لقد ظن أن القبر الذي حفروه لأخته كان أعمق من اللازم.
يعرف القبور جيدا. ففي القرية الصغيرة المعزولة وسط الجبال لا يحضر الموت كثيرا، ولكنه حينما يحضر يرافقه جميع من فيها، بما فيهم الصغار الذين يساعدون الكبار أحيانا ويلحقونهم إلى المقبرة المتموضعة على رادمية طريق شبه إسفلتي نحيل ومترّس بالآكام.
ولذا، قاس بعينه القبر وهو يقف على حافته، وفكر أنه أعمق من أي قبر آخر رآه. وكأنهم يريدون إخفاءها في الأرض أكثر من إخفاء الأموات عادة. ماذا يخبئون؟
لقد وقف في الأمس عند الغرفة التي سُجيت جثتها داخلها. البيت ممتلئ عن آخره، والداه وإخوانه وأخواته وخالاته وعماته، وهناك في نهاية الرواق إذ يتدفق ضوء شمس العصر المشعة مثل العسل، يلوح باب الغرفة الموارب على هيئة سر. وقف عند حده، ورأى شيئا على الأرض، يشبه الجسد ملفوفا في كفن شديد البياض، ولكنه أراد أن يتأكد.
لماذا؟
لأن شيئا ما في الحادثة يجرح يقينه.
ففي الساعة الرابعة فجرا قبل أسبوع، أفاق على خدش طفيف حكّ جدار نومه. عيناه ضبابيتان تفتحتا على السماء المشرعة فوقه، تزدحم فيها نجوم كثيرة وهو ينام بجانب إخوانه في سطح منزلهم. ظن لوهلة أنه ما زال نائما، وأن هذا جزء من حلم. ولكن شيئا لم يحدث، ولأن أحلامه يحدث فيها كثير من الأشياء فقد أدرك أن آلاف النجوم التي تلمع فوقه حقيقية، وأنه استيقظ في لحظة صفاء ينغّمها رجيع أنفاس النائمين حوله. اعتدل في جلسته، ورأى أن اللحظة الصافية أطاشت بقية النوم من رأسه وتطلب منه انتباها من نوع ما، ولذا نهض ونزل متجها إلى المطبخ في الدور الأرضي، وهناك رأى أخته. ظن أنه منظر غريب، وأن الشيء الذي خدش جدار نومه كان متعمدا، وأنه كان يريد منه أن يرى ما سيراه. تجلس في العتمة المرشوشة بضوء شبحي يأتي من لمبة المطبخ التي لا تغلَق طوال الليل، ما جعلها تظهر على هيئة حواف، إطار لوحة، ساكنة تلبس عباءتها كمن ينتظر شخصا ما. حينما انتبهت له اكتفت بأن تلف رأسها قليلا نحوه، وظلا يتطلعان وكأنهما يتبينان بعضهما، ثم سألت: سعد؟ فرد: نعم. ولم يحتج لذكر اسمها، لقد عرفها قبل أن تتكلم، يستطيع معرفة مظهرها حتى في الظلمة، أكثر من أمه وأبيه.
سألها: ليه جالسة هنا؟ ولكنها لم ترد. ثم قالت: إيش قومك؟ ارجع نام.
لديه سبع إخوان وخمس أخوات. السبب الذي يجعله يعرف هيئتها حتى في الظلمة أنها كانت الأقرب إليه من بينهم. لم يكن يفسر هذا القرب، إنه يحدث هكذا فجأة، توافقٌ وميل فطري أو كيميائي أو سلوكي وسط زحمة الأجساد في المنزل الريفي. أكبر منه بست سنوات، يشبهان بعضهما، قليلا الكلام، كسولان، مركونان في هدوء متفحص لامبال، طيّعان لا يغضبان بتاتا، يحبهما الجميع. اعتاد أن يلحقها في الأروقة المظلمة ليلا، يبحث عنها، ينام بجانبها، جسدها في الظلام كان مألوفا منذ أن كان طفلا. ولذا عرفها مباشرة. ولكنه أصر: وين رايحة؟ فقالت: ماني رايحة، ارجع نام. ولذا ذهب إلى المطبخ وهو يتجاوزها متطلعا نحوها، يراها تلف وجهها نحوه، حاسرة الرأس تومض خصلات شعرها، ممسكة شيلتها بيدها في حجرها. إطارٌ مجوف بلا ملامح. فتح الثلاجة وهو يرمقها بطرف عينه، شرب من جيك عصير، ثم أغلق الثلاجة وتجاوزها وهي ترمقه وصعد إلى السطح ليطيعها مكملا نومه.
استلقى مدة يفكر فيما حدث، حتى نعس. سمع صوت سيارة في الشارع بين النوم واليقظة، ثم غرق كليا في سبات عميق.
بعد أيام من اختفائها أخبر والده بما حدث تلك الليلة، ثم بعد ذلك بأيام أخرى، عاد إلى المنزل عصرا ليجدهم يقولون إن جثتها هناك في الغرفة آخر الرواق. ذهبت – كما تفعل بنات القرية أحيانا – في نزهة صباحا إلى القلتة المركونة في ركن الجبال على مسافة كيلومتر، وسقطت أثناء محاولتها تسلق التل الصخري، كسرت رقبتها وماتت. عثروا عليها هناك!
وقف عند حافة الحفرة التي قالوا إنها قبر ولكنها بدت له أعمق من اللازم، ودلّوا فيها الجسد الملفوف في كفن شديد البياض وأخفوه هناك في الأسفل، ثم ردموا الحفرة بالتراب.
كان المزاج غريبا في المنزل، بل في القرية بأكملها. مزيج من البكاء والجمود، البعض يبكي، أمه وأخواته تحديدا، والبعض الآخر جامد وصامت، والده وإخوانه الكبار تحديدا. في القرية يستشعر نبرة غريبة في أصوات البعض، في طريقة التعبير، في النظرات، وكأن شيئا ما مركون في ارتباك الصمت عنه. ومع مرور الوقت بدأت تترسخ لديه قناعة لم يفهم مصدرها، ولكنها بدت حقيقة مثل الخدش الذي جرح نومه عمدا تلك الليلة، ويحتاج كثيرا من الشجاعة لإثباتها.
كان في الرابعة عشرة من عمره، لقد تسلق صخور القلتة المعزولة مع أخته وغيرها عشرات المرات، شهد عدة جثث تغسل في المسجد قبل دفنها، ساعد شيخ الجامع مرة في حفر قبر لابن عمه الصغير. وفوق ذلك كان قويا مثل فحل. كل ما يحتاجه الأمر شيء من الشجاعة، خصوصا أنه كان متأكدا مما سيراه، وهو ما قلل خوفه. كما أنه كلما حاول تجاهل الشيء الغامض الذي يستفزه، يجد أنه يتغول أكثر داخله ويصل إلى مناطق مربكة تسحق أي خوف وتردد. حتى أنه بلغ أحلامه، صار يراها في أحلامه، ويستيقظ هادئا جامدا دون حركة على آلاف النجوم التي تومض فوقه، وكأن الشيء الذي خدش جدار نومه تلك الليلة هو الذي يصرّ عليه الآن. يجب أن يفعل الأمر. ولذا تحيّن ليلة مقمرة وتسلل في وقت متأخر من المنزل متجها إلى المقبرة، أخذ مسحاة وظل يحفر القبر ساعات حتى وصل إلى اللحد، كسر اللبن ثم توقف قليلا حينما برز بياض الكفن متمايزا مع لون التراب. فرغم يقينه بما يظن، إلا أن خوفا غامضا تملكه. رفع رأسه إلى السماء وسط جدران القبر العميقة، وطمأنته النجوم التي تومض ناصعة، والهواء الرقيق الذي يجد طريقه بين الآكام ويهب لطيفا. كل شيء يسير كالمعتاد.
جر الكفن وفتحه، لم يكن هنالك جسد، عدة وسائد ظهْر محشورة ومربوطة ببعضها.
مجانين!
جلس في القبر متكئا على جداره، ولاحظ برأسه المرفوع نحو النجوم أنه حفر حفرة يحتاج إلى أن يقفز ليخرج منها، وفكر أن الدفن سيكون أسهل بكثير، كل ما عليه أن يفعله أن يهيل التراب. يضع ساعديه على ركبتيه المثنيتين جامدا، صدره يرتفع وينخفض بصورة نغمية، يداه مشدودتان مستنزفتان لا يكاد يحس بهما. وأمامه الجسد المزور المبقور لأخته.
لم يفهم. لم يتفاجأ أيضا، كان متأكدا قبل أن يفتحه. ولكنه لم يفهم.
أمضى أياما لم يفتح فمه بكلمة واحدة. يحدق في الآخرين صامتا ومتفحصا. يفكر في الأمر فيشعر برأسه يدور. ما الذي يحدث؟
حينما سأل والده بعد أيام لماذا لم يسمحوا لأحد أن يرى الجثة، رد أن الوجه كان مشوها لدرجة أنه سيطيح بقلب من يراه. حدق في عيني والده، كان نخلة، صلب ونبيل، الجميع يحبه، هو يحبه، هل كان متورطا في الأمر أيضا؟ هل كان مخطئا حينما أخبره بمشهد تلك الليلة مع أخته؟ غص بالكلمة في حلقه، وأحس أنه وحيد، ومشوش، بل شك في لحظة ما أنهم ربما يفعلون به ما فعلوه بها لو تكلم، يصنعون جثة من وسائد ويخفونه في الأرض. وهو ما جعله يفكر في أن يلحق بها. ولكن أين؟ أين ذهبت؟ ولماذا؟ أخبرته مرة أن الملل يكاد يقتلها، وأنهم جميعا يشبهون الخرفان المحبوسة في قفص مزرعتهم، ولكن هل يعقل أن يدفع الملل إنسانا لفعل ذلك؟ أن يهجر كل شيء مألوف حتى وإن كان معدما ومؤبدا إلى المجهول؟ وعاد بذاكرته إلى كل الذين هربوا من القرية الصغيرة المعزولة وسط الجبال، مراهقون يختفون على ظهور سيارات آبائهم التي سرقوها أو أخرى مجهولة لأصدقاء أو عابري طريق. بعضهم يُمنع ذكره حتى يتصالحون مع اختياره أو يمسحونه كليا، آخرون يختفون أصلا، وقليل جدا يرجعون. ماذا لو أنها رجعت؟ ستجد قبرا، وجثة، وتصالحا – غُذي بالرثاء أو المغفرة أو التجاهل – يُربكه عودتها. لن تعود. لقد قضى ساعات طويلة يتخيل صورا عشوائية، مكانها، وماذا تفعل الآن، وكيف أنها الآن موجودة في مكان ما، في اللحظة ذاتها هذه التي يعيشها هو أيضا، هي موجودة مثله وتعيشها.
مضت عدة سنوات. المدن تكبر، والقرى تتقلص، والناس يتناقصون منها تباعا، وناطحات الزجاج التي كانا يريانها سويا في التلفاز تتطاول مثل مرايا ضخمة تومض على هيئة سماء منتصبة. إلا قريته، ما زالت هناك معزولة بين الجبال.
كان الوحيد من عائلته الذي درس الجامعة في المدينة الضخمة البعيدة، وتوظف هناك. الخروف الوحيد الذي خرج، رسميا على الأقل. لقد فهم جزءا مما حدث حينما كبر، كيف أن الحل المجنون كان مناسبا للجميع، حتى أخته. العائلة تدفن العار في ظل التأكد من هربها وعجز العثور عليها، بينما تنال هي ما أرادته. ولكن ما الذي أرادته بالضبط؟ كيف كانت ستنجو؟ وبأي ثمن؟ المجنونة! ربما لم تنجو، ربما ماتت بالفعل، ربما هذا ما أرادته أصلا، الموت. هل يعقل أن هذا ما أرادته؟ ربما لم ترد شيئا، ربما كان يدفعها شيء بشع، لا يمكن تخيله. ولكن ما هو؟ أو ربما أحبت فتى ولاذت معه بالهرب في سيارته التي توقفت عند المنزل فجرا، ولكن أي فتى ومن أين جاء؟ هذا ما ظل ينحت في صدره، الغموض، يتعاظم على شكل شعور مربك بتأنيب الضمير لا يعلم لمن يوجهه بالضبط، لها أم له أم لعائلته. لماذا لم يكن شجاعا بما يكفي؟ يفكر أحيانا، ولكن هل كانت الشجاعة هي العائق أصلا؟ ما العائق إذن؟ ما زال يعجز عن فهم ما حدث كليا. ظل الأمر تواطؤا لا يُعرف من هم أطرافه بالضبط، والده حتما، أخواه الكبيران، بعض أفراد القرية الذين لم يهضموا القصة. ولكن لا شيء يقال. لقد كان حلا مثاليا، دُفن كل شيء، حتى في الأوراق الرسمية، كانت ميتة. ولكن لا شيء يقال صراحة. عدا مرة ألمح لوالده قبل موته بأشهر أنه يعرف، ورآه يحدق في الفراغ شاردا، صامتا مثل قبر.
في كل امرأة يراها، خصوصا حينما وصل إلى المدينة أول مرة، كان يتخيل وجهها. يتخيل أنه يجلس يوما ما على كرسي محل في السوق المكتظ بالحركة، الهواء يلعب في شعره، والناس يتمشون بطيئين ومتمهلين، يمسكون الأكياس بأطراف أصابعهم، يضحكون ويتحدثون. وفي لحظة ما يتحول وجهها من خيال يتشكل في أوجه النساء اللاتي يراهن إلى تجسد حقيقي، هي، تجلس ربما على كرسي آخر تنتظر أحدا كما كانت تجلس في تلك الليلة، أو تتمشى. لن يحتاج لرؤية وجهها أصلا أو سماع صوتها، سيعرفها مباشرة، متأكد من أنه ما زال يستطيع تمييز شكلها حتى في أكثر المظاهر إخفاء. سيعرفها.
تعليقين على “موؤودة”
آلمتنا لأن جرعة الواقعية، بشكل حرفي حتى لا فقط إسقاطيًّا- كبيرة وصعبة البلع!
قد يجدها، قد تجده. إنه عالم غريب وصغير مهما أوقنا بغير ذلكز
أشكرك.
قام بإعادة تدوين هذه على Observations of a tired sOul..