لا أذكر وجهها جيّدًا، ولكنّني أذكر الأثر الذي يحدثه في نفسي. كانت كالشيء الذي وُجد مع المدينة، الجسد الذي تشكل مع الحديد والصلب والطرق، وكأنها خلقت شيئًا على هيئة مسنة ويصعب تخيل أنها كانت في يوم ما صبية تركض بين سواقي المزارع ونخيلها. وربما لم تكن، فلا أحد يتذكرها صبية، كل من يمكن أن يتذكرها مات. منذ أن كنت طفلًا، كانت هي عجوزًا، نراها يقظة حتى منتصف الليل، ونراها يقظة في الفجر، وكأنّها لا تنام، تسهر مع النجوم ومخلوقات الأرض والملائكة في السماء. جلدها الذي يشبه ملمسُه الورق بطبقات متهدّلة مثل تعرجات ماء في الريح، وعينها المتفحصة مثل ثلمة تلصّص في جدار. كانت منذ أن عهدنا المكان في ربعتها تلك، في ذلك الملحق، بجانب مشبّ النار الحجري. تعرف الجميع، ويعرفها الجميع. وحينما سمعتُ أنها ماتت، لم أصدق أن شيئًا عتيقًا إلى هذه الدرجة يموت بهذه البساطة.
تسألني: وين وصلنا؟
فأردّ: ما بدينا عشان نوصل يا أم ناصر.
وش قعدنا نسوي أجل؟!
نسولف.
أجلس أمامها في زاويةِ ملحقها الصغير، بجانب المشبّ المشتعل بالنار ظهرية شتاء قارس، قبل قرابة أربعة عشر عامًا في عطلة نهاية العام الدراسي. تغطّي وجهها بشيلة خفيفة مثل عذر واه تستبين من ورائها ملامحها.
تطرق قليلًا، ثم تقول: هالرّسالة برسلها لعبد المحسن، توه ماخذ الدكتوراه. أبيك تكتبها زين.
بكتب اللي تقولين لي.
فتنهرني بغضب تقريبًا: لا! أبيك تسمع مني، وتكتب زين. تكتبها بطريقتك.
أسمع من الملحق أصوات إخواني الصغار يلعبون في الشارع تحت السماء الغائمة، والقلم يرتخي هواءً بين أصابعي. تعيش أم ناصر في البيت الملاصق لبيتنا في الديرة، ومن نسلها تنحدر –تقريبًا– قبيلة جديدة تقف لوحدها في سلسلة التطور البشري، وتكاد لولا الخجل أن تتسمّى باسمها، حتى إنّ شخصًا يسأل: “من ولده سويلم ذا؟” فيرد آخر: “من عيال أم ناصر.” ولا يجد أحد حرجًا في تلك الإجابة، بل إنهم لو حاولوا بما فيه الكفاية، لنسوا زوجها الذي توفّي قبل عقود، مثلما نسوا كيف كانت صبية في يوم ما.
ظلّت صامتةً وهي تجلس متربّعة، مثل كاهنة أمام جذوة نارٍ. ثم سألت بحركة استفسارية بيدها: “وش أقول؟”
كانت متردّدة. قلت ساخرًا تقريبًا: “أنا أدري عنك.”
ليست هذه أول مرة تستدعيني لأكتب رسالة تبعثها لأبنائها، منذ أن كنت صغيرًا –صديقًا لحفيدها رجا– وأنا أكثر من يكتب رسائلها لثلاثة من أبنائها ابتُعثوا في أصقاع الأرض، وعادوا بقصص وذكريات وديون دون شهادة يعلّقونها على غرة أسمائهم، حتى إنّ أحدهم عاد بامرأة أجنبية تحمل لون السماء والبحر في عينيها عاشت معه عامًا في الرياض –وزارت الديرة ذات مرة كاشفة وجهها– ثم رجعت من حيث أتت، وبقيت قصصها –ذات العينين السماويتين– مثل الأساطير بيننا، حتى إنّ عمي –الذي دلّها على الطريق وقد خرجت تتمشى– يقول إنه شاهد سمكًا في عينيها، وقوارب، وأمواجًا، ولو أمعن النظر فربّما رأى مئات الصيادين الذين علقوا في بحر عينيها.
المهم.
بدأت سالفة الرسائل على ما أذكر بعدم توفر من يكتب لأم ناصر ذات يوم، فأخبرها رجا أنني دودة كتب، ما جعلها تستدعيني –وكنا ندخل ونخرج عليها مثل ذلك الشيء الذي خلق مع المكان ومشرع للجميع– وتطلب مني أن أكتب.
ولكن هذه بالذات كانت مهمة استثنائية لسبب ما، إنها رسالة لمحيسن كما كانوا يسمونه تحبّبًا أو استحقارًا، طفلها المفضّل الذي جاءها على حين كبر، الناجي من الفشل، الأستاذ الجامعي ذو الوجاهة، الذي يخطّط لأن يكون فيلسوفًا وقامةً ثقافيةً تشمخ فوق ديرته التي تركها منذ خروجه وعائلته التي لا يزورها إلّا مرة في السنة، والذي يخطط –كما كنت سأكتشف بعد قليل– لشيء أثار غضب والدته التي لا تكاد تغضب منه أبدًا.
قالت أخيرًا: ابدأ بالسلام والصلاة على الرسول أول شي.
فرددت: كتبتها.
تشبك أصابعها في بعضها، وتحدّق مائلة إلى الأمام، تقترب من الأرض. ولوهلة ظننت أنها ستسجد وتنبثق أشباح وأطياف من مؤخرة رأسها، بل إنني حدقت في البقعة التي تميل نحوها، ربّما ترى فيها كل ما حدث وما سيحدث. ولكنها اعتدلت، وظهرت مثل أمّ مسنة ليس أكثر.
قالت: قل له إن لي فترة ما عاد أنام، أنسدح بالساعات ولا أنام، الظاهر طول العمر طيّر النوم عني وما بقى لي منه إلّا غفوات وسط كومة هواجيس، ولا تصيد هواجيسي إلّا أنت، البعيد عني، أفكر بك وأنا أشوفك في ظلمة العين والليل، وش تاكل وش تشرب وشلون عايش، وإذا هاجت بي الذكرى طمنت روحي أنك بتعوّد باللي ما عوّد به أخوانك، وأن ذا السنين اللي قضيتها هناك بتروح ولا ترجع.
كتبت كلامها لأنسخ منه بمزاج، لقد بدا جيدًا وشبه جاهز، ولكن هذه رسالة خاصة كما تصرّ بعناد. أطرقتُ قليلًا أقرأُ وأفكّر. وبعد لحظات التَمع سياق واضح في ذهني فبدأت أكتب: “طُول العمر يقتطع ديمومته من النوم، ويذر ما اقتطعه مساحةً للهواجس. أُغمض عينَا الجسد ولكنَ عينَي الروح مشرعتان للقلق، أفكر فيك، أنت البعيد القريب، وأتخيل رسم وجهك في ظلمة العين والمكان. ماذا تأكل؟ وماذا تشرب؟ وكيف تعيش؟”
كانت معتادة على وقفات التريث وأنا أمسك القلم وأكتب أو أنتظر، فتنتظرني بأناة وصمت، وكلانا منحنيان على جذوة النار الوهمية بيننا.
أكملت: “فأسهر في مواجهة هواجس تكبحها طمأنينةُ أنك ستعود بما لم يعد به إخوانك، وأن كلّ سنوات الغربة الطويلة هذه ستنصرم لتكون هي التي نتذكرها، وقد ولّت بلا رجعة.”
كانت تحدّق أمامها بصمت، متربّعة بالهيئة ذاتها. زخّات مطر خفيفة بدأت تضرب في سطح المكيف الصحراوي والشينكو المصفوف فوق مدخل الكراج. وأصوات الأطفال ما زالت تدخل مكمّمة من الخارج، يبدو وكأنهم يتشاجرون ويتضاربون، أذكر أن أحدهم يلعن أم الآخر والآخر يلعن أمه وثالث يقول لا أحد يلعن أم الثاني فيلعن الاثنان أمه فيلعن أمّهما.
قالت: اكتب أني من سنة ما جتني صورة لك ولعيالك، وآخر رسايلك ما فيها صور. أبي أشوف وجهك ووجيه عيالك، تغيرتوا وإلا ما تغيرتوا.
“مر عام دون أن أرى صورة لك ولأبنائك، وقد جاءت آخر رسائلك محبّرة بأخباركم ومجدبة دون ملامحكم. أريد أن أراكم، وأن أرى ما تغير فيكم.”
رفعَت رأسها نحوي، وقالت بنبرة تواطؤٌ صارمة: الحين، أبيك تسمع اللي بقوله زين، ثم تكتبه بطريقتك. تكتبه زين.
رددت مترقبًا: أبشري.
ولكن هنا، في المسودة التي كتبتها، انقطع كلامها الذي كنت أسجّله لأنسخ منه. ولم يعد هنالك إلّا الكلام الذي كتبته.
أذكر المشهد ضبابيًا. أذكر أنها كانت جادة في ما تقول، إلى حد مؤثّر. “لا تكتب شي، بس اسمع اللي أقوله، كلمة كلمة، ثم اكتب مثل ما ترى.” تحدّق فيّ بعناد وكأنّها تخاطبني، وكأنني المعني بما تقول، لدرجة أنني ارتبكت في جلستي تلك، “تكلمني ذي وإلا تكلم ولدها؟” وكأنها تخاطبه فعلًا من خلالي، وكأنّنا جميعًا من يدرس الجامعة ويقرأ الكتب ويجيد الكتابة من طينة واحدة، أو كأننا فعلًا في جلسة استدعاء روحاني نتّصل فيها بالبعيد وتستخدمني للوصول إليه، وفي عينيها اللّتين تلمعان وراء الشيلة الخفيفة إصرار تسعين عامًا تحمل أثرها على وجهها وجسدها وصوتها، وهي تخاطب ابنها من خلالي بانفعال مسيطر عليه.
أنصتُّ لما قالته، ثم أطرقت طويلًا، ممسكًا بالقلم، وكتبت.
“وإنني سمعتُ أنّك تنوي المقام، ربما طمعًا في المزيد، أو ركُونًا إلى حياة استمْرأتَها، أو نكوصًا عن وعودٍ قطعتها، أو هربًا من دارٍ شنَأتها وأواصرَ صرَمْتها. فإنني أهيبُ بك أن تقعَ في سَرَف الطموح، وأن تُوغلَ في غيّ الترقّي، وأرجُو أن تفهمَ أنّ في الحياة منزلةً يتساوَى فيها أعظمُ الملوك وأفقرُ الخلق: لقمةٌ سائغة، وبيتٌ قائم، ومعيشةٌ رضيّة، وحبٌّ صادق. فما ترومُ بعد ذلك إلّا ما لا تلحَق، وما لا يُشبِع، وما لا يُشبَع. فاقنعْ بما بلغَتْ إليه غايتُك، وازهدْ عمّا تُغويكَ به نفسُك. وعُدْ إلى من يسألُ عنكَ إذا احتجَبْت، ويبادرُك إذا صمتّ، ويحيي ذكرك وذكراك إذا غِبْت. ولأن أجلَّ القناعةِ يكُون عندَ الغِنَى، وأعظمَ الإقدامِ يكونُ عندَ الأمَان، وأرفعَ العفْو يكون عند المقدرة، ولأن العاجزَ أكثرُ من يُؤمِن بالغِيَر والقادر أكثر من يأْمنُها، فإن أصعبَ قرارٍ تتّخذُه يكونُ في عزِّ قوّة نقِيضِه، وأعسر قفزة تكونُ وأنت في ذروةِ الثّبات. فلا تركَنْ إلى إغْراءِ الإيغالِ في ما أنتَ فيه. ثم ماذا تريدُ أكثرَ ممّا نلْتَ؟ ستظلُّ ابنَ أبيك وأمك، حبيسَ الأرضِ، معرّضًا للشّطَط، لن تملكَ نجمًا في السّماء، وستُفيقُ كلّ يومٍ بشرًا، وتحيا الدّهرَ ناقصًا. إنّ الإفْراطَ في طلبِ المزيدِ مواربةٌ للغفلة، والحثّ وراءَ التُّخمةِ طلبٌ للخَوَار والعَجْز. وعلى الإنسانِ أن يَكتسِبَ مهارةَ الكَفّ، وأن يُغذّي فضيلةَ الاكْتفاء. واعلم أن الجَاهلَ يتساوى مع العَالمِ في ما لا ينفعُ فيه العلْم، ويتَمَاثلُ الشّجاعُ والجَبانُ في ما لا يدفعهُ الإقْدَام. وأنّ الله أوْجدَ لكلّ شيء حدًّا، وربطهُ بالعِللِ والغَايات، فما ينفعُ المرءَ إقدامٌ دونَ هَدف، ولا مالٌ دون غَاية. فما غايتُك؟ وإلى ماذا تسعى أبْعدَ ممّا وصَلتَ إليه؟”
أذكر جيدًا أنّني كنت أريد أن أخبرها من هو محيسن ولدها، لقد بدا أنني أعرفه أكثر منها، أو أنها تعرفه أكثر مني ولكنها لم تكن تفهمه، لم تكن تفهم كيف يفكر، لماذا كان ينفر منّا جميعًا. أو ربما أنها لا تعرفه فعلًا، لا تعرف أن ما يريده مختلف عمّا تظنُه، وأن ما يسعى إليه لا يمكن تحديده وفق معاييرها، وأن مفهومه عن الحياة الجيدة والالتزامات العرفية والأخلاقية وربما العاطفية لا يشبه شيئًا ممّا تعرفه. أو ربما أنها تعرفه وتفهمه فعلًا، وأن هذا الكلام يناسبه تمامًا. كل ما يمكنني قوله هنا إنني أذكره وأنا طفل، يظهر دائمًا وهو يتأبّط كتابًا، ضخمًا ووسيمًا وشامخًا مثل شيء لا يشبه غيره في المدينة الصغيرة. وحينما اختفى، اختفى جميعًا، بذكره وحضوره. من هو محيسن؟ إنه شخص لا ينتمي أصلًا إلى هذا المكان الذي تدعوه إليه ولا إلى الحياة التي تريدها له، بل ربّما لا ينتمي إليها. إنها تخاطب شبحًا. ولكنني ظللت أكتب.
“وأخيرًا، يجبُ أن تعلمَ أنّ الحبَّ درجاتٌ ومسَالِك، وأنّ إصرارَ الإِلحاحِ دالٌّ على فَرطِ الاكْترَاث، وأنّه على قَدرِ الاكتراثِ تتَحدّدُ درجةُ الإصرار، وأنّ المُحبَّ حبيسُ حلقةٍ مُفرغة، وأنّ ما يُبديهِ من مُكابدةِ ألَمِ فراقك يجبُ أن يَمسحَ كُلفةَ ضِيقكَ به. فليس كل من أحبّك صَدَق، ولا كلّ من صَدَق تأبّد. والله يُوزّع الحبَّ مثلما يُوزّع الرّزق، فعليك أن تشكُرَ فضِيلتَه بالقُرب، وأن تُداريَ حظْوتَه بالدّنوّ، وأن تُكافئ وفْرتَه بالزُّلفى، وأن تكافِحَ ملاَلَتَهُ بإدراك نِعمتِه، وتَصوُّر نقيضِه. وكلّ رزقٍ غير محمودٍ معرّضٌ للزوَال، فالعُمر كفيلٌ بأن يُبليَ خَلجَات القلب ويُحيلُ الدّمَ ماءً. حتّى دمُ الأمّ والإخوان والعَشيرة. وإنني أُشفقُ عليكَ أن تَبنيَ مَنازلَ في قُلوبِ من جَاوَرتهم عقودًا، لتَذَرها عرضةً للزمن تَبلى وتخرب سعيًا وراءَ ما لا يُلحَق، وما لا يُشبِع وما لا يشبَع. فكُفّ عمّا أنتَ فيهِ من غيٍّ، وعُدْ.”
انتهت الرسالة.
قلت لها آنذاك إن عليّ أن أنسخ المكتوب في ورقة جديدة، كنت أفعل ذلك كل مرة، ولذا جلست أعيد كتابتها في زاوية ذلك الملحق، والنار تحِسّ من المشب، وتبث دفئًا تختلط رائحةُ حطبه برائحة القهوة والمطر.
لم أكتب رسالة أخرى لأم ناصر، لم أعد أجيء إلى الديرة إلّا نادرًا بعد أن تخرجت من الجامعة وتوظفت معيدًا فيها، وأظن أنني رأيتها مرة أو مرتين بعد ذلك. كل ما أعرفه أن محيسن –الذي لم يصبح فيلسوفًا وقامة ثقافية وعاش حياته أستاذًا جامعيًا بعدة بحوث وكتب– قرر الجلوس هناك عامًا أو عامين، لا أذكر، ثم عاد ليعمل محاضرًا في جامعة الملك سعود.
مدّوا لأم ناصر خطّ تلفون أخيرًا، وصارت تقضي اليوم كاملًا في محادثة أبنائها وأحفادها المتفرّقين في أصقاع البلاد، ثم توفّيت بعد ذلك بسنتين أو ثلاث سنوات. لا أذكر أيضًا متى بالضبط.
ما زالت المسودة لدي، احتفظت بها مثل عادتي في الاحتفاظ بكل شيء.
في دولاب غرفتي في بيتنا القديم كراتين من هذه الخردة كما كانت تسميها أمي. وأغلبها خردة فعلًا. كانت تخبرني في مكالماتنا أن خردتي هذه ما زالت على حالها، تركَتْها كما تركتُها.
حفظت لي غرفتي كما هي، منذ أن درست الجامعة وحتى تخرجت وتوظفت معيدًا وبقيتُ أعمل هناك في الرياض، ظلّت غرفتي محفوظة كما هي، ربما لأن أحدًا لم يرغب فيها أصلًا، كانت في السطح، اعتدت أن أبسط فرشة وأجلس هناك أقرأ أو أغفو تحت النجوم والغيوم، وأسمع أصوات المدينة مثل وسوسة الشياطين. أو ربما تركَتها كما تركتُها لأنها ظلّت تتوقّع أنني سأعود يومًا. ولكن هل يُعقل أن أعود؟ لم يكن هنالك مكان كبير بما فيه الكفاية ليحتويني هنا.
الوقت شتاء، منزل أم ناصر مهجور منذ أعوام، لم يُبع ولم يُسكن. وبيتنا أيضًا مهجور منذ وفاة والدتي قبل عامين، ولكنّنا سنبيعه خلال أيام. بعضنا جاء ليأخذ أغراضه في أوقات متفرقة، صادفت في المنزل أختي سارة مع زوجها، ولكنها رحلت البارحة، ونمت أنا هنا. نزلت فجرًا أتمشّى في حوش البيت. كل شيء بدا مألوفًا، مشابهًا بطريقة مربكة تقريبًا لتلك التمشيات التي كنت أقضيها مراهقًا في العطل، حينما كنتُ أنام وأصحو متى اشتهيت. الشمس لم تتغير، ما زالت تشرق بالطريقة ذاتها. والسماء لم تتغير، تعكس درجات النور تدريجيًا بالطريقة ذاتها. والألوان والضوء، وكيف ينسكبان على كل شيء بالطريقة ذاتها. والمناخ، ما زالت نسمة تهب لطيفة مع البكور من فجوة الشمال. الحوش أيضًا، تغير ولكن ليس كثيرًا. عواميد الكهرباء في الشارع، لم تتغيّر تقريبًا، إنها أقصر الآن، وكأنها شاخت وشَمَرت قليلًا. البلاط، الجدران، بعض الحفر والخدوش. بل حتى الباعوضة النشبة هي نفسها لم تمت أو ترحل منذ خمسة وعشرين عامًا، متأكد من ذلك. كل شيء يتجاوز درجة الألفة التي نفحص بها الذكريات عادة، إلى حالة أعمق لسبب ما. لدرجة أنك لوهلة تبدو وكأنك أنت أيضًا لم تتغيّر، وأنك ذات الشخص الذي كنته، وتمرّ الوهلة أطول من المعتاد، وتتواطأ معها بمهارةِ ونضجِ المتفحّص الفضولي، وتصل إلى نقطة تكاد أن تلامس فيها ذاتك القديمة، فعلًا، يكاد الزمانان بما يشملانه -المكان، المحسوس، أنت- أن يشتبكا في بعضهما ويذوبا مثل الثلج. ثم تنسحب اللحظة. وتدرك فجأة السبب وراء أن تلك الرسالة بدت وكأنها موجهة لك. ربما أنت محيسن ولكنك لم تكن تعلم. ربما كانت تلك العجوز تخاطبك أنت فعلًا وقد كنت على وشك التخرج معيدًا في الجامعة، تتأبط كتابًا دائمًا، ضخمًا، وربّما وسيمًا في أعين المتسامحين النادرين وشامخًا في عين رضاك الأندر، وحينما اختفيتَ من الديرة اختفيت جميعًا!
هنالك رسائل أخرى في دولاب الخردة.
هنالك مثلًا مسودة رسالة من خادمتنا المصرية سعاد لعائلتها، قبل قرابة سبعةٍ وعشرين عامًا.
“…أخبروا الولد صالح، أنه لو باع الدكان فلن ينجيه السفر إلى الإسكندرية، وعليه أن يجد أرضًا ليست تحت تحكم الله ليهرب إليها، ولأن كل الأرض تحت حكم الله فإنني سأجده أينما ذهب. قولوا له أن يروح للمريخ، وحتى هناك ربّما ألحقه.”
الدكان شراكة بينه وبين والدته، لا أذكر ماذا كان يبيع فيه. أعرف صالحًا وكأنني أعرفه فعلًا من كثرة ما يطرأ في رسائل أمهأمأمه. كان من نوع الرجال الذي حتى حينما ينجح، فإنك تكاد تشم فشلًا ينتظره. أغلب رسائلها تبتدئ بحديث موجه إليه، على اعتبار أنه أكبر أبنائها. لقد هدّدته مرة في رسالة أنها ستحيله من صالح إلى صالحة، وفي أخرى قالت إن لا أحد سيصدق شخصًا لا يستطيع اللحاق بلسانه، إشارة إلى طوله وكثرة هذره، وحينما كانت تكلمني عنه تقول إن هذا الولد مثل القدر أتى إليها بفضيلة وورطة، أما الفضيلة فزوجته الطيبة وأبناؤه الذين يشبهون الملائكة، وأمّا الورطة فأنّه ابنها. ولأنّه أحمق، فإنها ستظلّ متورّطة به إلى الأبد، فالحمقى يعمرون غالبًا، متى آخر مرة رأيت أحمق توفي صغيرًا.
المهم.
كالعادة، تتغيّر نبرة الرسالة القصيرة موجهة إلى بقية العائلة:
“…شوقي إليكم لا تحده مسافة. ليتكم ترون ما أراه في أحلامي. أخبرت أم سعود أنني لا بدّ أن أعود، ولو لشهر، فوافقت لي على شهرين. سأسافر خلال أسابيع. الدنيا لا تسعني، وجسمي يتنمل من الشوق، وعيناي تدمعان من الترقب. كنت سأسألكم عن أخباركم، ولكنني سأسبق رسالتكم إلي، إن شاء الله.”
هذا كل ما بقي من المرأة التي عاشت بيننا قرابة خمسة عشر عامًا، مسودة رسالة لعائلتها. لا أعلم أين اختفت بقية الرسائل التي كنت أكتبها لها، ربّما لم يكن هنالك مسودات، ربما لم أكن في حاجة لأن أنمّق كلام سعاد لعائلتها لدرجة أن أعيد كتابته مرتين. أما في الذاكرة، فتطرأ سعاد أكثر من مجرد رسالة، ولكن أيضًا في مشاهد لا تعادل السياق الضخم الذي قضته في بيتنا، بضعة مشاهد وصور مقابل خمسة آلافٍ وأربعمئة يومٍ.
وهذا مأزق الكتابة والذكريات. نعم يتّفقان في أنهما نتاج معرض للزيف والتشوش والتقمص، صحيح، ولكن أخطر ما يتفقان فيه جوهريًا: الاختزال. لأنك لا يمكن أن تكتب حياة كاملة، كما أنك لا يمكن أن تتذكر حياة كاملة. هذا جوهر كل المشاكل الأخرى. ولهذا ترتبط الكتابة بالتذكر، إنهما انتقاء لتصورات مختزلة وسط سياق طويل، طويل جدًا، لا يمكن رصده أو تأريخه، واختزالُه هو ما يسبب غالبًا ربكةَ وتشوّشَ انطباعاتنا حول ذكرياتنا.
لحظة التمشي تلك في الحوش مثلًا، حينما بدت السماء مثل السماء في عُطل مراهقتي، والألوان مثل الألوان والضوء والمحسوس مثل الضوء والمحسوس، اختزال لطيف لسياقٍ حياتيٍّ طويلٍ، كنت أقضيه في بيتنا أثناء العطل الطويلة. السياق كان يتمثل في الفراغ تقريبًا، وهو عنصر لا يمكن القبض عليه بسهولة. المسؤوليات المحدودة، اللّا مبالاة، التسكع، قلة الاهتمام، الطموح المسحوق، الفوضى، الصياعة، الأخطاء. والوقت، الوقت الفائض، الطافح، المبذَّر، الموغل في طوله وثقله. والذهن الصافي إلى درجة جوفاء مثل الصداع. ولأن الفراغ مرتبط غالبًا بالروتين الذي يؤطره، فإن الأخير يتشكل وفق عادات فضفاضة لا تلتزم ضرورة بنظام صارم بقدر ارتباطها بمزاج فوضوي. وهذه مهارة فريدة، التحكم بالروتين وفق الفوضى، مهارة لا تنجح دائمًا. مشوار التمشي الكسول غير المثمر صباحًا لا يحدث يوميًا، ولكنه ممكن، يحدث متى سمح المزاج بذلك. ومثله الإفطار مبكرًا إما في بوفيه لم يذب الصمغ من أعين عامليه بعد أو أمام فيلم طويل في جهاز (الفي سي آر) القديم يمتدّ مثل نهار. لا تحدث دائمًا، ولكنها طقوس متوفرة في قائمة اليوم. إلا أن الفراغ يظل منذرًا بالخطر، تحتاج معه لممارسات ثابتة، تمنحك نوعًا من الجدوى. ولذا، تتفرغ للقراءة بعد الفطور، نوع من النشاط العقلي. تتبعه ساعات أخرى للكتابة، نوع من الإنجاز. ولكن، هل هذا يكفي؟ يكون الضحى قد انتهى، وارتفع أذان الظهر. ترمس قهوة مع والديك، ثم غفوة سريعة، يتلوها الغداء مع خروج إخوانك الكبار من العمل، وجلسة خاثرة برؤوس ناعسة أمام التلفاز. ثم العصر. يجب أن تقضي العصر في الخارج دائمًا. المشاوير، الاحتياجات الشخصية والمنزلية، التسكع، اللعب، التكيات، التنقيب عن انشغالات نوعية مناسبة. الشمس تتحول كرة ذهبية فاقعة اللون، الأسطح يدهنها مزيج من فيء الأصيل ولمعة الضوء. الحرارة ترقّ صيفًا، وأحيانًا تهب نسمة لطيفة من مكان حنون. ربما مسكةُ طريق. أسواق. ساعة أو ساعتان في جلسة تطلّ على شارع مسكون بالحركة بعدة زقارات وشاهي تلقيمة. ثم المغرب وجمعة القهوة. ثم سهرة العشاء، طلعة أو تكية، أفلام أو مباريات أو كتب أو كتابة، أو جميعها في الليل الذي يلتهم نصف اليوم.
هذا السياق الطويل، الذي يمثل صلب تلك الذكرى المسترجعة، لا ينبثق من الذاكرة، كلّ ما ينبثق من الذاكرة هو أثره المحكوك المعالم، عصارته المختزلة في تمشّي الحوش، وهو ما يدفعك للتفكر في هشاشتك، في أنّك مجوّفٌ لدرجة أن الذاكرة تجعلك تبدو وكأنك لم تعش إلّا عدة ساعات على امتداد شبابك، أين كل ذلك الزمن إذًا؟ كل ذلك السياق المعاش الضخم؟ وكأننا كبسولات، ولو أن قوة عظمى أرادت التحكم بنا، فإن من السهل أن تسيطر علينا وفق ذكريات مختلَقَة على شكل كبسولات مختزلة تكفي لتصنع ذكرى حياة كاملة ربما لم تكن!
الكتابة تفعل الشيء نفسه، تختزل أكثر ممّا ترصد، وتلتقط أكثر ممّا تجمع. وهذا ما أفعله الآن، هذا ما تفعله هذه القصة، اختزال لسياق ضخم.
أعني ما الذي تعرفونه عني؟ هل لدي امرأة؟ أبناء؟ هل أنا طيب؟ هل أسهر أكثر ممًا أنام؟ وهل أفكر أكثر ممّا أفعل؟ هل أنا قوي؟ ضعيف؟ حركات جسدي؟ صوتي؟ طريقة كلامي؟ أنتم أصلًا لا تعرفون اسمي!
ولكن هل هذا مهم أصلًا؟
بإمكان أي كاتب –الجيد تحديدًا– إضمار الكثير، وترك مساحة للقارئ –المتعجرف تحديدًا– أن يستكشف ضاربًا حائطًا تلو حائط دون الوصول إلى نتيجة قطعية. تمامًا مثل الذاكرة. أعني من هي أم ناصر فعلًا؟ لا أذكر وجه المرأة أصلًا، لا أذكر كيف كانت في غير تلك الصور المترسخة دون غيرها –لأسباب تحتاج تحليلًا مستقلًا– في ذاكرتي، وهي كافية لأن أعرف أم ناصر وفق الإطار الذي اختارته لي ذاكرتي. هذا كان كافيًا لأحدّد حضورًا واضحًا لها.
ولكن هل هذا جيد؟ هذا الافتقار الحاد للسياق؟
لا أدري.
ولذا فإن الذاكرة والكتابة كلاهما إضمار أكثر من كونهما كشفًا. وهنا تكمن خطورتهما، وربما تكمن في ذلك أيضًا جاذبيّتهما، أن لديهما إمكانية نزع السياق، والتبدّي مثل ومضة غامضة تلوح بعيدة ومغناطيسية التأثير، تعطيك مساحة فضفاضة لأن تسبر –مستكشفًا أو مختلقًا– أغوار ما هو غامض ومستعصٍ ومتمنع، بل وناقص.
المهم.
جلست يومًا ثانيًا في البيت، وأنا أفكر. ما الخطة؟ كل شيء يقول إن عليك أن تبيع، السياق يقول إنك لا تنتمي إلى هذا المكان، إن ما يجعله لطيفًا في ذاكرتك –فضلًا عن أنه ربما تعرض للتزييف النوستالجي– هو ما يستعصي عليك فعله الآن، بل ربما ما لا تفضل أن تفعله في هذه المرحلة من حياتك. كل ذلك الفراغ!
ولكنّ تلك الومضات، تلحّ، تلحّ مثل صداع.
هنالك ورقة ضمن مئات الأوراق المحشورة في ذلك الدولاب، قطعة نثرية عن فتاة، ولأبيّن مدى هشاشة الأمر، فإنني صدْقًا لا أعرف هل الفتاة حقيقية أم لا. أذكر أن هنالك فتاة تسكن في حارتنا، وكنت أتعشقها مثل كثيرين قبل أن تكبر وتحتجب عنّا. كانت تلعب معنا ذات مرة في ذلك السن المضطرب قبيل البلوغ، وحينما قفزت برز سروالها الداخلي، ليتجسّد كشفًا خطيرًا تأسطَر معه وجودها بيننا إلى أن اختفت خلال أسابيع، حتى إنّ أخاها الصغير الغثيث بقي في شلتنا بسبب سروال أخته ورغبة بعضنا –لفداحة جهل المراهق الأرعن- في التقرب منه إليها والاستعراض أمامها من خلاله، غفر الله لنا وستر علينا وعليها. وربما لأن من الأسهل أن تكون القطعة عنها، فإنني أظن أنها عنها، لأن ذكراها –وهذا يكشف قحط البيئة التي نشأنا فيها– بقيت مع بعضنا متنقلة في أوجه الفتيات، مثل ميّ ابن لعبون. ولكن هل هي عنها فعلًا؟ القطعة تبدو شخصية جدا، وكأنها مكتوبة عن فتاة تعرفها فعلًا. ولكنني في فترة ما كنت أعرف الممثلات اللّاتي أراهن في التلفاز أكثر ممّا أعرف غيرهن من المحتجبات عني، فماذا يعني فعلًا أنك تعرف شخصًا؟ لقد كنت أقرب في مرحلة من حياتي لأبي نواس من قربي لإخواني. فربما تكون القطعة عن ممثلة لا أكثر، أو عن خليط غير محدد من الفتيات، من المَيّات:
“وجهك يبقيني يقظًا حتى آخر الليل، مثل حارس يسهر على سور قصر فارغ. أتخيلك في أشياء كثيرة، في أوجه من أعرف، ويزاحم حضورك الطعام والمشرب، ويرافقني في الحل والترحال، وكأنه عضو نبت في جسدي.”
الكتابة مثل الذاكرة أيضًا من ناحية تحديد الوقت. هذه القطعة مثلًا كتبتها قبل الجامعة بأشهر، أكيد.
هنالك أوراق أخرى عجيبة. مقالات، قصائد، مقاطع نثرية، مقامات. لا أكاد أتذكر مصدر أكثرها، فضلًا عن سياقها.
مزّقتُ معظمها، وأخذت بعضها.
وفي صباح اليوم الثالث، خرجت من البيت، وتركت مفتاحي كما اتفقت مع أخي سعود على طبلون الكهرباء. ألقيت نظرة أخيرة كما يفعلون في الأفلام، كان لها أثر أكبر ممّا كنت أظن، التكرار أحيانًا يبتذل الشيء ولكن تلك الالتفاتة السينمائية المبتذلة كان لها أثر خاص، رمزي تقريبًا، يختزل تلك الرحلة التي ربما سأبرزها بتلك الصورة إلى جانب صور أخرى متفرقة فيما أمسح معظم سياقها.
ثم مشيت.