
1
منذ أن كانت طفلة، أكثر ما تكرهه هو أن تُقاطَع. في حديثها، في حياتها، في نسق معيشتها. وربما كانت ستفهم أكثر من غيرها الفكرة الرومانتيكية التي تقول إن الصرخة الأولى للطفل ترسخ أولى مظاهر حيوانيته الأصيلة حينما يرتبك من مقاطعته وانتزاعه من بيئته.
ولكن لأن الإنسان حيوان مجبول على التأقلم أيضًا؛ فقد لمست سبب المشكلة، وتطبعت سلوكيًا في سن صغيرة بقناعةِ أن العاطفة هي أكثر ما يحفز على المقاطعات. أُمُّها التي كانت تحبها لدرجة أنها تريد أن تكون دخيلة في كل شيء في حياتها، أخواتها وزميلاتها اللاتي يسمحْنَ لعواطفهن بكسر نظام معيشتها كرهًا أو ميلًا أو غيرة أو فضولًا، والدها وإخوانها الذين يتركون لمخاوفهم وحرصهم وأوهام إحساسهم بالمسؤولية أن تتحكم في سلوكياتها ومظهرها. وهي أيضًا، حينما تميل، أو تكره، أو تغار، أو تحزن. ولذا كانت تبدو صبية قوية جدًا، عنيدة، ليس من السهل اقتحامها أو توجيهها، بل ربما يظن من لا يعرفها جيدًا أنها لا تحس بشيء. تعيش وفق نسق حياة محدد، وصارم، وناجح، أي محاولة للتسلل إليه والتحكم به تُقابَل بالتجاهل العنيد. كونت صداقات، حافظت على علاقة نفعية غير صدامية مع عائلتها. نجحت نسبيًا. لديها وجه مملوح ومنطق لطيف وسلوك منحوت منحها سهولة في مساومة الآخرين على ما تريد. ولذا لم تعانِ كثيرًا. ولكنها في نهاية اليوم، كانت معزولة باختيارها مقابل أن يسير كل شيء كما تخطط وتريد، بالضبط.
كل هذا حدث مثل الطبع، لم يكن استنتاجًا أو إدراكًا. لم تكن تعرف نفسها كما يعرف الكاتب شخصيته التي يكتب عنها، ولكن تعرف نفسها كما يعرف الحيوان مواطن الخطر، ويشم رائحة الطعام، ويستشعر الخوف. كان إدراكها بنفسها غريزيًا، إلى درجة أنها بدت أكبر من عمرها.
ثم شبت أكثر، وبدأت أنواع أخرى من المقاطعات الغريبة تطرأ عليها، بعضها جسديٌّ صرف لا يمكن تجاوزه ولكن يمكن فهمه، البعض الآخر لا يمكن تحديد ماهيته، هل هو جسدي أم عاطفي، أم كلاهما.
كان الشاب الذي تعرفت عليه لطيفًا. يشتركان في متابعة كثير من الأشخاص والاهتمامات في المنتدى الإلكتروني، يحبان كثيرًا من الأغاني والأفلام المشتركة. ولكنه كان خجولًا، ومترددًا. لم يكن جذابًا إلى الدرجة التي تجعله معتدًّا بنفسه، ولكنه كان مريحًا، وصادقًا، وسهل الانقياد. من الواضح أنه لا يكلم فتيات غيرها، وأنه لو طلبت منه شيئًا فإنه سيفعله، ليس لأنه منقاد، ولكن لأنه يحبها فعلًا. ولكن ما الحب بالنسبة لها؟ إنه مصطلح غريب وغامض. ولذا ابتعدت عن المفهوم الذي يمثله، ولجأت إلى تحليل الشخص نفسه، من هو، وماذا يمثل لها. كان الشاب قد صار جزءًا لا يتجزأ من يومها تقريبًا. تتحدث إليه كثيرًا، تحرص على أن تأخذ رأيه، أن تحكي له يومها، تفاصيل حياتها في السنة الأولى من الجامعة. ولكنه يصل إلى مناطق أعمق من ذلك، أعمق مما وصل إليه أحد قبله. تحس به في كل مكان داخلها، فيما هو ملموس وغير ملموس، فيما تستطيع أن تحس به في جسدها وهي تفكر فيه أو تكلمه، وما تحس به خلف ذلك، في ذلك المكان غير المعرف. وتأخذ العاطفة بسببه معنى أعمق مما كانت عليه، يتجاوز الشعور إلى الشعور والجسد في آن واحد. وتفهم فهمًا أدقّ لماذا كان يزيد جمال والدتها حينما يعود والدها من سفر طويل، ولماذا تتغير ملامح الناس بعنف وفقًا لما يشعرون به، وكأن أوجههم تتبدل. كان إدراكًا مخيفًا. العاطفة خطيرة إذن، حبًّا كانت أم كرهًا أم غيرة أم خوفًا، لا يمكن إقصاؤها، ستقاطعك مهما حاولت النأي عنها، وربما تسحقك وتمزقك إربًا إذا لم تتعامل معها جيدًا، وتستبقها.
ولذا، يجب أن تعترف بها لتسيطر عليها، ويجب أن تتزوجه الآن، لا لاحقًا، بل الآن.
حينما تزوجا، كانا صغيرين في السن، ولكن الحب حقيقي ومحسوسٌ لا يمكن تجنّبه، هذا ما تأكدت منه. أحبته كثيرًا، ولكن وفق نظامها المحدد، وعلّمها حبها له أن تحب غيره، أن تعيد النظر في تكوين عاطفتها تجاه والديها وعائلتها، وصديقاتها، وأن تتحول مشاعرها تجاههم إلى دفء أكثر من ذي قبل، بمرونة متحكم فيها، حتى استُخدمت حجة في التبرير على أن الزواج يغيّر الشخص فعلًا. بل إنها فتحت الباب لمشاعر أخرى أن تتمدد، مثل الكره، تعلمت أنه يجب أن تكره أخاها الذي ضرب زوجته أكثر من مرة، وألا تهمله بأن تمسحه كليًا وكأنه لم يكن، بل يجب أن تكرهه، من الصحي أن تكرهه، وأن تعترف بكرهها له وأن تجعل هذا الكره يتشكل مظهرًا ومخبرًا على الجسد، وأن تُبرز ذلك في تصرفاتها ونظام معيشتها. ولذا، ربما بدت عواطفها آلية أيضًا، مثل قرار يُتخذ، ولا سبيل لتغيير إلا وفق استنتاجات جديدة.
ولكن يمكن القول إن أكثر المشاعر كانت حبًّا، عائلة وطفولة لطيفة، زوج حبيب، حياة واعدة. ولذا، لا مشاكل كثيرة.
لقد بنت نظام معيشتها ليدور حول هذا الحب. متى يأكلان سويًا، متى يخرجان، كيف يجب أن تتصرف أمامه، كيف يجب أن تستقبل تصرفاته، لغتهما، طريقة تفكيرهما، مساوماتهما، الخطط، التطلعات. نظام متكامل. والتزمت به، وظلت ملتزمة به، نظامًا معيشيًا دقيقًا، حتى أنجبت منه طفلًا، وأحبت الطفل كثيرًا، وشعرت به في جسدها أيضًا، في بطنها المنتفخ مثل سحابة، في حلمة ثديها التي ترضعه بها، في وجهها الذي يشع حينما تراه في لحظات لطافته وهدوئه، وفي غضبها الذي يجب أن تسيطر عليه حينما يستفزها، وفي مللها الثقيل بالتزامها الإجباري به الذي يقابله توقها الغامض المستحوذ عليها إليه في حال غابت عنه، وأعادت ترتيب حياتها لتشمل حبًا جديدًا يضاف لحب زوجها، بالإضافة لمشاعر أخرى تسمح لها بأن تتمدد، مثل الخوف، الذي يكاد يكون شقيقًا للحب، يجب ألا يُهمَل أيضًا، يجب أن يكون موجودًا وأن تسمح له بأن يتشكل في وجدانها وجسدها وتصرفاتها، يجب ألا تسحقه وأن تسمح لنفسها أن تخاف وأن يراه الآخرون فيها.
لم تخلُ الحياة من المقاطعات، ولكنها كانت في أضيق نطاق محدود.
تترقى في وظيفتها، وتنجب طفلًا آخر.
تلاحظ ببطء أنها تكبر أكثر، يتضح ذلك على وجهها، ولكنه لا يقلقها، إنه أمر طبيعي، لا أحد سيتأقلم مع التقدم في العمر مثلها، هكذا تفكر، إنها مسيطرة على كل شيء.
تنال ترقية أخرى في عملها، وتقود فريقًا مكونًا من أناس يأتمرون بأمرها.
يكبر زوجها أسرع منها، تبرز شعيرات بيضاء في صدغه، وتتكوم دهون أكثر على جسده. ولكنه ما زال لطيفًا، وخجولًا، وسهل الانقياد، وقد مسحته كهولته بهالة أعمق من الرصانة والثبات، جعلته أكثر وسامة وألقًا.
يحتفل تويتر بيوم ميلادها الثامن والثلاثين عبر بالونات تتطاير في صفحتها. رقم غير مميز، يوم اعتيادي، جلسة مغرب مكررة، الطفلان يلعبان أمامها، زوجها في قميصه المنزلي أمام التلفاز، واقفًا يطالع فيه، لم يجلس ولم يمشِ، ظل واقفًا، عالقًا، مثل المتورط بنفسه. لماذا لا يختار؟ يجلس أو يمشي؟ هنالك نتوء في بطنه، رثاثة بيتية في مظهره. تحدق إليه، وتدرك أن ردة فعلها فارغة. لم تشعر تجاهه بعاطفة محددة، ولو أنها سحبت منه امتياز الحب الذي يمليه عليها نظامها المتواتر منذ سنوات زواجهما، لما كان له أثر يُذكر في تلك اللحظة. ويرعبها ذلك، أين ذهب؟ أين ذهبت تلك العاطفة الراسخة المتنفذة التي أعادت تعريف حياتها؟ وتظل أيامًا تفكر في الأمر، ما جدوى نظامها القائم على حبها له وحبه لها إذا لم تكن تحس تجاهه بذات تلك العاطفة المستحوذة؟ لماذا تبقيها؟ ويلوح لها زوجها شخصًا يمثل رجلًا في حياتها، وجملة ذكريات جميلة، ومرآة لشبابها وفتوتها، ورمزًا لنجاح عائلتها، ولكن هو، هو نفسه، ماذا يمثل لها؟
كان هذا أكبر طارئ يقاطع حياتها المنظمة منذ الطارئ الذي جعلها تتزوجه وتسمح له بأن يغيرها.
تحفر طوال الوقت عن ردة فعل تجاهه، وهي تراقبه وتتفحصه. لم تكن تكرهه بالطبع، أو تنفر منه، أو أنه يستفزها، كانت تشعر نحوه بما تشعر به نحو كل الأشياء التي تحبها، شعور خامد يتداخل فيه المَيل والتكرار والاهتمام واللامبالاة، شعور شبه حيادي لا يدفعك إلى أن تنظّم حياتك لتحتويه وتجعله الإبرة التي تدير عليه خيوطك.
طلبت منه أن يسافرا وحدهما ويتركا الطفلين عند أهلها. أمضيا أيامًا جميلة عند البحر، وفي الفنادق والمطاعم، وجلست ذات صباح تتأمل شروق الشمس من النافذة المقابلة لسرير غرفة في بيت عتيق حوّله صاحبه إلى نُزُل يعبق بشيخوخة معلقة. أخبرته بما تمر به، بلغتها المحددة المنحوتة بدقةٍ ومباشرةٍ شبه آلية، وقد أجلسته أمامها عند طاولة صغيرة، وكأنه موظف لديها تصارحه بأدائه. أنصت مشدوها وعاجزًا عن الفهم جيدًا، ثم قال إن الأمر طبيعي، العواطف تبرد، ولكنها أصرت أنها لا تحبه، أنه لا يمثل لها شيئًا في اللحظة هذه. كان يعرفها، ويعرف أنها تستخدم لغتهم ولكن دون أن تفهمها فعلًا، أحيانًا على الأقل، وأن نواياها قد لا تتفق مع ما قد يُفهم من كلامها، ولذا ردّ أن الأمر عادي، وشرح أن الحب يأتي في أشكال مختلفة، مثل المودة، والألفة، والتجانس. صمتت ولكنها لم تقتنع، وتمنت في سرها لو أنها لم تتزوج رجلًا أحبته، وأنها تزوجت مثل أمها وأخواتها، وتصورت أنها خُدعت بطريقة ما.
ثم بدأت معظم الأشياء التي تحدث أمامها تتشكل رمزًا لما تمر به، ولا تعلم هل هي حقًا كذلك أم أن قلقها يصنعها هكذا. مثلًا، في الشوارع والأسواق والجمعات بل والإنترنت، تتأمل العوائل التي تتحرك مثل كتلة واحدة، تجلس كتلة واحدة وتنزل من السيارة كتلة واحدة وتسير إلى وجهتها كتلة واحدة. ويُظهر المنظر لها حالة حيوانية بالفعل، كيف أن الحيوانات تتحرك على أشكال قطيع، وكأن جميع ما يحدث في الحياة – الحب، الكره، المَيل، التمني، الطموح، التخلي – أعذار لبلوغ تلك الغاية، أن تكون فردًا في قطيع. تملكها إثر ذلك إحباط خامل، ورأت، وهي تجلس بجمود وتضع يدها على خدها متأملة في الفراغ، أن هذا الإدراك يناسب عمرها، كما كان إدراك أن العاطفة هي أهم/أخطر شيء في الحياة يناسب عمر مراهقتها. وفكرت – وهي ما تزال تضع يدها على خدها وتحدق إلى الفراغ – أن الكارثة ليست هنا، ولكن في فكرة أنه ربما يكون هنالك إدراك جديد سيباغتها بعد سنوات، تبعًا للمرحلة والحالة التي تمر بها، وأنه لا يوجد نظام محدد يستطيع حمايتها من أن يقاطعها طارئ يبعثر حياتها، وأن عليها أن تستعد. يجب عليها أن تكون مستعدة. أنزلت يدها عن خدها وانتقلت من تأمل النقطة الفارغة إلى تأمل أوجه عائلتها وهم يجلسون في أحد المطاعم ليلة جمعة، وتركت لأي شعور يطرأ عليها أن يأخذ زمام الأمر، مثل الاعتماد على التيار، فوجدت أن فكرة القطيع ليست سيئة، في هذه المرحلة من حياتها على الأقل. يجب عليها فقط أن تعدل نظام حياتها ليناسب هذا الإدراك الجديد. والأهم، أن تكون مستعدة لما سيطرأ بعده. ورضيت، مثلما تُكتب أكواد البرمجيات المعقدة، أن الخيبة جزء من القناعة بتلك الحياة، ولم يزعجها ذلك.

2
لا أحد يتقن الملل أكثر منها.
لقد اشترت طاووسًا ووضعته في قفص كبير، وصارت تستعرض به دائمًا، وتبروز نفسها من خلاله كفتاة مثيرة للاهتمام تقتني الطواويس. ثم ملت منه، رغم كل جماله الأخاذ وألوانه الكثيرة.
تنفرها الأفكار الجافة، اللحوحة في تعقيدها واللامهادنة في مشقة تعلمها. وتحب الشعر، والغموض، وما يكمن في الخفي. تحب درويش، تحب “لا شيء يعجبني.. أريد أن أبكي”، إلى أن تمل منه أيضًا، ومن إلحاح مشاعره الفائضة، ويصير من الأشياء التي لا تعجبها أيضًا.
الملل فن بالنسبة لها، إنه مهارة استهلاك الشيء دون التقيد به. ولذا تمل عشاقها، واحدًا تلو الآخر، لا أحد يستطيع أن يملكها أو يقيدها. أحدهم كبر أنفه مع مرور الوقت حتى عافته، آخر وضحت في لكنته غنة تذكرها بصفير الإبريق، ثالث يضع اعتبارات أكبر مما يجب للعلاقات العاطفية والتملك والمستقبل.
ملل، ملل، ملل.
تستلقي استلقاء الشبعان، الذي يفرد أطرافه وكأنها ليست له، تمسك جوالها وتقلب فيه. مقاطع اليوتيوب، البودكاستات، التغريدات، الرسائل، كلها مملة، وفجّة، ومكررة. الناس كلهم نسخٌ مبتذلة، لا أحد يفاجئها تقريبًا، لا أحد يستفزها.
ناقمة، ولكن نقمتها تنبع من بحثها عن الجِدة، كما تبرر لنفسها، حينما يكتفي الجميع بالمكرر، والمعاد.
تمل من ملابسها، وأثاثها، وجوالها، ومقتنياتها، فتشتري الجديد، وتقول إن على الجديد أن يكون مميزًا، يملك أعين الناس وألسنتهم ويكون حديث أي مشهد. ولذا تشتري كثيرًا وتخرج كثيرًا لأن الجديد يجب أن يُستعرَض به أمام الآخرين.
تكشّر أمام محل “إصلاح أحذية” وتستعجب من أن أحدًا يريد إصلاح حذائه بدلًا من أن يشتري جديدًا. لا تفهم “الأشياء المفضلة”، الأماكن والمطاعم والأكلات والملابس والموسيقى المفضلة.
كل شيء ممل. كل شيء أقل استحقاقًا من انتباهها الكلي، الذي يبدو أن كثيرين يريدون الظفر به.
من أبعد ذكرياتها، أنها كانت في السادسة من العمر، برفقة والدها في أحد مقاهي الأسواق، ينتظران والدتها. هنالك شاب يحدق إليها، ويؤدي حركات استهبالية ليضحكها، فتضحك، ثم تشيح وجهها عنه، وتنشغل بما هو أكثر إثارة منه، ولكنها تلمحه بطرف عينها، وهو ما زال يسترق النظر إليها، بما يشبه الحركة اللاإرادية، وكأن خيطًا يجره إليها مفتونا بها وهي التي ملت منه سريعا.
لم تكن حيوية، ولكن هالة من الجذب تحيط بها، تلك الهالة التي تميز الطفل اللامبالي الملول، المتذمر بطرافةٍ جذابة ترقق نزقه. تأفُّفها، مشيتها المتثاقلة مثل موظف منهك تُناقض كرتونيتُه ضآلة حجمها، نظراتها المترقبة الثاقبة، الواسعة، التي لا تتزعزع أو تنكسر. الجميع يريد إرضاءها، وكأن رضاها غاية محفزة، وملاعبتَها، وكأن تفاعلها مطمح صعب. وهو ما جعل كل حركة منها جذابة، ومترقَّبَة.
كرهت الدراسة، وأنهتها بصعوبة. وأحبت الجامعة أكثر، التي كانت مكانًا مليئًا بالاحتمالات، والمتغيرات، وإمكانيات الاستعراض والتجارب.جوالها عضو متجذر في يدها، مثل أصبع سادس. من خلاله تستطيع أن تغير مزاج يومها، وأن ترى أشياء مختلفة عما هو متوفر لها وما هي محدودة عليه، وأن تتواصل مع آخرين غير من تراهم. ولذا كانت تعرف عن العالم أكثر من والدها وإخوانها، ولكنها معرفة غير معلوماتية محددة، ترتبط أكثر بالسرديات العامة والمزاجات المركبة، كيف يعيش الناس وأين يذهبون وكيف يتكلمون وماذا يلبسون وماذا يحبون وماذا يكرهون. ولذا لا تعرف شيئًا عن العالم، ولكنها تعرف كل شيء عن العالم في الوقت ذاته.
تجلس في أحد المقاهي، بحجابها المرتخي الذي تتناثر من تحته خصل شعر مهفهفة مع الهواء، وفي جلستها ما يوحي باسترخاء متخفف من الحياة، والوقت، والمتطلبات. وجهها المملوح ليس كافيًا أن يلفت انتباه الآخرين، ولكن ذلك التعالي على الموجود والمحتمل، ذلك المزيج من الطفولية النزقة العنادية والنضج اللامبالي المكتفي بنفسه الذي لا يمكن استنساخه، يجعلها صعبة، مثل مطمع، ولذا يرمقها كثير من الشباب، بقدر ما يلتفت إليها كثير من البنات.
ولكن موقفها من كونها مركزًا للانتباه، لم يكن واضحًا. تحبه، وتنفر منه في الوقت ذاته.
مثلًا، من الصعب تحديد جديتها مع خاطبيها. فالذين يأتون من جهتها، عبر علاقاتها الشخصية المتقطعة من خلال وسائل التواصل الإلكتروني أو العمل أو التمشي، كانوا يعرفون ضمنيًا أنها لا يمكن أن تتعلق بهم، حتى وإن تعلقوا بها، ولذا يُظهرون ترددًا في إبداء رغبة الارتباط الدائم بها، أحيانًا عن عمد ليجسوا نبضها. فَلَتَ منهم اثنان اعترفا لها بتلك الرغبة، وأصرا، وثابرا، ولم يجدا منها سوى المسايرة اللبقة والمستلطفة المستمتعة بتعلق الآخرين، التي تحولت لاحقًا إلى ضجر ومن ثم إلى نفور أدى إلى القطع. أما الخاطبون من جهة أسرتها، فقد أبلغتها والدتها بأحدهم على مضض، لأنها كانت تعرف ابنتها، وتعرف أنها لن تتزوج قريبًا، ولكنها تفاجأت بموافقتها، بشرط أن تراه. جاء الشاب، وخطبها رسميًا من والدها. سألوا عنه، فلم يجدوا إلا ما يُرضي. حددوا ميعادًا للرؤية، التي لم يكن لها معنى بما أن الفتاة كانت تخرج كاشفة الوجه، ولكن والدتها أصرت أن تكون الرؤية في البيت، لأنها لاحظت على ابنتها ما كانت تلاحظه عليها طوال حياتها، ذلك التعالي اللامبالي. ابتسامتها المسايرة حينما يكلمونها عنه، توقف أصابعها عن الطقطقة على جوالها برهة والنظرة الخاطفة التي تشيح بها عنه حينما تخبرها أنه سيأتي بعد أربعة أيام تتبعها تلك الابتسامة ذاتها التي تشكك من يراقبها أن الأمر برمته ربما يكون مجرد لعبة بالنسبة إليها. رأته، وتكلما، ثم رفضته، بهزة من كتفيها وهي تقول إنها لا تريد أن تتزوج الآن. ولذا توقفت والدتها عن السماح للخاطبين بالمجيء.
تركت للتيار أن يقودها حيثما يجري بها بعد نهاية دراستها الجامعية. تنقلت بين ثلاث وظائف في ستة أعوام. تنجح فيها إلى الدرجة التي توحي بمستقبل جيد لها هناك، يقابلها تراخٍ متدرج يفرضه الملل، حينما يبدو كل شيء مكررًا، ومبتذلًا. الأوجه نفسها، المشاكل نفسها، الحلول نفسها، الخرابيط نفسها. وتفكر أنها تريد أن تغيّر، فتغير وتستقيل، لتجد وظيفة أخرى فورًا.
براعتها في المواصلة رغم كل هذا الملل، تكمن في أنه جزء متأصل من ذاتها، لقد تكوّن مثل الطبع، لم يكن استنتاجًا أو إدراكًا. لم تكن تعرف نفسها، كما يعرف الكاتب شخصيته التي يكتب عنها، ولكن تعرف نفسها كما يعرف الحيوان مواطن الخطر، ويشم رائحة الطعام، ويستشعر الخوف. كان إدراكها بنفسها غريزيًا، إلى درجة أنها بدت دائمًا أصغر من عمرها.
تعيش مع عائلتها، ولكن لا أحد يرتبط بها. إنها حاضرة حينما تكون حاضرة فحسب، إلا أن أثرها يمتد إلى أختيها الصغيرتين تحديدًا. لا يشبهانها في كثير من الأشياء، ولكنهما تتشبهان بها. ليس لديها مشكلة مع عائلتها، كما أن ليس لديها مشكلة مع المجتمع، أو الذكور، أو النساء الأخريات، لأنه قد تجذر فيها انطباعُ أن الشيء الوحيد الذي تملكه هو نفسها، كل ما هو آخر فهو دخيل، وخارجي، والأهم، ممل، ولذا لا تعطيه قيمة أكبر من شعورها تجاهه، وهو ما يجعلها تبدو أنانية للبعض.
ولكنها ليست ساذجة، إنها تدرك مأزقها.
تجلس بجمود وتضع يدها على خدها متأملة في الفراغ، وتفكر أن مللها المتجذر حياديٌّ لدرجة أنها تمل أحيانًا من نفسها. تستطيع أن تمل من وجهها، وجسدها، وحركتها، وشهيقها وزفيرها. من أحلامها وأوهامها، ورغباتها وشهواتها، من مبادئها وقناعاتها ومن كل ما يمثل وجودها. تمل منه، هكذا، دفعة واحدة وفي حركة خاطفة. وتفكر – وهي ما تزال تضع يدها على خدها وتحدق إلى الفراغ – أن ما سينقذها هو ذروة براعتها الكامنة في أنها قادرة على المواصلة في الحياة، رغم كل هذا الملل. أنزلت يدها عن خدها وانتقلت من تأمل النقطة الفارغة إلى تأمل أوجه صديقاتها والآخرين في أحد المطاعم ليلة جمعة، يتكدسون على شكل جماعات، ورغم ضحكهم وحيويتهم إلا أن حركة أجسادهم وأثر الأيام على هالتهم تكشف مدى النقص في حياتهم. وأدركت أن الملل قد لا يكون جزءًا متجذرًا منها فحسب، وإنما متجذر في الحياة نفسها أيضًا، القائمة على النقص الذي يُكافَح بالبحث الدائم عن المزيد، وكأن جميع ما يحدث في الحياة – الحب، الكره، المَيل، التمني، الطموح، التخلي – أعذار لبلوغ تلك الغاية، المزيد. ورضيت، مثلما يتأقلم الحيوان مع مظاهر بيئته، أن الخيبة جزء من القناعة بتلك الحياة، ولم يزعجها ذلك.