أخبره والده في طفولته أن هذا الكوخ قد بنته الأرض.
ثـبَّت مع جده في عمق التربة سيقان الأشجار الصغيرة، المتراصة مثل صف الأسنان، ترتفع عن الأرض نصف متر يزيد أو يقل، ثم قفلا راجعين إلى المدينة. وبعد شهر تقريبا عادا إلى الأشجار المثبتة، وإذا بها قد نبتت كوخا على هذه الشاكلة.
أمضى طفولته وشطرا من مراهقته هنا. العطل الصيفية، السهرات العائلية الطارئة، لحظات النزوح التي تتسنى لهم بين حين وآخر. لازال فيه أثرٌ من رائحة العنبر الذي اعتاد والده أن يحرقه، وهزهزة الخشب المتراص حينما تهب الريح، ونباح كلب لا أثر له مطلع كل فجر وعصر في عمق الغابة.
بدا له الكوخ حينما وقف بشنطته الصغيرة كما كان، صورة فوتوغرافية.
لم ينم في الليلة الأولى. استلقى على سريره القديم في غرفته القديمة، لم يفكر ولو لثانية أن يستحوذ على غرفة والده الكبيرة، يعلم أن والده يأتي ليقطن فيها بين الفينة والأخرى، كما كان يفعل في حياته الأولى، على كرسيه الخشبي خلف طاولته الخشبية، ممسكا قلمه الرصاص بيدٍ وكتابه أو جريدته أو شيئا اكسسواريا – لا قيمة له عدا التمظهر الشكلي – باليد الأخرى، عاضا على سيجاره العريض، بِـسَمته الاستعراضي الذي اعتاد عليه حتى صار حقيقيا ولم يعد استعراضا سخيفا.
عقد العزم على أن يفتتح يومه الأول بأن يتتبع نباح الكلب، رغم انعدام تفاؤله بالنتيجة قياسا على محاولات سابقة فاشلة. ولذا استلقى فوق سريره الصغير طوال خمس ساعات، لا يفكر في شيء محدد، جامدا في عمق السواد. لم يفهم يوما لماذا يكره الناس الظلام، لطالما شعر بألفة متواطئة معه كما كان يصف. في رأيه، الظلمة مسالمة، لا تقلق العين كما يفعل الضوء، تمنحك أفضلية الإحساس بأن العالم غير موجود، الأشياء اختفت، تفتت واندثرت من حولك، حتى أضحى الوجود بأكمله مقتصرا عليك. “إنك تكتشف أشياء كثيرة في الظلمة”، كما كان يقول لأحدهم.
قام من سريره مع أول خيط أزرق للفجر، حمل بندقية والده المعلقة في صدر الصالة، تحسبا لأية عدوانية قد تبدر من الكلب في حال العثور عليه، ثم خرج متعمقا في الغابة المرقعة بأشجار السيكويا، تنكأ السحاب في طولها.
حاول أن يتتبع نباح الكلب دون جدوى، تماما كما كان في طفولته. يلاحق رجيع الصوت يمينا فيتحول يسارا، يتقدم نحوه إلى الأمام فيصدر من الخلف، حتى صمت. أحس بأشعة الشمس الدافئة تتسلل خطوطا بين أغصان الشجر المتشابكة، وكأنها أوتاد تمنع السماء من الطيران بعيدا في الفضاء. رأى ظبيا يبحث عن نبتة، جفل سريعا حينما شعر بوجوده. تعمق في الغابة وأطلق رصاصتين في الهواء، فتردد رجيع الصدى دقيقة كاملة. لاشيء ينبض في هذا المكان سوى النبات. جلس ساعة فوق صخرة يتأمل المدى المكدس بالأشجار المتلاصقة والأرضية المغطاة بأوراق الخريف الصفراء، واستلقى ساعة يحدق في قُنن الأشجار التي تخترق السماء. وفي منتصف الظهيرة قفل عائدا.
وقف وسط الكوخ، يغمره ضوء الشمس الأصفر الباهت، يستطيع الآن أن يشاهده جيدا بتفاصيله الدقيقة. كل شيء فيه مكوّن من خشب، الأرضية والسقف والكراسي والطاولات، حتى مقابض الباب من خشب، لا يوجد غير الموقد الحجري يشذ عن القاعدة، كان والده قد بناه بيده قبل أن ينجبه. وقف مجمّدا لمدة طويلة، ممسكا ببندقيته كصياد يتأهب للتصوير، حينما كانت آلات التصوير تتطلب وقتا طويلا من الثبات. يحدق.
تحرك خطوات إلى الأمام. وقف أمام الموقد، حيث تستقر فوق حدّه الحجري البارز ثلاث صور، له ولوالدته ووالده، يُمسك في إحداها بندقية صغيرة، فاغرا فمه بدهشة سعيدة، ويتوسط في الثانية بين والديه المبتسمين بأوتوماتيكية جافة، وتبدو في الثالثة والدته مستلقية بخمول فوق سريرها ممسكة ببطنها المنتفخ.
تذكر مجموعة الصور التي تؤرخ يوم ولادته، منذ أن خرج والداه من البيت وحتى خرج هو من بطن والدته. لقد أصر لاحقا على والده أن يتخلص منها، أو أن يبعدها على الأقل عن معرض الحجر العائلي هذا. ولكن والده أخبره بلهجته الهادئة الساخرة أنها قد تكون غير مهمة له، ولكنها مهمة بالنسبة لهما، فهي ليست صوره حتى وإن كانت عنه، “ليس بالضرورة أن يكون الشيء عنك حينما يكون عنك فعلا” هكذا أخبره.
ابتعد عن الموقد، وعلَّق البندقية في مكانها، ثم جلس على كرسي هزاز يصدر صريرا منوما في ارتطامه بالأرض الخشبية، يحدّق في غرفة والده المغلقة، تتسلل من حوافّها ظلمة باهتة.
أحس بألم في موضع ورمه، فأخرج حقيبة أدويته، تجرع ثلاث حبات واسترخى فوق الكرسي، يشعر بحركة الخدر الذي يورثه المسكن، يتفاعل مع نعاس أرقه. أغمض عينيه، نام ساعة ناقصة، ثم أفاق بخمول متيبس. كان قد حلم بمسنّ أعمى يسير في طريق، ممسكا زمام كلبه، يتوقف بين الفينة والأخرى وينظر نحوه بضيق، يهز رأسه مستنكرا ثم يستكمل المسير.
طبخ عشاءه، شريحة لحم مرتوية بالدهن، مخالفا بذلك أوامر الطبيب. أكلها محدقا بجمود في نار الموقد التي تضيء ظلمة المكان. تجرع ثلاث حبات دواء، متوقعا ما سيحدث.
لم ينم في الليلة الثانية أيضا. عدة ساعات متقطعة راحت في دورة المياه، يستفرغ أحشاءه حتى توقع أنه سيرى قلبه أمامه بين القيء.
ذهب مع الفجر لملاحقة نباح الكلب، وأمضى صباحه كما أمضاه في اليوم السابق. وحينما عاد جلس على ذات الكرسي الهزاز، محدقا في غرفة والده المظلمة. فكر بقلق خامل في دوافعه، شيء لم يفعله بوضوح حتى الآن، وهو ما كان مربكا وجديدا عليه، أن يتورط في الموقف العاجز لتواجده الآني اللحظي، وهو نوع التواجد الذي لا يحب الشعور به، إنه يفضل دائما أن يكون متأخرا عن الحضور في اللحظة، كمراقب بَـعْديٍّ غير متورط. ولكنه الآن يعيشها بشكل كامل، حاضرا بوعي قوي. شعر بشيء يشبه الخوف، ولكنه أقلّ حدّة منه بكثير، وأكثر برودة وبلادة، لا يمكن شرحه إلا باستعارة طويلة ومملة، كأن تقول: إنه مثل أن تقف أمام حيوانات مفترسة في حديقة الحيوانات، تعلم أنها لن تستطيع الوصول إليك، ولكنك لا تبالي إن هي وصلت، وتفكر هل لا أبالي لأنني أعلم أن شيئا لن يحدث، أو لأنني فعلا لا أبالي؟ شيء شبيه بهذا المثل، هكذا تصور وهو يفكر بخمول ونعاس في كرسيه الهزاز، والليل يثقل ويسودّ أكثر من حوله.
طبخ شريحة اللحم، وأكلها بالحبات الثلاث. وأمضى ليلته كسابقتها يستفرغ أحشاءه، وذهب مع مطلع للفجر للبحث عن الكلب متتبعا نباحه، ولم يجده.
عاد مستنزفا، والفتور الخامل والبليد يتخمر ويستقر قشرةً ثقيلة. عندما اقترب من الكوخ وقف فجأة، أخذ يحدق في المكان بحيرة، يكاد يجزم أن مكان الكوخ قد تزحزح عدة خطوات إلى الوراء. تذكر أحاديث والده الخرافية عن الأكواخ التي تنتقل في حالات الدمار والفيضانات والبراكين، وأحيانا في حالات لا داعي لها، لمجرد الملل ربما، وتذكر تلك الليلة قبل وفاة والدته، حينما هبت في الليلة الثانية من انتقالهم أثناء العطلة الصيفية ريح عاصفة، حتى أخذ الكوخ يتنافض ويرتعد بصرير أشجاره المتراصة. أحس في تلك الليلة بالخوف لأول مرة، وفهم حينها معنى الموت لأول مرة أيضا، التهديد الفعلي للحياة، “أن لا تكون”. وحينما خرجت الشمس هدأت العاصفة بكل ضجيجها، فخرجوا جميعا ليجدوا شجرة ضخمة سقطت قريبا بجانب الكوخ، في المكان الذي اعتاد أن يكون فيه.
انتبه إلى أنه يقف أمام غرفة والده. حوافها مضيئة. النافذة مشرعةٌ إذاً، لا بد أنه هنا، فكر بجمود. ظل واقفا عدة لحظات، فتح أخيرا بابها فصرَّت صريرا مزعجا.
كان فضاء الغرفة يُـشعُّ بضياء شمس العصر الشفاف من النافذة. والده هناك، تماما كما هو، الصورة الأدبية المفتعلة لرجل تقمص استعراضه لدرجة الجاذبية والألق، يُمسك قلمه الرصاص بيد وكتابه باليد الأخرى عاضا على سيجاره العريض. لاشيء فيه مزيف رغم أن كل شيء فيه مزيف، إنه أكثر شخص حقيقي قد تجده، فكر وهو يحدق فيه. “منذ متى وأنت هنا؟” سأله والده. أغلق الباب من خلفه، وتقدم عدة خطوات إلى الأمام.
اقترب بهدوء كسول، جلس على الكرسي المقابل، فصرَّ صريرا لا يقل إزعاجا عن صرير الباب. صمت لحظة ثم قال “منذ يومين”
قلب عينيه في المكان دون أن يتحرك، وكأن كل شيء هنا لا يعنيه في شيء. أكمل بعد لحظة بذات الكسل “أين كنت؟”
“أوه في عدة أماكن” قال والده بهدوئه “لقد أردت الذهاب إلى المحيط مرة أخرى، ولكنني لم أستطع الذهاب إلى هناك، كانت هنالك مشكلة في الحجوزات. ربما لاحقا”
رفع الكتاب قليلا ثم قال بفضول “هل تعلم ما الذي أقرؤه؟”
“ماذا؟”
قلب الكتاب “For Years Now”
أومأ رأسه في حركة اعتراض “شفته. سيبالد شاعرا؟ ماش”
لحظة صمت طويلة. الضوء ينضج أكثر، يزداد اصفرارا فاقعا. تذكر صوره التي تؤرخ ولادته، فقال بابتسامة طفيفة “أرى أنك أبعدت الصور أخيرا؟”
فانتبه الأب، ثم قال بتهكم خامل “الصور أمر سخيف بالفعل، سأعترف لك بذلك. والدتك هي التي كانت تصر عليها، أنا أستكمل وصيتها ليس إلا، حتى رأيتها …” أطرق لحظة وهو يحدق الآن بتقزز ثم قال من بين أسنانه “قحبة!”
ضحك هو لسبب ما. ولكن والده التفت نحوه بتأنيب ودمدم “بس!”
صمت واكتفى بابتسامة خاملة، تمتم بصوت خفيض مطأطئا رأسه “أنت الآن حر. تستطيع قول ما تريد”
ولكن والده كان يبدو شاردا، بحزن. قال وكأنه يحادث نفسه “هل ستصدقني لو قلت لك أنني كنت أبغض أمك؟” بدا وكأنه يضرب أرقاما في بعضها، ولكنه لم يقل شيئا وبدا وكأنه منع نفسه في اللحظة الأخيرة. ابتسم هو، لقد علم أن والده كان سيقول أحب أمك بنسبة كذا وأكرهها بنسبة كذا وأعيش معها لئلا أكون وحيدا بنسبة كذا. كانت الحياة بالنسبة له نسبا عشوائية، بأكثر الحسبات اعتباطية وتجوزا، بطريقة مضحكة غالبا. لولا أنه يقولها بلهجة جذابة متبسطة لجاءت سخيفة، وهي لشخص مثل ابنه معتاد على جاذبية والده كانت تبدو سخيفة له دائما، ولكن ليس اليوم، لقد ابتسم مستسمتعا بهذه اللزمة الغريبة التي لم يلتزم بها والده ولم يقلها. يبدو أنه تخلى عنها، هكذا أخذ يفكر، ستتخلى عن أشياء كثيرة حينما تموت، كأن تتخلى عن فكرة أنك كنت تحب الأشخاص الذين كنت تحبهم. “ولكنك تكتشف أشياء لم يكن من الممكن اكتشافها في حياتك السابقة” لقد أخبرته بذلك والدته في أول مرة قابلها بعد موتها. حدث ذلك في المدينة وهو يتجول ذات ليلة، كانت ترقص في احتفال شعبي غريب، احتضنته وقالت للجميع هذا ابني، ثم قالت له هؤلاء هم الجميع، كلهم أموات في حيوات مختلفة، بعضهم مات أكثر من خمسين مرة، هي نفسها ماتت ثلاث مرات حتى تلك اللحظة. “لو لم أمت لما وصلت هنا يا حبيبي” أخبرته لاحقا وهما جالسان يضحكان ويتحدثان وسط الاحتفال.
“لا لم تخبرني بذلك من قبل” قال بخمول وكآبة.
“لم أخبرك؟ إذاً دعني أخبرك بشيء: لقد كانت امرأة سيئة”
ثم استدرك بعد لحظة “أوكي ليست سيئة، ولكن” أطرق لحظة ثم قال بعجز “لا أعلم”.
تطلع في ابنه متفحصا، تمتم متفكرا بحيرة “في الحقيقة لا أعلم كيف أصبحتَ هكذا. لا أريدك أن تغضب مما سأقوله، لا يمكن أن تؤاخذني على ما سأقول، ولكنني كنت أحيانا أشك أنك ابني، هل تشك في أنني والدك؟”
فهز كتفيه “أحيانا .. ولكن هذا لا أهمية له”
رفع سبابته باتفاق وإعجاب “بالضبط، اللعنة على أن تعرف الحقيقة. المهم أننا نجحنا نجاحا جيدا، هاه؟ ذكريات قليلة جيدة، هذا شيء ممتاز. لا بأس بما قمنا به مقارنة بما كان معنا”
خيم الصمت لحظة فعاد الأب إلى كتابه، أما هو فأخذ يفكر بخمول، يحدق في تفاصيل الغرفة بضبابية منوّمة. ثم قال بحيرة “دعني أسألك: الكلب. هل هو موجود أصلا؟”
فرد دون أن يرفع رأسه عن كتابه “هل تسمع نباحه ؟”
“أها”
“إذاً هو موجود”
“ولكن أين؟”
“من يبالي أين هو. لا أفهم سر هوسك بهذا الكلب. حاول ألا تبحث كثيرا عن ما هو موجود وما ليس موجودا. هذا لا يهم”
أخذ يتأمل والده، بخطوط بشرته الحادة، وبكل ما تقوله من ذكريات قديمة تبدو وكأنها منحوتة في تجاعيده المتهدلة. فكر قليلا بشيء من الكآبة، ثم جزم قائلا “هل تعلم لماذا أنا هنا؟”
انتبه الأب بحذر، طوى الكتاب وقد وضع أصبعه على موضع الوقوف، والتفت نصف التفاتة نحوه، ثم قال باهتمام “هل تعلم لماذا أنت هنا؟”
“أظن ذلك”
بدا وكأن والده شرد بعيدا، همس بفتور “إنه مكان جيد للموت .. عارف؟”
حدق فيه بصمت ثقيل. أحس برأسه يفرغ فجأة، وكأنه يوشك أن يدوخ. قال ساهما “لا أظن أنني أخاف من الموت، ولكنني أخاف من الألم”
“لا بد أن تتألم. لا أريد أن أعظك، ولكن حتى الذين يموتون في نومهم يتألمون”
حدّق كلاهما في الآخر بجمود، ثم عاد الأب إلى كتابه وسيجاره، فخيّم صمت رخيم على المكان، حيث كانت الصفرة الفاقعة قد بدأت تبهت وتعتم. استرخى في كرسيه محدّقا في تفاصيل الغرفة، الأبجورة الذهبية على الطاولة الخشبية ومزهرية الورد بجانب النافذة والشرخ الدقيق في أعلى الجدار. ينصت لحفيف ورق الكتاب حينما يقلب والده الصفحة، ويحس بنشنشة قدمه فوق شعيرات الفرشة المشجرة، وتحول طنين الصمت المزعج إلى صفير منوم. أحس وكأن حمرة الأصيل تزداد زيتية، تتسرب إلى عينيه بخمول شديد، أغلقهما فنام ساعة ثقيلة، حلم فيها بالكلب يسير في ذات الطريق، يجرُّ رسنه الذي يحتك بالأرض، وكأنه يبحث عن المسنّ الأعمى الذي كان يمسك بزمامه. وحينما أفاق وجد نفسه غارقا في ظلمة المساء، الستائر مشرعة كما هي والمكان لا يبدو مختلفا، وأمامه على الطاولة كتاب سيبالد وعليه ورقة كتب عليها “إقرأه، إنه جيد. حظا طيبا”. فتسلل بهدوء إلى الخارج دون أن يأخذه.
وقف بجمود في الصالة التي تغلفها كَدرة المغرب الزرقاء، سار خطوة إلى الأمام فصرًّت تحت قدمه لوحة خشب في الأرضية. تذكر لوحة الخشب بجانب النافذة، التي كان يخبئ والده فيها أسراره قبل وفاة والدته، كان يعلم بمكانها بعد أن شاهده صدفة يخبئ شيئا ما فيها، فصار يفتحها بين الحين والآخر ليجد فيها مجلة خليعة، أو علبة سيجارات، أو أشياء أخرى محظورة على رجل بمثل سمته. اتجه إليها وأخذ يبحث عنها بأن يطأ على الأرضية، حتى وجدها، فاقتلعها بالسكين بحذر كي لا يخدشها، أدخل يده في داخلها فتحسس كيسا يكسوه الغبار، فتحه وأخرج منه رقعة شطرنج صغيرة ببيادقها السوداء والبيضاء. أخذ يحدق فيها باستغراب، يطفو فوقها ضوء الغروب الأزرق الذي يتسرب من النافذة. أحس بصورة في ذاكرته، تذكر اليوم الذي توفيت فيه والدته، أخبره والده في الصباح أنه قام بتخبئة لعبة في البيت، سيخرجها صباح الغد ليلعبا بها. هدّده بأنه سيبحث عنها في كل مكان حتى يجدها، ولكن والده أخبره بثقة أنه لن يستطيع إيجادها، ولذا صمت خوفا من أن يكتشف اكتشافه لمكانه السري، مما يهدد مستقبلا أن يقوم بتغييره، فقال له غاضبا “لماذا إذاً تخبرني بهذا الآن؟” ففرد يديه ملوحا باندفاعه المعتاد “لكي تتفجر حماسة، أريدك أن تكون غدا بكل طاقتك الممكنة، هل تسمع؟”. توفيت والدته في الليل، فعادا إلى المدينة، ونسيا اللعبة. لم يعد والده محتاجا لمكان سري، ولم يتذكر هو هذا المكان حتى هذه اللحظة.
وضع رقعة الشطرنج الصغيرة فوق حدّ الموقد الحجري بجانب الصور القليلة، ببيادقها السوداء والبيضاء المتقابلة استعدادا للحرب. أخذ يتأملها لحظة، ثم ذهب إلى المطبخ، وطبخ شريحة اللحم المعتادة، ثم عاد ليجلس أمام نار الموقد، يتطلع مع كل قضمة لرقعة الشطرنج. حملها ووضعها أمامه ليلعب ضد نفسه، ولكنه تذكر أنه لا يعرف اللعب، فأخذ يحرك البيادق بشكل عشوائي، حتى أصابه الملل سريعا فأنهى سهرته.
كان استفراغه يزداد حدة، ويحس بورمه يزداد تورما في أحشائه، فيلتهم أدويته بشراهة واندفاع.
ذهب مع الفجر إلى الغابة، ولكنه لم يشعر بنفس الحرص على ملاحقة نباح الكلب، بدأ يقتنع بتعاسة لامبالية أن ما يقوم به مجرد حمق لن يؤدي إلى نتيجة. ولذا أخذ يتجول وراء رجيع صوته بهدوء، يمر على الظباء التي تحاول البحث عن طعامها، وسناجب المرموط التي تعوّض عجزها عن تسلق الأشجار بالاختباء في جحورها، بل أنه شاهد زرافة بدت وكأنه خرجت من لامكان، وقفت أمامه بتحدّ وهي تحدق فيه عدة لحظات، وكأنها تفكر فيما يفكر فيه: ما الذي أتى بهذا الإنسان/الزرافة إلى هنا؟ ثم مضت بهدوء حتى اختفت .
وقف أمام إحدى أشجار السيكويا الضخمة، وقد حُـفِـر على امتدادها مقابض لليد والقدم، ربما كانت هي الشجرة التي اعتادت أم والده أن تتسلقها لتسحب غيمة من السماء، “حينما يحل الجدب” يقص عليه والده وهما جالسان على العشاء “تصعد جدتك الشجرة، وتسحب غيمة من السماء” يهز الطفل رأسه بلاتصديق ساخر، وكأنه يقول حتى أنا صرت أكبر من هذه القصص، فيقول الأب “لا تصدقني؟! طيب، سيحل جدب ما قريبا، وستراني أصعد الشجرة وأجرُّ غيمة إلى الأسفل”. ولكن لم يحل جدب، ولم تسحب غيمة ما. وقف يتطلع فيها بشرود وهو يبتسم بسخرية. قرر أن يتسلقها رغم أنه لم يتسلق شجرة منذ طفولته، ربط حبلا في الشجرة وجده ملقى بجانبها، ولفّه على خاصرته، وأخذ يصعد بخطوات مضطربة. يقترب من الغيوم المتكدسة التي تختفي ورائها قنة الشجرة، وقف في منتصفها وتطلع نحو الأسفل، فبدت الأشياء كحبَّات الرمل، معلقا في المنتصف. تمنى لو كان بإمكانه أن يجلس هنا، في المنتصف، بين السماء والأرض، منتميا إلى الفضاء الفسيح، حيث لا جاذبية ولا غموض. ولكنه بدأ يحس بألم في جسده، وبالحبل يحزّ ظهره ويكاد يدخل في لحمه، فنزل عائدا إلى كوخه، يشعر بالتعاسة اللامبالية نفسها تتعمق إلى درجة البلادة الخطيرة، حينما تتساوى كل الاحتمالات في لامبالاة منهكة.
جلس فوق الكرسي الهزاز، محدقا في الظلام، متفكرا في احتمالات التواجد الآني ذاك: ما الذي أفعله في هذا المكان؟ وإلى متى؟ وماذا ولماذا وكيف؟ بدأ يحس بالألم في أحشائه يتزايد حدة ووقاحة، يتوقع في أي لحظة أن يبصق قلبه من صدره، وأن تخرج أمعاؤها من فمه. تجرع أربع حبات من المسكن، وتكور فوق كرسيه بصرير قواعده التي ترتطم بالأرض الخشبية.
أفاق فجأة على نباح الكلب، يتسلل من بعيد. رفع رأسه بدهشة، تأكد من ساعته: هل نام حتى الفجر؟! الوقت ليل دامس. ثمة شيء غريب يحدث. أخذ ينصت بانتباه للصوت الذي يقترب، خطوة بخطوة. قام من مكانه، اتجه إلى الباب بتوجس، الصوت يقترب بقوة واندفاع، قبض على المقبض بتردد، وحينما فتح الباب وجد الكلب أمامه، يقف على مسافة مترين فقط، ينبح، وينبح، وينبح، يتراجع خطوتان إلى الوراء، ثم يختفي مجددا وسط أشجار السيكويا.
وقف مجمَّدا دون حركة، يحدق في النقطة حيث اختفى الكلب، يحاول استيعاب الموقف كواقع، كحقيقة، يسترجع صورة الكلب أمام باب الكوخ، ينتزعها من كل احتمال للوهم.
عاد إلى الداخل مشدوها في سكرة ذهول. جلس أمام الموقد، وحاول أن يفكر، دون جدوى.
جزم على الذهاب فجرا للبحث عنه، وجوده في لحظة خاطفة لا يكفي، يجب أن يراه، أن يعرف مكانه، أن يكون حاضرا بإمكانية وجوده المستمرة. ولكنه لم يستطع إيجاده، بدأ يحس بالألم في أحشائه يعيقه عن الحركة، يكوّره في الأرض فجأة، فيئنّ أنينا وأحيانا يصرخ صراخا تعجز أمامه الأدوية الكثيرة.
صار يستلقي ليلا على كرسيه الهزاز بدل الذهاب إلى غرفته. لقد توفي والده قبل سنوات وهو جالس عليه، سكتة قلبية تمخضت عنها أمراض قلبه المزمنة، بدت جثته الهامدة خالية من آثار الألم. فكر أن كل رجل يولد من جديد بعد وفاة والده، تتفكك عنه حبال المرجعية التي يُربط بها الابن طوال حياة والده، مهما بلغ من العمر والمكانة سيظل الرجل الثاني بعد والده، وحينما يموت يتحرر الابن من أي مرجعية، ويتحول ليصير أخيرا رجلا متكاملا، لا يضاف وجوده إلى وجودٍ آخر. لقد كان شعورا مخيفا بالنسبة له حينما حدث.
وجد في كراتين الخردة في القبو صور الاحتفاء بولادته، بين مجموعة من الأشياء القديمة المتهالكة، ألعابه وملابسه وكتبه. أخذ الصور كلها وأعاد وضعها على الحدّ الحجري فوق الموقد، بجانب رقعة الشطرنج الصغيرة.
لم يعد قادرا على أكل شريحة اللحم، يستفرغها فور أن تستقر في بطنه. ولذا صار يطبخها ويجلس أمامها، يحدق في عصارتها تسيل فوق شقوق اللحم الناضجة، يشم رائحتها التي تملئ المكان.
أخذ بندقية والده أكثر من مرة، فكر في احتمالية أن يباغت الموت، أن يقطع الطريق على ألاعيب ألمه السخيفة وينهي القصة بطلقة في فمه. ولكنه لم يستطع.
اعتاد أن يسير فجرا في الغابة، يترنح عدّة خطوات عشوائية تسمح بها حالته المتهالكة. يتكدس في دفئ ملابسه، ويصُـرّ أسنانه ألما، وينصت لنباح الكلب المتواصل. يفكر في الأسباب التي دفعته إلى هذا المكان، الهرب من أن يتحول إلى مجرد جبان يحاول التشبث بالحياة، يخترع لنفسه وهما يقنعه بأحقية الاستمرار، فيسمح لأنابيب المستشفيات وأسرتها وطنين أجهزتها أن تتحكم فيه. لماذا إذاً لا يمسك بندقية والده ليحشوها في فمه؟! لماذا لا يبتلع أدويته اللعينة دفعة واحدة؟! لماذا لا يتسلق الشجرة إلى السماء، إما أن يقابل غيمة جدته في آخرها أو أن يموت في الطريق؟!
ولكنه لم يستطع. ولم يستطع أيضا أن يفهم لماذا لم يستطع. سلسلة امتداد لانعدام القدرة على الفهم. كل ما فهمه هو أنه مقتنع بحتمية الموت، ولكنه ببساطة لم يستطع أن يبادر إليه. وهذا كان يقتله، يقتله ببطء.
يزداد الألم فتزداد هلوساته، بدأ يتخيل الكلب يجلس بجانبه على كرسي هزاز آخر، ويتخيل الكوخ يقتلع نفسه فجأة ويسير عدة خطوات وسط الغابة حتى يصل إلى المدينة ويتوقف بالتالي عن أن يكون كوخا ليصير منزلا، ويتخيل بيادق الشطرنج تتحرك فوق الرقعة الصغيرة بنفسها ولكن دون نظام أو قانون.
اعتاد أن يجرح بالسكين مواضع في يده وقدمه، ليختلق شعورا بألم يصرف النظر عن ألمه الحقيقي. تلقف ذات مرة بندقية والده جازما على إنهاء الأمر، إلا أنه أخذ يطلق بدلا من ذلك عدة رصاصات طائشة غاضبة في السقف، مدفوعا بهستيريا محتقنة صامتة لاصوتية لم يعتد عليها، ثم يهوي في مرحلة دقيقة بين البكاء والغضب. كل هذا جديد عليه، إنه ليس هذا الشخص، وهذا أيضا يقتله، يقتله ببطء.
تقيأ لأول مرة دما متخثرا، لمع في شعاع الشمس الباهت فوق الأرضية الخشبية، وشعر بشيء مكور يستقر في مؤخرة حلقه كالصخرة، وكأنها تحاول الارتقاء لتصل إلى فمه، فسقط محدقا في السقف، مقتنعا بأنها النهاية، تتحشرج في أحشائه انتزاعة الروح، تلك الهالة التي لم يكن مقتنعا بوجودها، ولكن ها هي، يحس بها، بين ضلوعه، جسم هلامي ينسحب من بين أحشائه. أغلق عينيه في إغماءة كالموت، حلم بالرسن الذي كان يمسك الأعمى به كلبه، وقد اختفيا، وبقي الرسن وهو يجرُّ نفسه على الطريق، وحيدا كالأفعى.
أفاق مفزوعا على نباح الكلب في الصباح الباكر، يقترب من بعيد، يحس بالكرة الهائلة تنحدر عن حلقه وتختفي، قام مخلفا بركة قيئه المتخثر، وبصق بقيته التي لازالت عالقة في فمه، يقف بدوار ناعس ولكن لا ألم فيه. شيء شبيه بذلك الجسم الهلامي الذي يرفض ان يسميه الروح لازال بين أحشائه، ولكنه مختلف. يقف في منتصف الصالة، دون وعي، حالةٌ أخرى تحتاج إلى استعارة طويلة ومملة تشرحها. كان الكلب يقترب، لم يكن في مكانه البعيد اللامحدد. يقترب، حتى بدا وكأنه أمام الكوخ تماما، وينبح. اتجه إلى الباب متخوفا ومترددا، وحينما فتحه وجد الكلب أمامه، وقد كفّ عن النباح، يتطلع نحوه بنظرة حيادية. لم يتراجع إلى الغابة، سار بخطوات خاضعة حتى مر بجانبه وولج الكوخ، تشمم القيء أولا، ثم ابتعد عنه واتجه ليتكوّر بجانب الكرسي الهزاز، وكأنه ينتظره أن ينضم إليه. أخذ يحدق فيه مشدوها. سار بخطوات مترددة، جلس على الكرسي الهزاز، تحتكّ قدمه بفراء الكلب المتكور على نفسه بسكون، يحس بدبيب الشمس المشرقة الدافئة فوق بشرته، ويستنشق رائحة العنبر من الجدران التي لفظت عبقها المتخمر فحجبت رائحة القيء الكريهة، ينصت لصرير الكرسي المنوّم حين يرتطم بالأرض الخشبية، وينقاد بخضوع وراء رجيع أنفاسه الهامدة .. حتى نام، بجانب الكلب.