1
عائلتنا تتكون من 150 نخلة .. أمي تبلغ من العمر 420 عاما .. بدؤوا بها هذا الصباح، استغرقوا زمنا يقطعون ساقها العريضة، تهتز قنة رأسها بشعر غصونها الأخضر، حتى سقطت أخيرا ..
راقبتُ من وسط المزرعة هامتها الطويلة تميل، وكأنها تركع، حتى اختفت بين بقية النخل، ثم سمعتُ صوت ارتطامها .
فقدتُ 6 أخوات وأربع إخوان .. صوت المنشار يزحف ببطء، تلتقطه أغصان الواقفين في الصفوف الأمامية، فيَـصِل إليّ بأزيزٍ مُفخّم .
2
أذكر أبي جيدا .. لقد مرت 419 سنة تقريبا ..
كان شابا قويا، بلحية قصيرة سوداء، وعينان كحيلتان، وأسنان مصطفة .. بنى مع أخيه قصرا طينيا تسكن فيه عائلته وسلالته من بعده، على طرف المزرعة، ثم بدأ يَـركز النخل .
تفتّقت فسيلتي من برعم أمي، لا أذكر شيئا حينما كنت في رحم الأرض، بدأت أدرك ما حولي وأنا صغيرة جدا، منبثقة برأس مكوّر، أكاد أختفي بين حبات التراب المحيطة بي، أتطلع حولي فلا أرى إلا قدميه، يذهب ويجيء، يتحرك بنعلين من الجلد المدبوغ، تظهر منها أصابع مقددة كتربة متصحرة ..
نقلني لاحقا لسبب ما، حملني بين ذراعيه برقة حذرة، مغطاة في قشّ أرز مبلل، أتطاول من فتحته فأرى وجهه واضحا لأول مرة .. وضعني هنا، حيث الفسائل التي نبتت معي من أمي .
3
الليل الشبحي يموج كعادته الأبدية، النسيم يهب خفيفا من الشرق، يحمل إلى أغصاني رائحة ثقيلة مألوفة، رائحة تذكرني الإسفلت .. أتذكرها من اليوم الذي تمت فيه سفلتة مقدمة المزرعة، بعد أن هُدمت أطلال القصر الطيني الكبير، وبنيت مكانها غرف من البلك، يلمع بياضها في انعكاس الشمس ..
لم أكن الوحيدة التي لاحظت الرائحة، النسيم قد حملها إلى الجميع .. البعض قال أنهم يعيدون سفلتة المقدمة مرة أخرى .. ولكن ذلك بدى غريبا، فلا أحد يأتي هنا منذ زمن طويل جدا .
أشم الرائحة، أحدق في المدى الرباعي حولي، مجرد خواء مستديم، سكون من الصمت الشبحي، يتكرر منذ دهر .
4
اختفت الأصوات من القصر الطيني ذات يوم .. كانت تتسرب في الليل، حينما يضيء بالمصابيح المعلقة بعد رحيل الرجال عنا، تفوح منه روائح الأرز واللحم والقلي والحمس، تتعالى أصوات الغرف الممتلئة بأبناء أبي، السلالات التي ظلت تعيش هناك، وتعمل على رعايتنا وبيع ثمرنا ..
كانت الحركة قد بدأت بالخفوت طوال سنوات عديدة، تتضاءل بتدرج يمنع الانتباه .. ثم اختفت فجأة .
الابن العاشر لأبي، هو آخر من ترك القصر .. ولكنه ظل يأتي كل صباح للعمل هنا، أحيانا مع أبنائه وغالبا لوحده، ثم يختفي في الليل ..
يلوح القصر في الظلمة الشبحية، تبرز قُـنّته في بؤرة القمر المكتمل، دون أضواء، دون ضجيج، مجرد جسد خاوي ..
أخي الذي يتموضع بعيدا في آخر المزرعة، قريبا منه، يزعم أنه يسمع صوتا يخرج من داخله، يطنُّ برتابة كأنين جسد منهك ..
يواصل انهياراته الجزئية، تتآكل جدرانه الطينية، تندفن غرفه بالتراب، تستوطنه كلاب ضالة، جن، حيّات، عناكب .
5
الإسفلت يقترب .. رائحته نافذة بقوة ساحقة .
6
الابن الحادي عشر لأبي، ورث المزرعة بعد وفاة والده .. شاهدناه سنتان يلقحنا، يخرف التمر، يأتي برفقة عمالة لا يمتون له بقرابة .. ثم اختفى .
لم ننتبه جيدا لاختفائه، النخل لايملك إحساسا دقيقا بالزمن .. ولذا ظل الوقت يسير ببطء ثقيل .. لا أحد يدخل المزرعة، لا خطوات، لا أصوات، لاشيء ..
العطش يتفلق في الأرض حيث أقف، حيث نقف جميعا، العروق الجافة تتعقّد تحتي، التربة تتصحر حولي .. أيام “الحميم” تمرّ، تفلقت عذوق الإناث وبرزت شماريخ الذكور من أغاريضها، ولكن لا أحد .. لأول مرة لا أُلقّح، منذ مئات من السنوات، لا أذكر كم هي بالضبط .. تمر الأيام، ينبت الثمر شيصا دون نواة ..
لا نتحدث عما يحدث .. فالنخل لا يفكر، لا يشتكي، لا يتحرك، مثبت في الأرض، مقيد بالانتظار، يتهدهد مع الريح، يختلط بالتراب .. ولذا نحدق بصمت، نترقب بأناة، ننتظر ببلادة ..
ولكن لا أحد، لا خطوات، لا أصوات .. لا شيء .
7
لقد وصل الإسفلت ..
رجال يتجولون بيننا، أحدهم يزعم أنه يملك المكان .. لا أعرفه، مشيته تشبه مشية أبي، ولكن لا أكثر ..
هدموا غرف البلك، دهنوا مسارها بالإسفلت، حتى توقفوا عند مقدمة المزرعة، حيث تقف أمي ..
رجل يقول أنه المسؤول عن تنفيذ الطريق السريع، يجول في المزرعة، يؤكد للآخرين ضرورة الإسراع في العمل، سيبدؤون اليوم ويكملون بقيته غدا بمزيد من الاستعداد .
يرفع رأسه ليحدق في رؤوس النخل، فلا يستطيع .. يؤكد مبتسما أنها تكاد تنطح السحاب، مَـن يحاول صعودها ربما يصل إلى ملكوت السماء .
8
الابن الثاني عشر لأبي .. ظهر صباح ذات يوم ..
عرفته من ملامحه القديمة حينما كان طفلا، رغم اختلافها .. تغير كثيرا، كما يتغير البشر دائما، الشعر الرمادي والظهر المحدودب والساقان المنهكتان والنظرة المتغضنة .. يتجول مع طفل صغير، يسأله عن النخيل، فيجيب إجابات مقتضبة، كثير منها يحتوي معلومات خاطئة ..
بدأ في هدم آثار القصر، لم يكن بقي منه غير جدران متفسخة، تكاد تطمرها الرمال .. أصوات الآلات ترج المكان، تتردد بصخب لا ينقطع، تهف غبارا خانقا يستريح على غصوننا اليابسة ..
شرع في بناء غرف من البلك .. يمر بنا أحيانا، يحدق بنظرة باردة في التراب الميت، والشيص المتهدل، والزرع المريض .. يرفع رأسه بحثا عن رؤوسنا، فلا يراها، بعيدة جدا بعدد السنوات الكثيرة التي عشناها .
تضيء الغرف بأنوار كهربائية في ليلة عابرة، ثم تغرق في الظلمة طوال أشهر، ثم طوال سنوات، ثم إلى الأبد .. لقد هجرت كالقصر الطيني، نترقب أن تُهدم ذات يوم .
9
لقد عادوا في الغد أكثر استعدادا .. لم يبقى أمامي غير صف .
أكاد لأول مرة أن أرى المدى المطلق، الصحراء المنكشفة بأبعادها المتشابهة .. منظر يثير الرعب .
صوت المنشار يقترب، لم يعد أزيزا مفخما يضيع بين صفوف الغصون والمسافات، أسمعه ينفجر بهدير صاخب وهو يطعن اللحاء .
يحفر فجأة في ساقي .. لم أنتبه أنّ دوري قد حان .
الشجرة لا تلتفت إلى الخلف، لأنّ ليس لها أمام .. ولذا أميل نحو جهة ما، أميل أكثر، أميل أكثر ثم أكثر ..
أحدق في نُـقط البشر الصغيرة تحتي، أتذكر كيف كنت صغيرة مثلهم، لا أرى إلا قدم أبي المقددة بارزة من نعله ..
أميل نحو الأرض، أقترب منها .. ثم أسقط أخيرا .. لم أنفصل بعد، لازال جزء دقيق من لحاء ساقي ملتصق بالقاعدة، ولكن رأسي يستقر على الأرض، أكاد أختفي بين حبات التراب .. أتطلع حولي، فلا أرى إلا قدم الرجل الذي يمسك بالمنشار، بنعله الجلدي الأسود .