صداقة.. صمت وضجيج.. وحشيش

1

يقف مسعود بجمود وسط المقبرة، أمام القبر المفتوح .. تحيط به مجموعة قليلة من الناس، المُغسّل ومؤذن المسجد وإمامه وعدد من المشيعين، لا أحد يعرف صديقه، مات بعيدا عن المكان الذي ولد وتربى فيه، ويدفن بعيدا عنه .. فكر قليلا بالموت وهو يضعه في القبر، ولكن لاشيء يستحق التذكر، فكرة الموت لا تشده كثيرا.

قبل وفاته بيومين، دخل مسعود غرفة العناية المركزة في المستشفى. سرير مصطفى هناك بين عشرات الأسرة، تفصلها قواطع صغيرة من القماش الرقيق. كان مستلقيا – مثل كل من يحتضر في تقليد مكرر وممل – بوجه لا يمت بصلة لوجهه، متحجر تحت ظل اللمبة الخادر فوق رأسه. سيموت حتما، فكر مسعود. هنالك رتابة بليدة في المكان، صرير خطوات في الممرات السيراميكية وطنينٌ وجدران معقمة. لا رائحة لإنسان هنا، بتاتا، لا رائحة لعرق، لجلد، لشعر. جلس على كرسي بجانب السرير، لم ينم جيدا ليلة الأمس، يحدق بخمول كسول في صاحبه. لماذا هذه اللحظة تحديدا؟ لم يكن فيها شيء مميز، لقد نزل إلى الكافيتيريا، اشترى ساندوتشة، قرر وهو يأكلها أنه سيخبره أخيرا بالحقيقة قبل أن يذهب ليفتح المحل من جديد، تماما كما كان يفعل طول شهر منذ أن دخل مصطفى المستشفى. لماذا؟ هذه كلمة يتحفظ عليها مسعود .. قال أخيرا بتراخٍ:

– قتلت واحد.

لم يتحرك مصطفى. لا يجب أخذ هذا الأمر بشكل شخصي، فكر مسعود، فقسمات وجه صاحبه لم تكن قادرة على افتعال ردة فعل واضحة، أو أنه لم يكن مباليا بما يقال، أو أنه لم يكن يسمع أصلا سوى الأصوات. يرجح مسعود أن التخمين الأخير هو الصحيح، أنه لا يسمع أصلا سوى الأصوات، وأن مسعود، صديقه وشريكه في سكنه، لم يعد سوى صوت ولون. لم يكن يتوقع أكثر من هذا. لا بأس. أكمل بنفس النبرة اللاممسرحة:

– لقد كان ثأرا، لم أكن أريد أن أقتله، ولكنهم ظلوا يرددون أنني يجب أن أفعل، ففعلت .. ثم هربت .. سرقت مالا وهربت.

أطرق لحظة بشرود، غارقا في كرسيه. المكان دافئ، يحرض على النعاس. كتم تثاؤبا طفيفا. أكمل برتابة أثقل وأثقل:

– أظن أنه كان يفترض أن تكون الأمور مختلفة، يمكن، لا أعلم .. ربما عمل في مكتب، قليل من سفر، امرأة .. شيء من هنا وهناك .. ولكن الأمر الآن صعب كما ترى .. هذه تقريبا هي كل الحكاية.

ثم صمت، طويلا، يبدو وكأنه على وشك أن ينام، يحدق في نقطة من الهواء، نقطة هامشية وسط الهواء .. تثاءب هذه المرة بشكل كامل، رمش مرتين بقوة وكأنه يوقظ عينيه، تطلع في صاحبه فلم يرى ما يشير إلى أي ردة فعل .. نعم، لقد انتهى كل شيء .. لقد انتهى فعلا بعد شهرين. كان احتضارا طويلا، نوعا ما، ولكن دون ألم، هذا كان جيدا على الأقل، فكر مسعود حينها.

خرج من قبره وساعد في ردمه وشكر الحاضرين، ثم ذهب ليجلس على صخرة في طرف المقبرة، يتأمل شواهد القبور الناتئة. لقد تعمد القيام بذلك، لأنه قرأ في إحدى المجلات والكتب أو رأى في أحد الأفلام والمسلسلات – التي وجد نفسه مجبرا على استهلاكها في غربته – أنك حينما تفقد  شخصا مهما، حاوِل ألا تجعل اللحظة تضيع دون أن تدركها، انتبه لها، لاحظها قدر الإمكان. كان هذا نجيب محفوظ، أو القصيبي، أو حتى الهليّل، جايز ليش لا، أو يمكن في فيلم من هوليوود أو إحدى مسلسلات أنور عكاشة، كان يحب المسلسلات المصرية القديمة، أو جايز من أحد الذين استضافهم الشريان، كان لا يفوت برنامج الشريان. أو لا أحد، ربما هي فكرته، بل غالبا هي فكرته. إنه يخلط كثيرا بين ما هو أصلي وما هو مقتبس. ولذا جلس هناك، بتلك الطريقة الممسرحة الغريبة عليه، يطالع المشهد، بما فيه القبور. يفكر في مصيرها، ماذا سيحدث لها بعد مئة عام؟ ستنطمس حتما، ستُبنى فوقها البيوت، وستُعبّد عليها الطرق، وستزرع في أعماقها الأشجار. وبعد مئة سنة أخرى، ربما تتحول إلى مقبرة جديدة .. صورة جميلة في بشاعتها .. ظل يطالع بلذة وحزن .. ليته يعرف اسم هذه الحالة، فكر في نفسه، أن تكون سعيدا في الحزن. أن تجد سعادة غريبة وتكاد تكون مقلقة في الحزن. ولكنه لا يعرفها، ليس الآن على الأقل، سيعرفها لاحقا، بعد سنوات من الآن، وسيقول: أها، إذن هذا هو اسمها؟ الميلانخوليا؟ وسيقول رحمك الله يا هيوجو. حينها لن يكون أي من هذا مهما، لاشيء حينها سيكون مهما.

ولأول مرة منذ 5 سنوات، عاد طنين الصمت ليردم أذن مسعود.

 

 

2

التقيا قبل 6 سنوات.

كان مصطفى يسكن في عمارة قد استحوذت على أغلب شققها الجالية المصرية في شارع الخزان، تفوح منها روائح طبيخ حاد ومظاهر حياة فريدة وخاصة. يعمل مصمما في شركة للدعاية والإعلان. اشترى سيارة متهالكة يعاملها كالجسد المريض، يحاول ألا يستثيرها، ألا يفاجئها أثناء القيادة، فكانت ترد الجميل بطول احتضارها وتأخير موتها.

طوال شهرين منذ انتقاله إلى شارع الخزان، كان يصادف في طريقه إلى المكتب رجلا – يبدو سعوديا – يسير على قدميه، متجها إلى عمله كعامل في محل مبيدات حشرية في عمارة مجاورة لمكتبه، وهو ما كان غريبا في حد ذاته، يقطع 5 كيلو مترات يوميا، لا يلتفت، ولا يختلج، ولا يتغير رسم جسده الأوتوماتيكي، يبدو كنائم يُـقاد بحبل مربوط يجرّه بخفة. لم يكن أحد يعرف مسعود بالضبط، أعني لم يكن غامضا، بتاتا، بل كان مباشرا ولطيفا ولا يبدو عميقا ومنكمشا، ولكن كمعلومات، لم يكن أحد يعرف عنه شيئا، والغريب أن هذا قد بدا منطقيا، ولذا لا أحد صار يطالبه بأكثر مما قدم، من تقاطعوا معه ومن سكنوا بجانبه، حتى صاحب المحل، لم يكن يعرفه، كان سعيدا أن سعوديا مهذبا يقبل بهذا العمل، بل أنه أجّر عليه المحل وصار يأخذ منه إتاوة فحسب، هذا كل شيء، ولاشيء أكثر من هذا، من أين أتى ومن يكون وما قصته، لا معلومات ملموسة. لهجته المختلطة بين الجنوبية والنجدية تفرض غموضا حول أصله، وسحنته السمراء الكالحة تشير إلى أنه عاش تحت الشمس طويلا.

مر مصطفى بجانبه صباح يوم شتائي قارص، يمشي منكمشا في جاكيتة صغيرة لا تغطي كل ظهره. أوقفه على قارعة الطريق وفتح النافذة المتصلبة بصعوبة، ثم قال:

– تحتاج إلى توصيلة؟

انحنى مسعود ليقابل نظرات الغريب، ابتسم ابتسامة لطيفة تنفض شيئا من كدر طلته الكالحة:

– ما أظن طريقي مع طريقك.

فهز مصطفى رأسه بخفة:

– طريقنا واحد يا زميل. اركب بس.

استقام متلفتا حوله باستغراب وتورط، وكأنه يبحث عن تفسير لما يحدث، أو على الأقل عن شيء يمنحه الإذن. ركب بتردد، جلس بارتباك في مرتبة السيارة، لازال يتدثر بجاكيتته بكل قوته. بادره مصطفى بالتعريف بنفسه بسخرية كسولة:

– معاك مصطفى رفاعي .. من الاسكندرية، مواليد 1984، أعزب

ثم استدرك وكأنه تذكر أهم سؤال:

-متزوج يا؟

-لا

-أها. حلو. كان يفترض أن أتزوج بنت حبيتها ولكنها قحبة طلعت تحب واحد ثاني..

ثم أخذ يقهقه برتابة.. تطلع فيه مسعود بما يشبه استمتاعك بشيء مثير وسخيف في نفس الوقت.. أكمل مصطفى مستطردا:

-عموما هدى القحبة مش موضوعنا، لم تعد موضوعنا منذ مدة، لاشيء يدوم.. راحت ويجي غيرها، ويجي غيرها لغيرك وهكذا، هذا رأيي على الاقل.. يلعن أبوك امشي، يا الله روح .. الشوارع زحمة اليوم يا … اسمك إيه ياخي؟!

رد مقتضبا:

– مسعود ..

– إيه؟!

رفع صوته فوق حده المعتاد الخافت:

– مسعود ..

انتظر مصطفى عدة لحظات وهو يراوح النظر بينه وبين الطريق، ينتظر إضافة لتلك الكلمة القطعية، ولكن لاشيء، بدى مسعود ساهما في تأمل الشارع أمامه، وكأنه لم يركب سيارة منذ زمن طويل، وأن هذه الشاشة – التي تعرض مظاهر الحياة الخارجية كصور مونتاجية أمامه – جديدة عليه تماما .. قال مصطفى:

– ماشي .. مسعود .. مسعود ايه؟

هز كتفيه دون أن يشيح عن شاشة الصور:

– مسعود .. بَس.

قال مصطفى باستغراب:

– اسم أبوك بَس؟!

التفت نحوه:

– هه؟!

– اسم أبوك بس؟!

قال باستنكار:

– لا .. وش اللي بس! .. أقصد مسعود تكفي.

– ايه؟!

– أقصد مسعود تكفي.

– أها .. طيب .. ماشي .. مسعود حاف .. من وين؟!

فكر قليلا ثم قال:

– من بعيد.

–  هه؟! ارفع صوتك الله يرحم أمك.

– من بعيد.

– بعيد فين؟!

– من أكثر من مكان.

التفت بحذر ساخر:

–  أنت إرهابي والا ايه؟! فين الحزام؟!

فابتسم مسعود متعجبا:

– ليه بس؟

– ليه إذن لا تريد أن تخبرني من وين؟!

رفع كتفيه ببطء متورط:

– لأنني من أماكن مختلفة، أستطيع القول أنني من أماكن مختلفة .. وسأكون صادقا .. لذا من وين؟ …

صمت لحظة وهو يفكر في كلمة دقيقة ببطء متراخ وأكمل:

– صعبة شوي.

أطرق مصطفى وهو يفكر باستنكار في كل هذه الإجابات الغريبة. إنه رجل غريب فعلا، استنتج أخيرا، لا عجب أنه يعمل في محل مبيد حشرات، الرجل غريب وبس .. ولكنه رفس كل شيء كعادته وقال:

– كثير الترحال إذن؟!

– نركض وراء الدنيا.

– صحيح. والدنيا تركض وراك؟

-هه؟

-ولاشي.

ظل يهز رأسه بأوتوماتيكية، ثم ضرب الدركسون فجأة ضربة خفيفة تمهيدا لإعلان مهم، وقال وهو يتوقف عند إشارة شارع الخزان مع البطحاء التي ستستمر وقتا طويلا وبحاجة لموضوع جيد للحديث:

– مسعود البَس: ما رأيك في القوارب؟!

هكذا كان الرجل .. يطرح أسئلة ويقوم بأفعال لا تمتُّ بصلة للموقف. حينما تسير بجانبه في السوق يختفي فجأة دون مقدمات، ثم تجده واقفا عند رفوف المجلات أو الخضار أو المعلبات يحدق بحماقة. أو حينما تقفان أمام بعضكما وتتحدثان في نقاش يبدو مستحوذا وممتعا، لتجده يلتفت فجأة ثم يمضي إما إلى السيارة أو الشقة أو أي مكان لعين آخر، وكأنك غير موجود. لم يكن يقطع المشهد أو يستطرد بغرض استهداف أشياء أكثر جودة، بل كان يفعلها أحيانا لأشياء سخيفة، وكأنه يفعل ذلك لمجرد أن يفعل ذلك، لمجرد أن يغير. هذه كانت نظرية مسعود، إنه مدمن عدم استمرارية، لقد فرح حينما ركب هذه الجملة المعقدة، بدت معبرة تماما عن صاحبه، وقد كان فخورا بها.

طوال الأسابيع المقبلة، كان مصطفى يتولى دفة الحديث، يتحدث عن هوسه بالقوارب حينما كان يسكن قريبا من شاطئ الإسكندرية، أحلامه الرومانتيكية حول البحر المتلاطم والقوارب التي تسبح عكس تيار الطبيعة، كيف تُصنع، وكيف تشترى وكيف تباع وكيف تقاد، كل شيء يتعلق بها. أو في الحديث عن نفسه، عن كل ما يمت له بصلة، كيف توفي والداه قبل 4 سنوات حينما كان في الجامعة، وكيف أن هجرته هنا كانت أمرا غير متوقع، وكيف أنه أحب فتاة تدعى هدى – ويصير اسمها أحيانا سعاد، نظرية مسعود هي أنهما اثنتان مختلفتان – لم تبادله الحب وأحبت آخر أقبح ولكن أكثر نجاحا منه، وكيف أنه يريد العودة إلى شاطئ الإسكندرية ذات يوم، وكيف وكيف وكيف، كلها متداخلة واستطرادية وعديمة الاستمرارية .. لم تكن في أحاديثه ثرثرة مزعجة، كان قاصا ماهرا، والأهم صادقا، وإن كان مستفزا في لجاجته، وأنانيا في احتكاره للمشهد، ينصت مسعود إليه بانتباه خامل تسليكي، بينما يستغرق هو في وصف ما يصف.

أما مسعود فلم يكن يتحدث .. حينما يهتف فيه مصطفى مطالبا بشيء ما، أي شي يدل على أن له لسان، يجيب ببرود متجمد:

– ليس لدي شيء لأتحدث عنه. إذا أردت شيئا اسألني.

كانت هذه إجابة منطقية كما فكر، ولكنها ليست مرضية لمصطفى، إنه لا يحب الأسئلة، لتتحدث وحسب. لم يعرف عنه شيئا يستحق المعرفة، بل أنه كان يشك في أن اسمه مسعود. تركيبته بأكملها كانت تثير ريبته التي لم تعتد على شخصيات مركبة كهذه، حبه لأشياء خاصة بدت له غريبة، مثل مشاهدة برنامج حواري على قناة المستقلة، أو برنامج مسابقات أرب آيدول، أو مسلسل مصري قديم، أو قراءة الصحف والمجلات وبعض الكتب، أشياء بدت لمصطفى غير ملائمة لسبب ما. ولكن لأنه كان منغمسا في أنانيته الذاتية وخيالات صحوته؛ لم يبالي كثيرا. وبعد عدة أشهر انتقل مسعود إلى شقته للعيش معا. كان يسكن معه في السابق رفيق من الديار يدعى مناور، سافر إلى مصر بعد أن باع والده أرضا في الصعيد بـ600 ألف جنيه.

لم يكشف عيشهما معا شيئا جديدا. بدا الاثنان لبعضهما كما كانا في رحلات الصباح إلى العمل، عدا موضعين اثنين: الأول حينما يصاب مصطفى بحالة من الاكتئاب الحاد، يفقد الرغبة في العمل، ويتحول اندفاعه في الحديث إلى اجترار ممل عن موقفه الهش .. كان يقول لصاحبه بدراميته المعتادة:

– لمن أعمل؟! لا يوجد أحد ينتظرني هناك، فلمن أعمل؟!

فيقول مسعود بلهجة متأنية:

– إنك تعمل لتجد أحدا هناك .. زوجة وأبناء سيعيشون في خير ما جنيت.

فيلوّح يده بعصبية:

– كلام فاضي، أنا لست غبيا .. لا يوجد أحد، ولن يوجد أحد، لأنني سأعمل كالكلب طوال حياتي، ولن أجد أحدا. لا وقت لأجد أحدا.

ثم يوجه سؤاله لمسعود بشيء من الحدة، وكأنه يتهمه بإثم محاولة تهدئته:

– قول لي: أنت لمن تعمل؟!

فيفكر قليلا ثم يقول وكأنه يكتشف هذا الشيء لأول مرة:

– لنفسي .

ثم يستكمل بهدوء:

– وش المشكلة في أن تعمل لنفسك؟ أن تعيش لنفسك؟ أن تكون الحياة بأكملها لنفسك؟ إلى اللحظة التي تموت فيها.

يستقبل مصطفى إجابته بانهزام نزق، يزفر باعتراض عاجز .. ثم يقول:

– لا أستطيع .. أنا لا أطيق الوحدة، أنا أخاف من الوحدة.

ثم يلتفت إليه هامسا بنظرة مرتعبة صادقة:

– عارف أخاف من الموت ليه؟!

يصمت ليترك مجالا للسؤال أن يفرض حضوره على الموقف. كان مصطفى بارعا جدا في الكلام وما يصحبه من مسرحة، مهما كان يقول من أشياء مبتذلة، ستصدقه، وستتعاطف معه، إنها موهبة عظيمة، ونادرة. يكمل:

– لأنني أخاف أن أكون وحيدا هناك، في تلك الحفرة الضيقة، أثناء الحساب، أثناء البرزخ، أثناء البعث، وحيدا .. هل ترى؟! إنني أخاف من الوحدة أكثر من خوفي من الموت، أكثر من خوفي من جهنم ومنكر ونكير. يا رجل، أخاف من الوحدة أكثر من خوفي من الله!.. أحتاج إلى أن أعمل من أجل أحد، فقل لي: أعمل لمن؟!

يمر يوم كئيب على هذه الشاكلة، يزحف ثقيلا، يحتضر ولا يموت. ومع الصباح تتلاشى رواسب الأسئلة الغامضة، ويعود مصطفى تدريجيا ليتحدث عن القوارب وغيرها. وكأنك ترى طفلا يصحو من النوم. كان مسعود يسمي هذا اليوم “ضريبة الونس”، المقابل الذي تأخذه الحياة مقابل اندفاع صاحبه الصبياني الأناني. وقد بدى هذا عادلا.

الموضع الثاني حينما يدخنان سيجارة الحشيش ليلة كل خميس في سطح الشقة، فيبدو مسعود شخصا مختلفا، وإن كان اختلافا طفيفا، إلا أنه يجعله قابلا للحديث، منفتحا لأن يصف أشياء كثيرة، تتعلق بنفسه وماضيه وما يفكر فيه وما يتوقعه. إلا أنه يظل حذرا، يتوجس الخوض في أشياء معينة، كي لا يخرج من غشاء الظل الذي يتكوّر فيه.

 

 

3

جلسا على فرشة في زاوية السطح الضيق، يضيء ضوء لمبة الشارع المتدلية قريبا منهما بؤرةً تغطي جزءا من جسديهما، ويفرض سكون الشارع خلفية رقيقة لهدوء ما قبل منتصف الليل.

كان مسعود يقول باقتضاب ودون مناسبة أنه لم يعد يحب الأفلام العربية الجديدة، صارت تفتقد لشيء لا يستطيع تحديده. أشعل مصطفى سيجارة الحشيش، وهو يقول محدقا في الكتاب الذي يمسكه مسعود:

– قول لي، كيف لشخص مثلك أن يعمل في محل؟!

– هه؟!

– كيف؟

– ما فهمت.

– أنت عارف أقصد ماذا.

لف الكتاب نحوه وقال:

– هذا كتاب باللغة الروسية.

ثم أضاف ببلاهة وكأنه يسجل استغرابا تجاه نفسه:

– أنا لا أقرأ الروسية.

قال مصطفى بغضب تقريبا ولا يعلم لماذا هو غاضب فجأة:

– شايله معك ليه إذن؟!

فكر مسعود قليلا ثم قال وكأنه يكتشف ذلك لأول مرة أيضا، كعادته حينما يجيب على أسئلة كهذه، إنه شيء لطالما أثار حفيظة مصطفى، وكأن هذا الرجل لا يفكر فعلا فيما يفعل، يفعل فحسب، ولكن حينما تسأله لماذا يفعل هذا يبدو وكأن الإجابة جاهزة حتى وإن كان يقولها وكأنه يكتشفها لأول مرة. كان مصطفى يقول في نفسه كيف يحدث هذا؟! إنها مثل تمثيل مشهد، ولكن الرجل يؤديها بصدق لا يمكن التشكيك فيه. ولذا أثار حفيظة مصطفى حينما رد قائلا بنفس الطريقة:

– أعجبني شكله. الخط الروسي غريب. لقد سرقته من المكتبة العامة.

شفط مصطفى نفسا وأعطى السيجارة له وهو يهز رأسه بصمت ناقم. لن يسأله مرة أخرى، لن يقع في هذا الفخ، سيظل يعقد الأمور بكلمات غريبة تعلّمها ربما من كل هذه الجرائد والمجلات التي يقرؤها والأفلام والبرامج الذي يشاهدها في ذلك الجحر الاسمنتي بجانب المبيدات الحشرية. ولكنه لم يقاوم، ربما هو أثر الشفطة الأولى من السيجارة، أو أنها الغريزة النشبة التي خلق بها. قال بعصبية لجوجة:

– بس قولي ليه؟!

أعاد مسعود السيجارة إليه ببطء. يسمح لصمته أن يفرض التوتر على الموقف. كان هو أيضا بارعا في الصمت وما يتبعه من مسرحة. قال بلهجته الاكتشافية المستفزة نفسها:

 – يقولون أن ليه كلمة معقدة .. قرأت هذا؟

– إنّا لله وإنا إليه راجعون. يا شيخ كس أمك بس.

– ليه؟.. يقولون ليه نقول ليه؟ وكأنه من الممكن أن لا يكون هنالك ليه .. أو هذا ما فهمت .. ليه خلقنا؟ وليه نموت؟ وليه نحب؟ وليه نكره؟ وليه أعمل عاملا في محل؟ وليه يعمل فلان حدادا؟ .. كلام كبير، صح؟ ولكن هذا ما يقال.. تظن أن هذا منطقي؟

سأل بجدية وهو يحدق في صاحبه. نفث مصطفى الدخان بهدوء وهو يشدد على كل كلمة:

– كس.. أمك.

التفت مسعود أمامه بهدوء غير متورط، إنه يتلقى دائما سبابا على مثل هذه التعليقات، ويقول هاه، لا بأس، لاشيء جدي. التفت إلى صديقه بنفس الهدوء اللامتورط وأخذ السيجارة وهو يقول:

– خليني أقولك شيء كنت أفكر فيه منذ أن كنت صغيرا في المدرسة. هاه .. ما هو اللوح المحفوظ؟

أحد مصطفى حاجبيه باستغراب حاد:

– الذي كُتب فيه ما سيحدث لنا؟! ما دخله بعد في القضية؟!

– بالضبط، ما سيحدث لنا، وليس ما سنفعله، لأن كل ما نفعله هو في الحقيقة: يحدث لنا. شايف الفرق؟ أنا شايفه، شفته مؤخرا، بعد كل ما حدث. وما حدث كثير، صدقني.

ولكن مصطفى لم ينتبه للجملة الاخيرة، كان منشغلا بنرفزته الخاصة ولذا قال بعصبية:

– يا بني آدم بتقول ايه؟!

فرفع صوته باندفاع طفيف:

– أتكلم عن ليه. ليه كل هذا. ليه ما حدث وليه ما لم يحدث. ليه؟

استرجع مصطفى السيجارة باشمئزاز:

– حينما تريد أخيرا أن تتحدث، فلا يخرج إلا الخرا ..

أخذ مسعود يحدق في الفراغ بخمول يتصاعد تدريجيا بكثافة، وكأنه لم يسمع شيئا مما قاله مصطفى .. إنه يكون حزينا أكثر حينما يدخن الحشيش، ولكنه ذلك الحزن السعيد، الذي لم يعرف كلمته بعد، ولذا لا يستطيع أن يملكه، لا تستطيع أن تتحكم بشيء قبل أن تسميه، وهو لا يعرف اسمه، ولذا لا يستطيع أن يتحكم فيه .. الحزن السعيد .. يتسلل دخان النشوة الهامدة في كامل جسده، فيشعر وكأنه خفيف سيطير أو ثقيل سيسقط أو كلاهما ربما .. الألوان أمامه تتحد، أو أنها تنفصل، أو كلاهما .. الأصوات حادة تكاد تئز في أذنه، أو أنها خافتة مثل همس حلمي قشعريري، أو كلاهما .. كل شيء متناقض وموجود في تناقضه، كل شيء هو أو ما هو عكسه تماما، كل شيء في مكانه وليس في مكانه .. قال:

– في عزاء والدتي جلست في زاوية من المجلس، وانزويت بعيدا عن كل الأعين التي كانت تراقبني بعمد أو بغير عمد .. كنا عائلة كبيرة .. كنت حزينا، ولكنه حزن جاف .. لم أفهم يوما لماذا البكاء، وأظن أنني لا أفهم حتى هذه اللحظة .. “هو نقشٌ بالرمل على جدار الريح” .. هاه، شعر، طيب، لا بأس .. خرجت من المجلس، وأخذت أسير بخطوات عشوائية وسط الحوش .. اتجهت إلى الحوش الخلفي، لم أكن أخطط لشيء، فقط أمشي .. جلست على حافة الدكة أمام المزرعة الصغيرة التي تستفرد بالنصف الآخر من الحوش، يسري على سطحها الضوء الأصفر لشمس العصر الباهتة، وفي السكون أصوات الورق مع نسيم خافت كان حينها .. أخذت أحدق بوجوم في كل تلك النباتات والفواكه التي زرعتها والدتي، ثمر التين بجانب الزيتون والرمان تحت شجرة الفيفاي التي تستظل بظل النخلتين المتلاصقتين، رائحة الطين الرطب بعد مطر البارحة، يمتزج بعبق الورق الناضج في جذوع الشجر .. لو كان لوالدتي رائحة بعد الموت، فستكون حتما هذه الرائحة .. ظللت أحدق بوجوم، في عيني شيء حاد، يحك الغشاء، وكانه يحاول أن يكسر حاجز الماء، ولكن دون جدوى .. أنا لا أبكي، إنه أمر غريب ومزعج، كنت سأعطي أشياء كثيرة مقابل أن أبكي تلك اللحظة .. وفجأة، دوّى صوت هائل من البيت الملاصق، دويُّ آلات موسيقية متناحرة، تشتبك مثل الموج الهائل، أنا لم أرى البحر على فكرة، ولكنني أتخيله كثيرا، مثل الموج المتلاطم دون رتم واضح، مجرد صخب مدوي .. التفتّ أتأمل النافذة المفتوحة التي يصدر منها الصوت، ثم عدت لأحدق في المزرعة، ذلك الــ، كيف أسميه؟ ذلك الهدير، نعم، الهدير الذي يجتاح كل ذلك الصمت، وأنا أدرك، نعم اظن أنني كنت أدرك، أدرك حينها، وليس لاحقا، أدرك حينها أن الفاصل بين كل هذا الصمت، وكل ذلك الضجيج: مجرد جدار، اسمنت.

خيم السكون لحظة ثقيلة، أصوات السيارات البعيدة في الشوارع المجاورة يزحف، عدما، ثم خافتا، ثم قويا، ثم خافتا، ثم عدما من جديد .. فجأة كل شيء كان حزينا، وسعيدا، وقديما .. إنهما لم يعودا في هذا الزمن، إنهما في أزمان بعيدة حدثت ولم تحدث، إنهما في غربة كرتونية وسط ذكريات دخانية الشكل حدثت ولم تحدث .. قال مصطفى وهو ممسك بالسيجارة بجانب فمه، مخدرا في ثقل تفكيره:

– حينما توفيت والدتي انهرت تماما .. كنت أجلس في قاعة الجامعة بعد شهر مثل المخدر، سألني الدكتور سؤالا فطالعت فيه لحظة، ثم فجأة: أبكي، فجأة، دون أي مقدمات .. بكاء أشبه بالنحيب .. لولا الخجل لكانوا ضحكوا علي .. ملاعين، كنت أقول في نفسي، فقط انتظروا إذا توفيت أمهاتكم.

مد السيجارة لمسعود فلم ينتبه له، لكزه بأصبعه فالتفت بخمول، تلقف السيجارة وشفط نفسا طويلا حتى شعر أن صدره يطفو في الدخان، وبدى وكأن صور السماء أمامه تبدو ضبابية، تختلط في بعضها .. نفث الدخان في خط مستقيم، ثم قال:

– يستحيل أن تكون كل قصصنا تنتهي بنهاية واحدة: الموت.. ربما بيننا خالدون، أو من صعدوا للسماء مباشرة .. نهايات أخرى، لانعرفها.

فالتفت نحوه مصطفى:

– بدأ المفعول يا زميل.

فلوّح بسبابته معترضا:

– لا لا هذا ليس كلام فاضي .. عشان تعرف الموت، يجب أن تعرف الحياة .. هاه .. وشهي الحياة؟! ربما هذا كله وهم؟! .. أمك لم تكن، أبوك لم يكن، أخوك وأختك وصديقك، جميعهم لم يكونوا .. هذه السنوات كلها: مجرد حلم في برزخ .. الموت: هو أن تفيق من الحلم.

حدق مصطفى في صاحبه بحماس، ثم قال بتأثر بالغ:

– يييييييييه .. تخيل؟!

صمت لحظة محدقا بذهول، ثم أكمل وقد التفت على مسعود بكامل جسده، وكأنه على وشك أن يخبره سرا خطيرا:

– أحيانا، وفجأة، أشعر وأنا جالس في مكان ما، أو أسير في طريق ما، أو أتحدث مع شخص ما: أنني أحلم .. أشعر وكأن ما يحدث غير حقيقي، أبدأ في التفكير: هل أنا موجود فعلا؟! ما الذي يحدث؟! أشعر وكأنني أتواجد في هذا المكان، ولكنني لست موجودا بالفعل.

ثم أكمل مؤكدا بإصرار:

– ليس نفسيا. ولكن جسديا. أشعر أنني جسديا لست موجودا!

أخذ مسعود السيجارة وهو يهز رأسه بعمق:

– فيه شيء خاطئ في هذه الحياة، شيء غامض، شيء … لا أعلم ايش.

شفط النفس الأخير من السيجارة، وقد ارتطم كلاهما بقاع النشوة الخاملة، حتى بدا كل طرف من الجسد منفصل عن الطرف الآخر .. اقتربت السماء، ونحفت الريح، وانخفض معدل الجاذبية، وكاد كل شيء أن يفقد ماديته ويصير هباء .. لو حرك أحدهما ذراعه لطار محلقا في الهواء .. قال مسعود وقد رمى عـقِب السيجارة:

– هل ستذهب في إجازتك إلى مصر؟

فرد مصطفى بصوت ميّت:

– ما الفائدة؟

 

 

4

سافر مصطفى إلى مصر في إجازته السنوية.

الصمت .. عدوّ أخرص، ثقيل كفاجعة حديثة لم تبرد بعد. يجثم بثقله، دون دوشة، دون بروتوكولات، يبارز دون دراما أو انفعالات .. راقبه مسعود وهو يُـقتل على يد مصطفى، يوميا، ولكنه عدو لعين، لا يموت، لأنه ليس حيا أصلا، كيف تقتل شيئا ليس موجودا؟

عاد ذلك الطنين ليتبوء في أذنيه، حينما يستحوذ الصمت على المدى، ويضرب طوقا لا منفذ فيه، فيئزّ في أذنك طنين مزعج أشبه بصافرة إنذار، هي ردة فعل الجسد على الصمت: بأن يستحضر صوتا لا وجود له .. كان مسعود يهرب منه في السابق بأن يفتح التلفاز، أو الراديو، أو أن يجلس بجانب النافذة المفتوحة على احتمالات الصخب المتنوعة .. ولكنها لا تقتله، مجرد وهم لا يخفي حقيقة المشكلة: الصمت ينتظرك في الزاوية، ريثما تغلق كل شيء .. أكثره شراسة قبل النوم وبعد الاستيقاظ منه، يكاد يقتل.

لقد تصالح معه في السابق، وإن كانت مصالحة المهزوم الخاضع .. ولكنه يعود الآن بوقع أشد، وكأنه ينتقم من محاولة وأده الفاشلة.

لم يعد يطيق الجلوس في الشقة، يعمل طوال اليوم ويرتاد في منتصف الليل بسيارة مصطفى استراحات الشيش البعيدة خارج المدينة، يجلس وحيدا، يراقب الجماعات المتكتلة وينصت لهدير الأصوات الصاخبة، يجلس مع بعضهم فيتفرقون في نهاية السهرة ولا أحد يتذكره، كيف تتذكر شخصا لم ينطق بحرف طوال الجلسة؟!

وحينما يدخل الليل في آخره، يبدأ كابوس الصمت .. صار يفكر كثيرا في الرجل الذي قتله، يرى في منامه لمعان السيف الذي يهدد رقبته .. فكر في أن يُسلم نفسه، أن ينهي هذه المسرحية السخيفة، ولكنه كان أجبن من القيام بذلك .. ولذا ظل يحارب الصمت بفشل، حتى عاد مصطفى مبكرا بعد ثلاثة أسابيع.

وقف أمامه بكآبة تلك الأيام. وضع حقائبه عند الباب دون أن يسلم على صاحبه، ثم قال وهو لا يكاد يحرك عضلة من جسده:

– لا أعلم إن كنت أريد العودة إلى هناك.

فرد مسعود بهدوء:

– ليه؟

رمى بنفسه على الكنبة بجانبه، وأخذ يحدق أمامه بوجوم .. ثم قال:

– لقد فقدت حياتي هناك .. في كل مرة أعود فيها يجب أن أستعيدها، ولكن لمدة شهر فقط .. يجب أن تُجدد صداقاتك، أن تعيد بث الروح فيها، أن تعتاد على المكان، على الأجواء، على كل شيء لعين .. وفي اللحظة التي تستعيد فيها حياتك السابقة، ترحل عنها مرة أخرى. إنها مجزرة، صدقني.

ثم صمت بجمود كئيب، وبعد لحظة عاد ليكمل:

– ربما لو كان لي عائلة هناك لاختلف الوضع .. هل تصدق أنني سكنت الليلة الأولى في فندق؟! .. هل تفهم ماذا يعني هذا؟! في بلدي: أنا غريب، هنا: لدي شقة .. صدقني، لم أعد أفهم شيئا .. ما الذي أفعله هنا؟! لمن أعمل؟!

بعد دقيقة من الصمت المطبق، أخرج مسعود من جيبه سيجارة حشيش، رفعها .. التفت مصطفى نحوه، ودون أن ينطق أحدهما بكلمة اتجها إلى السطح، ودخنا السيجارة ..

⁂

أحمد الحقيل

روائي وقاص سعودي. عن الكاتب ←

النشرة

رسالة حين يُنشر نص جديد في المدونة أو يصدر كتاب.

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة