في قدميه ويديه تشقّقات مثل النحت، وفي وجهه أحافيرُ يبسة وجفاف. من أعلى جبينه الأيسر، ناحية صدغه، ينحدر ندب ودياني يحفر طريقه ملتفًّا ليبتر الحاجب ويمتدّ منه فوق العين إلى الجفن حتى يصل إلى حد الشارب النحيل. ملامحه لطيفة في وجه غير لطيف وسحنة كالحة. عيناه ضيّقتان ولكن لامعتان. جسده ناحل وهزيل ولكن مشدود وفتي، ومن يديه تبرز عروق بازغة من عظامه الدقيقة ذات الشعر الكثيف، ومن ثوبه الأسود المفتوحة أزرارُه العلوية ينتَأُ قفصُه الصدري الرهيف بشعيرات طويلة، ومن طرف الخرقة التي يضعها على رأسه تتناثر خصل شعر ناعمة وقذرة. يمسك بندقية المقمع، ويقف على تلٍّ، ويحدّق في المسافة المفتوحة أمامه. يبسط يده شراعًا فوق حاجبيه، ولكن لا فائدة. ينحدر أخيرًا، ويمشي. يلبس في قدميه نعلين من جلد التيس، ويطأ في التراب، ويخطو بين العرفج وشجيرات الأثل، والشمس غائمة من فوقه.
يهبّ نسيم من الشمال، يحمل سَمومًا، فيركض ليفرز عرقًا أكثر، ثم يتوقف وقد ترطب جسده كاملًا، فيعاود النسيم الهبوب عليه ويتقشّر العرق باردًا على الجلد، ويستشعر نغزته القشعريرية في كل قشرة جلده.
يرى أمامه شجرة سدر كبيرة، فيتّجه نحوها ويستريح جالسًا تحتها. السماء مرقعة بقزع سحاب يخبِّئ الشمس الصاعدة من الشرق وراءَه. يسمع صوت الريح في الأغصان، وأصواتَ البرية التي تتنوّع بين سفْي التراب الزاحف في الأرض وصفير الهواء في الوديان البعيدة وأصوات أخرى مجهولة المصدر والكُنه. ويحدّق أمامه، وهو يشرب من قربة صغيرة مدبوغة من جلد الماعز، ويرطّب شفتيه المتشقّقتين بلسانه الكبير. يقوم بعد لحظات، يتخير أفضل الأغصان في السدر، وينتزع الورق، ويمضغه ثم يبتلعه بجرعة من الماء، ويمضي.
يسير أبعد، ولكن في اتجاه آخر، نحو الشرق. لا شيء في المسافة سوى الشيء وظله. الصخور والتلال والشجيرات. لمح أخيرًا وراء الأرطى ذئبًا. انبطح سريعًا، ووجّه بندقيته نحوه، ثم أطلق دون تردد. لم تحن لحظة تلكؤ واحدة، كل شيء حدث خلال ثوان، وكان الذئب ثاويًا في دمه. اتجه نحوه، وجده ميتًا، ولكنّه ذكاه بسكينه، وحمله. وعاد به نحو الغرب، والشمس ترتقي من ورائه.
هنالك ستُّ خيام متفرقة. خيمته في طرف قصيّ وصادّ منها. تقابله امرأة شابة، تقف بنقابها المشقوق بفتحتين واسعتين تبرز منهما عينان كحيلتان وجفنان مرتويان. تسأله: “وش جبت؟” فيردّ هاتفًا بطريقة مسرحية: “ذيب يا مَرَة ذييييييب.” فتقول: “وا قلبيه وين روّح الطلي روّحت روحك؟” فيردّ بنفس الطريقة وهو يضع الجثة: “الطلي راح يا مرة الطلي رااااااح.” يخلع ثوبه المضرّج بالدم، ويلبس آخر لا يقل قذارة. يشم رائحة القهوة المحطوطة على الأثافي، ويصدر نفسًا مثقلًا بالرغبة. يجلس على بساط في الخيمة، وتأتي هي لتأخذ الدلة بعد أن عاينت جثة الذئب، وتجلس بجانبه. كم بقي من القهوة؟ يسألها، فترد: “ما بقى شي، عطيت جارتنا ذريرة.” فيقول: “أممممم، أمر ديرة الحضران اليوم وأشوف إذا يمدي على الحساب من الشايب.” بينهما مركى صغير، مصنوع من الوبر. تجلس متربّعة، أما هو فيجلس ثانيًا قدمه ليتكئ على المركى، ويميل نحوها. ترفع الدلة بيدها اليمنى بجانبه، وهو يميل نحوها، مبتسمًا. رائحة القهوة. قميصها المشجر ونقابها الأسود أمام عينيها الكحيلتين، وهي ترفع الدلة وتصب القهوة برفق في الفنجال، تضرب في قاعه صفراء فاقعة الرائحة. متلاصقان تقريبًا، تملأ الفنجال، وتمدّه له، فيأخذه ويشرب، وكمّا ثوبيهما متلاصقان.
الصورة موثقة في كتاب رحالة بريطاني كان قد مرّ بالخيمة آنذاك وطلب تصويره فوافق مقابل ريال فرانسي. “الزوجة المنقبة تصب الفنجال الخامس، والبدوي يميل نحوها بحب وألفة بعد عناء يوم طويل في الصيد، متلاصقان في جلستهما، يُسِرّان الحديث بينهما وقد مالا على بعضهما، ويضحك البدويّ بوجهه النحيل الحاد الذي تملؤه لحية قصيرة، ويبدو أنها تضحك من عينيها اللّتين تضيقان، ثم تصب له الفنجال السادس.” هكذا كتب. يطالع الصورة ابن حفيده في مكتبة المدرسة المتوسطة، ويقول لأصدقائه: “هذا جدي.” ويتجمعون حوله، ويعلّق شخص ضاحكًا بتفاجُؤ مسرحي: “شوفوا شوفوا جدته طالعة في الصورة طالعة في الصورة.” فيرمي الكتاب ويتعاركان.
صورة القصر الطيني البدائي فوق المرتفع، مطلًّا على تجويف مزارع العائلة على اليمين، تنحدر لها بممر محجّر باللُّبن رصفه الجدّان/ الأخوان اللّذان شيّدا هذه المستعمرة العائلية التي تضم الآن سبع عوائل خارج المدينة قبل قرنين تقريبًا. صورة برك الماء المتفرّقة على امتداد السهل المنبسط قبالة (القصر) كما يسمّونه. الوقت صيفٌ، وتحديدًا موسم المرزم، ولكن مطرًا كثيرًا نزل حينها مع رطوبة معتدلة في الجو، ولا أحد يفهم لماذا حدث هذا. والده يقول إن شيخًا جليلًا من الناصر دعى ربه بعد أن أوشك نخله على الموت فنزل المطر. ولكن لا أحد يعلم فعلًا. كان الجو حارًا نسبيًا، وفي السماء قزع غيوم شفيفة. الوقت في آخر الظهر، وهو يسير في الطريق بعد أن أوصل الغداء لأبيه وإخوته في المزارع. سمع هناك أحاديث متفرقة. أغاظوه أولًا بالقول إنه يتحجّج بالمرض لئلّا يعمل اليوم، وقد كان فعلًا يتحجّج بالمرض، ولكن لم يعجبه أن يفضحه الآخرون ويسخروا منه بناء على ذلك. (نشبة) هذه الكلمة التي لفظها عليهم. كان لم يجتز الحادية عشرة من عمره، ولم يرغب في العمل في هذه الأجواء. جلسوا وأكلوا بين الشجر والسواقي التي تصدر خريرًا حادًّا. سمعهم يقولون إن شعيب المندق سال، وكانوا يقولون هذا بذهول، الجميع متفاجِئ من هذه الصورة الغرائبية، أن يسيل شعيب المندق في المرزم. وجلس هناك يحدّق أمامه بين الشجر، وقميصه يلتصق بجلده مثل الصمغ بفعل العرق، ويتخيل ماءً كثيرًا في المجرى الواسع، باردًا وعميقًا، وشعر بلفحة هواء ترطّب رقبته، وقام وهو ينوي الذهاب إلى هناك. “مهوب بعيد؟” فكر في نفسه. لقد ذهب مع إخوته وأبناء عمومته إليه دائمًا. تذهب من منحدر المزارع مارًّا بتخوم التلال قبالة الخفس، تقطع (أخدود النار) الذي يقطع الصلوقعة الصلصالية قبل جبل السبابة. تمرّ على مزارع الخالد والبراهيم والعقيل، ثم تهبط إلى انحدار الشعيب. مسافة نصف نهار ذهابًا وعودةً. كان قد قال لأمه وخالتيه وعمّتيه اللّاتي كنّ مجتمعات في قهوة الرجال إنه ربما يجلس هناك. ولذا، الأمر مهيأ.
صورة قصر الخالد وهو يقترب منه، ووراءه النخيل الممتدة إلى بضع مئات من الأمتار، وعلى طرفها حيالة يُخضّرون فيها الكوسة والبيدجان والقرع، ومن حواف جدرانهم تتدلى البلاّصات، وهي علبة بعنق مبرومة تُملَأ قازًا وتُرمى فيها خرقة تعمل كفتيلة تُجرّ إلى خارج العنق وتُشعَل بالنار لتنير القصر للسائرين في الظلام، تلوح من بعيد وهجًا نابضًا وسط السواد. ولكن شمس الصيف الآن تبدأ بالانحدار فوق رؤوس النخل، مشعة تميل للاصفرار قليلًا. الحريم يتحرّكنَ في الخارج، متفرقات يحملن ويضعن ويطبخن، ويعرفونه، إحداهن تصرخ فيه: “وشلون أميمتك؟” فيقول: “طيبة الحمد لله.” تدعوه ليأتي ويأخذ شيئًا، ربما شرط فيه حلى أو تمر، ولكنه يرفض بيده ويقول: “وأنا راجع، أنا الحين عجل بروح للمندق.” ولكنه يتوقف ويسألها وهو يقف بعيدًا: “سعود فيه؟” فتقول: “لا، مع أبوه في المزرعة.” ويكمل طريقه. يلاحظ أن ابنة تلحقه، أخت سعود، في التاسعة من عمرها، تلبس جلابية قصيرة منقشة يبرز من تحتها سروالها الأحمر. يهملها في الأول، ولا يلتفت لها، وهي تلحقه وتسير وراءه دون كلمة. قدماها مغبرتان ويبرز سروالها الطويل من تحت الجلابية التي تتوقف فوق الكعبين. يسيران بانحدار نحو الخفس والشمسُ ترافقهما منحدرة إلى الأسفل، وهو يواصل إهمالها، وهي تواصل السير وراءه وتقترب حتى تصل إلى بعد خطوة عنه. يتوقف فجأة، يلتفت نحوها، يحدق فيها: “دبشة أنت؟ وش تبين؟ يلّـه ارجعي.” ولكنها تطالع فيه بنظرة بلهاء، وشعرها الطويل ينتشر على كتفيها. تسأله: “بتروح للمندق؟” فيرد: “وش دخلتس، يلّـه ارجعي.” ولكنها لا تتحرّك. يرفع يده وكأنه سيضربها فتنكمش حامية وجهها بيديها، ويظلّان على تلك الصورة عدة ثوانٍ، ثم يُنزل يده ويكمل السير، فتواصل اللّحاق به، وهي على بعد خطوة وراءه. يمران إلى السهل الذي تستقر فيه مزارع ومنازل الناصر ويلوح نخلها متلألئًا تحت الشمس. شجيرات العرفج تنتشر على الامتداد مرقِّعة السطح الترابي النقي، مع عدة أشجار شبه ميتة من السدر. يستشعر العرق في رأسه حينما يهبّ النسيم فيرطبه، وتلذعه برودة ناعمة، وهو يدعس الحصى محاذيًا مسارَ ساقٍ يخرّ فيه ماء المطر الصافي. يهملها تمامًا، ولكنه يسمع صوت أقدامها، والشمس تنحدر من الأفق وتحترق في قزع الغيم الخفيف.
انتبه الآن، دون أن ينبهه شيء محدّد. ربما صوت حفيدته التي صرخت لأن أختها سحبت الآيباد منها، أو صوت زوجته غير الفصيح حينما تخلع أسنانها. ولكنه انتبه غالبًا لأنه انتهى. تطلّع أمامه، ورأى فوضى من الحياة والأجيال. سأل مخترقًا كل شيء مثل شخص يقول كلمة بذيئة في مكان عام: “متى بيصلّون على شيخة الخالد؟” حدقت فيه زوجته ثم قالت بنزق: “صلّوا عليها وخلصوا الظهر اليوم، هماي أقول لك يا خزياه ما درينا إلا متأخرين.” هز رأسه ولم يضف شيئًا فعاد كل شيء إلى سياقه. أخذ يمسّد شعر لحيته ببطء وقد حمل فنجاله قريبًا من فمه. بعد قليل سينسى كل شيء، وسيعود للحديث مع أبنائه الثلاثة وبناته الأربع وزوجته، سينسى الجلابية المنقشة الناقعة بالماء، ولكنه الآن، لا يرى إلّا هي، ولا يرى إلّا وجه شيخة في الشعيب، وهي تضحك وتؤشر له وتصرخ: “المويه باردة تعال.”
المكان مظلم، ومن جهاز البروجكتر الممركز في المنتصف ينبعث ضوء قوي، تتجسّد من خلاله شخوص الفيلم ومشاهده التي تملأ الجدار. غرفة النادي الخلفية الصغيرة متكدّسة كاملًا بالزوار. كان فيلمًا مضت عليه ست سنوات، اسمه (Midnight Cowboy)، ولا أحد فهم أو يفهم قصته. بجانب البروجكتر يجلس رجل بلحية قصيرة مشذبة، عليه سيماء الكثيفين باعصي الجو. في كل لقطة تُظهِر فيها امرأةٌ لمحةَ أنثويّة مبالغًا فيها، لباسًا أو حركة، بحسب معاييره، وقد كان الفيلم يضج بها ولكن ذلك لم يثنه: يضع إبهامه العملاق على بؤرة الضوء، فيختفي كل شيء، ويحل الظلام، وترتفع الأصوات الغاضبة في الغرفة الخانقة وتعلو التفلات اللّزجة في الهواء. “ملعون أمك يا ابن الكلب شل إصبعك.” “تفو عليك وعلى قبيلتك الداجة.” “وخر إصبعك الله يلعنك طار الفيلم.” إلخ. وهو يجلس بكل صفاقة ولا مبالاة، يرفعه قليلًا ليتأكّد، وحينما يبدو الوضع آمنًا، يبعد إصبعه بشكل كامل.
أكثر المحسوسات تواجدًا في الغرفة الضيقة، ثلاثة: العرق، والدخان، والضوء/ انعدامه. الجميع تقريبًا يدخّن، ولذا تنبعث من المكان ألسنة دخان تصعد لترسم في انعكاس الضوء خطوطًا ثعبانيّةً. هنالك نافذة مفتوحة في أعلى الجدار، ولكنّ رائحة شجرة الكافور العملاقة لا تستطيع تغطية رائحة العرق، الذي ينتشر قويًا ومركّزًا. يجلس مع ثلاثة من أصدقائه في الصف الرابع. نيويورك في الفيلم تبدو قذرة، وراتسو أكثر قذارة. الشعر اللامع بالجل، والذقن النابت، والسيجارة على طرف الفم. لا أحد يتحدث، الجميع يجلس وينصت، حتى الرجل ذو اللحية المشذبة. الدخان والضوء والعرق، وربما الصوت إذًا. أخوه ماجد عاد من لندن قبل أسابيع، كان قد أخذ قرضًا من الصندوق العقاري، وسافر به إلى هناك، وبذره كله على الشراب الرخيص والنساء المتوفرات في كل مكان كما يقول. في الثانية والعشرين، أكبر منه بثلاث سنوات، يخبره بذلك وهو –مع أصدقائه الثلاثة– يجلسون معه على كراسي محلّ صديقه في أسواق الجفرة. “عندهم ويسكي وواين، تقحن فيهن ألين تفقد، ثم تطلع برى وتتنقى من الحريم اللي قدامك برخص التراب.” كان جو بلاك يجوب شوارع نيويورك ليعرض نفسه على النساء، ولم يفهم هذا إلّا بعد مدة من الفيلم، أنّه يفعل ما تفعله العاهرة، ولم يفهم كيف أن رجلًا يستطيع فعل ذلك، وأن نساءً سيرغبنَ في ذلك، ويفكر كم هو محظوظ. تخرج كاس في لقطة طويلة مع جو، يغطّيها كاملًا الرجل ذو اللحية المشذبة ويغرقون في الظلام والصراخ والتلعين والشتم، ولا يسمعون إلا الصوت، صوت الحوار الغامض المجهول، ويرتفع الصراخ حينما برز صوت القبل، “الله يلعن أمك شيييييل حرام عليك.” وتختفي ألسنة الدخان في انعكاس الضوء، حتى يرفع إصبعه ويكتشف أن المشهد قد قلّت حدة خلاعته، فيعيده على مضض، ويتفل شخص في اتجاهه فتصيب التفلة رقبته ويلتفت غاضبًا لأول مرة: “والله لأصكه وامشي.” فيكتفي الجميع بالصمت، ويعودون للمشاهدة. لا يبدو الجميع مستمتعًا، ولكنهم لا يخرجون، يستمرون في المشاهدة، ونيويورك تتكشّف في كل مشهد عن منظر جديد مثير وقذر. لقد اعتادوا أن يشتروا العرق الذي يصنعه حساويّ في البطحاء ويشربونه في عزبة في سكيرينة. معه تويوتا كورونا قديمة أعطاها له والده الذي اشترى له تويوتا ماريكتو، يعتني بها أكثر من نفسه، ويلفون بها شوارع الرياض منذ الظهر وحتى الثانية فجرًا. في الكورونا جامَع الفتاة الوحيدة التي عرفها، كانت تعيش في حلة القصمان، لهجتها نجدية ولكنها تقول إنها لا تملك جنسية، تعيش مع والدتها العمياء، لم تأخذ منه مالًا، وإنما طلبت منه أن يأخذها في جولة حول الرياض، وأن يفسّحها كما تقول، فخرجا منذ العصر، ومرَّا على أسواق الثميري والصفاة، واشترى لها حلقًا رخيصًا من القيصرية، ثم أكلا فلافل في السيارة على حافة الرياض في منفوحة، وبعد ذلك مارسا الجنس في المرتبة الخلفية، ولم يرَها بعد ذلك اليوم، ولكنه تذكّرها الآن وهو يشاهد كاس مع جو بلاك، وحينما وضع ذو اللحية المشذبة إبهامه على الضوء قفز غاضبًا في الظلمة ولعن وشتم وبصق بشكل جعل المكان يبرك في صمت ثقيل، لدرجة أن إبهام الرجل سقط، فظهر هو في الضوء، منتصبًا مثل وحش، وألسنة الدخان الثعبانية تتموج من حوله. “عسى ما شر؟” هذا ما قاله الرجل ذو اللحية المشذبة ببرود، ولكنه لم يرد، جلس صامتًا، وعاد الفيلم ليعرض، ولكنه فقد رغبته في الاستمرار، فخرج، وتبعه أصدقاؤه.
كان الوقت آخر المغرب. أخرجوا ثلاث سيجارات وأخذوا يدخّنون على الرصيف، وخمول مغربيات الحارات الهادئة إذ يشرب الأكثرية الآن قهوته في بيت العائلة يسيطر على المكان، وكل شيء يبدو نظيفًا له. هجولوا في الكورونا حتى التاسعة مساء، واقترح أحدهم: “خل نروح لليمامة طلعوا فلوسكم نشوف.” كان الفندق في مرحلة انحدار نسبية بعد وجاهة، ولكن ما زال يحتفظ بشيء من ألق. فيرد: “نظيف.” فيسأله: “يعني تبي شي وصخ؟” ولكنه لا يرد. يقطعون آخر شارع العصارات بالنوافذ المشرعة في آخر الصيف، وتنسحب من خلفهم القصور والمقاهي، ويفكر في أخيه الذي أخذ قرض الصندوق العقاري وذهب به إلى لندن.
كانوا يقفون في المقبرة بعد لحظات من دفنه، ويترحّمون عليه بتورط ودون انفعال. في آخر الستينات من عمرهم. وينقذهم أكبرهم: “الله يرحمه عاش حياته طول بعرض، فسق في شبابه ألين مل منه إبليس ثم تاب، وهه الحين بيحصل دنيا وآخرة، الله يرحمه.” فيردّ أحدهم متصنعًا: “يخوي ليتك ما جيت، هذا كلامٍ ينقال؟” فيبرر متفاجئًا: “وأنا وش قلت؟ دنيا وآخرة، من ما يبي دنيا وآخرة؟” فيرد: “إيه بس ما ينقال ذا الحتسي.” ويطرق لحظة، ثم يكمل: “مع أنّه والله فسق فسق الله يرحمه وقبل شهرين أشوفه المغرب في المسجد يقرا قرآن لين صلاة العشا.” فيتمتمون بما يشبه الغبطة: “دنيا وآخرة.”
خرجوا في تمام الساعة الثالثة والنصف عصرًا. كان خميسًا حارًّا. من الحارة تفوح رائحة المكيفات الصحراوية بقشها الرطب، وحساسية انعدام الحركة، وضمور القيلولة والنعاس الخفيف. صلوا العصر، ثم عادوا لشارع الحارة الضيق، حيث تفصل بين صفي البيوت المتقابلة قرابة ثمانية أمتارٍ فقط، وعلى ضفّتيهما تصطف سيارات الكابرس والهايلكس والكراسيدا والميتين إل موديلات 78-87، تتخلّلها عدة أشجار سدر وكافور ذات أغصان طويلة تقاوم الشمس العامودية بخيوطِ ظلال مقلمة. ملؤوا طشتًا بالماء، وأخذوا يرشّونه على الأسفلت الحارق ليبرّده، ثم بدؤوا يلعبون الكرة. هو وابن جارهم سطام وأخوه الأصغر ناصر، لحق بهم آخرون من أهل الحارة، عددهم أربعة، فصاروا بذلك سبعة. كلما تمر سيارة يتوقفون عن اللعب، ثم يواصلون. مع منتصف العصر تفرّقوا، ولم يبقَ إلا هو وسطام. كانوا في الثانية عشرة من العمر. السكة الأسفلتية ظلالية تمامًا الآن، وبرودة العصر تسمح للكافور والسدر أن تنفث رائحة أكثر رطوبة. يسيران على امتداد شارع الحارة الضيق نحو البقالة في الزاوية وهما يتحدثان، يخرجان أموالهما، ريال ونصف، ويبدآن في حساب ما يستطيعان شراءه، ويتفاجآن بالهندي وهو يشير إلى عجوز ضخمة خرجت تتمايل من المحل وتسير في امتداد الحارة ممسكةً بعباءتها تحت رقبتها وهو يقول: “عجوز خمسة ريال أنت هو.” فيشتريان ويكثران، بيبسي وكاكاو أبو ملعقة وريكو وتويكس. ويخرجان وهما يشربان ويأكلان متّجهان نحو الشارع الرئيسي. هنالك محل أشرطةِ فيديو عليه صورة فيلم رامبو الجزء الثالث، ويبرز منه سلفستر ستالون معضلًا مثل جبل. ولكنهما يتهيبان دخوله، ويتجاوزانه. يعودان من الحارات إلى شارع حارتهم. كان أخو سطام، سلطان، يقف بسيارته القراندي عند باب البيت، وينزل أسطوانتي غاز ثقيلتين. في أواسط العشرينات من عمره ويعمل في إدارة التعليم، متزوج ولديه ابنة صغيرة. يصرون على الركوب معه في سيارته. “عندي مشاوير منيب فاضي لكم.” فيرد: “نروح وين ما تروح.” فيقبل، ويركبان معه، سطام في الأمام، وهو في الخلف.
“يا خوي شغل لنا شي أنا حتى تلفزيون ما عندنا. شغل حمد الطيار.” “وش حمد الطيار أنت، تعرفه أصلا؟” “لا. خالي دايم يقول لأخوي صالح إذا تبي تذنب أذنب على سنع واسمع حمد الطيار فتكرشه أمي.” وضع سلطان كاسيتًا في المسجل. سأله: “منهو ذا؟” “طلال، خويي مسجلها في شقته في جدة قبل سنتين.” دقات عود. يجلس متعلقًا بين المرتبتين، ويحدّق في الطريق أمامه. موال. “على رصيف الوقت، ولهان ويتيم.” ثم يرتفع اللحن “لا قلت باكر، صار أمس، وتمر بي شمسٍ وشمس، تمر بي شمس وشمس، تمر بي شمس وشمس.” وفي الخارج تتلألأ واجهات البنايات والأسفلت مطلية بالضوء. يسأله: “الحين هذا طلال بن مداح؟” “مهوب طلال بن مداح، طلال مداح.” “وش الفرق؟” “الفرق كل زق واسمع.” “شط البحر، أكتب به حروفي نثر، أكتب به حروفي شعر.” يحدّق أمامه متعلّقًا بين المرتبتين، نحو شاشة الزجاجة الأمامية، حيث ينبسط شارع رث تصطف على جانبيه محلات تؤطّرُ ظلَّها في الشمس الصفراء وسط العصر. يسأله: “بتروح للشيشان؟” “أنت ما تسكت؟ وش يوديني للشيشان؟” “أخوي عبد الله له شهرين بيروح يجاهد في الشيشان وكل يوم الصبح يجيه مغص ويهوّن.” ضحك سلطان بأعلى صوته. “أمي تقول له: إن رحت بدعي عليك تطيح في حفرةٍ ما لها قاع. وأبوي يقول: بجي أجلدك ثم أمشي وأخليك مع الأفغان يلعنون سنسفيلك. فيقول: إخواني يُغْتَصبون فما أنا بفاعل؟ ثم يقوم الصبح وهو بطنه يوجعه ويهوّن ويفطر معنا.” أطرق لحظة وقد توقفوا عند إشارة، والظل يرسم في الشمس بنايات صغيرة وأشجارًا وشخوصًا وعواميدَ سوداءَ مثل الصبغة على الأسفلت المذهب. “جابه أبوي معه في الهيئة غديه يعقل لكنه جلد له مصري حرمته متحجبة في سوق الخميس؛ فجلده أبوي قدام المصري ألين عض الأرض. وقال له: ما لك دخل في أحد أنت إذا أذّن قل صلوا صلوا وبس.” فضحك سلطان مرة أخرى وهم يتوقفون عند عمارة تبنى. نزلوا معه. يوجّه عمالًا باكستانيين، سووا هذا وذاك واتركوا هذا وذاك، يسمي أشياء كثيرة بأسماء غريبة ومنحوتة وتعلق في الذاكرة ويبدو أن الرجال يعرفونها فقط، والشمس تلون وجهه النحيل وشماغه الأحمر المنسوف وراء كتفيه. عادوا إلى السيارة. صلوا المغرب في مسجد السوق، ثم ذهبوا إلى مكتب عقار، وجلسوا قليلًا أمام الرجل الذي كان يحادثه سلطان حول أمور أخرى ذات طبيعة محدّدة وتعلق في الذاكرة، قبل أن يملوا ويخرجوا، يركلون العلب المرمية ويتسابقون في شارع مكدّس بالمحلات المتقزمة بعواميد ضوء كثيرة تشتبك مع أنوار اللوحات فتمسح أي أثر لظل، وتختلط الأصوات في الخلفية مع الضوء ويمتلئ الفضاء بالموجات والإشعاعات في صخب غير مزعج ولا يمنع اثنين من الحديث بوضوح وخلوة بجانب بعضهما. وقفوا عند بقالة وتصفّحوا المجلات التي طُمست صور أجساد النساء فيها بلون أبيض، وأخذ يحدق في الأوجه الجميلة ويتصور منهمكًا بقية الشكل الذي يختفي وراء اللون الأبيض. عادوا إلى المحل، ورجم سلطان المفتاح عليهم وهو يزأر: “لعن الله أبوكم خذوه وانقلعوا.” فشغّلوا السيارة وصاروا يدخلون كاسيتًا وراء كاسيت، أغلبها جلسات أغانٍ يغلبها ضحك ونكت وسواليف، لم يعرف أحدًا منهم إلا طلال بن مداح، في أحدها يغني (تسعة وثلاثين عام)، ثم يضحك مع آخرين ويغيرها إلى (تسعة وخمسين عام) فيصرخون فيه ليعود ويغيرها من جديد بنبرة شبه ضاحكة: “تسعة وأربعين عام، ضاعت، وسط الزحام.” ومن ورائه صوت قانون يشبه المطر على الأسفلت، خافت وبعيد وطربي. حينما أذن العشاء خرج سلطان وصلوا في نفس المسجد ثم عشاهما في بوفيه على سندوتشات شكشوكة وبيض، وفي الطريق وضع كاسيتًا جديدًا، هذه المرة لشخص اسمه عمر كدرس. ولكن الشيء الذي علق في رأسه من كل ما سمعه وظل يكرره بنفس النغم هي الأغنية الأولى. “يعني ما يمديني أقول بكرة بسوي كذا أو كذا، إلّا يجي بكرة ثم يروح ثم يصير أمس.” شرحها له وهما في البوفيه، ولكنه لم يفهمها، وبدا له عجيبًا قصر الكلمة وطول الشرح. وراحت. وفي وقت ما من الليلة، سرد له سطام أحداث الحلقة التاسعة من مسلسل المال والبنون، وظل ينصت للأحداث، ويسأل عن السياقات والأسماء، ويتخيل الصور والممثلين، حتى عاد إلى منزله في حدود التاسعة، وتعشى مع أهله على الرغم من أنه كان قد دبغ ثلاث سندوتشات شكشوكة، ثم نام.
استيقظ في جافا تايم الساعة الثامنة صباحًا. كان قد وضع ابنته في جامعة الملك سعود لتجري اختبارها، وجاء ينتظرها هنا. طلب قهوة، وأخذ جريدة الرياض، رشف رشفتين من الشاهي، وقرأ خبرًا عن التحالف العربي في اليمن، ثم غفى ممسكًا بجريدته. رأى في غفوته سلطان وأخاه سطام، كانوا جميعًا يجلسون في مكان ما على طريق الغاط، في آخر العصر، ويشربون الشاهي. حينما تنبّه حدّق أمامه شاردًا وفاهيًا، والمكان تغمره الشمس مثل هالة رقيقة، ويفكر متعجّبًا: “وش جابهم ذولي الحين؟!”
“ليش مثل ما أقول لك تجي نوسع صدرنا جميع، أقول لك تجي نحزن جميع؟ مزاجي الليلة كدر، طريق سريع في ليل، هواجيس وشوية سواليف، ودخان وقهوة. حزن المدن في سكك الأسفلت والإسمنت والحديد والقزاز، ومسافات الهجولة البعيدة بين العماير والبنيان من السويدي إلى صلبوخ. ترى تقدر تضحك مع أي أحد، بس ما تقدر تحزن مع أي أحد. تعال.” يقرأ الثوتة في باث، بتعبير حيادي، ثم يغلق الجوال، ويعود.
أصوات خطوات واحتكاك ملاعق في صحون وهسيسُ كلام متداخل. دائرة الضوء الأصفر فوق طاولة الخشب. يؤكد: “اللعبة خرافية.” يسأله أحد أصدقائه الأربعة الجالسين في مطعم فريدريكرز: “ما مرت علي. وش قلت اسمها؟” فيرد: “لونغ دارك، مهيب مشهورة، لكن عجيبة وحلوة، أفضل لعبة سرفايفل ممكن تلعبها، فيها شوية رعب بس أحلى شي التشويق والصعوبة، ثلج في ثلج وكلش صعب، ودايم شوي وتموت، وتطلع من مكان لمكان وتقابل واحد غريب. كذا مزاجها مختلف.” ينقطع الحديث. يأتيه تنبيه على جواله، رسالة في الباث من سهام، يقرؤها: “تخسي.” فيكتب بسرعة: “تخسين أنت.” يفتح صفحة الباث وتويتر وإنستغرام، لا جديد، يخرج. ويعود. صديقه يتحدث عن الجزء الجديد المتوقع نزوله العام المقبل من فار كراي. ينصت، ثم يقول أحدهم: “أحد منكم لعب نايت واتش؟” يهزون رؤوسهم نفيًا، فيكمل: “مدري شتبي، واحد يتوظّف مراقب في صحراء بأمريكا، ويقعد يدوج هناك ويسولف مع وحدة اللي في برج المراقبة، وأنت تمشي تقدر تأشر على أي شي وعندك خيار تسألها، وتختار الردود اللي حطينها لك معصب وإلا تنكيتي وإلا رسمي.” يسأله: “طيب وبعدين؟” فيهزّ كتفيه: “مدري، وبس، تبتل كذا.” ثم يضيف: “الرسم خرافي، عجزت أخليها.” يصمتون عدة لحظات. يخرج جواله مرة أخرى، يشيك على تويتر، مقطع لفتاة تصور نفسها تمشي تحت الشمس. يخرج. يفتح رسائل الباث، ثلاثة أشخاص لم تمسح رسائلهم بعد، يمر بإبهامه عليهم متخيرًا، ولكنه يخرج إلى واتساب، ويختار اسم مها ويكتب: “شفتي شي حلو في دبي وإلا الأفلام داجة؟” ويخرج، يذهب إلى إنستغرام، يرى صورة لرامي في فرع تشيليز في الخبر، يضع لها إعجابًا ثم يخرج ويقفل الجوال، ويعود. كانوا يتحدثون من جديد.
يسيرون حينها في طريق الملك فهد حينما أطرق واعتراه صمت شارد، وهو يحدّق أمامه بين دفتي الإسمنت والنور التي تنكفئ على الطريق المكتظّ بعلب السيارات وخطوط ضوئها الكاشحة، ويهوجس. يركب في المرتبة الأمامية من سيارة صاحبه السوناتا التي اشتراها له والده قبل شهر بعد نجاحه في الثانوي. يظل صامتًا ويحدّق، وينزعج متململًا، فيحاول العودة، ولكنه لا يستطيع، شيء ما حدث، ويحس الآن إثره بخمول وضمور. يفتح جواله، وهم يتحدثون. تويتر إنستغرام باث واتساب. سهام لم ترد، نهى لم ترد، صورتان جديدتان في إنستغرام، لايك. يخرج، ولكنه لا يعود. ينتبه لصوت ينطق اسمه: “كم شريت ذاك السيف؟” يفكر لحظة، يجيب وهو لم يعد بشكل كامل: “ما أذكر، بمية أو مية وخمسين ما أذكر.” “مثل حقات الساموراي؟” “أها.” ثم يقول: “ملينا خل نسمع شي.”
يسيرون في التخصصي، وتنطبع أضواء المحلات والبنايات على النوافذ مثل رسمة ذائبة، فلا تظهر أوجههم، وإنما قسمات غير واضحة تختلط بتصاوير انعكاس أضواء المدينة، وحينما ينسحبون إلى أول طريق تركي الأول تختفي الأضواء التشكيلية المنعكسة، ويظهرون من خلف نوافذهم منطفئة الضوء واضحين وباهتين وقد أرجعوا مرتباتهم، وبدا على مظهرهم استرخاء متبطل، ومتورط، ومن سيارتهم يصدر صخب يرتفع حينًا ويخفت حينًا بحسب السواليف المجزأة، من رابح صقر إلى فيفتي سنت. يكسِرُ النمط بأن يسمعهم أغنية ذا لونغ دارك من تريلر اللعبة. نبرة غموض في البداية، ترقب، برودة ثلج وتلصص، ثم صوت المغنية، يثير إحساسًا معمقًا بالغرابة والغربة، وهم يخترقون الطريق، وتعود لتنطبع على نوافذهم أضواء شارع الملك عبد الله وتحجبهم من جديد. تعيد الأغنية نفسَها، ولا أحد يعترض، جميعهم على جوالاتهم، إلا هو. يصله تنبيه، فيرفع جواله، رسالة واتساب من نهى، صورة لها وهي تقف مبتسمة أمام صالة سينما، وتخرج لسانها بحركة استفزازية، وفي الخلف لوحة كُتب عليها (The Big Sick) يحدّق في الصورة، لسانها مدبب وأحمر ولزج، عيناها عسليتان ومكحولتان، ذقنها عريض وأنفها بارز، منابت شعرها المتفتقة من صفحة جبينها تبرز تحت الحجاب المنحسر للخلف. فوق هذه الصورة سيلفي آخر لها بشعرها المنسدل على جزء من وجهها، بينما يلمع الجزء الآخر عن ابتسامةِ إغراءٍ غير متقنة، وفوقها سيلفي له وقد صحا للتو من النوم بشعر منكوث. يكتب: “واضح أنه فيلم بنات”. ويضع إيموجي الـ Unamused. يغلق الجوال، ويعود، الأغنية في نهايتها، يطفئها من جواله، ويحل صمت، يخترقه صوت السيارة والهواء. ثم يتحدث أحدهم. يتَّئِدون المشي على طريق عثمان بن عفان الواسع، معظم المحلات أُغلقت، وحلت عتمة على دفتي الطريق المتباعدتين، ولم يعد هنالك سوى أضواء عواميد الكهرب، التي تقف محدودبة وكأنها تحاول بكل تركيزها أن ترى الأشخاص الذين يجلسون في العلب المستطيلة المتمشية ببطء وتبطّل تحتها.