اللحظة بين العدم، والأبدية

 

1

في الطريق السريع بين القصيم وحائل، سيارة الهلال الأحمر، عدد من رجال أمن الطرق والشرطة، شخص يجلس على الأرض ممسكا رأسه بيديه، مجموعة مشردة من المسافرين الذين وقفوا للمعاينة. يتحلقون جميعا حول سيارة كامري منقلبة، مهشمة، وسيارة “دينّا” بواجهة معدومة.

“ما الذي حدث هنا؟”

سأل الرقيب وهو يقترب من الجندي، التفت نحوه وشرح الحادث:

“سيارة الدينا خرجت عن المسار، وارتطمت بهذه السيارة، من منتصف المرتبة الخلفية تقريبا”

هنالك جلبة طفيفة في المكان، تم اسخراج الجثث العالقة، الحي والميت منها، ولذا المشهد مستقر الآن. الكل يقف ويتحرك معاينا هامسا.

“وفيات؟”

“اثنان، صاحب الدينا سليم، يبدو أنه نام أثناء القيادة. وقائد سيارة الكامري أيضا، الرجل الذي يجلس هناك”

التفت نحوه الرقيب “هل هو بخير؟ لماذا يمسك رأسه؟”

“المسعف يقول أنه بخير، عدا رضوض ليست خطيرة. أظن أنها الصدمة. إنه يعمل كدادا ينقل الركاب على الخطوط السريعة، وهذه هي سيارته منقلبة على التندة”

تقدم نحوها، يخترق الحشد القليل المشتت. شاهد رأس جثة ملطخ بالدم، عالق في الزجاج الخلفي المهشم للنافذة اليسرى، بعينين بازغتين منطفئتين، ويدين مفرودتين. أشاح بتكشيرة لم تعتد على مناظر الجثث، فرأى الجثة الأخرى، تغرق في ظل آخر المرتبة، بقطع زجاج منغرس في الجمجمة.

“هل هذه جثة ولد؟”

“يبدو كذلك. ليس صغيرا، ولكنه حول الثالثة عشرة من عمره تقريبا”

أقبلت سيارة الدفاع المدني، فاعتدل الرقيب بتكشيرته الباردة، يهمس وكأنه يحادث نفسه “لابد أنه أب وابنه”.

 

 

2

كم مضى؟ عشر سنوات، منذ أن تركت المجمعة؟

ها أنا أبحر في بحر إيجه، قبل كريت، مثل زوربا، ذلك اليوناني العاطفي السخيف المزيف. أمخر بين الجزر التي تضيء الليل كالشموع، ترش نُدف الرذاذ المالح على وجهي، ويتحرك الهواء بصيف مصاب بأول آثار الخريف. معي سيلفيا وفيودور، في قارب مسروق. لا تسأل من هما سيلفيا وفيودور، لا يهم، المهم أنهما معي. أقف في المقدمة مثل بحار تائه، يتطلع حيث تلوح النهاية في المدى، أحدق في الغسق المتورد للغروب، يسيل كالحبر في صفحة السماء المرقعة بالغيوم. استعارات استعارات، أعلم، إيجه يجعلك شاعريا تكثر من الاستعارات التي تبدو أنها الحل الوحيد لتصف حالة التجلي فوق واقعية المشهد التي تشعر بها. أعلم، إنها خيار كسول، أنا آسفٌ إذا كنت أهنت سلامة ذوقك المترفعة، ولكن لا وقت لدي للمبالاة بذلك. تنسل سيلفيا من خلفي، تحتضنني، ونقف هناك، محدقان في البُعد، كلقطةٍ من فيلم رخيص .. عارف، لا حاجة للضحك، لا حاجة لأن تلعب دور المحقق معي، فأنا أعترف، أعترف أنني خضعت لخطيئة الابتذال، لقد غنيت لسيلفيا، رقصت لها، سميت نجما باسمها. ولست نادما على خطيئتي، إنني فخور بها، فلا تحاول.

ضربتني حينما شمت رائحة امرأة في جسدي، للمرة الثالثة، أو الرابعة، لا أذكر، بنفس القوة التي كانت تضمني بها. هذه الفتاة يسيل في عروقها بارود بدل الدم، لوثة من اللذة المندفعة تكاد تحرق كل عصب فيك، وكأنك تسير في حقل كهربائي ممسوس. لحقتها بين أزقة كريت المظلمة، البيوت النائمة على حافة الهامش، لا صوت سوانا، وكأن الجميع ينصت لعاشقين مبتذلين يكرران نهاية حدثت وستظل تحدث، ما دام الرجل رجلا وما دامت المرأة امرأة. وقفتُ أخيرا، وقد اختفت سيلفيا وراء الزاوية، إلى الأبد، أحدق في أضواء العواميد الباهتة، تسبح على الرصيف الحجري، بصدر مكشوف خلف الأزرار الممزقة، يضربه نسيم الليل البارد فيقشعر، تتحجر قطرة دم تسيل من محجر العين إلى حافة الفم، حيث يستقر الطعم الحديدي على طرف اللسان. أقف متورطا بوجوم أحمق، كشخصية من شخصيات غومبروفيتش اللاوعية بموقفها. أين أذهب؟! لم أنم لوحدي منذ مدة طويلة. لا صوت، لا حركة، كل الأشياء التي تقطن في الخفاء تراقبني، تراقب ولادة الوحدة التي لا تُـرى، مثلها، تنبت بحذر لا أثر له في عمق هامشي سحيق، تكبر، تتعاظم، دون أن تشعر بها، ثم تصرعك فجأة، حينما تنتبه ذات يوم لنفسك: مجرد رجل باهت، ينام وحيدا في نُزل رخيص، في اليونان .. واللعنة.

هل رأيت فينيسيا في الشتاء؟! لقد فهمت منذ مدة طويلة، لماذا الله جميل يحب الجمال. لأن الجمال يخدع بأريحية الجاذبية الشاعرية، التي تهمس في أذنك برقة حانية: نعم، ثمة قوة عظمى في هذا الكون، هي التي تجعلك الآن تكاد تطير، فتصدق، ولماذا لا تصدق؟! إنك بالفعل تكاد تطير، رغم الفيزياء، إنك كائن لاجسدي، روحي، متجل في حضرة الجمال، ستصدق أي وهم ماورائي. أما القبح؟! فالقبح حقيقي يا صاحبي، على الأقل بالنسبة لي، لا يلعب، متصل بالواقع، بجسدك الذي يقشعر من وجوده، إنه محسوس أكثر من الجمال، ولهذا القبح أكثر صدقا، ولهذا بودلير شاعر عظيم، فتح بابا موصودا، حينما نسج لغة حميمية شخصية في وصف جثة متعفنة.

المهم، فينيسيا في الشتاء. يا ساتر. إنها تفضحني يا رجل، تخرج الرومانتيكي الذي أحاول قتله، ذلك الذي ينتظر من الحياة فخامة شعرية متجلية. أحب الثلج، لاشيء مثله لتنسى، لتتجدد. يختفي قطعة قطعة، ثم يتفتح الربيع ببطء، كبداية قصة خرافية. قلت لك، رومانتيكية لعينة. هنا فتيات كثر، ولكن لا واحدة تحتضنني من الخلف، ونحدق سويا في المدى الممتلئ بصورة ما، لعدة دقائق، بصمت مطبق، وعمق سخيف. أفتقد الابتذال يا صاحبي، أفتقده، أفتقد العواطف الغبية. سميت نجما باسم فتاة صهباء خرجت معها، نجلس على قارب يجدف بين البيوت الملونة المرصعةِ نوافذُها بالأصص، يشق غلالةً من الصفاء الكريستالي التي تصبغ الهواء بكثافة ألوان ضوئية، كلوحة مصطنعة لانخبوية من لوحات ليونيد أفريموف. لم تكلف نفسها عناء التحديق في النجم، قالت ضاحكة “الجميع يستطيع أن يسمي نجما باسم فتاة، ما المميز في هذا؟!” .. واللعنة كم أصبحت أكره الأشخاص الذين يفكرون.

ولكن بالفعل، لن أكابر، لاشيء مميز، لقد أصبحت مكررا، كما لا يجدر بكاتب. ولكن لا يجب أن ألام كليا، فنوعية النساء الحمقاوات التي عرفتهن في القريب أنزلن سقف مهارتي. ربما يجب أن أخترع شيئا جديدا، ربما أنشئ قَسَما باسم كل فتاة أقابلها، كما كان سيفعل نايجل في أسرار هامسون .

أعشق صوت ارتطام كعب حذائي برصيف شارع ماريا هلفر، في فيينا، حينما يتوقف الليل عند آخر رمق. آثار الضجيج المنسحب، باق في الخلفية النائمة. الأرجل والأجساد والأنفاس والابتسامات والنظرات والضحكات العالقة في الهواء، تغرق في صمت رخيم، كأنها الأجساد التي تبخرت تحت قنبلة هيروشيما ونيازاكي وبقي ظلها في أسطح الأشياء. إبحث عنها إن لم تكن تعرفها، إنها صورة مرعبة، أتذكرها في كل مرة أمر بمكان منطفئ كان ممتلئا وكأنني أرى ظلال كل شيء كان هنا. أفتقد البحر، لم أرى بحرا منذ بحر أدرياتيك، البحر هو أقرب مرادف تستطيع أن تجده للعدم. البحر، وليس الظلام. إنه بدون طرق، بدون مسارات، بدون تغير أو تمايز. ولكنه رغم ذلك موجود، محسوس. ولهذا آمن السومريون والبابليون أن الآلهة التي سبقت الحياة كانت ماء، أبزو الذي هو المياه العذبة وتيامت التي هي مياه المحيطات. البحر، في ظاهره على الأقل، فراغ خام، وجود أصيل لاسياقي، مثل ذاكرة طفل موجودة ولكنها مفرغة من تقسيم الوقت وخلق لحظات واستحداث نظام للتخزين والقبض على انطباعات ما. البحر ذاكرة طفل، نقي جدا، يكاد يكون لنقائه غير موجود. ولذا حينما أكون في البحر، أحس أنني هناك، في ذلك المكان المحسوس، ولكن أيضا أحس أن هذا الهناك يكاد يكون غير موجود. إنه عدم، عدم بالمفهوم الهايدجري ربما. أفتقد الصحراء أيضا، منذ تابيرناس في أسبانيا. الصحراء ليست عدما كالبحر، ولكنها تيه، في التيه شيء مثير من اللذة، اتجاهات مختلفة بأشكال متنوعة وجبال مخروطية وجرانيتية وأراض رملية وحصوية وصلصالية وأشجار وزرع وصخور إلخ، ولكن: تظل بوجهة لامحددة، مجرد خيارات هائلة تكتسب نوعا من الغموض المستفز، كأن تضيع في مدينة هائلة خرافية بناها توماس بينشون، لكل شيء شكل خاص به، ولكل شيء متاهة خاصة به، تستفزك.

المال ينقص، ولكن لا مشكلة، سأبدأ في كتابة روايتي الإنجليزية القادمة، سأنشرها في مدة قياسية، كما اعتدت. إنهم يحبونني هناك. ستحقق نجاحا باهرا، أنا متأكد من ذلك، إنها تتحدث عن، عن مجموعة أفكار وصور تفتقد الوضوح، ليس بالنسبة لي، ولكن بالنسبة لإمكانية شرحها في لغة، إنها لازالت تتخلق، فاهم؟ إنها كالصور الاعتباطية التي تنشأ في مخيلتك حينما تنصت لقطعة موسيقية، تتحرك بضبابية لالغوية، مجرد صور وانطباعات غامضة، تتفاعل مع إيقاعات الموسيقى، تحتاج مدة لتقبض على ماديتها وانفعاليتها وروائحها. المهم دعها، دعها وشأنها، لا نزعجها، ستتشكل قريبا.

هل تذكر جسر درينا في رواية أندريتش؟ إنني أقف أمامه الآن، ثمة شركة تركية تتولى عملية ترميمه، بعد أن هُدم في فترة من فترات الاجتياح الصربي. إننا لا نعامل الأماكن كالبشر، كما يجدر بنا، كل مكان له ذاكرته الخاصة، كل جمال فيه يُخبئ تاريخا من القبح، وكل قبح يخبئ تاريخا من الجمال، عليك فقط أن تنظر جيدا، أن تكتب عن المكان كذاكرة إنسانية، كما فعل أندريتش. في فيشيغراد، المدينة المجاورة للجسر، تعرفت على رسام منعزل لم يتجاوز الثلاثين، اشتريت منه مجسما صغيرا لفتاة تمسك باقة ورد، ينحتها ويبيعها لمحلات الزينة. يقوم مطلع كل فجر، يشرب الشاي، يقرأ، يشاهد التلفاز، ينحت ويرسم، يجلس ساعة على الشرفة، يكتب رسائل طويلة إلى شخصيات أثرت به، مثل هيرزوق في رواية سول بيلو، يراقب غروب الشمس من النافذة، يبتاع حاجياته من السوبر ماركت نهاية كل أسبوع، ينام، يكتفي بنفسه، يكرر ما يفعله منذ سنوات، هو عبارة عن نقطة متوقفة في وسط خط الزمن، المستقبل بالنسبة له لحظةٌ عالقةٌ من الحاضر، لا تنتهي، تتمدد بشكل أبدي، دون أن تنتقل إلى غيرها. هذا الرجل قد ألغى المستقبل ببراعة، يعيش الحاضر إلى الأبد. أفكر فيه أحيانا، خصوصا حينما أشعر بالوحدة، لاشيء أبشع من وحدة الفنادق، ألن يكون جيدا أن تصل إلى مرحلة اكتفاء ذاتي بنفسك؟! أشبه بحالة بوذية ولكن دون الطقوس الدينية السخيفة؟! .. لا أدري.

لقد توفي أبي .. رسالة من رقم غريب، “والدك توفي، أتمنى أن تصلك الرسالة، وأرجو أن تستطيع المجيء”، ثم كُتب في آخرها “سامية” .. أقسم لك، لجزء من الثانية: لم أتذكر من هي سامية هذه. سأكون صريحا معك، لست حزينا على وفاة والدي، إنه مجرد رجل كان يعيش في المنزل، يغيب لأسابيع، ثم يعود لتستأنف أمي عاطفتها المريضة المتسامحة تجاهه، ثم تعود لتطرده مرة أخرى حينما تكتشف حقيقته للمرة الألف. ما كاد أن يُسقطني أرضا هو أنني لم أتذكر أختي، حتى ولو لجزء من الثانية، حدقت في اسمها وأنا لا أعرف من تكون سامية هذه. لن أكذب عليك، لقد كاد أن يقتلني هذا! هل تذكر كيف كنا أنا وسامية؟! ليس سهلا أن تعيش عند أم تُحملك فظاعة مصيرها كضحية بكائية مفتعلة، وأب لا يُرى إلا حينما يريد مكانا ينام فيه. كنا فريق، أنا وهي، سامية، إنني أكرر اسمها كثيرا منذ أن قرأت الرسالة، وكأنني أنحته إلى الأبد. لا وقت للذهاب، سأعرج يوما ما على سامية، ستراني بذهول، ثم سنجلس لنبدأ من جديد، وكأننا لم نتوقف، منذ أن تزوجت هي، ومنذ أن رحلت أنا.

لقد اعتدت أن تُلهمني الصباحات الرقيقة التي أجلسها في الحدائق، محدقا في الحركة الرتيبة. ولكن لاشيء هنا في مينسك، الصيف النقي في روسيا البيضاء، كقوقعة زجاجية مصقولة بالمرمر المزجج. أجلس على الأرض، ينغز الزرع البارد في قدمي، وأحدق . الكثير من الأفكار، ولكنها ليست أفكارا، ليست وضوحا، إنها أشبه بلعبة هندسية، متاهة مركبة، أتوه فيها، وكأنني في رواية من روايات جورج بيريك. ولذا أجلس ساعات، أياما، ولا فائدة، الكثير يدخل، ولكن لاشيء يخرج. لن تفيد الحدائق، ولا البحار، ولا الجبال. أحتاج أن أنسى الكتابة مدة من الزمن، أحتاج فتاة، ليس ليلة مع فتاة، ولكن فتاة.

هل نمت مع روسية من قبل؟! لا أقصد روسية بالجنسية والتاريخ، ولكن روسية خرجت من أرض تغلي بحرارة المبارزات الأسطورية والغضب الثوري والإيمان الدموي المندفع؟! روسية لا تخيب توقعاتك المنمطة عنها؟! وكأنها مترجلة فعليا من إحدى قصائد ليرمنتوف ولا تنتمي إلى روسيا المصانع الحديثة والمدنية المفتعلة. أدق وصف لها هو أنها أكثر من اللازم. كنا نهرب إلى الريف، أنا ولاريسا، عند سانت بطرسبرغ، لم أرها يوما في المدينة، كنا دائما وكأننا نهرب، ننام في كوخ استأجرتُه من رجل فلاح غليظ، كان عسكريا يقتل الأفغان أيام الحرب الأولى، يقول أنه كان يكرههم، ولكن مع كل رجل قتله منهم أخذ يتناقص الكره، حتى اختفى، وأصبح الأفغان مجرد رجال يعيشون في مكان ما من الأرض. أوه لاريسا، تفعل كل شيء بإيمان، رائحتها تشبه خريفا يبدأه شتاء، صدقني لا أحاول أن أكون شاعريا، هنالك عبق غامض يتضوع من مسامات جلد هذه المرأة، يندفع من معدن عظمها الخفي، كقطعة العود المخبأة بين الجمر، يوشك أن يصرعك، يكفيك لأن تُثار وتقذف بعنف. يارب. لا أعرف شيئا عنها، تختفي فجأة في الصباح، تجيء وفق جدول مدروس، لا وقت عندها للعفوية، كل شيء يخضع لسرية ما. ولكنني لا أقبل بذلك، إنني أتعلق بها مع مرور الوقت، أحتاج لأن أعرف شيئا عنها. لحقتها ذات مرة، تقطن في المدينة مع رجل وثلاثة أطفال. سأكون صريحا معك، لقد توقعت هذا، ولكنني كنت أوهم نفسي بالعكس. ولذا وقفت عند الزاوية، الشمس تشرق، أحدق بنظرة انكسار كئيبة، حتى خرجتْ مع طفلها، يسيران نحو المدرسة في الزاوية، تختفي يده في راحة يدها، يقول لها شيئا فتطأطئ رأسها مجيبة بابتسامة بيضاء، خاليةٌ من كل شرود، حاضرة في المشهد بقوة مبتهجة. لم أقل شيئا لها، ننام وكأن شيئا لم يحدث. حتى اختفت، ولم تعد تأتي، أو ترد. وقفتُ عند بيتها في الصباح، خرجتْ مع طفلها، لاشيء تغير فيها، لازالت تبدو حاضرة بابتهاج لا شرود فيه، وكأنها لا تفكر في شيء خارج اللحظة هذه، مع طفلها. ربما اكتشف زوجها، ربما شعرت بالذنب، ربما انتهت مني، ربما وربما، هذا لن يغير شيئا، لحقتها بنظراتي حتى اختفت، خلف الزاوية، إلى الأبد. إنهن يختفين دائما وراء الزاوية.

المال يوشك على النفاد، وأنا لا أكتب. البحر لا يلهم، المساحات الخضراء المسطحة لا تلهم، الجبال الغارقة في السحاب لا تلهم، الحدائق في ساعات الذروة لا تلهم. لاشيء يخرج، كل الأفكار مسجونة في عجزي عن خلق منفذ لها.

أجلس على شرفة فندق رخيص في هيلسنكي. لا تحاول أن تخبر فنلنديًّا أنك تعرف اسكندنافيا جيدا لأنك تقرأ لستريندبرغ وهامسون ولاسكنس ولاغركفيست، سيضربك بحجر، ويخبرك أن هؤلاء ليسوا هم، كما أنهم ليسوا هؤلاء. ولذا أجلس على الشرفة، أقرأ لكاتب فنلندي يدعى فرانس سيلانبا، وأحدق نحو الشارع الهامد، بنظرة خمول منوم. فقط أجبني: أنا ما الذي أفعله في هذا المكان؟! أتذكر الشاب الصربي، اللامستقبلي، العالق في نقطة الزمن المكرر. اللحظة التي سيشيخ فيها، هي اللحظة التي ستفصله عن عزلة الحاضر، ستربط اللحظةَ الآنية بلحظةٍ غامضة ستأتي بعدها: سيترقب مواعيد مستشفى في المستقبل، سيأخذ أدوية يراقب أثرها في المستقبل، سيُجري عملية لتجاوز تفاقم محتمل في المستقبل. سيبدأ بالجري في خط الزمن: سيفكر في الموت، سيفكر في وصيته، سيفكر أين تُدفن جثته، سيفكر إلى أين سيذهب بعد موته. سيفكر في الله، في الروح، في الأديان، في الحياة بعد الموت. ثم سيموت. إذا كان محظوظا فسيموت فجأة، أو أنه سيعيش ليترقب مزيدا من المستقبل. لا أحد يتجنب المستقبل، مكتفيا بذاته. وفجأة ضربني: ماذا سأفعل حينما أشيخ في مثل هذه الأمكنة؟! إنني تجاوزت الأربعين، أليس كذلك؟! بالتدريج، أستطعم عفنا في الهواء، الريح تحمل رائحة الأسماك الميتة في قوارب الصيد عند شواطئ بحر البلطيق. أنا ما الذي أفعله في هذا المكان واللعنة؟!

أظن أنني مررت بأماكن أكثر بكثير من تلك التي مر بها فيرديناند باردامو، هل تذكره؟! شخصية المجنون سيلين التي استخدمها غطاء له في “رحلة إلى آخر الليل”. ولكنني رغم ذلك، لا أملك 10% مما يقول، لأن التجربة لا تعني شيئا في الكتابة، يجب أن يكون لديك شيء تقوله، شيء شديد الخصوصية بك. صحيح أنني لم أخض حربا عالمية أولى، وأنني لست مهتما كثيرا بالطبقات المهمشة، ولا بالتجارب السحيقة الغامضة، ولكن يجب أن يكون لدي شيء أقوله، أليس كذلك؟! .. ولكن لاشيء، مجرد آثار أزمات برجوازية خاملة، رجل فارغ يطير بين الخرائط، يفتعل هراءات الوحدة والحب والبحث عن الجمال والقبح والألم والنشوة، يشعرن كل شيء يمر به، ولا يعود بشيء، عدا قصص مكررة من المشهد اليومي، تصلح لكتب رحلات أو روايات تكتفي بتأريخ التجارب التافهة. لاشيء معقد في هذا، لاشيء يثير الاهتمام فعلا. هل أنا مثير للشفقة؟! أصدقني القول، لا تكذب علي .. لقد ظننت أنني سأكتب أعظم أعمالي بعد الأربعين، أين هي؟! أين الملحمة المعقدة لأزمات الوعي الحديث بين الفردية والبارانويا والعلم والمال والعبودية اللاتقليدية وما بعد ما بعد الحداثة؟! .. خراء، كله خراء.

كم مر الآن؟ 17 سنة، منذ أن تركت المجمعة؟

ها أنا عائد. ليس لدي مال، ليس لدي مأوى، ليس لدي رواية. صاحب دار النشر كان طيبا معي، سأبيع حقوق الطبعات الجديدة لرواياتي كاملة عليه، مقابل مبلغ جيد من المال. ربما أعمل، ولكن ماذا سأعمل؟! هل سأترك الرياض مرة أخرى إن نجحت في كتابة الرواية؟! لا أعلم، سيكون مضحكا أن أفشل في كتابة شيء ما، وأنا هناك، في الأفق الفسيح للعالم، ثم أعود إلى هذا السجن الكبير، وإذا بي أكتب من جديد، سيكون أمرا مضحكا لا يُفهم، ككل شيء في هذا المكان. أنظر إليه، لاشيء تغير، سوى عدد من المباني الطويلة، رائحة الرماد والحديد العفن لازالت تدخل فمي، أستطعمها على حافة لساني، وكأنني كنت هنا منذ 17 سنة قبل ساعتين فقط. ولكن القرف يخلق الخيال العظيم، ربما أكتب الرواية فعلا هنا، هل كان بينشون وسالينجر وبوروز سيكتبون رواياتهم لو عاشوا في فردوسهم؟! القرف هو الملهم الحقيقي، المستفز الذي يصنع الأفكار العظيمة، وليس الجمال .. كرر هذا عشرين مرة في اليوم حتى تقتنع به. أحمق.

ولكنني سأذهب إلى سامية، قبل كل شيء، إنني مدين لها بذلك.

الباص من الرياض إلى المجمعة لا يوجد فيه سوى 5 أشخاص، لم أتمكن من استئجار سيارة، لا أملك رخصة أو بطاقة عمل، ولكن لا بأس، كل هذا سيأتي لاحقا.

المجمعة تغيرت كثيرا. أقف أمام البيت القديم، الذي انتقلت إليه سامية مع زوجها، بعد وفاة والدتي. إنني ربما عاطفي، ولكنني لست نوستالجيا، لا أحن إلى الماضي كثيرا، ولذا فاجأتني فورة الذكرى الحزينة واللذيذة التي اجتاحتني. رجل ما يفتح الباب، يخبرني أن من كانوا يسكنون هنا، قد انتقلوا قبل 3 سنوات. أي وجع رأس هذا؟! لا أريد الاتصال بسامية، أريد أن أجعل الأمر مفاجأة. أبحث بين بيوت الجيران عن أثر لها، أحدهم شيخ كبير في السن، يتعرف علي، يقول لي أنني الفتى الذي قذف زجاج نافذته بالحصى قبل أربعين سنة، الوغد اللعين، لماذا لم يصب بالزهايمر أو يمت كغيره؟! عشرون دقيقة وأنا أتجادل معه على هذه النقطة، حتى استدعى ابنه الذي تربطه علاقة بزوج سامية، أعطاني عنوانا لها في حائل .. حائل؟! والله القلق.

أجلس على كرسي بوفيه في الشارع العام، أحدق في حركة الظهيرة المكدسة بالغيوم. إنه طريق طويل إلى حائل. آكل الفلافل الثقيلة وأنا أحدق، أكره هذا المكان، لا أعلم كيف يعيش أحد ما هنا، لا أعلم كيف سأعيش هنا، هذا مكان مناسبٌ لما بعد الموت: إذا دخلت الجنة فستدخل بفرحٍ مضاعف لأنك هربت من جحيم أرضي، وإذا دخلت النار فستدخل وأنت مُعدٌّ إعدادا احترافيا.

سأذهب إلى سامية في حائل. خربانة خربانة.

الكداد الذي ركبت معه في المرتبة الخلفية حاول إقناعي بالمجيء أماما، ولكنني رفضت، فصرّ أسنانه بشتيمة لا تسمع. أخذ طفلا لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره، يركب بجانبي. كيف يسافر طفل لوحده كل هذه المسافة؟! ألتفت نحوه بابتسامة وسؤال تقليدي عن حاله، يحدق فيني بعينين واسعتين كحيلتين، يهز رأسه بصمت أحمق، ثمة جمود مريب في نظرته، أسأله مرة أخرى، ولكنه يواصل التحديق، دون أن ينطق، فأشيح بنظري مستسلما، وأغرق في شاشة النافذة المطلة على الصحراء. يجب أن أذهب قريبا إلى الصحراء، إلى أعماق نفود عالج، كانت أياما جميلة تلك الأيام، أغيب هناك بين الرمال الهلالية المتكالبة. تشعر أنك قريب من الله، هناك، وحيدٌ في عزلة متجلية، تنتظر إشارة ما لترفع رأسك، وإذا بك ترى السماء، وكأنها ملكوت فعلا، يطفح بالضوء واللون والنجوم والألق، لك وحدك، وكأنه يدعوك لتموت وتصعد إليه. ولهذا الصحراء تثير حزنا لذيذا لدي، إنه مكان مثالي لتعتزل فيه وتموت.

كيف تريد أن تعيش لحظتك الأخيرة قبل الموت؟!

ولكن لا يوجد لحظة أخيرة قبل الموت. الحياة بأكملها لحظة قبل الموت، مقارنةً بما قبلها وبعدها: مجرد لحظة بالفعل، بل أقل. إنها “غرفة تغيير ملابس” إذا جاز التعبير: فما بين العدم الذي كنت فيه، والخلود الذي تتجه إليه، وُضعت هذه اللحظة الخاطفة، حيث تلبس جسدا، وروحا، وذاكرة، ثم تمضي.

 

 

3

الزرع نبت على حواف القبور. يقف منصور بجانب عمه، لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، يستقبل العزاء، الأيادي المتعرقة في حر الظهيرة. يتأمل خطوط الزرع الناشف، شواهد الصخر الصغيرة، حدبة الحصى فوق سطح القبر. فيتذكر الطبيب الأردني اللطيف الذي عالج والدته، أكثر من مرة، حينما كان والده يضربها ضربا مبرحا، وترفض التبليغ عنه. “من راح يصرف علينا؟! أنت يا روح أمك؟!” ثم تضربه وتطرده من المكان. سقطت من سلم، ارتطمت بحد الباب، تدحرجت من الدرج، قصص ملفقة “أشم كذبها من مسافة 100 كيلومتر” كما كان يقول. أخذ يحادثه عن كرة القدم التي لا يعرفها منصور لأن التلفاز حكر لوالده، عن اللعب في الشوارع الذي يمارسه بخفيةِ هاربٍ لا وقت لديه للأصدقاء والمتعة، عن الأماكن البعيدة التي يستلقي ليلا ليتخيلها وكأن لا وجود لها. يجلسان في الرواق السيراميكي الفارغ، في منتصف الليل. سأله أخيرا بشكل أوتوماتيكي وكأنه يؤدي واجبا منهكا “هل كان والدك؟! .. لا يجب أن تخاف، كل شيء سيكون بخير. الشرطة ستتولى الأمر” أشاح بصره. يصله طنين الأجهزة الشبحية من الغرف البعيدة، وصرصرة الأحذية في الأرض السيراميكية، ورائحة المعقمات بنقائها المركز الكئيب. يترقب الطبيب إجابته، دون جدوى. خمسيني بلحية بيضاء مقلمة ونظارة قراءة عالقة دائما في أرنبة أنفه ورأس أصلع. ليست المرة الأولى التي يسأله، وليست المرة الأولى التي يخرج منها بلا جدوى. ولذا اتكأ على كرسيه بشيء من الاستسلام وهو يقول “أشياء كثيرة لا أفهمها في هذا المكان”

التفت منصور نحوه من جديد. مطمئنا لفكرة أن التحقيق انتهى تقريبا.

“لا مشكلة أنني لا أفهم، سنموت ونحن لم نفهم. ولكنني لا أطيق أن يرعبني شيء، إنني أكره شعور أن أخاف. أنت مثلي؟ طبعا أنت مثلي، لا أحد يحب شعور الخوف. تدري ما هو أكثر شيء يخيفني هنا؟”

هز منصور رأسه بانتباهة مترقبة. الطبيب يحدق أمامه شاردا بوجوم، على هيئته استنزاف مرهق. إنه هنا منذ عشر سنوات، إنه مل من كل شيء. قال برتابة ودون أدنى حيرة أو ذهول “مقابركم”.

كان منصور يتوقع شيئا مختلفا، لا يعلم ما هو، ولكن شيئا مختلفا، ولذا حدق بفضول. سأله الطبيب “هل ذهبت إلى مقبرة من قبل؟”

الصمت الطويل أحدث بحة في صوت منصور، فقال بصعوبة “لا .. لم أذهب من قبل”

“إذا أردت أن تعرف ما هو الموت، فإن مقابركم هي أكثر من يشرح الموت. مجرد شخص انتهى، ورمي في التراب، لا يملك غير حصاة فوق رأسه، ولولا الخوف من ضياع القبر لما وضعوا صخرة أصلا، بلا اسم بلا شكل بلا شيء” ضحك الطبيب ضحكة خفيفة ساخرة “لقد أرعبني المنظر، لقد جعلني أخاف الموت فعلا، أكثر من الخوف الذي كنت أخافه منه. هل تخاف من الموت يا منصور؟ هل تخاف على أمك من الموت؟”

يحدق بعينيه الواسعتين، تلمع الحدقة في انعكاس الضوء. يفكر أنه مجرد طفل، ما الذي يعرفه عن الموت؟ ماذا يحاول الطبيب أن يقول له؟

أكمل بإنهاك يكاد يكون لامباليا “اسمع، يجب أن تبلغ عن والدك، أو تقنع والدتك بالإبلاغ عنه. لا يمكن لهذا الجنون أن يستمر. يوما ما، لن أكون مضطرا لأن أسألك هل ذهبتَ للمقبرة من قبل”

توفيت والدته بعد أن سقطت من الدرج. دفعها والده وهي تحاول مقاومته بخصوص أمر لا يُذكر، ضربها بحدّ مفتاحه، فسقطت الدرجات العشر الاسمنتية حتى استوت في الفراغ الملتف بين الدرجين، منبطحة على ظهرها وقد غطى شعرُها صفحة وجهها، بشجٍّ طويل على حافة جبينها. تجاوزها مترنحا بسكر، يصرخ أنها ستتألم أكثر لو حاولت اللحاق به، غير مدرك أن رقبتها انكسرت أثناء السقوط فماتت فورا، دون صرخة أو حشرجة أو أي صوت مباغت، ولذا جلست جثتها هناك بين الدرجين طوال عشر ساعات، بينما كان والده يشرب في الصالة لاعنا شاتما ثائرا مهددا، يغرق في غفوات سكره المتكررة، وقد حبسه مع أخته وأخيه الأصغر منه في غرفة الجلوس، كما اعتاد أن يفعل حينما يسكر في البيت. أخرجهم فجرا وهم بين النوم واليقظة، في حالة سكر شديد، وأخبر منصور أن يذهب لاستدعاء والدته، حالا. وجد جثتها في فراغ الدرج، فلم يستوعب جيدا ما حدث، عاد إلى الصالة، فوجد والده منبطحا في حالة إغماء.

“أصلب بجسدك، وسلم”

رفع رأسه منتفضا، يحدق عمه فيه بعينين يغطيهما سطوع الشمس. كان قد استغرق في تأمل خطوط الزرع الناشف على حواف القبور، فلم يعد يمد يده. الأيادي المتعرقة القليلة التي حضرت إلى هنا، تطالب يدا ترمي لها العزاء، ثم تذهب. ولذا مد يده، يصله هسيس أصوات تتحدث عن عمه “عائلة الحشاشين هذه، يقتلون الميت ويمشون في جنازته” فيرفع رأسه نحوه، طويل وعريض، يقف بارتباك من لم يقابل بشرا من قبل. آخر مرة رأوه فيها كان قبل سنوات، خاض جدالا كبيرا مع والدهم، ثم لم يروه بعد ذلك. سمع منصور باختفاء زوجته وابنه الصغير من أمه، قبل سنتين تقريبا، سأل والده فأجاب بوحشية “في جهنم جميعا هو وعياله” بيته يبدو فارغا بكثير من الوحشة، الطلاء المتقشع في الجدران الرمادية، الأروقة الضيقة ببلاطها المرقع تحت الفرشة الممزقة، عفن انعدام الاستخدام الذي يخنق  الهواء. يقف منفردا عن بيوت الحارة القديمة، وسط براحة كبيرة. يشير عمه إلى غرفهم بارتباك، وكأنه لم يتعامل مع أطفال من قبل، كل هذا يبدو جديدا عليه.

السفرة البسيطة بصحون الفول والنواشف، يتحلقون حولها بصمت. كانت سعاد تحدق بجسارة في عمها، لم تتجاوز الثامنة من عمرها، سألته فجأة “عندك زوجة وأولاد؟”

التفت متفاجئا بنظرة حادة، تلمع في وجه متحجر منكمش. قال بصوت خافت وقد أشاح بوجهه نحو الطعام “هذا ما هو وقت كلام”

يعمل سائق تريلة، بأجر يومي، أي أنه ليس مضطرا للحضور كل يوم، وإنما حسب الحاجة. كل شيء يبدو بسيطا مقفرا، الأثاث والأكل والحركة الرتيبة. يشعر منصور وإخوته بلذة هذه البساطة، يفتقدون هدوء الحياة المملة. يذهبون صباحا إلى المدارس، يحضرون الغداء مع عمهم المطرق في صمت شارد، ينشغلون باللعب بقية النهار، يشاهدون التلفاز الذي لا يكادون يعرفونه، الصور والأشكال والحياة التي تأتي من عوالم مختلفة، كقصص خرافية تحدث في السماء، أو مكان آخر غامض لا علاقة له بالأرض. يتعشون، ثم ينامون في الليل. لا شيء معقد .

يخرج منصور منذ العصر، يهرب قبل أن تلحق به أخته وأخوه، يسير على قدميه من حارة اليرموك إلى حارة الجامعيين، ومنه إلى نهاية شارع الأربعين، نحو الدوار المؤدي إلى الشارع العام، يتجه أحيانا إلى المحلات المصطفة على جانبه، ويكمل أحيانا سيره إلى حارة الخالدية، يتطلع في الشخوص التي تسير، في الحركة التي لا تتوقف، في السماء التي تتلون بالصفرة، يقف محدقا في البيوت التي تبدو مسالمة، تضم قصصا هادئة بموائد طعام ورحلات بر وملابس جديدة، يفتتح علاقات مع أطفال آخرين تنقطع سريعا، بذاكرة لازالت متخوفة من أي علاقة جديدة. ويستمر دائما بالسير، دون خطة ما، ثم يعود ليلا .

يطبخ الأكل أحيانا، بيض أو فول بائت أو خبز محمص، يقضي شؤون البيت بشيء من الضيق. يتولى كل طفل مسؤولية نظافته الشخصية وحالة هندامه، وهو ما جعلهم يبدون كمشردين، بشعورهم المنتفشة وملابسهم المترهلة القديمة.

بعد أسبوعين تقريبا، كان منصور يبحث عن صابون غسيل الملابس في الحمام، فوجد صرةً طويلة مخبأة في جحر إسمنتي، فتحها فوجد مجموعة إبر وكيسا بلاستيكيا فيه مسحوق أبيض كالطحين .. في شبابه، كان عمه يعمل كدادا في الطرق السريعة، يقوم بتهريب حبوب الكبتاجون التي كسبت سوقا كبيرة بين المراهقين، ثم صار ينقل أكياس الهروين والكوكايين، يتعاطى شيئا منها في ليالي السفر الطويلة، في عزلةٍ مطلقة عن البشر حينما يتوقف على حواف الطرق البرية الموحشة، حتى قبض عليه. خرج من السجن بعد عشر سنوات طويلة، وكان قريبا من القصاص لولا أن الكمية التي يحملها كانت ضئيلة نسبيا. تزوج فتاة يتيمة تعمل فراشة في مدرسة أهلية، وأنجب ابنا منها. كان في كل مرة يشتهي التعاطي، ينظر إلى نفسه: رجل عائلة، كانت تلك حالة جديدة ومغرية، فرصة أخرى من الله، لا يمكن أن تتكرر إلا مرة في العمر. ولكنه لم يستطع مواصلة لعب الدور، عاد ذات يوم للاستعمال ببساطة، لا يوجد تمهيد واضح، كل ما هنالك أن الأمر حدث هكذا. إنك لست رجل عائلة، يقول لنفسه، ليس هنالك سبب مقنع يمنعك. تركته زوجته، وذهبت هي وابنه إلى قريب لها في وادي الدواسر. راسلها أنه ترك التعاطي، وكان قد تركه فعلا، وأنه سيبحث عن وظيفة محترمة، ولكنها لم تستجب، وطلبت أن يطلقها. وبعد شهر وصله خبر أن ابنه مات في حادث دهس. لم يذهب للصلاة عليه، لم يره يدفن، طلق زوجته في اليوم التالي، ثم أمضى الليالي تلك وهو يتعاطى كما لم يفعل من قبل. كان مقتنعا أنه لو لم يعد، فإنه سيربط جسده في الجدار، ثم سيشعله بالنار. أو سيقوم بما هو أفظع، موت دراماتيكي يطرد الهلوسات.

أول مرة شاهد فيها منصور، في المستشفى، انتفض. كان قد عاد من مركز الشرطة، قابل أخاه، أخبره ببساطة حادة أنه سيتركه يتعفن، يُـقتل قصاصا إن وصل الأمر إلى هذا، ثم تركه وهو يسمع لعناته الوحشية تلاحقه. لقد حذره قبل سنوات، لما علم بدخول زوجته للمستشفى. وحينما شاهد منصور في الرواق، طفل نحيل يقف وحيدا بارتباك وخضوع، تأكد أنه كان متورطا فيما حدث، كان يستطيع فعل ما هو أكثر من تحذير أخيه، كأن يقتله ويخلص العالم منه. كانت أمه تلعنهما، هو وأخوه، كمتبطلين مشبوهين لا أمل فيهما، وكأنهما يشبهان بعضهما، رغم أن الشيء الوحيد الذي كان يجد فيه شيئا من الارتياح: أنه لا يشبه أخاه، بتاتا، إنه إنسان جيد، لم يخدمه الحظ فحسب.

أخذ الأبناء بعد موافقة خال بعيدٍ للأم المقتولة، القريب الوحيد لها. وصل إلى البيت، رتبه، اشترى تلفازا وستلايت. جمع كل بضاعته، وخبأها، كان يخطط لرميها، الأبناء الثلاثة بدوا كفرصة أخرى، حياة جديدة ربما. ولكنه في اللحظة الأخيرة تراجع. لم يعد يثق بالفرص الجديدة، ولذا خبأها.

شهر كامل، يصاب بتشنجات حادة، هلوسات يرى فيها ابنه، ممزق الوجه، مبقور الجمجمة، تخرج منها عناكب بأرجل طويلة. لم يكن مدمنا إلى درجة الشره اللاإرادي، ولكنه يحتاج النشوة التي تسلب منه وعيه، تسحبه بعيدا عن ذاكرته، تُخرج الأفكار السيئة التي تعشش في عقله. يجلس مع الأطفال الثلاثة، على سفرة الغداء والعشاء، لا يعرفهم، مجرد أجساد صغيرة في بيته. يفكر أن ما يحدث ليس فرصة أخرى، وإنما إيغال في تعذيبه، في تذكيره بأنه فقد فرصته السابقة. فيكاد يكرههم، لولا أنهم يتطلعون فيه مبتسمين بحمق وبلاهة طفولية، فيدرك أنهم ربما لا يستحقون كل هذا الكره، وأن شيئا أكبر منه ومنهم هو من يستحق أن يُكره.

في الليلة الأولى التي عاد فيها للاستعمال، احتجز منصورُ نفسه وإخوته في الغرفة الفوقية، بعد أن انخرط عمه في سلسلة مفزعة مفاجئة من الهستيريا، يسمعون أصوات بكاء ونحيب، أصوات ضرب في الجدران، أصوات صمت يتخلله هسيس ثقيل. لم يكن يشبه لعنات والده المكررة بسخافة قابلة للاعتياد، إنه شيء أكثر رعبا، شيء لا يمكن الاعتياد عليه، وكأن روحا تعذب في جحيم ما، ويصل فحيحها إلى هنا.

حينما هدأت الأصوات تماما، خرج منصور بتردد، مشى في الرواق المظلم، نزل من الدرج الملطخ بصفرة عامود الإنارة المطل على المنور. رآه منبطحا على بطنه، في منتصف الصالة الظلالية الشبحية، يخططها ضوء باهت من النوافذ والأبواب تكاد الظلمة أن تبتلعه. وقف لحظة، يحدق بخوف. انتبه عمه فانتفض إلى الخلف، همّ بالهرب ولكنه انكمش أمام نظراته، ملتصقَ الوجه بالأرض، كحيوان يوشك على الانقضاض، رفع جسده حتى استوى على أربع، بعينين متقدتين بحمرة مرضية، ولعابٍ يسيل من الفم، وتحديقةِ رعب غريبة. قال بصوت متلهف يخرج من عمق “تعال .. تعال .. لا تخاف”

خطى منصور نحوه، لازال يجلس على أربع، يتابع ابن أخيه وكأنه يرى شبحا، حتى وقف أمامه تماما. وضع يديه على ساعدي منصور، بعينين بازغتين حمراوتين وشعر مبعثر، همس واللعاب يتصمغ على حافة فمه “أنت هنا. هاه؟! أنت هنا فعلا؟!”

فهز منصور رأسه بجمود.

“أنت تعيش هنا، كلنا نعيش هنا، عائلة نكون، بيت. هاه. بيت”

ثم قال بحماس متأتئ وكأنه يتذكر شيئا ساحرا “تحب الألعاب؟! أنا أحبها بعد، وأنا صغير، رغم اني ما كان عندي. نشتري ألعاب كثير، نسافر بعيد، إلى كل مكان. وش رايك؟!”

ولكن لم يكن هنالك ألعاب، أو سفر، أو سُفرات طعام حتى. يحبس نفسه في غرفته طوال اليوم، في عزلة شبحية. تُسمع أصواته ليلا، وهو يقاوم انهياره. حتى أنه ينساهم أحيانا، يخرج من غرفته، فيحدق فيهم بنظرة مشدوهة، وكأنه لا يستوعب من هؤلاء الذين يجلسون في بيته، فيعود إلى غرفته. يبدو مستقرا، في كثير من الأحيان، يعمل ويجلس على الغداء، مضطربا ولكن واعيا. ثم ينقلب، ويهوي في انقلابه الشبحي لأيام. الهلوسات التي يصاب بها، البارانويا التي تخدعه أن ثمة عناكب تسير في جلده، هي نفسها التي كانت تخرج من رأس ابنه، فيرتعد على نفسه، ليالي الصراخ والنحيب والضرب في الجدران. أفاق منصور ذات ليلة على صوت صخب هائل، حدق في أخته وأخيه، يتطلعان نحوه بنظرة رعب معتادة، وكأنه مكلف بردة فعل ما، وهو ما جعله يشعر بالغضب، يفكر لماذا دائما أنا؟! فتح الباب، ونزل متجها إلى الصالة، بنفس ظلالها الشبحية الموحشة. وحينها شاهده، يكسر الجدار الذي يفصل المطبخ عن الصالة، بمطرقة كبيرة. وقف على حافة الدرج أمامه، يتطلع نحوه بذهول متصلب. انتبه عمه ببطء، التفت نحوه بنظرة حادة، يلمع العرق في وجهه، يتطلع فيه بصمت مطبق حائر، ممسكا بالمطرقة، وكأنه لا يستوعب الصورة التي يراها. لاشيء سوى الصمت والترقب ونثار الاسمنت المنثور في الهواء. قال منصور أخيرا بصوت لا يكاد يسمع “وش تسوي؟!”

خيّمت على عينيه نظرة من الشك الحاد، يتطلع في منصور صامتا، لا يتحرك، لا يفهم شيئا مما يحدث، وكأنه كان يتخيل أن منصور مجرد شبح، ولذا ذُهل حينما نطق. التفت نحو الجدار المهشم، حدق فيه بعمق، وكأنه يحاول أن يتذكر ماذا يفعل، ولكنه لا يستطيع. ثم التفت إلى منصور، بنفس نظرة الشك الحاد التي ترققت فجأة بشيء من الخوف. قال بحيرة رجائية “من أنت؟!”

أطرق منصور لحظة، ثم قرر أن ينسحب، بهدوء. تراجع إلى الوراء، يصعد الدرج من الخلف، ممسكا بالدرابزين الإسمنتي، يحدقان في بعضهما بوجوم يغرق في الظل، حتى اختفى عن عمه وراء الزاوية، وحينها عاد الضرب من جديد. وفي ظهر الغد، خرج عمه من الغرفة، بوجه يبدو وكأنه دهس واحترق، فجلس منصور على أطراف أصابعه، بشيء من الخوف. حدق في حفرة الجدار بذهول، وكأنه يراها لأول مرة، ثم قال بلهجة معتذرة “أصلحها بعدين”

ولكنه لم يفعل، لازالت آثار البلك المكسور، متناثرة بعبثية.

الطعام لا يكفي، يضطر منصور ليتخلى عن جزء من حصته، بنقمة تتعاظم تجاه أخويه اللذين يعيشان في رفاهية وعيهما القاصر، يخلفانه وحيدا في مواجهة ما يحدث. لم يكن لدى عمه ما يكفي من المال، البضاعة تستهلك جزءا من راتبه، ولذا يقتصد في الطعام، حتى أنه لم يعد يأكل، ويعطي حصته لأبناء أخيه. ولذا سعى لأن يوفر وظيفة لمنصور لدى سالم، اليمني الذي يملك بقالة في زاوية الحي، يعمل 8 ساعات هناك، ويعطي المال لعمه، الذي عاد ليملأ سفرة الطعام. ولكن ذلك لم يكن كافيا، تشجع ذات يوم وسأله بحذر عن بقية المال، ولكن عمه الذي كان في مزاج أفضل لاذ بالصمت، دون أن يلتفت. قام من مكانه وهو يقول “من يبغى يطلع؟” فتقافز الصغيران وراءه، ولحقهما منصور بعد تردد، بشيء من عدم التصديق. خرجوا إلى مرقب المجمعة المطل على المدينة، أكلوا آيسكريما من سيارة الآيسكريم، اشتروا قمصانا رخيصة من محل في سوق الخميس، وقفوا عند سد الكلبي بمائه المنعكس بصفرة الغروب. السيارة القديمة تضج صخبا متحركا باللعب والضحك، يبدون لمن يمر بجانبهم كعائلة حقيقية. ولكن منصور لم ينسى، سأله مرة أخرى عن بقية المال، فلم يجبه، دخل غرفته وأغلق الباب، كعادته.

كانت أجمل لحظات يومه، حينما يذهب للعمل في بقالة سالم. اليمني الذي يؤكد أن عائلته بنت لنفسها مكانة في حائل، قبل سنوات طويلة.

“بل خليني أقولك، جدي الرابع كان مستشار عند ابن رشيد”

يُطرق منصور بشيء من الحيرة، ثم يقول “من هو ابن رشيد؟”

يلتفت نحوه سالم بذهول “إيش تدرسون في المدرسة؟! يلعن أبوكم”

يُـريه صورة بيت طيني قديم وكبير، محاط بأشجار سدر فارعة، بناه جده الرابع لتسكن العائلة وسلالتها هناك. عاد أغلبهم إلى اليمن، بعد سنة الجوع الكبير، ولم يبقى غير عدد بسيط منهم. يُعلق الصورة في منتصف جدار البقالة، ربما لكي لا ينسى.

“جمعت فلوس كفاية، ببيع البقالة قريب، وأروح هناك وأشتري بقالة جديدة وأطقطق لين ما أكبر مع أبناء عم لي هناك. خليك في المدرسة، وخذ شهادة، ثم تعال لي هناك، بعطيك وظيفة مدير في مصانعي”

“بيكون عندك مصنع؟”

“مصنع؟! أصقه انت. مصانع، جمع مصنع”

كان أخوه خالد، عصر كل يوم، يلحقه حافيا حينما يخرج إلى الشارع نحو بقالة سالم. طفل لم يتجاوز السادسة، يحس منصور بظله ملاصقا له، يثير جنونه، فيلتفت نحوه صارخا “ليه تلحقني؟! ارجع للبيت، يالله”

ولكن خالد يظل متصلبا بنظرة حمقاء في مكانه، ببطنه المنتفخ المكور، ثم يقول:

“خذني معك”

“ما تفهم؟! ما أقدر، إرجع للبيت”

ثم يلتفت مبتعدا، يشعر بغضب محموم، يفكر كثيرا أن من الظلم أن يتحمل عبأ أخيه وأخته، إنه ليس مسؤولا عنهما، لديه مشاكله الخاصة.

حينما رحل سالم إلى حائل، وباع البقالة، ظل منصور يعمل لدى اليمني الذي اشتراها وأوكل إدارتها لعمه. يقف أحيانا كالمنوم، يحدق في مكان الصورة التي كان سالم قد وضعها لبيت جده في حائل، لم تعد موجودة، ولكنه يتخيلها، في نفس مكانها، تحدق فيه، فيبادلها بتحديقة لاواعية بما حوله، البيت الطيني الكبير، حوله أشجار السدر الفارعة، تبدو حائل مكانا جميلا للعيش، لا أحد يضايقه فيه، مجرد الهرب إلى حياة جديدة. يغرق حتى يستفيق على هتاف اليمني، شيخ لطيف في الخمسين من عمره، يخبره أن أحلام اليقظة يجب أن تبقى في البيت، يقترب منه منصور وهو يقول “أي منزل؟”

حينما قرر الرحيل، احتفظ براتب البقالة الأسبوعي، ووقف دقيقة عند باب الغرفة المظلمة، يحدق في أخيه وأخته النائمين، بنظرة فيها انكسار رتيب لا يتحمل رفاهية البكاء أو الإحساس بالذنب. تسلل مع الفجر، يراجع بين ساعة وأخرى الورقة التي سجل فيها عنوان سالم هناك. جلس عند ساحة النقل، ينتظر طوال اليوم أي كداد سيذهب إلى حائل. حتى قابل في العصر واحدا سيتجه إليها، ليس معه غير كراتين ألعاب سيوصلها إلى محل هناك. حدق بشك في منصور، سأله “كم عمرك؟”

“16”

“مستحيل”

فرد بنبرة قاطعة استجمع فيها كل شجاعته المرتبكة “اسمع، هذي فلوسي، وعمري 16، ولازم أروح هناك عشان ألحق أمي”

“ليه ما رحت معها؟”

“لأنها كانت مضطرة تروح قبل أسبوع، وأنا جلست هنا آخذ أوراق نقلي من المدرسة. وش تظنني؟! بنحاش لحائل؟! وش اللي في حائل عشان أنحاش له؟!”

بدا الأمر مقنعا للكداد، كما أنه يحتاج المال، ولذا من يبالي. ركب في المرتبة الخلفية، وركب بجانبه رجل لحق بالسيارة قبل أن تسير، التفت نحوه مبتسما “كيف حالك؟”

هز منصور رأسه دون أن ينطق، فسأله الرجل مرة أخرى بشيء من الشك “طيب؟”

همّ بالرد، ولكنه خشي أن يسأله عن عمره، كما يوحي بذلك شكُّه، وهو ما سيفتح بابا ليس في حاجته، ولذا صمت بشيء من التورط، حتى أشاح الرجل بنظره مستسلما باستغراب.

التفت إلى يساره. يحدق من النافذة بانتباهة واجمة، الشارع المصطبغ بشمس الغروب الصفراء، الأشخاص الذين يتحركون في رصيف المحلات برتابة مكررة، الأصوات التي تصل مفخمة إذ ترتطم بالزجاج. اليومية التي تسير ببطء واسترخاء. كل شيء واضح وحاد، ولكنه أيضا غامض، مثل حلم. يراجع خطته، سيعمل هناك، سيجمع ما يستطيع من أموال، سيكبر، سيكتسب قوة جسدية، ثم سيعود لينقذ أخاه وأخته، ولن يتردد في أن يواجه خاله، وسيشرف على قصاص والده، وربما يزرع زهرا عند قبر أمه. أثناء الحادث، ارتطم رأسه بقوة في الباب، تهشم زجاجه قطعا كبيرة انغرست في صدغه، فانفجر الدم بكثافة. حدث ذلك في جزء من الثانية. لم يعاني، مات مباشرة، لم يكن ثمة وقت للألم أو الذاكرة، أو الندم .

 

⁂

أحمد الحقيل

روائي وقاص سعودي. عن الكاتب ←

النشرة

رسالة حين يُنشر نص جديد في المدونة أو يصدر كتاب.

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة