التصنيفات
قصص

الحياة التي لم تخطر على بال لطيفة

في ربيع عام 1939، تحرك الملك عبد العزيز ضمن حاشية تضم أكثر من ألفي شخص، متجها من الرياض إلى مخيم شركة أرامكو بجانب بئر الدمام 7. يجتاز هذا الجيش المصغر صحراء الدهناء، ويقطع الطريق في سرب متصل من السيارات والبشر.

قبل أشهر من ذلك التاريخ، توالت الإخفاقات في حفر الآبار الستة، إلى أن تمكن الحفارون في البئر السابع – الذي حُفر عام 1936 – من إنتاج 1585 برميلا في اليوم، وظل الرقم يتصاعد ويتراوح إلى أن بلغ بعد أيام فحسب 3810 براميل يوميا، لتكون إعلان بداية اكتشاف النفط بكميات تجارية، سيغير كيان الدولة إلى الأبد.

هنالك مدينة صغيرة تكونت بجانب البئر، تحوي قرابة 350 خيمة، يسكن فيها جميع العاملين، وتستعد بكل ما لديها لاستقبال الملك وحاشيته التي وصلت غبرتهم قبل وصولهم.

في هذا العام، ولدت لطيفة.

 

————-

 

بين دفتي الستارة فرجة صغيرة، تتسلل منها لطخة ضوء على السيراميك، كأنها رشحة موج فوق شاطئ يلمع برطوبة المد والجزر. تحدق مها بعينيها الثابتتين، إلى تمايز الضوء في الظل، وتفكر أن اليوم سيكون طويلا، طويلا جدا.

لم تنم إلا قليلا. لقد انشغلت بإعداد عرضها طوال الأيام الماضية، وحفظته، حتى تخيلت أنها ستراه في منامها. ولكنها لم ترى إلا ظلاما وعدما، ولذا كان ما نامته كافيا. تبتسم وهي تحدق إلى رشحة الضوء، بشبع الوعي المتخفف من الثقل، وتتمنى لو أن أمد هذه اللحظة يمتد أكثر، ولكنها في الوقت ذاته، تشعر بقوة عنيفة على القتال تستيقظ في جسدها.

نهضت، وفتحت نصف الستارة ليتدفق ضوء أكثر سطوعا. تروشت، عادت إلى الغرفة، ولبست تنورتها السوداء وقميصها الأبيض، وتوشحت عباءتها المزركشة على الأطراف، وربطت حجابها المرتخي فوق فرقة شعرها. رسمت أقل قدر من المكياج على وجهها، كعادتها.

زوجها ما زال نائما، رغم رنين المنبه في جواله، يشغل نصف السرير بجسده الضخم. دغدغت قدمه أثناء خروجها فانتفض في مكانه، وكأنها ضربت زر التشغيل. ضحكت وهي تخرج، بينما ظل جالسا يستوعب الموقف على وتيرة نظام ويندوز قديم يحتاج عدة دقائق.

أيقظت ابنيها النائمين، وقالت لأكبرهما: “أبوكم بيوديكم اليوم، قم البس، وبتلقى السندوتشات في الثلاجة مثل ما قلت لكم أمس، وساعد أخوك، تمام؟”، هز الطفل ذو العشرة أعوام رأسه بطواعية ناعسة، فشددت: “أكيد؟”، ليكتفي بتكرار هز رأسه وعرك عينيه. خرجت، ومشت بسيارتها المركونة في الكراج، وضوء الشمس ما زال ذهبيا يكسّره ما شخُص من الأرض، وليس في الشوارع إلا سيارات المقاولين وعمال البناء والمصانع.

لم يسبقها أحد في المبنى عدا عمال النظافة. آثار الفوضى في المكاتب الفارغة تذكّرها بأزماتها الوجدانية التي تفتح آفاق وعيها، أو بمنظر السرير بعد أن تنام مع زوجها الضخم الذي يعرف بعض – وليس كل – الأزرار التي يجب ضغطها، أو بأي صورة ذهنية تعبر عن اللذة الكامنة في رواسب الفوضى الناشئة عن الإنجاز. ولذا كانت تحب العمل في المكتب، وتحب رؤيته صباح كل يوم، وكأنه ساحة معركة مستمرة الحدوث.

جلست في غرفة الاجتماعات، واستعرضت من جديد عرضها المكون من 45 صفحة. كل شيء في مكانه، بإنجليزية فصيحة، ورموز معبرة، وأرقام دقيقة. الرؤية، المانديت، البيزنس مودل، الأوبريشن، الهيكل، التكاليف، الرفنيو المحتمل. المشروع بالكامل، المقدم للوزارة والذي سيستعرضه الوزير بنفسه، بميزانية تتجاوز 50 مليون ريال. ذهبت إلى دورة المياه، غسلت يديها، تأكدت من وجهها، من وضوح ملامحها، من طلتها، من أن كل شيء فيها على أهبة الاستعداد. أخذت نفسا عميقا فانتفخ صدرها بارزا وامتشق أنفها عاليا، وتلبستها هيئة قائد معركة، ينضح هدوء وثقة.

حينما عادت إلى دورة المياه بعد انتهاء الاجتماع، كانت تشع حيوية ورضا. غسلت وجهها، وهي لا تكف عن الابتسام، وكأن في شفتيها ارتعاشةً جذلة صبيانية لا يمكن كبحها. ولكنها حينما دخلت الحمام، وجلست على الكرسي، لاحظت فوطة صحية في الزبالة، واستوعبت أن الدورة فاتتها منذ عدة أيام، دون أن تنتبه إليها في لخبطة انشغالها. وعلا وجهها ببطء متشكك تعبير يشبه الهلع، وصرّت بين أسنانها مشدوهة: “ابن الكلب!”.

 

—————

 

إذن وافق اكتشاف النفط بكميات تجارية في المملكة ميلاد لطيفة.

وماذا غير ذلك؟

في عام 1940 كانت جيوش ألمانيا النازية تواصل الزحف على حدود فرنسا، في تكتيك الحرب الخاطفة الشهير، الذي يعتمد على توظيف عنصر المفاجأة في تعطيل دفاعات الطرف المقابل. استخدم الجيش الألماني عقاقير البروفيتين المنشطة لتمكين جنوده من الزحف ليلا ونهارا، واستخدم في زحفه المعدات الثقيلة والمشاة وسلاح الجو. في ذلك الوقت، توفي والد لطيفة في القرية الصغيرة التي تبعد عن المجمعة قرابة 15 كلم.

حينما خسرت ألمانيا الحرب، وأطلق هتلر رصاصة في رأسه أنهت كل شيء تقريبا وفتحت المصراع لعالم جديد مختلف؛ تزوجت والدة لطيفة ابن خالتها، وانتقلت بأبنائها الثلاثة إلى المجمعة، حيث تصل آثار أخبار الحرب العالمية متقطعة ومغلوطة في كثير من الأحيان، ولو لم تصلهم لما علموا بوقوعها أصلا.

في عام 1953، رأى الجالسون على دكة في إحدى قرى سدير نقطة في السراب، تتَحدّد حوافها، ويتضح في اقترابها خبَبُ خيل يقودها فارس يطوي الأرض، وحينما وصل أعلن للجميع: “عبدالعزيز مات”. استغرقت الجملة عدة لحظات لتفرض أثرها، ثم التفت أحد الجالسين إلى آخر، وأعلن: “بكرة بنغزيكم”، ما دفع الآخر المتشكك في بادئ الأمر إلى أن ينهض ويتجه إلى بندقية مقمع لديه، وحينما تأكد من جدية نوايا المدّعي، لقّم البندق بفحم بدلا من أن يهدر رصاصة، ثم صوب الكرة المبرومة إلى رأس الرجل، ففجره. في ذلك العام، تزوجت لطيفة وهي في الرابعة عشرة من عمرها ابن عمها الذي تجاوز العشرين، وسكنا مع والدته في بيت طين على أطراف حي العقده، حيث هنالك بقرتان في الحوش الخلفي، تتولى لطيفة حلبهما كل صباح، وهنالك شبك دجاج هي المسؤولة عنه، ومزرعة صغيرة في الخلف تساعد في تخضيرها.

في عام 1957، زار الملك سعود مدينة المجمعة. كانت لطيفة – في عمر الثامنة عشر – حاملة بابنها الثاني، الذي سيسمى سعود حينما يولد بعد شهرين. تقف ببطنها المنتفخ في السطح، وهي تحمل ابنها البكر على كتفها، مع بقية نساء وفتيات العائلة، يراقبن بحذر من فوق السور الصغير الموكب الذي دخل الديرة يوم الخميس. سألت خالتها لماذا لم يأتي الملك عبدالعزيز معه، فردت: “عبدالعزيز مات يا الخبلة”، فهزت كتفيها باحتجاج لامبالٍ: “وأنا وش يدريني!”.

في ذروة الحرب الباردة التي شكلت خريطة العالم، خلال الستينات الميلادية، وصعود المد الشيوعي الذي وصل أثره إلى الخليج، أنجبت لطيفة أربعة أبناء، ولدان وبنتان. بدأت تنتشر أخبار السياسة بين العامة أكثر، تُسمع في الراديو، وتُقرأ في الجرائد التي تصل متأخرة. نشأ نمط اطلاع تبناه أفراد صاروا يتحدثون عن كينيدي وجونسون وخروتشوف وبريجنيف وجمال عبدالناصر وعبدالكريم قاسم وثورات الضباط، ويتداولون قصص ناصر السعيد وسوالف الحكم والأمراء والمسؤولين والساسة. ولكن لطيفة لم تهتم أبدا بذلك، لأن هنالك شيئان لا تحب الحديث عنهما: الموت والسياسة. كما أنها كانت منشغلة بتأسيس استقلالها في البيت المنفصل في حي الظهيرة، الذي انتقلت إليه عائلتها الصغيرة منتصف الستينات، بعد وفاة خالتها ورغبة زوجها في الاقتراب من عمله. مازالت هنالك بقرة في الخلف، وشبك دجاج، ومزرعة صغيرة على قدر العائلة الصغيرة تخضّر فيها الكوسة والفلفل البارد والنعناع.

حينما اغتيل الملك فيصل، في عام 1975، كانت قد مضت عدة أشهر على إنجابها ابنها الثامن، الذي كان يعاني من عدة أمراض. اعتاد والده أن يذهب به لوحده إلى مستشفى الشميسي في الرياض، لئلا تترك لطيفة بيتها، ولكن صياحه وضجيجه جعله يستقطب زوجته لترافقه، ولذا صارت تذهب مرة في الشهر تقريبا إلى العاصمة، فترى البنايات الضخمة، والشوارع الواسعة، والأوادم المختلفة بأزيائها وأنماط حركتها وكلامها ولغة جسدها. وحينما بلغها نبأ وفاة الملك فيصل، كانت تعصد الجريش في الصالة، وقد استوعبت الكارثة مباشرة، قبل أن ترى خالها الذي كان يزورهم يبكي، وزوجها يستغفر متأثرا، ولكنها لم تستطع منع نفسها من العودة إلى العصد والتفكير في ابنها، الذي أخبرها الطبيب في آخر زيارة أن أيامه في هذه الدنيا معدودة.

في عام 1978، دفنت لطيفة ابنها الذي توفي أخيرا، ثم دفنت والدتها التي توفيت بعده بأشهر. انتقلوا إلى بيت جديد في حي الفيصلية، من دور واحد أيضا، ولكنه مبني من الحجر، وفي حوشه برندة مثلما ترى في المسلسلات المصرية آنذاك. لم تكن رائحة الطين وحدها التي اختفت، ولكن اختفت الأبقار أيضا، وشبك الدجاج، في ظل انتشار منتجات الألبان والملاحم والمبردات، وبقيت المزرعة – التي كانت تحفر مع معظم بيوت ذلك الوقت – متسارعة الإهمال حتى صارت ترابا يلعب فيه الأطفال.

في عام 1980، حينما اقتحم جهيمان الحرم، كانت لطيفة منشغلة بولادة قعدتها وآخر بناتها. ببطنها المنتفخ، وآلام المخاض الاستثنائية، التي أصابتها بالحمى، وجعلتها ترى أمها ووالدها وعددا من أفراد عائلتها الذين شبعوا موتا يتجولون حولها، تناديهم بطرف فمها، قبل أن يمتصها خمود يكاد لعمقه يشبه الموت سكونا وعدما، ثم تصحو، وقد طفحت عرقا، وفي جسمها تسري رعشة مثل البرق. تسمع التلفاز، وهو ينقل آخر ما يحدث خارج الحرم، ترى هيئات الناس يتجمعون حوله، مثل الرسوم الدخانية، ويخيل إليها أنها تحلم. حينما ولدت الطفلة أخيرا، ورأتها، قالت لزوجها إن عيناها كبيرتان، مثل المها. وطلبت منه أن يسميها مها، فوافق.

في ذروة الطفرة الأولى منتصف الثمانينات إثر ارتفاع سعر النفط وزيادة مداخيل الدولة، كان زوجها يعمل مستخدما في المدرسة نفسها. ما زالت العائلة تعيش في ذلك البيت الحجري المكون من دور واحد. تقول له إن عليه أن يشتري بيتا، مثل أخيه وأخيها، يتدين أو يقدم على الصندوق العقاري، فينهرها ويقول إنه لا يريد أن يقدم على الصندوق أو أن يحمل ديونا على ظهره يورثها أبناءه كما فعل والده به، ويقول إنها تتكلم فيما لا تفهمه. ولكنها لا تيأس، ظلت تواصل الحنّ، والنشبة، والضغط، حتى رضخ. صدر اسمه في الصندوق العقاري الذي جعل من امتلاكه بيتا حديثا ومستقلا احتمالا غير مستبعد، ولم يخرج من الطفرة إلا به، ولكنه أخبرها: “بيطلع من بطوننا”، ولذا بدأت مرحلة شد الحزام، التي استمرت أكثر من عشرة سنوات، حتى سدد القرض كاملا.

في غزو الكويت، عام 1990، حوّلت البيت الحداثي الجديد المكون من دورين في مساحة تزيد عن 450 مترا إلى ما يشبه الفندق، حيث تجمّع فيه عدد من أقارب العائلة النازحين من الرياض. كل غرفة ينام فيها ما لا يقل عن أربعة أشخاص. في البيت أكثر من 40 شخصا. تستيقظ صباحا لتقود غرفة العمليات، بدءا من التنظيم، والمهام، والعقوبات، ومراقبة الجودة. وزعت مناطق الجلوس، والعمل، ومسؤوليات وجبات الطعام، والتسوق، والاحتياجات. كان الهدف في بادئ الأمر ألا يموت أحد، وألا يختفي أحد، ومع رسوخ نظام العمل تطورت رؤيتها لتشمل تقديم الكماليات الممكنة، الموزعة على الجميع. كما أن هنالك خطة إخلاء تتم في ثلاث غرف في البيت حينما يخرج سليمان العيسى، وتضرب صفارات الإنذار، إذ تتولى هي الغرفة الرئيسية التي تضم النساء والأطفال، بينما تكون الغرف الثلاثة الأخرى منوطة بابنها الأكبر الذي لم يتزوج بعد وزوجها.

في ذروة الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر، توفي زوجها. حينما تردّت صحته، وصار يعجز عن النوم في غرفته في الدور العلوي، وأصيب بالخرف؛ نزلت وأصرت على مرافقته في غرفة المقلط. ولأنها كانت حارة، فقد كان من المعتاد أن يُسمع صوتها وهي تهوش عليه حينما يرفض الطعام، أو النوم، أو الذهاب إلى دورة المياه. ولكنها تكفر عن إحساسها بالذنب بأن تضغط على أبنائها الكبار بأن يذهبوا به إلى المستشفى في الرياض، وأن يعالجوه، ولكنها كانت تعلم من عينيه اللتان كانتا تذكرها بعيني والدها قبل موته، أن ما فيه ليس سوى احتضار طويل، وتمنت ألا يكون طويلا إلى الدرجة التي تجعلها تكرهه، وتكره نفسها. وقد تحقق لها ذلك، توفي بعد عدة أشهر فقط، وبكته حينما أحضروا جثته مسجاة على النعش لتصلي النساء عليه في البيت.

توفي الأمير سلطان بن عبدالعزيز آخر عام 2011، ولم يتأخر عنه الأمير نايف بن عبدالعزيز منتصف 2012، الاسمان اللذان رافقا الشعب عقودا من الزمن ورأتهما في التلفاز كل يوم، ثم توفي الملك عبدالله عام 2015. وفي الوقت الذي يموت فيه من كانوا جزءا رئيسيا من سياق حياتها، ويشيخ من حولها البقية بخطوات متئدة نحو الموت؛ كانت حدبة ظهرها قد زادت، ومشيتها تثاقلت، ولم تعد تخرج إلا بصعوبة. كان مكانها في البيت معروفا، قبالة باب غرفة الجلوس، حيث ترى الداخل والخارج. ما زالت تسمع الأخبار كل يوم، ولكن من جوالها بدل الراديو، وما زالت غير مهتمة بحفظ أسماء السياسيين أو المسؤولين أو الأحداث، وما زالت حينما تنصت لأبنائها يستغرقون في الحديث عن السياسة والإدارة والحياة الاجتماعية تجد أنها عاجزة عن مجاراتهم، مثلما كانوا من قبل، الفرق أنهم تجاوزوها الآن، أو أنها هي تجاوزتهم، ولم تعد بشكل ما – خصوصا حينما كان زوجها حيا – أحد ركائز الجلسة، فتحدق إليهم مثل الطفل الذي يريد مشاركة الآخرين حديثهم ولكنه لا يستطيع، ومثل الطفل فقد اعتادت أن تلقي تعليقات لا أحد يأخذها بجدية لغرابتها أو لخروجها المتطرف عن السياق، ولذا تكتفي بالجلوس ومطالعة مقاطع اليوتيوب والوتس أب في جوالها، ولا تقتحم النقاش بعنف إلا حينما ترصد حديثا تعتبره مخالفا للمألوف، سياسيا أو اجتماعيا، أو يتجاوز صلاحياتهم خارج الهامش. هكذا كانت تصنف نفسها، وتصنف أبناءها من بعدها، على الهامش. “وش بتسوون يعني؟ تتكلمون عن هالامور ليه؟”. يصمتون لحظة، ثم يستكملون حديثهم.

 

—————–

 

أجرت مها اختبار الحمل، وظهرت النتيجة إيجابية.

استحكم شحوب أزرق باهت، مثل أطراف السماء في الغروب، على وجهها. أحست بالنطفة في بطنها، وبانكماش القلق في قلبها، كأنه انقباض يد مرعوبة، تسحق في قبضتها كل ما تمسك به.

ولذا كانت وكأنها تسحق نفسها بنفسها، وكلما حاولت تهدئة جسدها، أحست به ينقبض أكثر، وبخفقان قلبها يرتفع، ويحتد، وتجد سلوتها في الغضب، فتغضب، ولكنها لا تعرف أين توجهه.

حينما سألها زوجها: “وش فيك؟”، قذفت إليه تحديقة ساخرة تقريبا، بنية أذية شبه معلنة ووقحة، وسألته: “وش يهمك وش فيني؟”. زوجها الذي كان يمسك الأيباد في حضنه الضخم، نظر إليها بفهاوة مترددة، واختار أخيرا أن يتجنب ما قد يستفز دافع هذه التحديقة، مبررا أن الاجتماع – الذي أزعجته به وألزمته بعدة مسؤوليات بيتية بسببه ونسي أن يسألها عنه حتى هذه اللحظة – لم يكن جيدا. ولذا أشاح وجهه، ولاذت هي بالصمت، وهي تحملق فيه، ذلك الحيوان الضخم، الذي يمكن رؤية التستوستيرون يجري تحت جلده 24 ساعة، ويكاد لفرط فورته أن ينقذف منيا من عروقه وفمه بدل العرق واللعاب. وكرهته، حتى وإن كان كرها مؤقتا ودخانيا، لأنه رجل، ولأن له ذكرا يمكن أن يدحج به مصيبة في حياة أي امرأة، ثم يمضي يطرخ بين فخذي صاحبه دون أدنى هم في هذه الحياة.

لم ترغب في العودة إلى المكتب، ولذا تذكرت رسالة أختها قبل أيام: “ترى أمي تعبانة مرة، كان ودك تجين من زمان ما جيتي”. قررت أن تأخذ إجازة، وأن تذهب إلى المجمعة، وتترك الطفلين عند والدهما.

“اتكلي، ما علينا خوف، روحي وطمنينا على خالتي”، قال بأريحية أزعجتها تقريبا.

“وش بتسوي فيهم؟”

هز كتفيه وهو يدخن في الحوش تجاوبا مع قرار منع التدخين داخل البيت، “بوديهم للمدرسة الصبح ثم بآخذهم نشحذ العصر في المعيقلية”.

ابتسمت بما يشبه التكشيرة: “ظريف. إذا احتجت ودهم لامك، بتعرف لهم”. ثم تحركت للخروج.

“وبس؟”

“ليه وش فيه؟”

فقال ببراءة مفتعلة ووجهه يلمع في حر أغسطس: “وأنا؟”

“وش فيك أنت؟”

تمطق بفمه اعتراضا خلف سحابة الدخان: “ليه بس كذا؟”.

فردت: “لا تسوي لي فيها. ما عليك خوف ولا دريت عني”.

حملق فيها بنظراته الفارعة الطول، لو جُمعت مها لما شكلت ربع جسده، قال بنبرة الاستفزاز التي يراد بها المغازلة والتلذذ بالمشاكسة: “فيك شي مختلف، حارة اليوم بزيادة، ووجهك منور”.

حدقت إليه. ابن كلب ولكن حلو، كثير منهم هكذا، كثير منهم عيال كلب ولكن حلوين. وهذه هي المشكلة. وفكرتْ ليت أن الحياة تمشي بدونهم. أغلقت الباب وهي تقول: “أسبوع واجيك. لا يطيح البيت”.

الطريق إلى المجمعة يستغرق أكثر من ساعة ونصف. حاولت قدر الإمكان أن تشغل بالها، أن تفكر خارج ما يزدحم في عقلها. عملها، حملها، والدتها. لماذا لا تكون الحياة أسهل، لماذا لا تكون حياتها مثل حيوات زميلاتها، كل شيء في مكانه. وتتذكر زوجها، الذي يعمل محاميا، وهو يقول إن في كل بيت أسرار تشيب الرأس، وتتذكر والدتها التي كانت تقف دائما في صفه، “المسكين يحتريك كل يوم تطلعين الساعة ست، ليش ما تشتغلين مدرّسة؟”. ويرفع الفنجال الذي يبدو نقطة في جسده الضخم: “نخبك يا خالة، اجلديها”.

وتستطرد والدتها: “وش بتسوين يعني؟ وين بتوصلين؟”.

ويهتف: “حكم، شعر، ليت منك عشرة يا أم سعد. لي سنة ما كلت مرقوق”.

تقول مها دون غضب: “اللي أبي. أقدر أوصل أصير وزيرة”.

وترد أمها باستغراب: “وزيرة! وليش؟”

ويعلق هو دون أن يلتفتا إليه: “حتى الكبسة أنا اللي أسويها إذا كشتنا”.

“وليش لا؟”

“خليها في حلوق الرجال”، وتؤشر إلى زوج ابنتها.

“ما غصوا بها، هذا هم شابعين بها بردا وسلاما”، وتؤشر مها إلى زوجها الذي بدأ يستشعر أنه قد يكون ضحية جدال طارئ وأن عليه أن يتدخل سريعا.

“لأنهم رجال، هذي شغلتهم، يغصون بها والا يشبعون بها”، والتفتت إلى زوج ابنتها: “إذا شبعت منت مشبع أهلك معك؟”.

“هو أنا شبعت عشان أشبّع غيري؟ بنتك شبعانة أكثر مني، راتبها أعلى”.

فبدت العجوز متفاجئة بامتعاض: “وليه؟! من رفالتك والله، وش قاعد تسوي أنت؟!”.

ولأن تنبؤه قد صدق بتحوله محورا للجلد، فقد حاول إعادة توجيه فوهة المسدس نحو زوجته: “بنتك ذي مسترجلة، كنها رجّال”.

“أكيد، والا وشلون حرمة بتصير وزيرة إلا إذا صارت كنها رجّال”.

ولكن مها كانت تعرف عن تجربة أنه لا جدوى في الحديث مع والدتها عن هذه الأمور. لقد تجاوزت منذ زمن وهم إرضائها، أو الوصول معها إلى تسوية مناسبة، واختارت أن تسايرها على قدر استطاعتها. ولذا لاذت بالصمت، وتركت زوجها الضخم يعيد دفة الحديث إلى الطقطقة التي قلبت الجدال المحتمل إلى سخرية متخففة.

 

—————

 

لم يكن السقوط الأخير الذي حاق بلطيفة في أكتوبر مباشرا، وإنما جاء ممهدا بسلسلة من المشاكل في تشتت النطق إثر جلطة صغيرة تعرضت لها، وترهل الذاكرة وضمور الجسد، ضمن سنوات من التآكل البطيء. ولكنه مفاجئ لأنه مثّل الانتقال الأهم في حياتها: لم تعد تبالي بالأشياء التي كانت أساسية في حياتها.

لم تعد تهتم بطعام من بقي من عائلتها الذين يعيشون معها في المنزل، وكانت تراقب غذاءهم مثلما يراقب الاتش آر دوام الموظفين. لم تعد تهتم بالصلوات التي تفوّتها وتفوّت فيها وتخلط ركعاتها وتستطرد متكلمة فيها، وحينما تدعوها ابنتها إلى أن تصلي معها تتأفف ممتعضة: “كل شوي نصلي”. لم تعد تنام ليلا، ولم تعد تهتم بحشمتها حينما تحاول خلع ملابسها دون سبب واضح.

جاءت مها من الرياض لتزورها في مستشفى المجمعة ذلك الشهر. كانت قلقة من الأسطوانة التي ستُسمعها إياها، ولذا قبلت بالمسايرة كعادتها ولبست نقابا بدل الحجاب. ولكنها تفاجأت بحالة والدتها المتدهورة، التي كانت أسوء مما كشفته أختها. لقد فقدت القدرة على الكلام بشكل شبه تام، ولم يعد بإمكانها تكوين جملة واحدة مستقيمة. نظراتها الساهمة، وقد جلست على السرير، تعكس مدى الشتات المضني، واللَّبس المرتبك، الذي يعاني منه شخص تائه في غبش عقله. كانت تحدق إليها بنظرة ثابتة، بعينيها الزجاجيتين المحمرتين دائما، وتبدو أنها تسمع ما تقول، وأن كلمة ما ستخرج من شفتيها. ولكنها تظل تلوك فمها المفرغ من الأسنان، بخيبة مستسلمة، ولا يمكن معرفة أيهما الذي يُعجزها: عدم فهم ما يقال، أم عدم قدرتها على صياغة الكلام؟

وأدركت مها أنها لو دخلت عليها عارية، لما قالت والدتها شيئا.

خرجت من المستشفى، ولكن حالتها ظلت تسوء.

تورمت قدماها إلى حد لم تعد قادرة على النهوض بنفسها. كانتا مثل جذوع الشجرة الضخمة، والمنتفخة، بتشقق لحاها المتيبس المعمر، الذي يعكس برمزية تصدعه شيخوخة مستشرية. يمكنك رؤية الجلد، ولمسه، وقد بدأ يحتّ، مثل فتات الخبز.

فقدت القدرة على التفريق بين تنقلات الوقت، وبدا أنها لا تميز بين الليل والنهار. ولأن النوم لم يعد مرتبطا بالليل، فقد ظلت تهدر ساعات طويلة في الليل وهي واعية في الظلام، تنادي، وتتحدث، وتهيجن، وتتوغل في حيرتها المرتبكة. صارت كل حركة تمثل تحديا. تستطيع أن ترى عنادها وأنفتها واستقلاليتها، راسخة في بقايا جسدها. كل رحلة إلى دورة المياه، كل استلقاء على السرير، كل محاولة لإرضاخها، تواجه مقاومة مرتابة مترددة. الطعام، والأدوية، ومواعيد النوم، ساحة معركة في الأخذ والرد، والرفض والقبول. وفي كل تلك الحالات، كانت عيناها الزجاجيتان المحمرتان، الممتلئتان بالحيرة والشك، والريبة في أقرب الناس إليها، تكشفان عمق المسافة التي ولجتها مقتربة من الموت، ومبتعدة عن الحياة.

لقد جلست مها أسبوعا، ولم تجزم ما إذا كانت والدتها قد عرفتها ولكنها لم تستطع نطق اسمها، أم أنها لم تعرفها أصلا. كانت تبدأ الجملة بكلمة، ثم يظل فمها منفرجا، ويخرج من بين شفتيها صوت الإطراق بين الكلمات، وتظن لوهلة أن المفردة الصحيحة ستجد طريقها إليها، ولكن وجهها العاجز، المغرق في حالة مزدوجة من الإحباط والغضب، يكشف أن لا شيء يصل إلى فمها، فتلفظ أي كلمة تمر عليها، لتتكون جملة غير مفهومة، تلوك إثرها فمها الخالي من الأسنان بحسرة مستسلمة، وفي ملامحها آثار استنزاف تلك العملية الفاشلة المرهقة. ويصل إحباطها أحيانا إلى أن تصفق بيديها، أو تشير بأصبعها، أو تهز رأسها، والكلمات متحشرجة في فمها. وتقول لمها يوما قبيل عودتها إلى الرياض: “أنا خلاص بروح”، وتسألها: “وين؟”، فتهز يدها إلى اتجاه غامض لا يمكن تحديده: “هناك”.

مع كل كيلومتر تقطعه مها متجهة إلى المجمعة في حر أغسطس، يتعاظم إحساسها بالذنب، أنها لم تكن تفكر إلا قليلا بوالدتها طوال الأشهر الماضية، وأن علاقتهما المضطربة جعلتها تكون فعلا مثلما قالت لها يوم توظفت في الرياض وذهبت لتسكن مع أخيها: “شكلك أول ما تطلعين من ذا الباب بتنسينا”.

 

————–

 

أغلب إخوانها وأخواتها التسعة كانوا في البيت. هنالك اعتراف ضمني أن النهاية قريبة، وأن هذا الاجتماع هو اجتماع تشييع. ولكن النفوس هادئة، وراضية، وطبيعتهم الحادة الانفصالية جعلت من الموقف فرصة اجتماع أكثر من كونها ترقب انكسار الحلقة التي تربط العائلة.

كانت والدتها في نفس موضع السرير الذي كان عليه والدها، في المقلط. كل شيء يعيد نفسه تقريبا، وكأنهما قررا أن يعيشا نفس الحياة وأن يموتا نفس الموت.

حالتها أفضل سلوكيا. طيعة أكثر، تستجيب بسهولة، ولا تعاند إلا قليلا. تذهب معهم إلى دورة المياه، تأكل أدويتها، تنام في الوقت المحدد تقريبا. تقلصت الأفعال والردود الغريبة إلى أدنى حد. لم تعد تحاول خلع ملابسها، أو تهيجن في منتصف الليل، أو تصر على النوم فوق الجلسة بدل السرير.

جلسوا، وتعشوا بجانبها، وهي تحدق إليهم، وتحاول متابعتهم، ويحاولون بدورهم إشراكها. ولكن كان واضحا أنها منفصلة، بقدم ونظرات في مكان آخر. رفضت الأكل، واكتفت بأن تطبطب على بطنها وتقول: “تعبان هذا”.

غرفتها في الدور العلوي، توحي بما توحيه الأماكن المهجورة، المنمقة في ترتيبها اللاملموس، الذي يتضح من أول نظرة أن يد بشر لم تمسسها منذ مدة طويلة. صعدت مها إليها مع أختها بعد العشاء. هنالك شنطة حديدية كبيرة، كانت لوالدها، يخبئ فيها كل ما جمعه في حياته، من أموال ومقتنيات شخصية، وفوقها شنطة والدتها التي تضم مقتنياتها، ذهبها وعطورها وكل ما قررت الاحتفاظ به. كانت تعرف ما فيها لأن والدتها اعتادت أن تناديها سابقا، وتطلب منها التربع بجانبها، والبدء في طقوس تفريغ الحقيبتين ومراجعة محتوياتها. تخرج أموالها وتعدها، وتضيف إليها ما بقي من راتب زوجها التقاعدي الشهري الذي تسحبه لأنها أخذت عنه طبع عدم الثقة في البنوك. تصفّ ذهبها، أساورها وخواتمها وحلقها، وتستطرد أنها تريد أن تعمر جامعا بهذه الأموال والذهب، باسمها واسم زوجها، وتردّ مها بأن ما لديها الآن لن يشتري لها دورة مياه جامع فضلا عن الجامع كاملا، فتضحك. تخرج الأوراق الكثيرة التي تحتفظ بها، شهاداتهم، صورهم، صورها وصور زوجها، أوراق سداد ديون والده منذ أكثر من ثلاثين عاما، صك البيت، إيصالات السداد، وتطلب منها التأكد منها، وقراءتها لها كل مرة، لتسألها: “أرميها؟”، ولكنها تأخذها: “لا”. لقد تكررت هذه الحركة معها، وربما تكررت مع أخواتها، وتكاد تجزم الآن أنها كانت طقوس استذكار، أكثر من كونها حملة ترتيب مزعومة.

لقد بدا الموقف غريبا للغاية، ومها تتربع أمام الحقيبتين، اللتان تُشرعان، وتفرغان، وتنثلان، ووالدتها التي كانت تحتفظ بالمفتاحين في جيبها 24 ساعة تجلس في الأسفل، دون أدنى مبالاة. وتفكر أن هذا القدر من الانفصال عن الاهتمام بما كان أثيرا لديها، لا يحدث إلا لمن يقترب فعلا من النهاية.

ظلت تراقبها طوال الجلسة. لم تجزم إن كانت قد عرفتها فعلا أم لا. ليس واضحا. كانت والدتها تحدق بعينيها الزجاجيتين، المحمرتين، وابتسامتها المشدوهة في فمها المنكمش دون أسنان، وتبدو أنها تريد أن تسولف، وأن تتحدث، ولكنها تصمت بعجز فور أن تخاطبها.

قالت إنها ستنام عندها الليلة، بعد أن كانت أخواتها اللاتي يسكن في المجمعة يتناوبن النوم عندها.

 

———–

 

في وسط الليل، وهي تقطع شاطئ نعاسها إلى النوم، سمعت صوت تمتمة خافتة سحبتها إلى اليابسة. الصوت يشبه هسيس النار في الظلمة، احتراق لحاء الحطب الرطب في اللهيب. جلست، ورأت هيئة والدتها جالسة على حافة السرير، بقدميها المتدليتين في مسار ضوء النافذة. بدا منظرها مخيفا، مثل شبح، حوافيّ المنظر، بلا لحم أو عظم أو جسد. تكلم نفسها، بذلك الهسيس الغامض. ثم صرخت فجأة: “يا بنات”، فكأنها قبضت بصرختها قلب مها وخضته حتى أوقفت شعر جسدها كاملا. فزت وأشعلت الضوء واقتربت منها. بدت والدتها متفاجئة، وكأنها لم تكن تعلم أن أحدا هنا معها.

سألتها مها ماذا تريد. الحمام؟ ولكنها هزت رأسها بالنفي. ماء؟ تريد أن تمشي؟ أن تجلس؟ ولكن والدتها لم تقدم إجابة. بدا وكأنها لا تعرف ما الذي تريده. أو أين هي. أو ربما من تكون. فجلست مها على الأرض أمام قدميها، تنتظر، ولكن والدتها ظلت جالسة على طرف السرير. حتى سألتها فجأة وهي تبتسم عن فمها الخالي من الأسنان: “أنت هيا؟”

ردت مها: “هيا؟”.

“إيه”.

“لا. أنا بنتك”.

فبدت متفاجئة بابتسامة أوسع: “عجيييب!”.

ضحكت مها وشددت: “إيه، اسمي مها، ما تذكريني؟”.

فقالت بتردد: “إلا، مها”. ثم استطردت بملامح مختلفة تماما تكاد تكون استجدائية: “خل نروح”.

“نروح وين؟”

“نروح هناك”. ورفعت يديها بين السماء والأرض، كما فعلت معها من قبل.

جاءت مها بالكرسي المتحرك، أركبتها عليه، وظلت تسير بها في البيت، حتى أشارت إلى باب الحوش، فخرجا إليه. سارت بها في الارتداد الواسع، ولكن والدتها قادتها إلى الباب الخارجي، وقالت: “هنا”.

“وين نطلع؟ أنحن الحين في الليل، الساعة 2 الليل”. وحاولت أن تشرح لها الوقت.

فبدا وجهها استعطافيا: “إلا، نروح بس”.

وقفت بتردد، وفكرت في الأمر. ما المانع؟ دخلت وجاءت بعباءتها، ولكنها لم تجد شيلة والدتها أو عباءتها، فقررت أن تخرجها بدونها، لا أحد سيراها. أركبتها السيارة، ومشت بها. ابتسمت في منتصف الطريق، وهي تلتفت بطرف عينها إلى والدتها. لقد تطلب الأمر أن تخسر ذاكرتها، ووعيها، لتقبل أن تركب معها السيارة. وأحست بالدمع يغرورق في عينيها، وهي ترى والدتها تحملق ساهمة في الشوارع الفارغة، التي تبدو ببناياتها الكبيرة الهاجدة جنائزية تقريبا، وكأنها تشيعها داخل مدينتها، التي لن تراها بعد اليوم. ثم بكت، وحاولت كبح بكائها كي لا تسمعها والدتها، التي لم تنتبه أصلا إليها.

حينما عادت بها إلى البيت، لم تواجه مشكلة معها. كانت طيعة تماما، نزلت، وركبت الكرسي، واتجهت إلى سريرها، واستلقت. ولكنها حينما التفتت نادتها: “وين ساكنة؟”.

فعادت مها وجثت أمام سريرها. ابتسمت: “تذكرين يوم أقولك شرينا بيت في الرياض؟”

ولكنها لم ترد. وأدركت مها أن والدتها لم تزرها يوما في منزلها. لقد اشترته مع زوجها الذي كان يريد منزلا صغيرا في العقيق، على قدهما، ولكنها رفضت وأخذت قرضا إضافيا بفضل راتبها العالي الذي يتجاوز 60 ألف ريال، واشترت بيت أحلامها، دون أن تنتظر زوجها، أو تستخرج سداده من بطنها وبطن أبنائها.

“إذا جيت للرياض تنامين عندي ان شالله”.

ولكن والدتها بدأت تنشغل بالمخدات خلفها، إذ أن طبعها المهووس بالترتيب والتوبكة يفرض عليها أن تعيد كل شيء إلى مكانه، في غريزة حيوانية لم تمسحها شيخوختها.

 

—————-

 

ظلت الآلام تتزايد. تقيأت لطيفة عدة مرات، إحداها كان قيئا أسودا غريب الشكل وقوي الرائحة. ظلت ترفض الطعام، وترتفع حدة انفعالها أمام أي محاولة لإقناعها. عيناها الشاخصتان، المرتبكتان، توحيان بانشغال يعتمل في داخلها. ربما الإحساس المستحوذ باحتمالية النهاية، الذي يباغت المرضى ويضيق ذرعا باقتحام الآخرين المقلقين بإشرافهم وتوجيههم.

الطبيب الذي زارها في المنزل قال إن لديها نزلة معوية، وإن عليها الذهاب إلى المستشفى. ذهبوا بها عصرا، وقد كانت واعية، وغاضبة. لم ترغب في زيارة المستشفيات. وحينما عادت وبخت الجميع بنظراتها ولغتها غير المفهومة.

في منتصف الليل، لاحظت مها وأختها التي كانت تسهر معها تنفس والدتهما الغريب، الذي يشبه الحشرجة. اقتربا منها، وحاولا استكشاف الأمر. كانت شاخصة البصر، ذاهلة الوعي، تتشبث بقميصها، وكأنها تريد أن تخرج من جلدها، وقد استحكم فيها العجز عن التنفس، وتركها في حالة تشبه انتزاع الروح.

من الصعب تحديد مستوى وعيها. هل كانت واعية بالألم؟ بمكانها؟ بمن حولها؟ بما يحدث لها؟ لابد أنها تدرك الألم على الأقل، لأنها ظلت تجر أطراف قميصها، وكأنها تريد أن تخرج من جلدها فعلا، حتى نقلتها سيارة الإسعاف إلى المستشفى.

وُضعت في العناية المركزة، ومُنعت عنها الزيارة إلى يوم غد، فرجعت مها وأختها وأخوها الكبير إلى المنزل، ليعودوا صباح الغد إليها. ولكن ابنها الكبير استقبل اتصال المستشفى فجرا، وأخبروه أن والدته توفيت.

 

———

 

ما زالت مها تتذكر جثة والدها التي جلبت إليهم ليصلوا عليها في البيت، محمولة فوق النعش. كانت من أكثر اللحظات إرباكا في حياتها.

ولكنها هذه المرة ستذهب بنفسها إلى الجثة، ولن تُجلب إليها.

لم تدخل الشرشورة من قبل. مكان سيراميكي، يتضح فيه قفر الحياة. تولت أختاها الكبيرتان غسل والدتها مع الموظفة المتخصصة، ودخلت مع البقية لتراها في كفنها. تداعى كل شيء فيها، وبكت بحرارة لم تعلم أنها كانت كامنة فيها، وفكرت كيف يخرج كل هذا الحزن من الإنسان، أين كان؟ وأين يذهب؟

وقفت أمام الجثة، وتأملتها. لقد بدت لها إمعانا في التعجيز. إنك لا تستطيع الإمساك بالروح، أو المشاعر، أو الانطباعات، ولذا فإن الذكريات سيل مربك من الميوعة الغامضة، الشعرية، التي يختلط فيها الوهم بالحقيقة. ولكن الجسد هو الدليل الملموس الأوحد على حياة الشخص. ملامحه، قسماته، تعابيره، حركاته، إنه مصدر الحياة الأكثر حسية، يُترك لك بعد الموت، مطفأً، ليزيد في عجزك عن إدراك أن كومة اللحم هذه كانت أمك.

ولذا احتاجت عدة ساعات لتستوعب الأمر.

 

————–

 

مر العزاء بطيئا، وثقيلا.

لم تكن مها تعرف معظم الأشخاص الذين جاؤوا، لقد انقطعت عن الديرة منذ زمن، ولم تكن تأتي إلا لرؤية والدتها وأخواتها وإخوانها، وزيارة خالاتها أحيانا.

جاء زوجها وابناها في القطار لأن سيارته كانت في الورشة، ولم يرغب في تفويت الصلاة على خالته. ولذا حينما حجز العودة لنفسه غدا، طلبت منه إلغاء الحجز، والانتظار إلى نهاية الأسبوع ليعودوا جميعا. “ما تبين تجلسين؟” فردت: “وش أجلس أسوي؟”.

النشأة الحادة التي نشأها أفراد العائلة والجينات الراسخة التي ورثوها ساهمت في تعاملهم المثالي مع الموقف، إذ يطرأ الرثاء على شكل سوالف واستذكار متخفف الشكل والأثر، ثم يُكبح لتستعيد الحياة تسيّدها على امتداد اليوم.

كان البيت ممتلئا بذرية لطيفة وزوجها. قرابة 30 شخصا، كثير منهم أطفال.

الحركة تملؤ البيت، ولأن غريزة الحياة تهزم توجس الموت غالبا، فقد كانت تلك الحركة تدفن ثقل الفقد، سريعا.

ولذا كانت ممتنة لعائلتها، لكل ذلك الصخب. وشعرت بفضيلة مشاركة الحزن مع المقربين منك، الذي يوازي لذة مشاركة السعادة معهم.

كانت تجلس يوما في الصالة، وفكرت وهي تتأمل طفليها وأطفال أخواتها، أن الطفل الذي يبلغ من العمر خمس سنوات فقط، لا يعرف أي شيء من الحياة التي عاشتها لطيفة. لم يتقاطعا تقريبا في أي شيء. إنهما مثل السفينة الضخمة التي تمر بمحاذاة قارب صغير، لا يرى راكبه منها إلا جدارها العملاق، الذي يغطي السماء. لن يذكر الأطفال جدتهم، إلا بالاسم، والصور الغبشية، والقصص المتوارثة، وستمضي في سياق حياتهم، كما مضى السابقون في سياق حياة لطيفة، كسفن ضخمة مرت بجانبهم، ومضت إلى مغربها.

وتستطرد في أفكارها: هل هي تعرف فعلا حياة لطيفة؟

 

————

 

جاءتها رسالة من الوزير بنفسه، يعزيها في وفاة والدتها، ويقول إنه يتطلع لعودتها أكثر قوة من أي وقت. لم يكتبها هو حتما، ولكنها قرأتها أكثر من مرة، وهي تعجز عن تحديد انطباع بدائي عنها. السعادة، أم التوجس، أم الضغط، أم حتى النفور.

جمعت أغراضها وأغراض ابنيها في يوم الجمعة، وودعت من بقي من أخواتها وإخوانها.

ركبت في مقعد السائق، فاقترب زوجها الذي كان يضع الحقائب في الشنطة وأشار إليها بالنزول، ولكنها رفضت: “تبي تركب حياك الله والا ارجع مع القطار”.

فرَدَ ذراعيه مستغربا: “ليش اللجوء مباشرة لهاللغة وطريقة الحوار هذي”، وأضاف هو يتلفت متلصصا حوله: “انزلي لا يشوفني أحد”.

“لا”.

وبعد شد وجذب وتبادل اتهامات واستجداء يميل بين التمسكن والتهديد، تأملت جسده الضخم، الواقف بتحرج عند مقعد السائق، وقررت ألّا تصعد الموقف، على غير عادتها في المواجهة وتكسير العظام واللجوء إلى منطَقة الخصام بالمبادئ ما أكسبها لقب “مها مبادئ”. نزلت، وركبت من الجهة الثانية وهي تبرطم غاضبة وتنتقد صغر عقله الذي يقابله اتهامه هو وشلته للنساء بصغر العقل، وما يجر ذلك من استطرادات متلاحقة الجلد. بينما كان هو يبتسم بفرح في مقعد السائق، ويرد مرحا: “ما له دخل، أنا أحب أسوق”.

“نصاب. ومخك أصغر شي في جسمك اللي أكبر من ذا السيارة”.

يمسك الدركسون بيديه: “بالضبط، لأني ضخم فمن المخجل اني اركب وحرمتي تسوق، لو اني أصغر بعشرين سنتيمتر يمكن أقول عادي”.

“أقول انطم بس”.

أطرق لحظة واستطرد بعمق تحليلي: “وبعدين وش بيقولون الناس عنك؟ زوجها مخليها تسوق عنه، توديه وتجيبه وهو تاكي، ترضينها على نفسك؟”.

فضحكت بغضب: “من جدك؟ تحاول تلعب علي ذي؟ انك تحميني من الناس، أقول سق بس وانت ساكت”.

فيضحك ضحكة كرتونية جذلة، ويدعس بالسيارة وهو يستعرض مهاراته في التحكم بالطارة. “تقدرين تسوين كذا؟ ما تقدرين؟”

فيرد الطفل ذو السنوات العشر: “إلا تقدر أمي”.

فيهتف والده: “هيه يا ورع، أنا وانت فريق”.

فيرد الطفل: “أنا مع أمي”.

“بكرة تكبر وتصير معي”.

 

————

 

لقد كانت لطيفة، وهي لم تتجاوز السادسة بعد، تظن أن معظم قصص والدتها سباحين، تلفيق وأساطير. هل يعقل أن جدتها كانت تقف على سطح القصر الطيني فوق صوح المزرعة لتطلق النار من بندقية زوجها على الحونشلية؟

ترى جدتها هيَا هزيلةً نحيلة تجلس في طرف غرفة القهوة مع زوج ابنتها، وتبدو فرخا منكمشا على نفسه.

نامت لطيفة يوما في السطح، مع أخواتها وأمها، وأيقظها شيء ما غامض، مثل انتباهة مسيَّرة، ولكنها عركت عينيها ولم ترى شيئا، فعادت إلى النوم، وفي الغد وجدوا جدتها ميتة، وظلت مقتنعة أن روحها مرت بها، وأيقظتها.

ولكن قصص والدتها عن الجدة لم تتوقف بعد وفاتها، حتى بعدما انتقلوا إلى المجمعة. تقول إنه حينما ذهب زوجها للحرب مع آل سعود، كانت هيا الشابة آنذاك تضيّف عابري السبيل من الرجال، الذين يفدون إلى بيت عائلتهم الشهير الشاخص فوق الصوح مثل جبل. حتى أنهم صاروا يسمونها باسمها، وليس نسبة إلى أبيها أو أخيها أو زوجها، هيَا، فيقول الرجل العابر مع عائلته إنه وفد من بيت هيا الشاخص فوق الصوح مثل جبل، حيث ضيفتهم على التمر والرز. وحينما عاد زوجها، توقف الناس عن قول ذلك احتراما له، وعادوا لينسبوا البيت إليه، بل كانت هي تغضب إذا سمعت أحدا يقول “بيت هيا”، وتقول إنه “بيت إبراهيم”، زوجها.

ولكن الناس ظلوا يعرفونها، وظلوا يشيرون إليها. ويقول شخص في مكان ما كلمة شهيرة عنها: “انتبهوا من الحرمة اللي يسري صيتها في مكان كله رجاجيل”. وتسأل لطيفة والدتها عن معنى الكلمة التي بدت مثل الشعر، فتخبرها أن المرأة التي بلغت من القوة إلى درجة أنها تفرض ذكرها وحضورها على الرجال؛ يجب أن تحترم، وألا يظن أنها مثل أي امرأة.

ولكن لطيفة ما زالت تظن أن هذه سباحين. لم تعرف جدتها إلا في البيت، منكمشة، منكبة على أشغال المنزل، لا تخرج، ولا أحد يعرفها خارج نطاق أقاربها. وكأنها لم تُعرف إلا حينما كانت “حرمة يسري صيتها في مكان كله رجاجيل”، وكأن هذا الشيء الوحيد الذي صنع حضورها ورسخ ذكراها.

 

————-

 

صحت مها فجأة من غفوتها، ولكنها لم تستوعب يقظتها مباشرة، إذ كان الظلام يحيط بها من كل ناحية، وكأنها لم تفتح عينيها. انتبهت إلى لطخة الضوء أمام السيارة، التي تحفر نفقا في السواد.

سمعت صوت زوجها بجانبها ساخرا: “صباح الخير يا حلوة”، التفتت إليه، يظهر على شكل حواف، متكئا على الباب. “وكنتِ ملزمة تسوقين؟ هه”. وبدا أنه يضحك. ابتسمت بنعاس، ورأسها ما زال مسترخيا على المرتبة. أشاحت عينيها إلى الظلام أمامها، أشدّ دُهمة من العينين المغلقتين. بدا أن الخيال يجد منفذا لتجسيد تصوراته الضبابية عليه، ربما لأن العتمة اللونية للظلام تشبه النوم، أو لأن الحياد التام للسواد يتمثل صحيفة تتشكل فيها الصور، المهم أنها تكاد ترى فيه صورة والدتها، حينما كانت تخبرها وهي صغيرة أنها حينما حملت بها انتفخ بطنها حتى وصل مترا، وتمد يديها أمامها ساخرة، وأن الناس كانوا يقولون إنها ستلد بعيرا، فتضحك مها، وتستطرد والدتها أنهم حذروها مما في بطنها، وأنها يجب ألا تلد إلا بصحبة فرقة من الشرطة، ولكنها كانت مصرة على أن تلد قِعدتها وآخر أبنائها بشكل طبيعي، ولكن حينما حل الشهر السابع لم تستطع الطفلة الانتظار أكثر، فخرجت مثل الطلقة، وكان الأطباء يقولون إنها انسلّت وهي تركض ولم يمسكوها إلا عند باب المستشفى.

وأدركت مها، وهي مستغرقة في التخيل بنعاس يتراوح بين عتمة انعدام الضوء وعتمة العينين المغلقتين، أنها في نفس عمر والدتها حينما حملت بها، تقريبا.

 

 

تعليق واحد على “الحياة التي لم تخطر على بال لطيفة”

اترك رد

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة