التصنيفات
قصص

من الهامش.. إنتروبي

كان يسوع، وهو يقود ركبًا من العبيد، يتّجه في طريقه إلى أنطاكية، التي لم يزرها منذ أن زحف البارثيون للاستيلاء عليها. قابل حول باب المدينة جيش يوليوس قيصر العائد من الإسكندرية بعد أن لحق ببومبيوس الذي كان قد فرّ إليها إثر هزيمته في معركة فارسلوس. احتفلت المدينة بزيارة القيصر التي صادفت الذكرى السنوية لتأسيسها على يد سلوقس نيكتاتور. استقرّ يسوع في أنطاكية، يعمل تاجرًا في سوق النخاسة. تزوّج امرأةً تدعى هيلانة، تعمل في الخياطة، وأنجب خمسة أبناء. لا يشيخ، علامات شيب في صدغه لا تزيد، تجعّدات ثلاثينية لا تتغير، يربط أصله بأب يدعى يوحنا، عمل كل عمره نجّارًا في بيت لحم. بعد أربعين سنة، وفي الوقت المحدد، خرج من المدينة بعد أن ودّع زوجته التي شاخت وأبناءه الذين يبدون مثل إخوته، مدّعيًا أنه سيذهب في رحلة تجارية إلى اليمن. قسّم أمواله، وأخذ نصفها، وترك الباقي لعائلته.

استقرّ في أورشليم، واختار أن يعمل بائعًا للأقمشة. لم يرَ ضرورةً لتغيير اسمه أو قصته. كثّف علاقاته مع الحكّام الرومان للمنطقة، بحكم معرفته بطبيعتهم وعاداتهم أثناء فترة استقرار سابقة في روما، وصار بعد مدة حلقةَ وصلٍ بينهم وبين الأمم اللّا مجنّسة رومانيًا. حضر عدة اجتماعات ليهود غاضبين على الاحتلال الروماني، جلس في حلقات يقودها مبشّرون جدد ينشرون يهوديّة جديدة ويجوبون القرى عابرين في شقاء زاهد، جلس مع مسؤولين رومان يتحدثون عن خطر الغفلة عن سياسات الهيكل وثورات الشعب الغاضب. ولكنه ظلّ في الحياد، لا أحد يعرف عنه شيئًا مهمًا. تزوّج امرأة تدعى مريم، وأنجب ثلاثة أطفال. بلغه اللّغط الذي أثير حول ابن نجار خرج من الناصرة، يدعى يسوع. يتندر به الناس حول تشابه الاسم ومهنة الأب، فيبتسم بصمته المعتاد، ويطالب الآخرين بلغته المغمغمة المترصدة ألّا يورّطوه في الأمر. استدعاه رجل من حاشية بيلاطس البنطي، وأدخله على الوالي الروماني لولاية يهوذا في قلعة أنطونيو الملتصقة بزاوية المعبد. “يا لها من إهانة.” أخبره ذات يوم جوّال يهودي يبشر بيهودية جديدة أيضًا. “أن يسكن رجلٌ كهذا في المعبد، يا للعار!” سأله بيلاطس عدة أسئلة عمّا يروِّج له الشاب الغامض، بعد أن عجز عن فهمه وفشل في التخلص منه إلى نظيره أغريباس حاكم ولاية الجليل. ولكن يسوع تحاشى أن يخبره بشيء، أخبره فقط أنه سمع مثل غيره بهؤلاء الجوالين المبشرين بدينٍ جديد. سأله بيلاطس إن كان يريد مقابلة الفتى، علّه يفهم ما الذي يروّج له بالضبط، ولكن يسوع رفض بعناد كاد يسقطه في غضبة بيلاطس. وقف منزويًا وسط ثلة المتجمهرين المتبطّلين في تل الجلجثة، وراقب الشاب يُصلب، ويموت ببطء، والجميع يتبعثر بخمول عن المكان. لقد رأى ستة كهؤلاء يُصلبون بنفس الطريقة. أغلق المحل، ونأى بنفسه مدةً من الزمن. وحينما خرج وفتح المحل مرة أخرى، كان قد هيّأ كل شيءٍ حوله ليساعده على أن يكون هامشيًا وغير ملحوظ قدر الإمكان، وقد تمّ له ذلك، إذ عاد إلى حياته حتى أكمل أربعين سنة، ثم خرج من أورشليم بحزمة ثياب وأموال قليلة، مدّعيًا السفر لأنطاكية، تاركًا كل ما بقي لعائلته.

ابتاع مزرعة على حواف مدينة إيلا (العقبة)، واستقرّ هناك في عزلة غير مخترقة. تسمّى باسم غريب خارج عن سياق المكان، حمورابي، فسماه الجميع (الدخيل). كان يزرع البلح ويبيعه إلى تجار المدينة الذين يأتون لشرائه، ولا يكاد يختلط ببشر غيرهم. مرّ به جوال يهودي آخر يبشر بدين جديد، استضافه في كوخه الصغير وظل طوال الليل ينصت له تحت ضوء الشمعة. “سينزل الله، وسيزيل الظلم.” يقول له، ولكنّ حمورابي لا يردّ، يتكئ على يده أمام طاولةِ خشب نحتها من شجرة صفصاف، تخطط وجهَه صفرةُ الشمعة الداكنة. “لا تقل لي كيف سينزل، ولكنه سيفعل.” صوته في الصمت الريفي المعزول رخيم وناعم، وجهه الشاحب بالتعب تلوح من ورائه نعومة رفاهية قديمة. “إنك قليل الكلام أيها الكريم.” يقول الجوال المتوقد مبتسمًا، فيبتسم حمورابي ويرفع يده عن فمه ويقول بزفرة اعتذارية “نعم.” ويختفي الشاب في الصباح، ويواصل هو زراعة البلح، والجلوس أمام طاولة الصفصاف كل ليلة. يستيقظ أحيانًا ليراقب الشروق من فوق تلٍّ صخري صغير، وينحت مزيدًا من الطاولات من أشجار صفصاف قريبة. يملأ وقته بالطبخ. يستغرق وقتًا طويلًا في طبخ طبق من الجبن والكوسة ولحم الضأن، وهو يشمّه كلّ لحظة ثم يأكله ببطء يقارب أداء الصلاة. تصله عن تجار المدينة أخبار الثورات التي تنفذها عصبة تتبع (المشايح)، ولا يعلم أيهم هو، هل قابله ذات يوم؟ هل هو الشاب الذي جاءه قبل سنوات هنا؟ أم أنه الذي استدعاه بيلاطس ليسأله عنه؟ أم أنه آخر من الذين صُلبوا على تلّ الجلجثة؟ أم شيء مختلف تمامًا؟ ينصت لهم وهم يحملون أكياس البلح، ويكتفي بالصمت محدّقًا في الفراغ، ويتمتم أحيانًا بعبارات مسايرة لا سياقيّة. عاش مئةَ سنةٍ هناك، حتى سرى ذكره في الأقطار، الرجل الذي لا يشيخ، وصار يزوره رجالٌ عابرون على طرق السفر والحج، يبحثون عن حكمة أو معلومة أو تصوّر ما. فحزم أمتعته، وخرج من إيلا.


في مدينة أسبالطو على ساحل الأدرياتيكي في دلماسيا، كان معروفًا باسم يوليوس. يحمل الطوب والحديد والنحاس والذهب لبناء قصر الإمبراطور الروماني ديوكلتيانوس. مئات من البشر يحتشدون هناك، يتحرّكون مثل خلية النحل. يتعالا البناء مرتفعًا ويتوسّع متمددًا، يرفّ على منحدرات الكراست المتصدعة بجانب البحر، ويزحف ظلُّه المتطاول فوق المسافات يومًا إثر يوم. في أوقات فراغه يسير في التلال الجيرية التي تتخلّلها بحيرات زرقاء شديدة الزرقة في أول الصباح، والريح التي تتنقّل بين فصل السنة قارصةً في الشتاء ودافئة في الربيع تجري على يديه وقدميه المتشققتين. يسهرون على ضفاف الأدرياتيكي، رجال أشدّاء قساة من مناطق مختلفة في العالم، يجمعهم هدف واحد، بيتٌ لعطلة رجل واحد. يموت منهم أناسٌ ويهرب منهم آخرون. مرّت عشر سنوات وهو يحمل الطوب والحديد والنحاس والذهب حتى اكتمل الصرح الكبير المهيّأ لتقاعد ديوكلتيانوس، الذي عاش فيه عشر سنوات أيضًا. رحل يوليوس من أسبالطو وقد كان جاءَها من رحلة ممتدّة على طول الهلال الخصيب إلى دلماسيا. كان اسمه فيها مختلفًا دائمًا. تزوّج خلالها مرتين، وأنجب ثلاثة أبناء. ولكنه لم يكن يجلس أربعين سنة، كان يرتحل فجأة في غسق الليل أو في ذروة النهار، ويتوجّه إلى مدينة بعيدة. يخرج الآن راكبًا حمارًا يحمل عليه متاعًا مكومًا في صرّة قماشية، يسير في المساحات التي تشكّل مسطحات خضراء تحفرها مواطئ حجّاج نحتوا آثار سفرهم عليها، وتصعد إلى تلال متجيرة تحفها أشجار صنوبر طويلة في امتداد غابات شاسعة. يمر بقرى مثل الحلم، تلوح فوانيسها في الليل وتفوح روائحها في النهار دخانية وسط كل هذه العزلة النائية في الامتداد التضاريسي المتعرج، وتظهر الأوجه البشرية وهي تحدّق بإرهاق في المرتحل الذي يعبر طريق السفر، ولكنّه لا يدخل، يظلّ يقطع المسافات نزولًا من دلماسيا إلى البلقان، ومنها إلى بلغاريا، وحتى الأناضول. يتكسّر الزمن في تراتبية الشمس والظلام، ويصير الوقت شعاعًا وظلالًا، نورًا وسوادًا، مجرّد ألوان تحدث ولا مسار لها أو غائية من ورائها، تتواطأ التضاريس معه إذ تقلده في الثبات، ويتواطأ معها بأن يتحمّل مثلها في المسطحات والمستنقعات والغابات زمهريرَ الشتاء وجفاف الصيف. مات حماره منذ مدة، وهو يرتقي جبال رودروب وشار والألب الوعرة وهو يصادف جثثًا لمسافرين أو مغامرين انقرضوا هنا. يلجأ إلى مبيت بين أشجار متكالبة التيجان تبدو مثل سقف لا يعبر منه خيط ضوء أو ندفة ثلج، ويرى وحوشًا تمرّ وتتسلّق في الخفاء. ويُقتل ولكن لا يموت. يعيش مدة على ضفاف أنهار الدانوب ودرينا. ويصل إلى مرحلة من الصمت لدرجة أنه يرى الأفكار، الأفكار التي تدور في عقله، ويشم تفاصيل المشاهد التي ترافقها، وحينما يمر بفنار منعزل على حافة بحر المرمرة ويقابل الرجل الذي يعمل فيه، يجلسان هناك بصمت أمام النار، ولا أحد منهما يعرف كيف يتحدث، ويمر الوقت محملًا بالرثاثة التي مسح السكونُ الطويل الكامن فيها كل قدرة على التعبير الفصيح، ولم يبقَ إلّا الجمل المتقطعة المنهكة واللّا مبالية. يقول الرجل والنار تهسهس إن هنالك بدوًا في خيام تحت جبل يقال له رمس. يشرب إيردن –الاسم الذي اتخذه حينما سأله الرجل عن اسمه– مشروبًا غريبًا، ولكن لا يسأل ما هو. يستعرض الرجلُ، الذي يقول إنه نَـفى نفسه إلى هنا لأنه ارتكب إثمًا فظيعًا، كيفيةَ عمل الفنار، كيف يشعّ الضوء ليدلّ البحارين على الاتجاهات، ويقفان أمام الكوة ليراقبا الوتد الأفقي المنير وهو يخترق اللون الأسود مثل حبل غسيل، وخريرُ البحر والمد والجزر يتكسّر مظلمًا تحتهما. مرّ على البدو في رمس، وظنوا للحظة أنه منهم وأنهم لسبب ما فادحٍ لا يتذكّرونه، وحينما اكتشفوا أنه يشبههم فقط كان الوقت قد فات لسحب ثقتهم بهذا الغريب، على اعتبار أن العاطفة التواطئيّة شيء لا يسحب بسهولة. عمل لديهم عدة أشهر، تزوج فتاة في الخامسة عشرة، ونام معها أوّل ليلة في خيمة لوحدهما، وعلّمها أشياء كثيرة كانت تقابلها بالضحك الخجول أوّلًا ثم بالهيجان المليء بالحب والعاطفة والتصابي، حتى حبلت. وحينما هب الشتاء قارصًا فوق الهضاب المتشعّبة قبل هادريانوبوليس ارتحلوا نحو المدينة، ولكن عاصفة ثلجية انفجرت في هزيع الليل، مسحت كل رؤية وحولت المسافات المحيطة بهم إلى رقعة بياض جحيمي وطمست الأصواتَ والأبصار إلى حدّ ضياع كلي محتجزٍ في عجز وعدم إدراك كاملين. وحينما اعتدل الجو واستفاق هو من نومه كانوا قد تفرّقوا، يقف لوحده تحت صخرة عملاقة محدودبة فوق تلٍّ. ظلّ يرمي بصره إلى المسافة المصبوغة بنثار الثلج المتعلّق في الهواء بحثًا عن أثر، بوجهه المصبوغ بالصقيع وعينيه المجروحتين بلسعات البرد، والصفيرُ الحاد للصمت الذي يعقب العاصفة يئز في أذنه. وحينما لم يجد شيئًا، استسلم وخاير بين الاتجاهات الأربعة واختار شمالًا. مضى يغرس قدميه في البياض الساطع المعمي، إلى أن صادف آثارًا فوقه متجهة إلى وجهته، حملق فيها عدة لحظات، وتعرّف عليهم فيها، ولكنه استدار واتّجه جنوبًا.


كانت كنيسةً بدائيّة قبيل أنطاكية بمسيرة يومين أثناء حروب الساسانيين والبيزنطيين، وداخلها أناس يبدون مثل المشرّدين، يشبهون النبي الذي زاره في مزرعته في إيلا والآخر الذي صلب على الجلجثة. كان قد توقف هنا وهو بين أشجار الزان العالية، قادمًا من قرية لم تعد موجودةً بعد أن أُحرقت بالكامل. الجنود الساسانيون الذين اقتحموها اغتصبوا النساء وقتلوا الأطفال ثم صلبوا الرجال ليموتوا صبرًا. وهو الآن بعد مقتلةٍ ومسيرة يومين يقف ملطّخًا بالدم، دمه ودم زوجته وأبنائه الثلاثة. كان البناء مشيدًا بالخشب مثل كوخ. ارتقى في منحدراتٍ تخشخش بتراب داكن يختلط فيه أثر بياض الثلج بالأوراق المصفرة في امتزاج مبكر بين الخريف والشتاء. ومرّ على انعطافات وديانية خندقية تجثو فوقها أشجار زان وكأنها تزف الماء الذي يسير داخلها ويتجمد في الشتاء. وقطع المسافات المملوءة بحيوانات غريبة وشجيرات مثمرة وسراديب مبقورة في الأرض. حتى وصل فجأة إلى ذلك البناء الخشبيّ، الذي يقف هكذا في الغابة، وكأنه نبت من الشجر نفسه. كان الذين يجلسون داخله يتدثّرون بقمصان ممزّقة وبناطيل مشققة، وعلى أوجههم لطخاتُ قذارة وبقعُ تورّمٍ وتقرّح، وفي المكان رائحة بيض متعفّن. أحدهم همس له: “رؤيته تتطلب منك أن تنتظر طويلًا.” حدق فيه ولم يقل شيئًا، فاستطرد الرجل بفمه الخالي من الأسنان ووجهه المتحفر: “أنت إذًا لست من هنا؟! اسمع يا هذا، لن يخرج لك حواري عاش منذ المسيحية المبكرة قبل مئات السنوات فور حضورك، بعضنا ينتظر هنا منذ عقود. هيا اذهب!” أخذ يحدّق بوجوم حاد داخل الكنيسة، ويفكر في هذا الذي لم يمت منذ سنوات. يراوح النظر بين المكان والأشخاص، وتعلو فمه تكشيرة تحتل نظرة التفحص، ويخرج متفكّرًا. يحدّق في البناء الخشبي الغريب الذي يقف بخشوع وسط الطبيعة، ويكتشف أن وراءه بحيرة محوطة بأشجار سنديان متشابكة وشديدة الخضرة، وكأنها تصلي لجثة الماء. سار على الحافة نحو الضفة المجانبة، ووقف يحدّق. البناء على يساره، الشجر واقفٌ وهو يركع قليلًا إلى الأمام، والماء يتلألأ نقيًا مثل سماء أخرى. صوت الخرير والنسيم الذي يتخلّل الأغصان، ورائحة الورق المبتل والأرض الخشخاشية. هنالك ندف ثلج بدأت تسقط ببطء شديد، تسبح في البحيرة التي تغشي وتنبض. سمع أصواتًا خافتة جدًا، حدّق متفحصًا في المكان، وحينها بدأت الأصوات ترتفع. صوتان بالتحديد، فتاة ورجل. رأى رسم جسديهما أمامه بين أشجار السنديان المُصلِّية. الرجل مستلقٍ على سجاد، والفتاة جالسة فوقه. عاريان. الرجل يلجها مرتفعًا ومنخفضًا، والمرأة تقفز فوقه مترجرجة، وهي تصرخ بصوت حاد “رباه رباه.” بينما الرجل يجلجل صاخبًا “رباه رباه.” أخذ يحدّق جامدًا فيهما بعينين مزمومتين. انتبه لشيء يتحرك بجانبه، التفت ببطء، وإذا بمسنٍّ قذرٍ يقف على بعد مترين عن يمينه، أخرج ذكره من بنطاله وبدأ يدعكه، وهو يراقب الرجل والمرأة. التفت المسن القذر ببطء وقد أحس بنظرات تجرح صدغه، حدّقا في بعضهما بحيادية وتورّط، ثم عاد القذر ببساطة ودون تعبير أو ردة فعل لدعك ذكره الكبير النائم محدّقًا في المرأة والرجل وقد غيّرا وضعيّتهما حيث انبطحت هي رافعةً عجيزتها واعتلاها هو مثل حيوان ضخم ومشعر. التفت إلى الخلف في محاولة لمعرفة مكان خروج هذا الرجل القذر الغامض، فلاحظ أن هنالك قرية كبيرة تنقطع عندها غابة السنديان هذه، وأن البناء الخشبي هذا لم ينبت من الشجر نفسه، وأن هنالك حياة وحركة موحلة على مقربة منه. وقف يحدّق في القرية، والبحيرة قد اختبأت خلف ستارة الشجر الراكع عليها وخبأت معها منظر الكوخ والمتنايكان والمستمني وأصواتهم، ويرى أناسًا يتحرّكون في أزقةٍ طينيةٍ وحليّةٍ في المنحدر تحته.


في الحيرة كان مسيحيًا نسطوريًا يدعى يعقوب. تزوج فتاة صغيرة في السادسة عشرة من عمرها، وعمل حطابًا يجوب حوافّ المدينة منذ الصباح ليقتلع أشجار البلوط والحوَر ويحملها على ظهر حماره، ثم افتتح دكّانًا يبيع فيه أواني الفخار التي صار يصنعها بيده. في اليوم الذي أتمّ فيه أربعين سنة، اعتزل في غرفة لديه، وفرض على عائلته ألّا يقاطعوا خلوته، وجلس هناك دون صوت، وحينما خرج في الليلة الثالثة لم يخبر زوجته أن عليه السفر، بل جلس على سفرة العشاء وأكل معهم. مكث عشر سنوات أخرى، سقطت أسنان زوجته، كبر أبناؤه، صار يستقبل مع الوقت نظرات وتلميحات غامضة يُشيح عنها صامتًا. إلى أن جاءه رجل ذات عصر وهو في دكانه، وقف أمامه، تبدو عليه وعثاء السفر وكآبة المنظر، سأله يعقوب إن كان يريد شيئًا، فازدرد الرّجل ريقه بما يشبه الوجل، ثم قال له: “لقد أتيت من مكان بعيد، ولي ابن مريض، ولا أريد إلّا بركتك.” جلس في الليلة حينها على سفرة الطعام، وأخبر زوجته وأبناءه أن عليه السفر.

في الطريق بعيدًا عن الحيرة، كان الكلام قد كثر عن وفاة النبي العربي بعيدًا في الحجاز. هبّت رياح عاتية كادت أن تقتلع أشجار اليوكاليبتوس العملاقة من جذورها وتطوّح بها، فاختبأ في كهف يؤدي إلى مغارة فيها عظام متحلّلة لجثث حيوانية وبشرية، وحينما هدأت الريح بعد يومين، لم يغادر الكهف، جلس فيه عدة أشهر، يصيد وعولًا في المفازات المطلقة التي تمتدّ إلى الفرات، يحمل الماء لساعات طوال من النهر عائدًا إلى الكهف، ويجلس طوال العصر محدّقًا في الفراغ، إذ يعبر مسافرون من طريقٍ حفرته الأرجل بعيدًا عنه، ويرى خيالاتهم المائية وهي تتهادى أمام الأفق المنكفئ وراءهم. ثم غادر ذات صباح بعد أن رأى في السحاب القزعيّ المتشكّل في الشروق أشكالّا متموّجة، فيها خطّان سحابيّان كثيفان يسيران متقابلين وبينهما مجرى فراغ ملأه شعاعُ شمس أصفر، وكأنه نهر ذهبي مصهور بين ضفتين من ثلج. سار في طريق محدّد، يتبع النجم، ويراقب السماء، يحسب الجبال ويعد الفراسخ في عقله، حتى وصل. لم يكن هنالك نهر، لقد غير الفرات مساره. ولكن آثارًا مطمورة في التراب تبرز مثل الجثث المدفونة. كان الوقت غسقًا، والصفرة الحمراء تغطي الآثار المقبورة وتتمايز مع فيء الأصيل الشفيف. ظلّ لأسابيع يحفر. تقتله شدة التعب والعطش، ولكنه لا يموت. ثم هطل المطر فخزن مياهًا وصاد أرانب وطيورًا تحلق كل فجر في السماء. وظل يحفر. لم يكن يتفحص ما يحفره، وكأنه يعرف المكان عن ظهر قلب، يجلس مع غروب الشمس تحت ظلّ صخرة بيدين عليهما آثار دماء وهو يشرب ماء ويحدق في الفراغ، ثم ينام حتى قبيل الفجر. إلى أن وصل إلى نقطة لم يعد يظن أن باستطاعته أن يتجاوزها، توقّف، وأخذ فرصته لأن يتراجع إلى الخلف ويحدّق في الصورة. كان قد حفر شارعًا صغيرًا من مدينة كاملة لا تزال مطمورة. أخذ يسير بين الجدران والبيوت، بنظرة حياد لا تعبير فيه. منازل مهدّمة في شوارع ضيّقة، وأخرى سليمة، تغطي كُتل التراب المتعقد أُسكُفّات الأبواب وحواف النوافذ. وقف في بقعة ترابية مدفونة، حدق فيها طويلًا وهو يحسب المسافة في عقله. حفرها طوال الليل، حتى وصل مع الفجر إلى عمق اختفى فيه رأسه. وجد أوّلًا لوحًا عليه كتابة مسمارية تشير إلى وفاة الملك السومري أورنمو، لمس الحروف المحفورة بيده، يرتسم على ملامحه جمود تذكّر عميق. حفر في عدة أمكنة، استخرج أوعية نحاسية وسجادات وسيوفًا. دار المكان بحثًا عن أثر لشيء لم يعد موجودًا، ظلّ يبحث عنه حتى استسلم، فاستقر بالأغراض التي استخرجها في غرفة مدفونة صارت مثل سرداب يلج إليها من فتحة في الأرض. احتفر بئرًا، واشتغل بالصيد، وطرد الخفافيش بالنار. عاش في الجحر أكثر من مئةٍ وخمسين سنة تقريبًا.


كان الوقت ظهرًا، وهو في بغداد. اسمه الوليد، تسمى به بعد وفاة صديقه صريع الغواني قبل قرن تقريبًا، حينما كان يحضر مجلسه في البصرة وكان اسمه حماد. لم يتزوج، يتعشق مغنية في الكوفة ويخسر عليها نصف معيشته، اعتاد أن يضرب لها الطريق بعد صلاة الجمعة ليجلسا على طيار في الفرات، يقطعان ما بين الضفتين حتى تقسب الشمس، وهما يتسامران ويشربان النبيذ ويتبادلان الرّضاب ويتمطّقان بهما والشمس تنحدر من فوقهما صفراء في سكنة النهر والغروب، حيث ترفّ أشجارُ صفصافٍ طويلةٌ على ضفتي الماء ويلوح مترجلون يجوبون المساحات أزواجًا وأصدقاء وعشاقًا وعائلات. ثم يذهبان إلى دكاكين السوقة على الضفة الأخرى ويشتري لها القماش والأساور وهما يتمشيان بين الحرير والفوانيس والأوجه المألوفة. في الصيف، كان هنالك مجمع لمغنين يجلسون في امتداد منعزل على ضفاف الفرات ليلة كل جمعة، وقد افترشوا الرمل وضمّخوا أنفسهم بخلوق رخيص، وكانا يأويان إليهم وهو يعرف أجدادهم منذ أيام البصرة. يسهران هناك وينصتان لعمر بن أبي ربيعة وأبي نواس وصريع الغواني يعودون إلى الحياة، والجسد في الجسد، والخمرة في اليد واللسان، والنار تلوّن المكان بوميض أصفر متورّد ينبض فوق الوجوه المحمرة الباسمة. أمّا في الشتاء فكانوا يلجؤون إلى ضيعة أحدهم ويسهرون هناك في خلوة الدفء. كان يقضي الأيام في انتظار يوم الجمعة هذا وهو يعمل حاجبًا في ديوان الوزارة. وذات يوم خرج من بغداد وقد حضر الخطبة وصلّى وولّى وجهه نحو الكوفة. كان الوقت في أول الشتاء، وقد بدأ مطر يندف متقطعًا على طول الطريق. تمرّ برستاق تلوح فوقه شمس يسيح ضوؤها بين الغيوم وتذكر بالصيف، ثم تغطيك سحابة ساطعة فوق بطحاء ترقعها شجيرات الأثل والسوس والعاقول وتتساقط فوق رأسك حبيبات المطر مثل القطن، تعقبها نفحة ربيع يقاوم إذ يمدّ ساق نسيم فاتر نحوك وأنت تقطع سهلًا يتموج بأشجار اللوز. وكأنك تمشي بين الفصول. يمشي بخيله الذي يسميه متندرًا والبة بن الحباب مستمتعًا دون خبب، وقد تغطّى بدثار صوفي فوق رأسه. رأى عند رستاق أطفالًا يلعبون بسيوف من خشب، استوقفه أحدهم ليجلب سيفًا رمى به صاحبه في مرتقى تلٍّ وعر بصخور جرانيتية. وقف وتسلق التل وجلب السيف ثم نزل. أخذ يلاعبهم مدة من الوقت وهو يشرح لهم كيف يتحركون أثناء الإمساك بالسيف، وسط ندف ماء تنبعث من السحاب خفيفة جدًا مثل رذاذ البحر عند واجهة السفينة، ويوضح أن أهم ما في القتال بالسيوف هي حركة الأقدام، ويستعرض ذلك بالتطبيق عليهم. ركب أخيرًا خيله ومضى. مرّ بمفازة صلصالية في بُعدها الطارف شجرة برتقال. حاد عن الطريق نحوها. كان ظلُّ الغيمة التي فوقها يظلّلها. قطّع له برتقالة وأخذ يأكلها وهو يحدّق في البعد، حيث تتشابه الصور المتطابقة للتّلال المتلاصقة في المدى، ومن فرجات السحاب عواميد ضوء حادة الأبعاد وكأنها أوتاد تمنع السماء من السقوط. قبيل الكوفة وقد ابتعد عن الطريق الذي نحتته حوافر المسافرين، صادف بستانًا كبيرًا يحوطه سور عليه بوّابة كبيرة مشرعة، وبجانبها نُحت على الجدار ﴿كُلُوا واشْرَبُوا ولا تعْثُوا فِي الأرْضِ مُفسِدِين﴾ كان البستان عبارةً عن متاهة ضخمة من الأشجار والشجيرات، برتقال وتفاح وليمون وعنب وكرز، وأثناء المسارات مصاطب للجلوس مزينةٌ بالورود. مرّ بكرْم تلوح من بين حصرمه عناقيد ناضجة، قطفها وأخذ يأكل منها وهو يمشي. مر بمسار فيه قواديسُ معلقة على طول الإنسان، توازي أرنبةَ أنفه، مليئةٌ بالخمر، تفكّ صرتها فتقطر حبيبات النبيذ نحو الفم وأنت تحتها. وصل أخيرًا إلى نهاية السور وقد نُحت عليه ﴿فَكُلُوا مِمَّا رزَقَكُمُ اللَّه حلَالًا طيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَة اللَّه إِنْ كُنْتم إِيَّاهُ تَعْبُدون﴾ فعاد إلى البوابة المشرعة وركب خيله ومضى. حينما وصل إلى الكوفة في الأصيل اتّجه إلى بيتها. لاحظ أن لديها رجلًا آخر، فذهب إلى سوق خرازين مجاور فيه حركة هادئة قبيل الأذان، وأخذ يتأمل خرازًا يثقب لؤلؤًا باستخدام النار، يعمل منكبًّا بكامل تركيزه فوق القطعة الصغيرة تحت عينيه، وقد احدودَب وكأنّ العالم منكفئ بين يديه. صلّى المغرب مع الجماعة وعاد إلى البيت فكان الرجل قد خرج، والفتاة تجلس أمام مرآة وتمشّط شعرها. حينما رأته في المرآة التفتت ووجهها يشرق بابتسامة مبتهجة وسألته: “متى أتيت؟” فردّ: “الآن.” فعادت لتمشّط شعرها أمام المرآة مبتسمة بألق: “كذاب”.


في رستاق قبيل بغداد، كانت هنالك عدّة بيوت طينية صغيرة، مرقعة فوق بقعة تلالية من الأرض. يعملون في زراعة البلح، وبعضهم يشتغل في صناعة النبيذ. من بينهم رجل يدعى مرزوقًا. يعمل فلّاحًا. أتى إلى هنا ولا أحد يعرف من أين أتى. عمل عشر سنوات في حقل صغير لرجل يدعى أبا الفضل، تزوّج ابنته مروانة، وورث الحقل بعد وفاة حميه، وأنجب ابنًا وفتاتين. في تمام الساعة الخامسة صباحًا من كل يوم، يستيقظ. الغشاء الأزرق للبكور يلوح رقيقًا ونقيًا في خريف الرستاق. يجلس على طرف فراشه، والنافذتان المحفورتان في جدار الطّين مشرعتان على القرية النائمة. لا يتحرّك، يسمح للمكان أن يتكوّم من حوله. الهالة الزرقاء، الصمت الشفيف، أصوات القرية: العصافير وصرير الأبواب وحفيف الهواء، والروائح: الحليب ورطوبة الزرع النديّ. وصلت للرستاق أنباء زحف المغول. تلقّف سيفه وأخذ خيله ومضى في الاتجاه التي أتت منه الأخبار غربًا. ارتقى قبيل نهر الدجيل جبلًا مرتفعًا، وجلس هناك ساعات وضباب الصباح الباكر يثقل مثل القطن ثم يتلاشى قطعة قطعة، فيكشف في الأسفل جيشًا عظيمًا لا نهاية له. انخرط وسطه، وسمع لغات عديدة تُنطق فيه، ورأى أوجهًا كالحة يعرفها وسيوفًا تلمع وقد نظّفها أصحابها. عاد إلى الرستاق، أكل طعام العشاء مع عائلته، أيقظهم في الفجر، والغشاء الأزرق للبكور ينسكب رقيقًا على أسطح الأشياء، وطلبهم خارج المنزل. فرق زوجته عن أبنائه بأن وضعهم في الخلف بينما وضعها في الأمام، وهي تحدّق فيه باستغراب وتجد صمتًا جامدًا أمام أسئلتها. عصب أعين الأطفال، كانوا بين الرابعة والتاسعة حينها، وأجاب على أسئلتهم باقتضاب أنهم سيلعبون لعبة، ثم عاد إلى زوجته، بادرها من الخلف وحزّ رقبتها بشكل سريع، انتفضت قليلًا وقد انفجر الشريان السباتي بنافورة دم انقذفت منطلقة وهو يمسكها، ثم سقطت. ذهب إلى الأطفال الثلاثة وحزّ رقابهم بشكل سريع وحاسم وهو يكتم أفواههم الصغيرة بيده فلا يعلم الآخر المعصوب بجانبهما ما الذي يحدث ويكتفي بضحك الطفل المتحمّس لشيء غامض يوشك أن يحدث له. دفنهم جميعًا خلف المنزل، ثم جمع أغراضًا بسطية ومضى. ظل يسير شمالًا، يخترق الشام، ومنها إلى الأناضول، نحو الساحل إلى أزمير ومنها إلى الدردنيل على إيجة ومرمرة ثم إلى اليونان. غابات ومفازات وسهول ومتاهات ومستنقعات وجبال شاهقة وموت متكرّر وشتاء قارس وصيف حارق. كان يتجه إلى غاية محدّدة، يصعد في المرتقيات المتعالية لغابات داديا الممتدّة على جبال إفروس الشاهقة، المنحدرات والمرتفعات المتراصة بغابات الصنوبر والبلوط والتنوب الكثيفة وفي أحشائها المدفونة بالشجر ممرات مسافرين وعابرين وبقايا عظام لبشر وحيوانات ومغارات وكهوف ووحوش وصمت مهيب لا خدش فيه، ثم مسطحات مفتوحة بتراب داكن تحوم فوقه نسور وطيور من أشكال لا حصر لها. ظلّ يراجع الطريق ولكن دون جدوى. قتله حيوان غريب الشكل لم يرَ مثله من قبل، وحينما استفاق كان في كهف ونصف بطنه مبقور. حينما رآه الحيوان وقف مذهولًا، وهو يحدق دون أن يفهم. وحينما تحرك تراجع الحيوان المتوثب، وظل يتراجع مفسحًا الطريق له وهو في حالة توثب مستمرة، حتى خرج من الكهف، وهو يحس بألم اللحم الذي ينبت في أحشائه. في إحدى المسطحات لاحت له مدينة مهجورة، عدة منازل يتوسطها قصر عملاق ضخم، متهدّم ومتهالك. أكواب هنا وهناك، فخار، أسرة، زرع، غطاء نباتي معشوشب متعملق فوق كل شيء. حشائش نجيلية نبتت بين شقوق الصخر وتدلّت على حواف الجدران. رائحتها النافذة تضرب في الرمل والفراغ والأدوات المهجورة التي فقدت رائحتها منذ دهر. إنه في مكانه، يستحوذ على مساحة شاسعة من الأرض. تشرق عليه الشمس كل يوم، فتهبط على أسطح جدرانه وأسقفه، ينبت الزرع في الربيع على أرضه، ويغطي الثلج في الشتاء ملامح أسطحه. تستطيع أن تجده في كل زمن، سيظل موجودًا حتى تمسحه يدٌ ربما لن تأتي، ولذا سيظل موجودًا، وستظل الشمس تشرق عليه وسيظل الليل يهبط فوقه وسيظل الشتاء يغطيه بثلجه وسيظل الربيع يُـلبسه بزرعه. يعاينه وهو يقف قبالته. صفرة العصر تطلي أسطح كل شيء، أشجار التنوب المتعملقة وحشائش الزرع الدغلية وورود الأوركيد والبابونج تنبت في كل شبر منه. ويسير في غرفه، خاويةً ومتهدمةً ومرقعةً بغطاء نباتي، عبثت بها الريح فبعثرت أدواتٍ متروكةً، أباريقَ وسجاداتٍ وأبوابًا مخلوعة، وجدرانًا مصدعة بفعل تطاول أصول وجذوع الأشجار. يقف أمام نبتة غامضة تتدلّى منها فاكهة فاقعة الحمرة، نضجت في صالة تتموضع فيها أرائك مسودة وأرفف فارغة. عاش هناك قرابة قرنين من الزمن، قبل أن يمر بالقصر رحالة على خيله، عرف من سحنته وطريقة كلامه أنه من البندقية. ارتعب الرجل أمام منظره المهذّب بلحية مجزوزة وهيئة مرتّبة تناقض الموقف، وظنّ أنه شيطان نبت في هذه البقعة الغامضة. سأله عن اسمه فقال إنه أرسطوطاليس. اقترب الرحالة مشدوهًا وهو يحاول أن يرسمه، فوقف أرسطوطاليس يطالعه متفحّصًا دون حركة، ثم فجأة وبحركة واحدة غير انفعالية بادره بضربة على رأسه فسقط الرجل. ظلّ واقفًا فوقه يحدّق أمامه. جمع أغراضه وأخذ الخيل وحينما همّ بركوبه وقف، حدّق في الرجل المستلقي لحظة ثم اتّجه نحوه وهو يخرج سكينًا مذهّبة تنتمي للقصر الكبير، وطعنه وهو مجندل على ظهره في قلبه تمامًا، فانتفض لحظة كمن صحا من نوم إثر كابوس ثم همد، ومضى وقد ترك السكين بمقبضها البارز شاخصة فوق الجثة، مثل شاهد قبر.


في لندن، كانت نافذة الغرفة التي تستقر فوق مجزر تطل على الساحة الموحلة بعد مطر غزير. الوقت فجر، وهو يقف ممسكًا بكوب في يده، عاريًا في البرد الشديد. النافذة قطع زجاج ملصقة بشرائط الرصاص، تمثل حفرةً في قالب خشبي داكن. يوجد سرير حديدي في الزاوية، وطاولة منحوتة من خشب البلوط. المرأة التي تنام على السرير عارية أيضًا، وشعرها ينتشر على الوسادة. كان يدعى ويليام، ويعمل جزّارًا. أكمل في لندن ثلاثين عامًا. لم يتزوّج، ولكن له ابنان بينهما فارق خمسة عشر عامًا ولم يرهما بتاتًا. حينما يقفل محلّه في الظهر، يخرج حتى هزيع الليل، يجوب شوارع المدينة وهو يحمل قطعًا من اللحم لئلّا يُقبض عليه، لأنه كان هنالك قانون ينصّ على أنّ الذين يجوبون المدينة بلا عمل يُجلدون في السوق، فيما تُمنح للمشرّدين المعاقين وكبار السن رخصة للتسول. ولذا يجوب لندن. الشوارع الصغيرة القذرة التي تحفها الفواكه المتعفنة والماء القذر وأحشاء الحيوانات المذبوحة التي لا تستخدم في الأكل، ترمى جميعها على حواف الطرقات المندكة الضيقة، مترّسة ببيوت مصنوعة من قوالب خشب داخلها أغصان رقيقة مجدولة مثل القش المخوَّص ومطلية بالجصص الفاتح مثل الطوب. الجرذان والقمل والحشرات المتنوعة تجد طريقها في كل شقّ. يجوب شوارع بوتولف وبادينغ وكراينغ وورف وفليت على جانب نهر التايمز، يتجاوز كنيسة سانت ماري أوفري (كاتدرائية ساوثوارك) ليقطع الجسر الوحيد فوق النهر، إذ تصطك عمارات كثيرة فوق الجسر تتجاوز مئتي مبنى، بعضها يتطاول لسبعة أدوار ويلتصق بما أمامه ليكون نفقًا، ويقطعها مسار تملؤه العربات والكارات والأحصنة والمشّاؤون، وتتخلّلها مراحيض جماعية على الطريقة الرومانية معلقة على الجسر لتسقط الفضلات عبر أنابيب في التايمز. ويظل يمشي خارجًا منه إلى غيره. يدخل المسارح أحيانًا، بل مثّل في واحدٍ منها، حينما توسل له كاتب يشتري منه اللحم أن يؤدي دور صنمٍ، بأن يقف فوق الخشبة دون حركة. وهو ما فعله، وقف فوق الخشبة دون حركة، يحدّق في الجمهور، يراقب ردّات فعلهم، ضحكاتهم، انفعالاتهم. كانوا من العوام، قذرين وملطّخين ومشوّهين. حينما يضحكون تنفرج شفاههم عن أسنان متساقطة وصفراء، وحينما يتأثرون تتهدل ملامحهم بالقذارة المتكوّمة فوق الأسارير. يقف هناك دون حركة. يصيب القاعةَ ضحكٌ صاخبٌ حينما يخاطبه البطل، حينما يخاطب الصنم، ويطالبه بالرد، بينما يقف هو، جامدًا وصامتًا، دون حركة، دون نتوء، يحدّق في الناس التي ترج بالضحك، والممثل يصرخ فيه: “أجبني.” ثم ينصرف مبتعدًا، وتنسحب الأعين بعيدًا عنه مثل الضوء، ويراقبهم، تمامًا مثل الصنم. كانت تلك المرة الوحيدة التي مثّل فيها. في المساء حينما تظلم المدينة بشكل كامل، كان يستأجر طفلًا مشردًا يحمل مصباحًا أمامه، وهي خدمة كانت منتشرة آنذاك، تجنّبًا لحفر الطرقات الخطرة. حاول لصوصٌ سرقته أكثر من مرة، وقد سمح لهم في غالب الأحيان بذلك دون مقاومة، بينما طعن أحدهم ذات مرة في حلقه وتركه ينزف حتى الموت أمام مرأى الصبي الذي كان يراقب دون مبالاة واكتفى بالتعليق بعد لحظات حينما استكملَا المسير: “يستحق الوغد ما ناله.” كانت هنالك امرأة في الأربعين من عمرها، ادّعت الجنون لتُمنح رخصة تسوّل، تجيء كل أحد إلى شقته على شارع جاريد فوق مجزره، بعد أن تذهب للكنيسة. تلبس ملابس نظيفة، تغسل أرضيته وتنظف أثاثه، تشرب معه البيرة وينزلان إلى الشارع ليحضرا مسرحية أو يذهبا إلى حانة، ثم تضاجعه في المساء ويستلقيان سويًا، تخبره بقصص من طفولتها وكيف تيتّمت وتشرّدت، وينصت هو، ثم تقول له ضمني أكثر، فيضمها أكثر، وينامان. حينما أكمل أربعين عامًا باع دكانه وجهز أغراضه للرحيل، شكت في أمره فواجهته، أنكر قائلًا إنه سيذهب إلى بريستول لشأن ما، ولكنها أصرت بهدوء حازم فأخبرها أنه راحل، قالت له: “لا بأس.” وطبخت له عشاء وضاجعته ثم ناما بجانب بعضهما، وفي منتصف الليل طعنته بسكين في أحشائه فتركها دون مقاومة حتى ظنّت أنه مات. رقدت بجانبه واحتضنته وهي تبكي، تنام وتصحو من نومها الذي يشبه الإغماءة وهي تبكي، حتى إذا حان الفجر قامت وبحثت في الظلام عن السكين المضرجة بالدم، تلقفتها بصعوبة وقد اضطرت أن تشعل نارًا لتراها، ثم طعنت نفسها بجانبه وماتت. حينما أفاق، كانت ترقد فوقه، ودماؤها المتخثرة تيبست فوق ملابسه. حملها إلى مجزره المغلق في الأسفل، حدّق فيها لحظة، وهو يتأمل وجهها الشاخص المليء بالألم، ويلاطف بإبهامه وجنتها اليمنى، قبل أن يبدأ بتقطيعها إلى أجزاء صغيرة، ثم حملها إلى خنازير في زريبة مجاورة لتأكل قطع اللّحم المسلوخة والمفتتة. أخذ أغراضه وانتقل ليفتتح دكانًا جديدًا على شارع بادينج ويسكن فوقه، وقرّر أن يكون بائعًا للصفيح والرصاص. لم يتغير الكثير في حياته، ظلّ كما هو. وحينما وقع الحريق الكبير بعد سنوات، كان محلّه قريبًا من مخبز توماس فيرنر الذي بدأت منه شرارة النار. وبعد ساعات كان الشارع كله يشتعل ويضيء دُكنة الفجر مثل شروق جهنميّ. يقف هناك في صف من البشر المذهولين. رجال يبكون منازلهم، وآخرون يتحرّكون وسط الفوضى في محاولة للمساعدة. يجلس على نتوء متّكئًا ويراقب النار تمتدّ وترتفع، الشروق الجهنمي في زرقة الفجر المعتمة. ثم رحل من لندن بملابسه التي على جسده فحسب.


كان الطريق ممتدًّا. يعبر السهول الكبرى وسط كانساس. البراري المرجية والسهوب المطنبة مثل ماء المحيط الهادئ في قدرته على تكرار نفسه، الأرض الممدودة على مطلق البصر إذْ تتخلّلها مروجٌ معشوشبة صفراء وخضراء فوق سماء صافية الزرقة، إلى السهول المرتفعة حيث براري العشب القصير مثل القمح المجزوز وشجيرات الصبار والأجمات القميئة، والبرودة التي تجرح العين في يوم ما لتعقبها حرارة جافة تكلّس الجلد في اليوم التالي. قبائل السكان الأصليين التي تعسكر على امتداد المساحات عند البحيرات ووراء الهضاب، تتبعك أو تقتلك أو تتركك في حال سبيلك. منها إلى مناطق الوجود الإسباني والقرى الرثة المبتناة في وسط الصحراء، الصناديق الخشبية، الروليت، العاهرات، التبغ، البارود، المسدّسات على خواصر الرجال. يسير إلى غاية محددة وهو يطالع النجوم والسماء ويحسب المسافة على امتداد جبال الروكي. حتى وصل. وقف أمام جبل كبير في سلسلة مرتفعات ضخمة، في زاويته الغربية المطلة على السهل المنبسط كهفٌ صغير. ارتقى لأيام بين الصخور، حتى وصل إلى الكهف، دخله وقد أضاء شعلة ألقت صفرة مؤطّرة في السواد، مرّ بها على الجدران، إلى أن وجد نحتًا بدائيًا، ثلاثة وحوش غريبة، تشبه الوعول ولكن بأجساد أضحم، ليس واضحًا هل كانوا يرقصون، أم يلوّحون. يحدّق فيها برثاثة وهو يمرّ بيديه فوقها متفحّصًا ومتذكّرًا، بينما تملأ صفرة النار وهسيسها فراغ المكان، وعلى حافة فمه ميلان ابتسامة شاردة. بسط أغراضه، واستقر في الكهف، يعتاش على صيد الأيائل والموظ والغزلان والظباء المتواجدة في الغابات والسهول الممتدّة في الأسفل البعيد بين حيوانات الدب الغريزلي والوشق والقيوط واللينكس والشره الخطرة. تمتدّ أشجار الصنوبر والعرعر والسنديان في غابات تختلط على مسار المنحدرات والمرتفعات، تقطعها الأنهار الجارية الصافية مثل الكريستال النقي، بفضلها يترعرع الغطاء النباتي في المكان القاحل وترتادها الحيوانات بمختلف أطيافها لتقف على حافتها وتحدّق في أوجهها المرسومة وسط انعكاس السماء المطبوع على سطح الماء، بين صخور الجرانيت النارية الأورثوكلازية التي تميل إلى الحمرة، والقمم التي تتطاول بيضاء وسط السحاب فوق السهول المعشوشبة المنبسطة. يعيش هناك دهرًا، ما بين الكهف والطبيعة. يستيقظ ذات يوم وهو يشمّ رائحة معدن. خرج من الكهف، فرأى خيط دخان في السماء، يصعد من مكان بعيد. أخذ يحدّق ساعة في الخيط، بوجه لا ملامح فيه. نزل ليصيد، طبخ اللحم، أكل. استيقظ في الصباح، الخيط يقترب، رائحة المعدن تزداد قوة. في صباح ما، لاحظ من مطل كهفه فوق الجبل مخيمات تُنصب في منحدر المرتفعات. حجّاج حمى البحث عن الذهب وهم يتوافدون من بقاع كثيرة نحو جبال الروكي، وينصبون مدنًا جديدة أسموها كولورادو ودينفر وأورييريا. يمرّ به الحجاج الذين يغرسون أقدامهم في ممرات الجبال وينحتون فيها مسارات جديدة، إذ يصل بعضهم إلى حواف التافا جبل الشمس (البايكس بيك)، وهم يحملون على أظهرهم معدّاتهم الثقيلة وأحلامهم الجريئة حد الوقاحة، فيظنون أنّه واحدٌ منهم قد سبقهم، يسألونه فيجيب إجابات متقطّعة بوجه جامد، ويبدو غريبًا بنظافته ومظهره ذي الشبه اليسوعي. في الكهف الذي يعيش فيه، هنالك ذهبٌ مدفونٌ في الجدران الجرانيتيّة، بدأ يكسره لأسابيع حتى تساقط أمامه قطعًا كبيرةً، وخرج منه ليجوب الأنهار القريبة التي يعرفها جيّدًا لأسابيع أخرى. اعتزل في الكهف بعد ذلك ثلاثةَ أيّامٍ، وقد جمع الكثير من القطع الكبيرة والصغيرة، يجلس عاقدًا يديه على ركبتيه المثنيّتين، لا يتحرّك. يفكّر. في اليوم الرابع، حلق لحيته بسكين، غسل شعره الطويل، وجمع ما يستحقّ من أغراضه وبعضًا من الذهب، ونزل متوجّهًا إلى مدينة كولورادو أوّلًا، ثم إلى دينفر، ثم إلى أورييريا، متنقّلًا بينها، حيث المخيمات وأكواخ الخشب المتفرّقة وسط الوحل. ابتنى له كوخًا هناك، في دينفر على ضفّة ملتقى نهْرَي تشيري كريك وجنوبي بلات، وبدأ يُنزل الذّهب يوميًا من كهفه. عاش هناك منذ تأسيس ويليام ليرمر للمدينة وتكوّنها ونزوح المهاجرين العابرين بجبال الروكي والباحثين عن الذهب فيها ومن ثمّ انضمامها إلى أورييريا، اشترى الأراضي وأسّس بعض محلّات القمار ونأى بنفسه بمهارة سياسيّة عن الخوض في غمار الحرب الأهلية. تزوج امرأة وابتنى قصرًا كبيرًا وأنجب تسعة أبناء. وبعد أربعين سنة بدأ يصبغ شعره بالأبيض خلسة، بل وخلع أحد أسنانه ذات مرة، وصار يضع مكياجًا ليبرز تجعدات في أساريره. ولكن في ظهر يوم ما بعد سنوات من هذا، سمع حفيدته تسأل جدتها: “لماذا جدّي لا يكبر في السن؟” جلس ثلاثة أيّام محدّقًا في الحركة الحثيثة التي تدور في القصر استعدادًا للاحتفال بعيد ميلاده الذي قال إنه في التّاسع من مارس، يدور في المدينة التي تتعاظم مع مرور الوقت والأعين تلاحقه مذهولة من نزوله وتمشّيه بين العامة. سَحب ما يستطيع حمله من أموال، بالإضافة إلى عدة قطعٍ من الذهب كان يخبّئها، وخرج في الفجر. يختفي في الزرقة الداكنة على امتداد نهر البلات.


في امتداد طريق الملك فهد بالرياض، هنالك أعمال بناء حثيثة لمبنى عملاق يطلَق عليه برج المملكة. يقف أمام إشارة شارع العروبة ويحدّق في الحركة الحثيثة للإسمنت والزجاج، وهي تتطاول في كدرة الغبار الطفيف. وثّق كل ما يمكن كتابته عن فندق الفور سيزن بالفيصلية وتعرف على صناع القرار فيه، جرب السبا في البهو، وملاعب التنس، والخدمات الأخرى، وخرج منه إلى الشيراتون وحياة ريجنسي. والناس أثناء ذلك كلّه لا تتوقّف عن التعليق على انهيار برجَي التّجارة العالمية في نيويورك. زار مكتبة الملك عبد العزيز في المربع، مشى بين الكتب وهو يلعب لعبة طريفة في رأسه. حمل ديوانَي مسلم بن الوليد وأبي نواس المتجاورين فوق الرف، وأطلق ابتسامة فاترة قبل أن يعيدهما. حمل كتبًا أخرى أيضًا لكتّاب من أزمان متفرّقة. يلبس ثوبًا وشماغًا وعقالًا، ويتحدّث بلكنة ساكن أصلي. استوقفه رجل عند محل مخبوزات وأهداه مطويّة وقال له إن الأمة في حاجة له، وقفَا طويلًا وهو ينصت بجمود لحديثه الذي امتدّ ساعةً تقريبًا، حتى ملّ الرجل وحوقل ماضيًا في سبيله. بعد أيام في أول العصر، وضّب أغراضه بسرعة استعدادًا للرّحيل، يتميّز بمهارة فائقة في ذلك، وتخدمه الحقائب الحديثة المصمّمة خصيصًا لهذا الغرض. كان قد وقف في السونسيت بوليفارد في لوس أنجلوس قبل أشهر أمام محلّ حقائب، وشرح له البائع ما يمكن وضعه في حقيبة متوسطة الحجم، ليحملها وهو يحدّق فيها برهة، مشدوهًا. ولذا يهتم دائمًا بمتابعة أحدث ما يصدر في مجال الحقائب. في المطار جلس عدة ساعات في انتظار الطائرة. كان قد اختار وجهته من الشاشة واشترى التذكرة. يجلس على الكرسيّ بصمت، ويحدّق في الحركة، وهو يلبس بدلة دون ربطة عنق. يقرأ الجرائد في الطائرة. البرجان، القاعدة، نيكول كيدمان، بيكهام. ينام قليلًا، يصحو، يحدّق أمامه، ينصت لغرباء. في سيدني، حضر مسرحية لامرأة تنام أمام جمهور يملأ ثلاثة أرباع القاعة. تستلقي على أريكة طويلة فوق الخشبة، تغمض عينيها، وتنام. صمتٌ عميق لا خدش فيه، الكلّ يتابع أمامه باهتمامٍ متفحّصٍ. يحدّق في الأوجه التي تحدّق فيها، رجال ونساء من أعمار مختلفة، تنير أضواءُ الخشبة أجزاءً مؤطرة من أوجههم، بينما تغرق القاعة في عتمة باهتة، وتكاد تسمع أصوات الأنفاس الرتيبة، وعدوى الخمول المتسلّل وسط السكون. تستيقظ الممثلة بعد ربع ساعة تقريبًا، ثم تقف، بعينيها المتورّمتين، وتروي ما رأته في الحلم. ثم تعيد الكرة مرّةً أخرى. وزع أيامه بين فنادق الفور سيزن والإنتركونتننتال والماريوت، سار في شارع بِـتّ النحيل حيث تتلاصق البنايات الشاهقة مكوِّنةً خندقًا وسط الإسمنت والزجاج المغشّى بانعكاس ضوء العصر والأشجار التي عرّاها الخريف، ونام مع فتاة قابلها في بار هناك وأخبرته أنه يشبه ممثّلًا شهيرًا تحبّه. في طوكيو، يقطع شارع كاباباتشي في الليل. بحر الأوجه الكثيرة المصطكّة في مجرى الوادي الإسمنتي المشع بالضوء، حيث المحلات المختلفة بكافة الأشكال والأنواع. هنالك شخص يقف على خشبة صغيرة متنقلة، يلتف حوله مجموعة من الأشخاص، يخرج سكينًا، يطعن بها صدره، وينفجر دم منه على شكل نافورة، ويسقط. تنبعث لهثات رعب مذهولة، ويندفع جمع من الواقفين، ويخرجون سكينًا حقيقية من صدر الرجل، حيث هنالك فتحة جرح حقيقية. ولكنه بعد دقيقتين تقريبًا يقفز واقفًا، ممزقًا قميصه عن دم يصبغ صدره، والواقفون يحدّقون بذهول، ثم تنفجر موجة تصفيق حادة. يحدّق فيه بجمود. يتابعه طوال الليلة، وهو يسير في الشارع. حتى سلك زقاقًا ضيّقًا بعد متجر كتب صغير، ومشى حتى وقف ليراجع ورقة في يده عند الجهة الخلفية لمعبد بوذي، حيث يظهر من فوق جداره تمثال مرميّ هناك في الخلف. اقترب منه وأخرج سكينًا كان قد اشتراها وطعنه بها في صدره. حدّق الرجل فيه مشدوهًا وهو يحاول التعرف عليه وسط العتمة الداكنة، ولكنه سقط أخيرًا. وقف بجانبه ينتظر وقد جرّ الجثة وراء شجيرة في أصيص كبير. انتظر أكثر من دقيقتين، وتجاوز انتظاره عشرين دقيقةً، ووصل إلى ساعة كاملة وهو يقف في الزقاق الخاوي. أدخل رأسه من وراء الشجيرة، ما زال الرجل فاغرًا فمه وشاخصًا ببصره، والسكين في صدره، فتركه. جرب فنادق الفور سيزن والريتز كارلتون والكونراد بالإضافة إلى عدد من فنادق الريوكان التقليدية. مرّ بدول أخرى وزار فنادقها وقد توقّف عن الكتابة والتوثيق والتواصل مع صناع القرار فيها، حتى عاد إلى ميامي. كان شريكه قد أخبره حينما كان في لاوس أنه قد افتُتح الفرع التاسع لوكالتهم السياحية في بورتلاند، التي تتحول تدريجيًا إلى إحدى الشركات الكبيرة في خدمات السفر. جلس في ميامي ثلاثة أيّامٍ، قبل أن يخبره بنيته في أن يبيع حصته، وأنه يمنحه الخيار الأول للشراء، وإلّا فسيبيعها لآخر. وبعد موجة غضب وعدم فهم من شريكه أدّت بهما إلى أن يُطرَدَا من مطعم أولد ليزبن على شارع كارول، وقفَا هناك وأصوات الشارع تغلّفهما، وهو لم ينطق بحرف منذ أن أبلغه بقراره. أخبره أن يتريّث وأنه سيجمع المال لشراء حصته. حينما تسلمه اشترى خمس شقق في باريس والرياض ونيروبي وفانكوفر وبوينوس آيرس. عاش متنقّلًا بين الأماكن الخمسة طوال السنوات الأخيرة. أنجب ابنين في نيروبي من إفريقية تعمل خادمة لديه، وارتبط بشكل متقطع في فانكوفر بامرأة متزوّجة يعمل زوجها في قوات حفظ السلام جنوب السودان وأنجب منها ابنًا نُسب للرّجل. يضارب في البورصة، ويعمل مستشارًا لعدّة شركات تعمل في السياحة. كان قد وصل إلى الرياض من نيروبي وسط فبراير الجاري.

3 تعليقات على “من الهامش.. إنتروبي”

جميل جدًا.
طويلة التدوينة، كغالب عهدك، ولكني استمتعت بها.
مزج تفاصيل وأحداث محلية وإسقاطاتها كان جميلًا.

لم أستطع -للآن على الأقل- إيجاد رابط أو عامل مشترك، مباشرٍ أقصد. وقد لا يكون هناك واحد أصلًا!

ال(رحلة) التي بدأت من كنساس مررت عليها سريعًا بصراحة، أقل واحدة أعجبتني من بين الرحلات

شكرًا لك.

شكرا عزيزي هيثم، ممتن لك دائما.
وبالفعل ربما “الإنتروبي” في القصة هو العجز عن إيجاد رابط أو عامل مشترك. ربما.

تحياتي لك 🙂

رد

اترك رد

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة