الحبل السحري

طرقات صاخبة، تبعثر هدوء حارة اليرموك في المجمعة .. تخرج مدوية من بيت حمدان .

أفاق الناس من نومهم، ذهبوا إلى أعمالهم، عادوا إلى بيوتهم، مر العصر بطيئا، وانقضى الليل سريعا، والضربات لازالت تخرج من بيت حمدان .. لا أحد يعلم سر الضرب المتواصل، يبدو وكأنه يحفر في أرض حوشه، ولكن لماذا يحفر في أرض حوشه ؟! إنه استنتاج غير منطقي .

مر يوم ثم يومان ثم ثلاثة، ولازال معتزلا في بيته منغمسا في تصدير ضجيجه .

بدأت الأخبار بالانتشار، وتسللت التأكيدات في هشيم الفراغ: حمدان بالفعل يحفر في حوش بيته .

كان أمرا متوقعا رغم غرابته، فالخبر ليس هنا، الجميع علم أنه يحفر في حوش بيته، السؤال الكبير هو: لماذا ؟! .. كان المُستقبِـل يسأل الناقل بدهشة: طيب ليه ؟! يصمت قليلا بوجه مشدود، متوثبا في مكانه، كمن يستعد لإلقاء خبر ثقيل جدا، ثم يقول : يبحث عن ذهب !!

حمدان يحفر في حوش بيته ليبحث عن ذهب ؟! هذه هي الأخبار ؟! .. أي أخبار لعينة هذه ؟!

الجميع تقبلها بكثير من الصدمة، يتراوحون كالمسطول بين مطرقة الضحك وسندان الذهول، يشعرون بكثير من العشوائية في تقبل الخبر .. كيف تتقبل خبرا كهذا أصلا ؟! .. حمدان ؟! ما غيره ؟! الستيني الذي يسكن وحيدا بعد وفاة زوجته ويعمل في محل للبهارات وسط سوق الخميس ؟! النزق الذي لا يفوت صلاة في المسجد ؟! الرجل المعروف بين أهله وجماعته ؟! .. حمدان ؟!

الكف يضرب في الكف: يا مقلب القلوب .

ضجت المحافظة بالحديث عنه، أصبح شاغل المجالس والدوائر والجمعات، لا توجد سكة أو شارع أو محل لا يذكر فيه اسمه، الكل يقتحم ساحة النقاش بكل ما يحمله من استغراب وتحليل وتوقع .

الجميع أجمع بثبات: لقد جُنَّ لا محالة .

لم يكن يملك سببا واضحا كما تشير الإشاعات المتواترة، بدأ يحفر فجأة ذات صباح، مندفعا بإحساس قوي وغامض، وهو ما زاد في افتراضية جنونه .. رفض – لسبب ما – أي مساعدة مؤسسية أو آلات مستأجرة، ومضى يضرب الأرض بمسحاته، فكأنه يفلق الصخر، تبدو أضلاعه وكأنها ستنفكُّ عن أعضائه، ونظراته تتزاحم في عمق حفرته .. وهو لازال يحفر ويحفر ويحفر ..

عن ماذا تبحث أيها العجوز ؟! .. عن ماذا ؟!

عن ذهب ؟!

لا يوجد ذهب هناك، إنك تبحث عن سراب، عن شيء لا يوجد إلا في رأسك وخيالاتك .

ولكنه مضى ككل الحالمين يلاحق نبوءة وهمه، يذوب المستقبل في غبش حاضره ويتكتل حضور لحظته في عمق حفرته .. تنام الحارة على نغمات ضرباته، كلحن موسيقي منوم .

الجميع أخذ ينظر إليه بكثير من الرثاء: وحيد وهرم ومجنون، لطفك يا رب .

لم يكن يخرج من بيته عدى للصلاة، يخترق صفوف النظرات المتزاحمة بثوبه الترابي ولحيته المشعثة، يصلي ثم يخرج بهدوء صاخب ..

مر الوقت ببطئ سريع، يزحف كساعات النوم الطويلة وينقضي كأحلامها الخاطفة، ازدواج مقلق .

ولأن في الحياة كثيرا من الحوادث بلا مقدمات: خرج حمدان ذات ظهر من بيته كالمجنون، يمسك بشيء في يده، شيء يلمع حينما تضرب فيه الشمس .. يهتف بصوت يضطرب بالبهجة والذهول :

– ذهب ، ذهب ، ذهب !!

يخرج من حي اليرموك ليركض في شارع الأربعين الفارغ، ينبثق من سكة لسكة ويمر من بيت إلى بيت، أشعث أغبر يملؤه التراب وتكسوه الأوساخ .. حافي القدمين، تشويه الأرض التي تغلي بحرارة الشمس .. ولكنه لا يبالي .

بدأ الناس السادرون في هدوء ظهيرتهم يخرجون من بيوتهم، الذي لبس ثوبه، والذي خرج بقميصه، وآخر بسرواله وفنيلته .. مضوا خلفه كالمسيَّرين، كتل تزداد تكدسا من ورائه، تسير أينما سار بأصوات متسائلة وأوجه منشدَّة وهامات تصطلي تحت نار الشمس .

كان مشهدا لا يحدث إلا في الأفلام .

وصل إلى بيته والخلق يُطوقونه بحصارهم، يقتربون منه كلما ابتعد، يتطلعون إليه بأعين تمتلئ بالذهول وبأوجه تلفحها الشمس، ونظرات تتصلب عليه وعلى الشيء اللامع الذي يقبض عليه في يده .. يترقبون استيعاب ما يحدث .

دخل البيت وأغلق الباب، ثم صعد على السور، ووقف شامخا كشجرة متيبسة لم تقتلعها قرون من القحط .. وأخذ يصرخ بجنون لا تتضح معه الكلمات، يرغي ويُزبد، يضطرب حماسة في وقوفه فيكاد يسقط على هامة رأسه .. الناس ترنوا إليه بذهول، الحرف الواحد لا يجد طريقا إلى ألسنتهم .

وبعد لحظات .. ختم خطابه المزعج ملوحا بالقطعة مرة أخرى .. ثم نزل واختفى، رغم أن صوته لا زال يرج الفضاء .

تداعى الناس في صمتهم لدقائق، وكأن الزمن توقف، والكون استغرق في الركود . لم يستوعب أحد ما حدث ..

حلم ما رأوه … أم حقيقة ؟!

ذهب تحت المجمعة !

أيُّ جنون هذا ؟!

بدأت الهمهمة بالارتفاع، ثم تعالت الأصوات والتساؤلات والهتافات حتى اختلط الفضاء بالضجيج .. الكل أخذ يسأل من يقف بجانبه متثبتا من حقيقة ما سمع، وكأنه لم يصدق شيئا مما حدث .

أناس يهتفون بنشوة سكرى أن هنالك ذهبا تحت البيوت، وآخرون يقترحون بريبة أن حمدان مجنون لا يعرف ما يفعل .. الحشد يرتجُّ بمختلف الأصوات، ويتحرَّك كالأمواج الثائرة .

ما لبث شك الواقع أن عبث في هشاشة منطقهم، فبدؤوا يسيرون بهدوء نحو الإيمان بما جاء به حمدان، ذلك المجنون الذي كانوا يتندرون به صباح هذا اليوم .. إنه عالم غريب كما قال أحد المعارضين، لا يحتاج الإنسان فيه إلا للوهم؛ كي يؤمن بالأحلام .

مرَّت الساعات التالية سريعة ، كأنها وسنة خاطفة .. ضجيج الشكوك يسيطر على المحافظة .

المجالس والشوارع والاستراحات والمحلات امتلأت بالخلق، انتشروا في كل مكان، كل بقعة تعج بالحديث عن حمدان وذهبته .. كثير من الجالسين يراقبون بتردد، يشاركون في النقاش بحماس ولكنهم لا يفرضون آراءهم، كمجرم يُخبئ سرا، فيصمت مخافة أن يفتضح .

هل يُعقل أن يكون حمدان صادقا ؟!

من يدري ؟!

كل شيء ممكن .. إنه عالم مجنون .

أخذ الليل يُطبق على المحافظة بظلمته، فتبدو هادئة أكثر من ذي قبل .

الشوارع مقفرة، والبيوت هامدة، والجو يحتقن بالغموض .

لا حاجة هنا لكثير من الاستنتاج: ارتفعت أصوات الضرب، متفرقة في هدوء الليل .

لم يعد حمدان وحيدا .. ثمَّة آخرون .

وَهْمُ القطعة الذهبية يكفيهم ليؤمنوا بنبوءته، لا حاجة للمنطق وأعوام من الشك أمام صرامة المعجزات، لا يجب أن تفهم كي تثبت وجود شيء حقيقي .. الذهب موجود ، ونبوءة حمدان حقيقة .

أخذوا يستأجرون الحفارات والشيولات والدقَّاقات التي أصبح أجارها بالآلاف، وتتوفر بالواسطات وتقبيل الرؤوس، بينما يكتفي البقية بأنفسهم ممن تخذلهم إمكانياتهم .

كل يوم يسقط صامد من الصامدين .. خصوصا عندما أتى حمدان في مجلس من المجالس بقطعة الذهب، وعرضها أمام الناس، تلمع كأنها مصباح الزيت في سرداب مظلم .. طوَّقوه مبتهجين متهللين، واحتفوا به أيَّما احتفاء، كملك مُتوَّج تيجانه الذهب الخالص، الذي يُسلم عليه، والذي يهتف باسمه، والذي يُقبل رأسه، والذي يعتذر منه، والذي يقوده إلى صدر المجلس ..

لم يعد حمدان مجنونا في أعينهم ، لقد أصبح بقدرة قادر أعقل العاقلين .

ولذا فلم يسلم أحد من وباء نبوءته، الكل أخذ يحفر، بمختلف الطبقات والانتماءات والأصول، يتناوبون مع أبنائهم وإخوتهم ونسائهم، فلا يتوقف الضجيج طوال اليوم .

البعض كان متشككا في قناعاته، ولكن من قال أن القناعة شرط من شروط الفعل ؟!

الحياة مغامرة .. هكذا أقنع الجميع نفسه .. لنحفر ولنرى ما يحدث، لن نخسر عدى بلاطات متكسرة ؟!

ولكن المغامرات لا تنجح دائما، مهما تنكَّرت بأقنعة الإثارة والعفوية، ستتواجد دائما معوِّقات صارمة تكبح زمام الهمَّة وتضرب صميم المثابرة .. وحينها لن تكون الخسارة مجرد بلاطات، ستكون موتا لحلم جميل، يموت بموته شيء عميق في الروح .

مرَّ شهر كامل لم يجد أحد فيه ولو قطعة ذهب واحدة .

ولكن الناس استمروا في الحفر، يطاردون خيال النبوءة التي أتى بها حمدان .. كانوا كالكلب حينما تضع قطعة لحم في جيبك، يظـلُّ يتبعك أينما ذهبت، مهما التفتَّ عليه ساخطا، مهما صرخت في وجهه، مهما قذفته ورميته ورجفته ونكَّلت به .. سيظـلُّ ينبح بصوته الجريح، ويلحق وراءك .. فرائحة اللحم تكفيه .

إلا أنه سيتوقف ..

لا بدَّ أن يتوقف حينما يشعر باليأس .. ولكن متى يشعر باليأس ؟!

بدأ الناس يخفُّون عن الحفر بالتدريج، يستسلمون لزحف اليأس وخسارة أموالهم .. الذي كان يحفر ست ساعات في اليوم، أصبح يتشكى ثلاث ساعات، ويحفر ثلاث ساعات .

هجروا مساحيهم، ونأوا عن حُفرهم وأحواشهم، واكتفوا بالتشكي والنواح، والنقمة على الحظِّ الأغبر، يشكون نصيبهم في المجالس وقد أعلنوا اعتزال الحفر، وتخلَّوا عن اللحاق وراء سراب المعجزات .. البيوت تغرق في أتربتها، بالأدوات الملقاة على ظهرها كأنها بقايا قوم سكنوا ثم تولوا، فما تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا .

البقية الباقية لا تُعدُّ على الأصابع، لازالت تحفر بثقة وإيمان، ربما كان أثر اليأس المستسلم لفراغ الحياة أشد وقعا عليهم من أثر الركض الخائب وراء الأوهام ؟! .. كل شيء جائز .

في البداية كان الجميع يتابع أخبار الآخرين، لعلَّ أحدهم يجد قطعة ذهب كما وجد حمدان، تعيد الحلم إلى الإمكان بعد الاستحالة .

ولكن لا أحد ..

ربما لا يوجد ذهب من الأساس ؟! ربما كان ضربا من إعجاز خرافي لا يتكرر ؟!

ظلَّت الأيام تمشي بطيئة، وثقيلة .. بدأ الناس يعيدون ترتيب أحواشهم، واختيار البلاط من جديد، وردم الحفر الضخمة في بيوتهم، وفي أرواحهم .. يلومون أنفسهم، وينصحون من استمروا في الحفر بالإقلاع عن هذا الجنون .

ذهب تحت المجمعة ؟!

كيف كنا نفكر ؟!

إنه محض جنون وافتراء .

حتى أن الشيخ صالح إمام جامع السوق قرر كغيره من أئمة الجوامع الأخرى أن يخطب خطبة عصماء عن فضل الصبر والتأني، وعدم الاستعجال في الأفعال دون التيقن والاستبصار .

وعندما دخل إلى المسجد المكتظ، كان الجميع يتطلع إليه بكثير من الخمول .. بدأ بالحمد والبسملة، إلا أن صوتا بعيدا قاطعه بهتافات مضطربة، فتطلَّع الكل إلى الخارج بترقب وانتظار، بينما يقترب الصوت منهم .. وبعد لحظات خطر من الباب رجل يلهث راكضا، وهتف بصوت أعياه التعب:

– أبو حمود وجد قطعة ذهب ..

ارتجَّ الجمع الحاشد في المسجد، قاموا من أماكنهم واتجهوا متزاحمين نحو الأبواب، الأكتاف تضرب في الأكتاف، والأصوات تزدحم في الفضاء، والأنفاس تكتم الهواء .. حتى الشيخ صالح نزل من منبره ولحق الآخرين، رفع بشته وغذَّ في خطواته .

توجَّهوا جميعا نحو بيت أبي حمود، بخطوات مدوِّية، نهر جارف يخترق السكك الضيقة، أصوات مجلجلة وأوجه حائرة مستبشرة، تلسع الأرضُ الحارقة أرجلهم، وتصطلي هاماتهم تحت نار الشمس، وتزدحم أنفاسهم في ضجيج الهواء .. ولكن لا أحد يبالي، الكل يتطلع نحو بيت أبي حمود، قبلة الأنظار الحائرة .. كان منظرا يثير الرهبة .

وصلوا هناك والرجل يتعانق فرحا مع أبنائه، غطاهم التراب، وطفحت على أوجههم علامات الذهول والاستبشار، وتسربلت خدودهم بالدموع .. لقد كان أحد القلائل الذين استمروا في الحفر، مؤمنا بنبوءة حمدان، وها هو الآن يقطف ثمرة صبره وإيمانه .

طوَّقه الجمع المندفع معانقا، سقطت الشمغ وارتفعت الأيادي وتعالت الأصوات واختلجت الهتافات، وضاع أبو حمود في الجمع الحاشد مذهولا، لا يرى شيئا سوى الوهج الساطع لأشعة الشمس .. الذي يُمسكه ليسلم عليه، والذي ينقضُّ على رأسه ليُقبِّله، والذي يعانقه بيديه مباركا مستبشرا .. أغلبهم لا يعلمون من يكون، ولا يبالون .. إنه أبو حمود، الرجل الذي وجد قطعة الذهب .. هذا كلُّ ما يهمهم .

طوَّقه أبناؤه الثلاثة ومضوا يزاحمون الناس، يبتسم بينهم ابتسامة من لا عقل له .. إلى أن وصلوا الباب فدخلوا وأغلقوه .

بقي الجمع الحاشد في مكانه، يتداعى في مدارك سكرته، تختلط الأصوات كهدير الأمواج الثائرة، وتتزاحم الأجساد كالأغصان المتشابكة، وتملأ الصفوفُ أزقة الحارة فلا يوجد مكان لخرم إبرة ..

نسوا الصلاة، واشتغلوا بالهدير ..

وبعد مرور شيء من الوقت انتبهوا إلى موقفهم ، فعادوا إلى المسجد، وارتقى الشيخ صالح على المنبر، رمى أوراق خطبته السابقة، وابتدأ مرتجلا في خطبة عن فضل الصدقة .

وريثما انتهت الصلاة ؛ تفرق الناس سريعا، وعادوا إلى بيوتهم، فارتفعت معزوفة الطرقات من جديد، وعادت المسحاة لتضرب في باطن الأرض، وانبعثت الحياة في الحلم الميت .. يحفرون والأعين تبحث عن قطعة الذهب، تشرق بين حبات التراب الداكنة .

تفاصيل كثيرة .. تغرق في الذاكرة .

الحكايات لا تنقضي ، والتاريخ لا يمل من ترديد قصصه .

رحل حمدان عن المدينة، وتبعه أبو حمود، وتغير الكثير .. ولم يبقى إلا التاريخ يردد ما حدث، ثابتا في تحولات المدينة .

لم يجد أحد ذهبا، مرت الأيام كسحاب الصيف، وانقضت الليالي بأضغاث أحلام فارغة .

لم يدرك أحد لماذا حدث كل هذا، ولم يفهموا حقيقة الأسباب .. فكروا بأن ثمة شيء غامض يدور في هذا الكون .

الجميع يطلق نظرة متسائلة نحو السماء، تسقط سريعا نحو الأرض المضرجة بحفرهم، يتساءلون بحيرة تائهة عن معنى الأشياء من حولهم، يثورون ويقنطون ويتحطمون، ثم يمضون من جديد .. ليس من المهم أن تفهم، المهم أن تفعل، هكذا بدت المجمعة حينها !

نفضت البيوت أتربتها وأوقرت حفرها، واختفت حكايات الذهب .. حتى حانت اللحظة التي وجد فيها سويلم الخباز قطعة ذهب جديدة في حوش بيته .

⁂

أحمد الحقيل

روائي وقاص سعودي. عن الكاتب ←

النشرة

رسالة حين يُنشر نص جديد في المدونة أو يصدر كتاب.

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة