسرعة، كان منبطحا في وسط الدرج، لم يكمل سقوطه إلى الأرض، فردَ ذراعيه وقدميه فبدى كالضفدع، وعلى وجهه المائل تكشيرة رعب لا تليق بصرامته .. شعر سالم بألم ينخره، يطعنه طعنات عدة، لم يكن حزنا فلا يمكن للحزن أن يجد فسحة بين كل هذا الرعب، كان شعورا بالوحدة والجزع، وكأنه يجد نفسه دون رئيسه الذي يفترض أن يقف معه في وجه هذه اللعنة .. خرج من البيت منهارا حتى كاد أن يطأ جثة زوجة الرقيب، وقف يتطلع من حوله ذاهلا .. تذكر مرجان، تذكر الخلود والانبعاث، كل شيء يرتبط بذلك الرجل، فما الذي حدث له ؟!

انطلق راكضا إلى المقبرة، خرج من جنوب القرية نحو الطريق الزراعي، قطع 3 كيلو مترات في مدة قياسية، لا يشعر سوى بطقطقة أنفاسه في صدره، وصوت اندفاع الهواء من حوله .. دخل المقبرة فاتجه إلى قبره، الأخير الذي دفن في هذه القرية قبل سنة تقريبا، فوجده منشقا: لقد قام مرجان ..

أخذ يحدق بجنون، لم يستوعب الصورة جيدا، ولذا اقتحم القبر حتى سقط فيه، بحث وهو يصرخ بجنون عن الجثة اللعينة دون جدوى، فخرج وهو يتطلع من حوله بهستيريا، فلم يرى غير اليباب الموغل في وحشة سكونه .. سقط من إعياء الركض والصدمة بجانب القبر، استلقى وهو يشعر بصدره يكاد أن ينخلع من جسده .

أدرك وهو يتطلع في الشمس الفتية على يمينه بأن كل من كان يفترض به أن يموت من قبل، قد مات .. هكذا ببساطة، من بُعثوا ومن سَرقوا من الزمن عاما أو شهرا أو يوما بفضل مرجان، طوال عام ونصف من وصوله ثم ووفاته، قد ماتوا الآن بانبعاثه .

جلس بصعوبة في مكانه، التفت إلى القبر بجانبه، قبر مرجان المنشق، بانهيار ساحق لا يقوى على الغضب، لاحظ من مكانه اللوحة الطبشيرية على الجدار لأول مرة “أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد” .. قام متهالكا ليعود إلى القرية، يسير بخطوات متئدة في الطريق الزراعي الهامد، تلفح جسده المغطى بالتراب رياح الصباح الباكر التي تلطفها غصون الشجر، ينصت بعقل أفرغته الصدمةُ من كل شيء إلى أصوات الخراف والديكة المنبعثة من الداخل .. يتمنى أن تطول المسافة، أن لا يصل إلى هناك .

 

 


⁂

أحمد الحقيل

روائي وقاص سعودي. عن الكاتب ←

النشرة

رسالة حين يُنشر نص جديد في المدونة أو يصدر كتاب.

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة