“خل بعلمك حكمة مهمة في الحياة”.
الساعة الثامنة مساء. يدخن إبراهيم زقارته، وعلى طاولة المقهى أوراق بلوتٍ وكوبُ قهوة قديم لم يُشرب، وأمامه يجلس دب قطني رمادي كبير، طوله أكثر من متر، من النوع الذي يملأ الكرسي بأكمله، ولو رآه شخص ضعيف البصر لظن أنه إنسان. للدب عينان على شكل زرَّين، ووجه واسع مفلطح، وأنف مثل يقطينة صغيرة، ومحيّا محايد بلا تعابير أو فم. دب قطني تقليدي. الهواء بارد في جلسات المقهى الخارجية، حيث يجلس أشخاص عديدون، وينتبه بعضهم بفضول محدود للثلاثيني الذي يبدو أنه يخوض نقاشًا مع دب رمادي كبير يملأ الكرسي أمامه.
“لما تركت نورة الدخان، صارت تمنعني من التدخين في البيت. كنا وقتها ساكنين في شقة، لذا لازم أنزل تحت وأدخن عند الدرج. أجلس على درج المدخل وأدخن، وأنا أشوف الشارع الفاضي، وأتذكر أبوي”، ثم حدق إلى الدب وسأله: “أبوك حي؟ هه؟ شكل الموضوع حساس ما تبي تجاوب، فاهمك. أبوي كان يدخن في الحوش، كنت تشوفه واقف، ويقول إن الحوش مكتبه، إذا بغى يكلمك يقولك تعال نختلي في مكتبي. أبوي كاتب وأستاذ نحو، يحب أبا نواس وهو ما عمره ذاق خمر، لكنه يقول أتخيل دايمًا أن طعمها مثل الشمس، حار ويلسع، لكنها شمس، محد يكره الشمس، و’عينك تبي شمس لو الشمس تعميها’. يحب جرير وهو ما عمره هجى أحد، ولا عمره تغزل بأحد. يحب ابن الرومي وهو يوم مات أخوي كان يقلّط الناس في العزاء ويوجهنا نصبّ للرجاجيل ويقول لنا لا تصيحون قدام الناس، البكاء فعل خاص تمارسه مع نفسك ولا يرجّع أحد وكل اللي يسويه أنه يخدّر التوجد. المهم. تشوفه واقف، هناك في الظل، على هيئة جني مسالم يعامل البيوت مثل ما نعامل المحطات في السريع، والدخان اللي يعثْوِر حواليه يخليه فعلًا مثل الوهم، كنك لو نفخته اختفى”، وصنع بفمه ويده صورةً لهيئة متلاشية. “وتحس أن وقفته بائسة، وحالته بائسة، وأنه في وقفته ذيك يفكر في أشياء بعيدة، في خيارات حياته القديمة واحتمالات حياته الجاية، لأنه مستحيل يعيش ذيك اللحظة مثل ما هي، من يبي يعيش لحظة واحد يدخن في ظلال الحوش الموحشة برا بيته مثل الكلب المطرود!”.
أطفأ الزقارة، وتلفت في مكانه، يبحث عن النادل. وعندما رآه في الداخل أشار إليه. جاء العامل الفلبيني الذي تُحسب له احترافية ملامحه المبتسمة التي لم تُظهر استغرابًا من الموقف. قال إبراهيم: “واحد بلاك كوفي”، سجلها وابتسم، وهمّ بالمشي، ولكن إبراهيم استوقفه بحركة من يده موجهة إلى الدب. التفت الفلبيني إليه، ثم التفت إلى إبراهيم الذي بدا جادًا. مرت ثوان عدة. ضحك إبراهيم فانفرجت أسارير الفلبيني بارتياح وضحك معه، ولكن إبراهيم صمت فجأة وقال بنبرة تواطئية غامزة تطلب المسايرة: “جب له واحد كابتشينو”. أطرق الفلبيني لحظة، ينتظر ضحكة أخرى، ولكنها لم تأت، فسجل الطلب ومشى وهو يتكلف ابتسامة. التفت إبراهيم ليتابعه يمشي، وهو يضحك دون صوت.
علّق زقارة جديدة في فمه، وشعيراته البيضاء في صدغه تلمع في انعكاس الضوء. شبّها وسأل: “وين كنا؟”، لم يبدِ الدب أي تفاعل، طبعًا، ولكن إبراهيم أكمل: “إيه صح، أبوي. مرة وأنا عمري يمكن 18، دخلت البيت الليل وزقاتي ما خلصت، فصادفته قدامي يدخن. ما قال لي شي، ابتسم، ناداني بسبابته، فرحت ووقفت معه. سألني وش تدخن فقلت له بارلمنت، قال لي أنا ما أشرب إلا مالبورو، قلت له عارف. ووقفنا هناك، ندخن. قال لي أنا ما أحب أدخن في الشارع لأن الشارع مشتت للذهن، قلت له وأنا أضحك وش اللي في ذهنك عشان ما تبيه يتشتت، قال لي كل شي، هذا مكتبي، أجي هنا عشان أوقف، وأناظر السما والشمس والغيم والصحو والمطر والظلمة وأفكر وأتأمل وأتذكر”، ترمدت زقارته وقد حادت عيناه عن الدب لتوغل في الفراغ بجانبه: “أول ما شرينا أنا ونورة بيتنا وسكنّاه، نزلت وأنا أقولها سأكون في مكتبي وهي تناظرني كني خبل ما تدري وش أقصد، ووقفت أدخن في الحوش. أبوي وقتها كان ميت، وأمي ميتة، وما بقي إلا أنا وأخواتي. كانت الساعة 2 الظهر، ومن بين الغيم تشوف الشمس، كنها خمر أبو نواس”. لسعته نار الزقارة التي ترمّد نصفها بين سبابته والوسطى، نفضها، وعاد ليحدق إلى الدب، وقد زم عينيه: “وش تحتري؟ خلصت السالفة”. ما زال الدب محايد التفاعل، طبعًا، ولكن إبراهيم استدرك: “الحكمة؟ هذي هي الحكمة، لا تنتظر شي من كلام الناس، أغلبه حجة مفتعلة للهذر والتذكر والتنفيس، ولو أبوي معنا قال لك ما يرجّع أحد وكل اللي يسويه أنه يخدّر التوجد”.
مضت دقائق عدة وهما في حالة صمت. سرسرة الناس الجالسة، وَشِيشُ السيارات المارقة، حفيف الهواء في شجر المقهى الواسع، حركة الريح في سطح القهوة السوداء التي لم يُشرب منها شيء مثل بحر ملطخ بالنفط. رأى النادل يقترب من بعيد، يحمل كوبي القهوة فكتم ضحكة برزت ابتسامةً واسعة على فمه. وضع البلاك كوفي عنده، بجانب الكوب القديم من مقهى آخر، ثم تردد قليلًا وشجعته نظرات إبراهيم فوضع الكابتشينو أمام الدب، ومشى. حدق إبراهيم إلى الدب، ثم ضحك. أخرج زقارة جديدة وشبّها، ثم أمسك أوراق البلوت بيديه الاثنتين والدخان من فمه ينحت طريقه أمام وجهه: “ومع نهاية الدرس المفضي إلى اللا جدوى، الحين بعلمك شي حقيقي وملموس، وشلون تلعب، ثم نروح نتعشى بعدها”.
يُمسك إبراهيم بأوراق البلوت بيديه الاثنتين. يجلس متربعًا على سريره، بقميصه البيتي البيجي. شعره فاحم بلا أثر شيب على صدغيه، وأمامه تجلس نورة. لقد أتمّا الشهر الثامن من زواجهما. زقارته المشتعلة معلقة في فمه، ودخانها ينحت طريقه أمام وجهه. بدأ يشرح اللعبة برفع ورقة السبيت ولكنها أوقفته: “وش قاعد تسوي أنت؟”.
فهز كتفيه وزقارته ما زالت معلقة في فمه: “أعلمك بلوت”.
“ليه؟!”.
“عشان نلعب سوا”.
“ومن قالك إني أبي ألعب بلوت؟!”.
تصنّع وجهًا مصدومًا من وقاحة مفاجئة: “قبل أمس شايف معك ذاك الفيلم اللي فيه ذاك الشاذ ولا قلت شي”.
“هيو غرانت يا متخلف. مهوب شاذ”.
“متأكدة؟”، ثم شدد بحياد: “شكله خنيث”.
ردت ضاحكة تقريبًا: “خل نص ممثلات هوليود تخقّ عليك وصر اللي تبي”.
كانت هي التي تختار الأفلام كل ليلة جمعة. عندها حساب في تويتر يتابعه 30 ألف شخص، وأغلب تغريداتها عن الأفلام. سألها مرة عن فيلم، فأجابته، ثم تابعته، وصارا يتراسلان. كان لديه 25 ألف متابع، أغلب تغريداته تعليقات ناقمة واستهبالية على مظاهر الحياة الاجتماعية وكل ما يثير غضبه الذي لا يظهر أبدًا إلا على شكل سخرية متعالية على الموقف، ما جعله جذابًا في هدوئه الناقم المترفع، مثل شخص يجلس على حافة جبل يراقب جلبة العالم في السهل المنبسط تحت قدميه كأنها الحروب القديمة، ويخبرك أن كل هذا بلا جدوى وأن لا شيء سينقذنا أو يكفينا وأن الركض “تخدير للتوجد” وأن من الأفضل أن نجد المتعة في السخرية مما نراه عوضًا عن خوفه أو حتى الرغبة فيه.
المهم.
بسط ذراعيه في إشارة للهدنة: “الخلافات واردة في الحياة الزوجية ولا داعي للتصعيد”.
ولكنها استدركت: “وبعدين جاز لك الفيلم!”.
ولكنه نفى ذلك بعنف، وقال إنه لا يوجد أب يعاقب ابنه بالصمت. “لو عاقبني أبوي بالصمت كان قلت هذي الساعة المباركة فكّني الشايب ورحت ألعب”.
ضحكت بكل جسدها. إمكانياته الكوميدية محل جدالِ الذين حوله ممن تورطوا باستقبال سخرياته الكثيرة، ولكن المهم أنه كان قادرًا على إضحاكها، وأن قدرته تلك –على الأقل في سنوات زواجهما الغضّة– تتفوق على إزعاج سلبيته الفوقية الساخرة، بل تتحد معها لتكون مصدر جاذبيته، وتخففها قناعتُها أنه يصطنع تلك النبرة، ولو إلى درجة معينة، وأنه ليس صادقًا كليًا في أدائها، وأن فيه جزءًا يؤمن بما يدعي أنها أوهام مبتذلة.
أصرّ: “خل نرجع للمهم”.
عاد ليرفع ورقة السبيت، وبدأ يشرح، ورقة ورقة، وعندما انتهى سألها: “نبدأ؟”، ولكنها كانت تحدق إليه مبتسمة، تتكئ بذقنها على كفها، وفي محيَّا وجهها ونظرتها ما يشبه التحديق إلى حالة جميلة، مثل ديمة مطر في مدينة، أو صحراء مشرعة في أصيل ذهبي، أو احتمال مستقبلي لطيف. وقد استشعر ذلك، فبادلها النظر بحذر استفساري، وانتظر.
سألته: “خلصت زقارتك الأخيرة داخل الشقة؟”.
أطفأها، ورد: “إيه. وش السالفة؟”.
قالت: “أنا حامل”.
كان يمسك بالأوراق. ومن مكانه المجازي على حافة الجبل، بدا أن الضجيج في السهل تحت قدميه، حيث تدور حرب نهاية العالم المستمرة، يتكمم قليلًا، ولكن أثر سلبيته التي تدفعه إلى السخرية ما زال موجودًا مثل رد فعل مبرمج. ولكنه، في حالة لم تتكرر إلا نادرًا، لم يجد ردًا يوافق تلك البرمجة، وأحس عوضًا عنه بجمود وارتباك. ربما فاجأه الأمر، ربما جاء أسرع من المتوقع، ربما لم يفكر فيه أصلًا. وربما، ببساطة، هناك أمور في الحياة أكبر من قدرته على السخرية منها من موقفه الفوقي. ولذا ابتسم بحيرة، ثم قال بغباء تقريبًا: “ممتاز”.
“ممتاز؟ بس؟”.
تذكر جدته التي كانت تقول له إن زوجها لم يكن يعرف بحملها إلا من انتفاخ بطنها، ولكنه كان في عصر مختلف لا يُسمح له باستخدام هذه الحجة إلا إذا أراد أن ينام في الصالة، فاكتفى بالقول مدافعًا عن نفسه: “أصلًا وش يقولون الناس الحين في مواقف زي كذا”.
“يفرحون”.
هز كتفيه كمن ينفض عنه تهمة: “أنا فرحان. أكيد”، ثم شرح فلسفته عن الأطفال، كيف أنه يحبهم، عندما يكونون صغارًا فهم مثل الدمى الجميلة التي تلعب بها، وعندما يكبرون تستطيع أن تكدَّهم وتستفيد منهم. “بس وش تبيني أقول يعني؟”.
تعمدت إظهار استمتاعها بانكشافه المرتبك الذي يقوِّض نبرة المتذاكي المتحذلق، ولكنها اكتفت الآن: “ريلاكس. بسم الله عليك”.
سألها متى اكتشفت ذلك، فأخبرته. سألها حامل في أي شهر، فأخبرته. سألها متى سيتعذّر الجنس، فأخبرته “متى ما قلت لك ظف وجهك”. وبدأ رتم السوالف يرجع إلى طبيعته، وعادا يضحكان، ويفكران في أسماء محتملة.
ثم نزل يدخن على درج مدخل العمارة، يرى الشارع الفارغ المشتت للذهن، ويتذكر والده.
اشترى ثلاث ساندوتشات شاورما، وقرر أن يأكلاها –نعم، التثنية للدب بحسب ما تمليه نية الشخصية– في السيارة.
أخرج سندوتشة، والتفت إلى الدب: “ترى جبت لك وحدة. تكفي؟ إيه تكفي، لازم تنحّف”.
يمضغ اللقمة بقوة وفعالية، وهو يحدق أمامه. كان قد خرج من حي وادي لبن وتوقف عند رادمية المخرج الصغير على طريق مكة المؤدي إلى بساتين الأحمدية هناك في أسفل الوادي. امتداد الطريق الواسع المنحوت وسط الجبال منير وساطع، يشع ضوءًا يمكن رؤيته من كاميرات المكوكات الفضائية. ولكن في الهوة تلك، في الأسفل، تلوح المزارع خافتة بومضات مثل النجوم، تنبض وسط الظلمة. وتتمايز تلك الصورة المتنافرة بين الخافت والبرّاق، والمتعذر والمكشوف، والمحايد والمغشّي، بقوة تسحب نظرة إبراهيم وتجعله يبتسم. يقول: “ما عمري فهمت المطاعم الفخمة، دايمًا تجرني نورة لها. الزمن هذا كله تخمة واستحقاق بديهي. فيه حياة تفوتك، فيه متعة تفوتك، فيه تجربة تفوتك. لازم تجرب أكبر قدر من الأشياء، ولازم تتميز، وتبرز، ولازم تحس بالذنب على كل ثانية ضيعتها وأنت ما سويت شي فيها. نورة تقول لي دايمًا أنت تعيش مثل شايب. لكني منب شايب، أنا متعي محدودة. شف الرياض”، ومد يده الممسكة بالسندوتشة وهو ما زال يلوك: “شوف! زحمة ما تخلّص. زحمة صور وأنت تقدر تشوف اللي يسويه عامل مصنع في آلاسكا. زحمة معلومات وأنت تقدر ترف وش كان لينكولن لابس يوم اغتالوه. زحمة احتمالات ثلاث أرباعها أوهام مغشوشة يروجها لك حقين السناب. كلٍّ يركض، وما توصل لسريرك آخر الليل إلا وأنت تلهث. من سبقني اليوم؟ وش فاتني اليوم؟ وش سويت اليوم؟”. أنهى السندوتشة الأولى، وأخرج الثانية، وبدأ يأكل، بالقوة والفعالية نفسها. “والمشكلة حتى لو سايرتهم، ما يشبعون. كلهم، من نورة إلى أخوياك على أهلك. ويزعلون أنهم ما يشبعون. طيب وش كنت متوقع؟ أنت تاكل وتشبع ثم تجوع من بكرة؟ تراها نفس الشي! أنت مولود جوعان، الجوع هو الأصل، الشبع يجي ويروح”.
في ظلمة المزارع في الأسفل، يمكن رؤية لمبة فتحها شخص. الظلمة تمنح الضوء –مهما كان صغيرًا– فرصةَ أن يكون مرئيًا، وقد عدّ إبراهيم ذلك رمزًا لشيء ما، لكنه لم يعرفه، ولم يفهمه، ولكنه أحس به، وابتسم برضا المعتد بنفسه. “العصر هذا فيه شياطين كثيرة، لو تذبح فيها ما توصل نهاية اليوم إلا وأنت تسبح في دمك. بس أنا ما فيني شياطين، وهذا اللي مزعلهم. يزعلهم أني منب مثلهم”.
يلوك ببطء وسط تأمله الشارد في اللمبة البعيدة في الظلمة، وعندما انطفأت ضحك ساخرًا من اعتداده الرمزي المتوهم. هكذا اعتاد أن يرى الحياة والبشر، رموزًا تحيل إلى ما يكشف كُنه الظاهر. ولذا تحس بأنه يراقبك دائمًا، وأن كل ما يمكن أن يفضحك عندما تتحدث، أو تصف، أو تعبر عن مشاعرك، أو حتى تجلس صامتًا، سيكتشفه هذا النشبة الساخر المتعالي على كل شيء، وسيحاكمك عليه إما علنيًا وإما في سره، ولا ينقذه من أن يتكون هذا الانطباع عنه إلا مهارته في كبحه عن الآخرين لكيلا يخسرهم، ولو نطق به لأحال حياتهم جحيمًا لا يطاق برفقته.
“في ديرة الوالدة مكان اسمه تلعة الغيران. شعيب وجنبه جبل”، وبدأ يوضح بيديه تضاريس المكان، موجهًا حديثه إلى الدب. “الشعيب تحت، مويته في المطر توصل للركبة، ثم جنبه الجبل اللي يمتد سطحه أكثر من 30 متر، طويل وعلى سفحه غيران، إذا دخلتها بتلقى جثث كثيرة، ما بقى منها إلا عظامها. يقولون كان فيه حرب هناك وإنهم يوم خلصت شالوا الجثث وحطوها في هالغيران. وتقول أمي إنهم كانوا يجون ويسبحون في ذاك الماء”، يمسك بالسندوتشة، وينظر ساهمًا أمامه. “تخيل أنك تسبح وتطافش في الموية فرحان، وجنبك ناس ماتوا قبل سنين، وانرمت جثثهم في الغيران”، قضم اللقمة الأخيرة من السندوتشة، يلوك بسرعة وفعالية. “اللي بوضحه لك أن معايير المعيشة كانت مختلفة. خالة أمي ولدت 12 طفل، تسعة منهم ماتوا. طريقة التفكير كلها كانت مختلفة. محد يوقف، محد يحتري، الحياة تمشي وأنت تمشي معها. إذا ماتت زوجتك تعرس، إذا ماتوا عيالك تجيب عيال، إذا انقطعت رجلك تأخذ عصا، وإذا مت فخلاص، الله يرحمك. وأحسن واحد يموت، اللي يموت وما وراه ديون. أبوي يوم مات كانت أكثر ميزة تذكرها أمي عنه أنه مات وهو مسدد أقساط البيت”.
أنهى سندوتشته. التفت إلى الدب وهو يتمطق، ثم حدق إلى الكيس، وسأل: “شكلك ما تبي صح؟”، ضحك وأخذ السندوتشة الأخرى، وبدأ يأكل لقمات متتابعة بلا توقف، وهو يحملق أمامه. توقف في المنتصف، واستدرك باشمئزاز تقريبًا: “كلام فاضي، حتى هذا كلام فاضي. كانوا مثلنا ويمكن ألعن. أذكر يوم توفت زوجة جارنا وديت جدي للمقبرة، وشفناه في السيارة جالس يصيح، دموعه على خده، شايب أبو ثمانين سنة حارب مع الملك عبد العزيز، وأذكر جدي ونحن راجعين يضحك ويقول الله لا يفضحنا، لاحظ الكلمة المستخدمة، الله لا يفضحنا، جالس يصيح على حرمته في السيارة قدام الناس”. ارتفعت حدة صوته، وهو ما زال ممسكًا بالسندوتشة: “الإنسان هو الإنسان، ما يهم وينك والا وشلون طلعت. إذا الشي يضرب في صدرك”، وضرب بقبضة يده على صدره “بتحس به، إيه، ويمكن حتى تصيح ليش لا”. ولأن الانفعال نادر الظهور على وجهه، فقد بدت ملامحه غريبة، وكأنه يصطنع فعلًا. التفت إلى الدب الذي ما زال يحدق إلى الأمام، حملق فيه لحظة ثم أشاح بإنهاك ملول: “أنت أسوأ واحد سولفت معه في حياتي”.
الحياة جيدة وهادئة. الطفل يبكي كثيرًا، ولكنه لطيف ووسيم. أسموه محمد، على اسم والدها الذي توفي قبل عامين. يقول إبراهيم إن الأطفال يجب أن يكونوا على هذا القدر من الجمال والوناسة، لأنها الطريقة الوحيدة التي ستغري الجنسين بالاشتراك في خلق كائن والتورط في مصيره. يحب كل شيء في ابنه، ضحكه العصبي، خزعبلاته الكلامية التي تُسمع كالتعويذات، ردود فعله الانفعالية، جلده الناعم الذي لم تفسده شمس أو غبار.
يترقى في عمله ليصير نائب مدير إدارة الأجهزة الطبية في الهيئة، ويقول إن ترقيته دليل على خراب المنظومة الإدارية، لأن أقدميته هي سبب استحقاقه الوحيد، ولو كان هناك حمار أقدم منه في الإدارة فإن هناك احتمالًا كبيرًا أن يُختار نائبًا لرئيس القسم. تستمر نورة في وظيفتها معلمة فنية في مدرسة ثانوية، ترفض العرض الذي قدم إليها لتكون وكيلة المدرسة، وتقرر –دون أن تتفرغ– إكمال دراسة الماجستير في جامعة الملك سعود.
تحب نورة الرسم وتجيده. ابتكرت لها مرسمًا في الرواق المؤدي إلى الغرف الثلاث المشغولة، ولذا تبدو الشقة –في موضعها الخلفي غير المرئي للزوار– مثل معرض فني. لم تكن تمانع، بل يعجبها هذا الانكشاف، ولم يكن إبراهيم يمانع أيضًا، بل يعجبه أنه يمر دائمًا بما يشبه الفوضى اللا منقطعة، انطلاقًا من نفوره من الأناقة المبالغ فيها. اللوحات، أدوات الرسم، الألوان، المنصات. يمر بينها ويبتسم كعادته المتعالية من مكانه أمام المرأى الأعلى فوق العالم، ويهز كتفيه أمام تلك الرغبة الملحة في التميز التي تدفع زوجته إلى الإبداع. “وش الفايدة؟”، يسألها وهو يراقبها ترسم، تلتفت إليه من وراء ظهرها، وتجيب بمزيج من البرود المتصنع والدفاع المتأهِّب: “لأني أحب أرسم”.
يرشف جغمة من الشاهي، ولكنها لا تلتفت إلى الأمام، لأنها تعرف أنه سيستطرد، ولكنه ينتظرها إلى أن تيأس وتلتفت، فيستطرد: “لكن هذا مهوب حب، هذا احتراف”.
تغضب من حركة انتظاره إياها أن تلتفت أكثر من التعليق نفسه. ولكنها ترد محافظة على برودها: “وش الفرق؟”.
“أنت تحبين واحد مثلًا، لكن محد يتزوج لأنه يحب بس، الزواج هو مرحلة الاحتراف، ولازم له هدف أكبر من الحب بس”.
“ليه أنت تزوجت مثلًا؟”.
“لأنك قلت لي إذا ما تزوجتك بتسحبين علي وتتزوجين ولد عمك عزيّز، وأنا أبيك، ولو تزوجت ما راح ألقى أنسب منك”، ثم اختتم بهزة من كتفيه: “بالإضافة إلى إني أحبك طبعًا لكن كما قلت الحب ما يكفي”.
كانت تلك الفوقية المتعالية المسترخية التي تجعله جذابًا بالنسبة إليها، هي ما تجعله أيضًا منفرًا، بل وبغيضًا أحيانًا، حتى إن كانت لا تزال مقتنعة بأنه يصطنعها إلى درجة ما. أرادت أن تقول دون أن تلتفت: “ليتني إذن ماخذه عزيّز”، ولكنها تواجهه دائمًا بأكثر ما يستفزه، أن تهمله، وأن تترك صوته غير مسموع. ولأنه أذكى من الوقوع في ذلك، فإنه ينسحب دائمًا فور تنبئه بأنها ستسحب عليه، محققًا لها نصرًا معنويًا على الأقل بأن يسدّ فمه ويتركها في حالها. ولذا يمشي ببيالة الشاهي ويختفي في مكان ما في الشقة، مخلِّفًا شرخًا لا داعي له، ولكن لا يمكنه تجنب إحداثه أيضًا.
ينجبان الطفلة الثانية بعد زواجهما بأربع سنوات. أسموها توق. لم يتخيل إبراهيم أنه سيرى شيئًا بمثل هذا الجمال والملاحة في العالم، وكان يخبرها وهي تعلك لسانها وتبتسم بانفعالية لم تسيطر بعد على أعصابها أنه سينتظرها حتى تتجاوز العاشرة، وإذا لم تتضاءل قوة تأثيرها فيه فسيقتنع أن للحياة معنى أعمق من مجرد العيش، وربما يتجاوز ذلك إلى القناعة بأنها هي المعنى الأساسي في حياته.
تنهي نورة الماجستير، وتطلب تفرغًا من وظيفتها لدراسة الدكتوراه.
يمر يومًا أمام لوحة رسمتها، ولا يفهم منها شيئًا. لم تكن تعبيرية، أو تكعيبية، أو من تلك النوع من اللوحات ما بعد الحداثية التي تثير أفضل ذبَّاته وسخرياته، ولكنها شيء خربشي يشبه رسوم الأطفال، ويسألها عنها، فتقف ذاهلة، وتقول إنها لا تذكر، ويبدو على ملامحها عجز غامض، ليس نسيانًا، أو لخبطة، ولكن يكاد يكون وهنًا مثل الفشل العضوي الجسدي. ويغرس ذلك دبوسًا في ذاكرته، وهو يتأمل حيرتها الذاهلة بجانبه.
لا يتشاجران تقريبًا. تقول إن عليهما شراء بيت، فحالتهما المادية جيدة، وأسرتهما تتوسع. ولكنه لا يرى دافعًا وراء ذلك، ويظل يؤجل، وتظل هي تضغط. وكأن ملاكًا يحرس احتقانهما من الانفجار، عندما زار صديقًا له مرة، وجلسا في حديقة الحوش تحت السماء والشمس والغيم والهواء يدخنان ويتحدثان وبدت الحياة أجمل كأن ذلك الجزء المفتوح من المنزل الذي ذكَّره بوالده وبمكتب التأمل في الأشياء قد أعطى العائلة مفهومًا محسوسًا أعمق، وأنه المنطقة المحايدة بين العالم الداخلي والخارجي، المكتب الخاص بكل رجل يضع فيه ملحقه أو يجلس في حوشه. ولذا وجد دافعه الملموس.
تغضب منه عندما أخبرها بشراء المنزل، وتنهمر عليه بالسباب، وهو منكمش باستغراب في كنبة الصالة. لمَ لم يخبرها؟ ينتظرها حتى تنتهي، وعلى ملامحه دهشة ملجمة من النادر أن تطرأ دون سخرية مبطنة، وكأنه يراقب حدثًا مقلقًا لا يمكن تفسيره، ثم يخبرها أنهما اتفقا على شرائه قبل أيام، وأنها وافقت، بل أحالها إلى رسائل وتس أب يتحدثان فيها عن شراء المنزل. تجمّدت في وقفتها مذهولة، وقالت أمام ثقته التي تبث الشك إنها لا تذكر، وسمَّرت عينيها في جوالها لتشاهد المحادثات، وهي تتمتم مصدومة أنها لا تذكر.
ولكنهما لا يتحدثان عن ذلك. كما أنهما لا يتحدثان عن المرة التي نسيت فيها قدر الأرز فوق النار حتى احترق، أو المرة التي صرخت في ابنها فجأة دون سبب وكأنها رأت في وجهه منظرًا مرعبًا. ويسكنان البيت، ويؤثثانه.
شمس الأصيل ذهبية وناعمة، وتبدو في شتات الغيوم مثل اللون على قماش. يجلس بجانبها في الحديقة الصغيرة، وأمامهما الطفلان يلعبان في شحنة رمل. يمسك ببيالة الشاهي في يده اليمنى، والزقارة في اليسرى، في تلك المنطقة المحايدة بين العالمين، مكتب الرجل، ويقول: “هذي هي، هذي هي الحياة، كانك تبينها”. ولكنها لا ترد، تمسك بكتاب تقرؤه، تلتفت إليه وتكتفي برفع حاجبها في نظرة استفسارية متشككة. فيرفع يده اليسرى والدخان ينحت طريقه أمام وجهه: “هذي هي الحياة، هاللحظة، أي شي غيرها …”، ولكنه يفشل في العثور على كلمة معبرة، فيسكت، ويهز كتفيه لا مباليًا، ويعود ليتأمل الطفلين والشمس والغيوم والسماء.
الساعة الثانية عشرة. بقالة نموذجية، كما تسمى، في نظافتها ودقة ترتيبها وألق بياضها المحايد. ولولا ألوان البضائع الزاهية، لأعطت انطباعَ الوقوف في رواق مستشفى. البياع اليمني وراء الطاولة يراقب. يدور إبراهيم بين البضائع. بسكوت، شوكولاتة، بطاطس، لبن. أصوات البرادات الأزيزية الخافتة ترسخ انطباع الوقوف في مستشفى، وكأنك ستسمع فجأة طنين جهاز أو أنين مريض. تمنى لو أنه لم يترك الدب في السيارة، ليحكي له قصة الجني في البقالة، ولكنه اقترب من البياع اليمني، معه بطاطس ليز وتويكس وعلكًا، ووضعها.
“أخبارك؟”.
ابتسم البياع ورد بأدب. رن جوال إبراهيم باتصال من أخته فابتعد ورد. سألته: “متى بتجي؟”، كان قد كلمها أول الليلة، وأخبرها أنه سيرجع باكرًا. رد بنزق تقريبًا: “شوي شوي”.
“صار شي؟”.
“لا. كل شي تمام”.
أطرقت لحظة: “عمومًا العيال ناموا، قلت لهم إن عندك شغلة وبتوديهم بكرة لبيت جدتهم”. فرد مقتضبًا: “طيب طيب”، وأغلق المكالمة. يقف في البقالة التي تذكّر بأروقة المستشفيات، ونظرته الساهمة معلقة في الفراغ. سمع صوت البياع: “بس يا الحبيب؟”، وكأنها أعادته إلى الواقع، فالتفت مبتسمًا، ورد وهو يقترب: “هذي ما تشبه بقالاتكم”.
ضحك اليمني، ورد: “خلاص، نواكب التنمية والتطوير”.
فتح البطاطس بعد أن دفع الحساب وبدأ يأكل: “كان عندنا بقالة في الحارة وأنا عمري يمكن 19. اللي يبيع فيها يمني اسمه أبو حسين. وكنت أعرفه ويعرفنا. مرة من المرات واحد من عيال الحارة قال إنه سمع أصوات في أقصى البقالة، وبدت تنتشر أخبار أن البقالة فيها جني، فاضطر أبو حسين”، توقف إبراهيم منتبهًا ومد كيس البطاطس للبياع الذي رفض بحركة مهذبة من يده: “المهم اضطر أبو حسين أنه يواجه حملة الإشاعات بحملة نفي مضادة، رغم أن الإشاعات جابت له زباين، بس أبو حسين يبي الناس تجي للبقالة وليس للجني. أبو حسين كان عنده مبادئ. جيته مرة، الصبح على ما أذكر، وأنا واقف أسولف أنا وإياه عن الموضوع سمعنا أصوات من ورا، أول مرة نسمعها، أصوات غريبة، ثم شفنا خيال عباة مرتفعة في الهواء، تحت السقف بشوي، أنا لاحظتها أول لأنك صعب تشوفها في الظل، ثم لما قلت له ركز وانتبه لها. صوت حرمة تقول أنا الله قدَّر علي، وتكرر هالكلمة. كلنا واقفين مرعوبين. فجأة نزَّل أبو حسين يده وسحب ساطور من تحت الطاولة، ومشى خطوتين قدام، قلت له وين؟ قال بطردها. قلت تطرد جني بساطور؟ فيه أحد يتضارب مع جني بساطور؟ فقال لي وش الراي؟ قلت ننحاش. وفعلا طلعنا، وتركنا البقالة. تجمَّعوا أهل الحارة، ويوم دخلنا ما لقينا شي”.
كان البياع اليمني يضحك ببرود. سأله إبراهيم بنبرة تتراوح بين الجدية والسخرية: “طبعًا ما فيه جني، لكن هل يعقل أن المخ ينحت صور وهمية لهذه الدرجة من الحقيقية؟ لأني شفته، الجني”.
هز البياع كتفيه: “كل شي جايز. الجن حقيقيين ومذكورين في القرآن”.
“ممكن نورة إذن تشوف جن. ممكن فيها جني صدق مثل ما تقول أمها. ممكن هذي كل السالفة. جن، تطردهم بساطور أبو حسين وكل شي يضبط”.
“نورة مين؟”.
“زوجتي”.
بدا البياع اليمني وكأنه ندم على سؤاله. تحرك في مكانه مرتبكًا، وأطرق صامتًا، وهو يبتسم. وعندما طال الصمت المربك، رفع إبراهيم يده مسلمًا وخرج.
الهواء عليل، وأضواء المدينة تلمع بألق. البيوت المصطفة على الحافات تبدو في سكينة مثل النائم. ولأن النوم ميتة صغرى، فمن الصعب ألا يستخرج إبراهيم رمزية من الصورة الظاهرة تحيل إلى الموت كعادته.
عندما ركب السيارة، جلس دقائق عدة صامتًا. التفت إلى الدب، لم يتغير في مكانه طبعًا. قال: “يعجبني جدًا ارتياحك مع نفسك، إلى هذه الدرجة. ليت الناس مثلك”.
شب زقارة جديدة ومشى، والأضواء الكريستالية تزخرف البيوت النائمة في ظاهرها، الميتة في رمزيتها. قال وهو يحدق إلى الأمام متكئًا بخمول على حد الباب: “كان فيه برنامج اسمه سلامتك وأنا صغير، يقول لك انتبه لا تطمر من الجدار ولا ترقى على سلم مايل ولا تدخن حشيش وأنت جوعان. أنا كنت ما أطمر من الجدران ولا أرقى سلم مايل ولا أدخن حشيش وأنا جوعان، لكن جاني مشكلة في الكبد، ودخلت المستشفى ثلاث أسابيع”.
أطرق لحظة وهو يراقب المرآة الجانبية ليسبق السيارة التي خلفه، ثم أكمل: “تخيل تدخل مضاربة مع واحد معه بازوكة وأنت معك سكين مطبخ وياخذك خويك على جنب ويقول: انتبه، لازم تمسك السكين من قدام عشان تطعنه زين ثم تلفها في الجرح”، ثم ضحك بملل: “معه بازوكة! اطعن نفسك بالسكين أحسن وخله يتركك”.
صمت طويلًا. هناك أصوات المدينة من النافذة المواربة التي يتكئ عليها، ولوحات المحلات المطفأة على شارع التخصصي، والزقارة التي يزيد رمادها المتماسك وهي معلقة على فمه. وهو يحدق شاردًا أمامه.
استدرك: “بس الأغنية كانت حلوة وسريعة وخفافية، تحسسك أنه برنامج ألعاب ما هو برنامج تحذير من الموت”.
التفت إلى الدب الذي كان يحدق إلى الأمام، لأنه –طبعًا وكما هي الحال دائمًا– دب قطني يعتمد على الوضعية التي وُضع عليها وليس لأنه يحدق إلى الأمام عمدًا، ولكنه رغم ذلك المنطق البديهي بدا خاملًا مثل شخص ملّ. فأخبره: “أذكر واحد لحنها بتوزيع جديد، كل ما سمعتها أبي أرقص، خل أشغلها لك نغير الجو”.
بحث في اليوتيوب عن التوزيع الجديد الذي نفذه شاب بآلات موسيقية عدة، حتى وجده وشغله. سريع، وراقص. أخذ يتمايل معه بتفاعل تتصاعد وتيرته. التفت إلى الدب، أخذ بيده يراقصه أيضًا. لم يعترض الدب، طبعًا، ورقصا معًا. يمتد اللحن دقيقة بالضبط، ثم ينتهي.
الحياة تزداد غرابة.
الرسمات في محترف زوجته الكبير في المنزل الجديد غريبة وغامضة، بلا معنى. خربشات. تسأله متى سيذهبون إلى السويدي، فيحدق إليها باستغراب، ولا يفهم، وهي تحملق فيه بإصرار، ولكنه لا يعرف ما الذي في السويدي، أو متى قال إنهم سيذهبون، ويسألها ولكنها ترتبك ثم تبتسم وتشيح بوجهها.
عاد يومًا من العمل، ورأى ابنيه يجلسان بجمود على كنبة الصالة، سأله محمد ذاهلًا: “ليش بننقل لبيت جديد يبه؟”. ولكن جلبة في المطبخ صرفت انتباهه. ذهب إلى هناك، ورأى نورة قد جمعت الأغراض في كراتين كبيرة، وتجلس على إحداها، محدودبة الظهر، مثنية الرقبة إلى الأسفل، ممسكة بكأس ماء. سألها: “وش السالفة؟”، رفعت رأسها، وبدت تائهة، ولا تدرك جيدًا ما الذي يحدث. فسألها مرة أخرى: “ليش الأغراض في كراتين؟”، فردت وكأنها ترى كل شيء أول مرة: “مدري!”.
في كثير من الأحيان كانت زوجته، في أحيان أخرى كانت شخصًا آخر.
عندما ذهبوا إلى المستشفى، شخَّصوا إصابتها بألزهايمر الذي أدى بدوره إلى بدء حالة من الخرف والوهم والذهان. أعطوها علاجات عدة، وأخبره الطبيب أن الحالة ستسوء، ولكن عليه مراقبتها، والعودة إليه كل شهر.
لم يخبرا أحدًا، ولا حتى أمها التي تعيش في الخرج ولا ترى ابنتها إلا مرتين في الشهر. واتفقا على أنهما سيسيطران على الوضع، حتى يتبين أثر العلاج.
يستيقظ في منتصف الليل ولا يجدها بجانبه، ويصادفها في الأسفل تجلس على الكنبة بنظرة ذاهلة ووجه ناعس، وتسأله: “هاه نروح الحين؟”، فيرد: “نروح وين؟”، فتطرق ذاهلة، وكأنها تبحث عن أقرب إجابة. “بيتنا”، فيرد: “هذا بيتنا”، ولكنها تظل تحدق إليه بنظرة ذاهلة ووجه ناعس، بلا تعبير واضح، ويتمنى أنها ما زالت نائمة، وأنها تحلم ليس إلا. فيجلس معها، ويظل يقنعها حتى تصعد معه.
تتخيل أشياء. تقول إن خالها عادل الذي توفي في حادث قبل سنوات يجلس الآن في الصالة، تراه أمامها، ويجد صعوبة في إقناعها، فتقوم وتقف أمام الكرسي الفارغ، وتقول: هذا هو قاعد، وتغضب وتصرخ أمام إنكار ما تراه، بل وتقذف عليه كرتون مناديل، فيتجنبه بحركة بارعة.
في يوم من الأيام، لم تعرفه. ارتعبت عندما دخل ورأته، غطت وجهها وصرخت فيه أن يخرج من بيتها، ولم تهدأ إلا عندما توارى في رواق المدخل وأقسم لها إنه إبراهيم. وعندما دخل بدت أنها لم تتعرف إليه، ولكنها كانت تخاف أن تنكره أمام إصراره وتعرُّف ابنيها إليه.
في أحيان أخرى لم تكن تعرفه أصلًا، لم تكن تعرف من هو إبراهيم. وكأن ذكراه –مثل ذكرى بيتهما الجديد– مُسحت من الوجود، وعادت هي صغيرة في الرابعة عشرة، وتقول إن عليها أن تدرس لاختبار العلوم غدًا. بل إنها لم تتعرف إلى ابنيها، وظنت أنهما يزورانهما، تسألهما عن أمهما وبيتهما وعن دراستهما. يراقب إبراهيم المشهد السريالي بجمود ذاهل غير مهيأ أو مدرب للتعامل مع أوضاع بهذه الدرجة من الجدية الدرامية. يشرح الوضع للطفلين: ““مثل ما قلنا، أمكم مريضة وتاخذ الحين علاجات، لذا ننتبه لها، ونشوف وش يصير”. يجلس على الكنبة متكئًا بثقله، غائرًا في جلسته، ويشعر بأن هذا أقل مما يجب أن يفعله أب مثالي، ولكنه أقصى قدرته. تسأله توق: “ما تدري أنها مريضة؟”، فيرد أن في حالتها ما يسمى بعَمَه المرض، وهو عدم إدراك المريض آثار مرضه. يحملق الطفلان فيه بعدم فهم، ويهز رأسه ويختتم ساخرًا: “ممتاز يا إبراهيم، واصل”.
الساعة الخامسة عصرًا، تأخر في دوامه، وعندما دخل المنزل لاحظ جمودًا شبحيًا في المكان، ذلك الذي يخلفه انقطاع مفاجئ للضجيج المعتاد. وجد نورة تجلس على الأرض، أمام مجلس النساء، ممسكة بسكين مطبخ صغيرة. انقبض قلبه، وسرت قشعريرة لم يختبرها يومًا في حياته، كادت أن تثني ركبتيه. قفزت عندما رأته، وأشارت بالسكين –التي ما زال فيها أثر قشر خيار– إلى المجلس وهي تصرخ تقريبًا: “كلاب دخلت وهنا لين سكرت عليهم”. كلامها متقطع كعادتها مؤخرًا عندما تُستثار، ولكن ملامحها لا تنبئ عن أي حالة جنون، وكأن كلابًا في المجلس حقًا. سألها: “وين العيال؟”، أطرقت ذاهلة لحظات عدة ثم أجابت: “رقِّيتهم…”، وفشلت في العثور على مفردة “فوق”، فسكتت. تقدم خطوتين فأمسكت بذراعه بخوف: “لا تروح مجنون!”. أخذ السكين منها بهدوء، كان المقبض متعرقًا، مثل الصمغ، وقشرة الخيار تلمع. ذهب إلى الباب وفتحه. لم ير شيئًا، ثم لاحظ طفليه يختبئان وراء طاولة زاوية الكنبة، ملتصقان بعضهما ببعض مثل صوص في عش. لن ينسى هذا المنظر طوال حياته، كان مثل إعلانٍ عن النهاية. خرج وأخبرها أن الكلاب قفزت من النافذة، وطلب منها أن تعود كما كانت، فتنفست الصعداء وذهبت إلى المطبخ. أخرج الطفلين، وذهب بهما إلى بيت أخته. اتصل بوالدتها، أخبرها كل شيء وطلب منها المجيء. وعندما عاد إلى المنزل، كانت نورة هناك، نورة زوجته، كما هي. سألته: “ليش ما جبت العيال؟”، فرد: “بينامون عند عيال أختي”.
الساعة السابعة مساء. تقف في غرفة الغسيل، تطوي الملابس الناشفة ببطء، وترتبها بعضها فوق بعض. يجلس هو في الصالة، وقد اتكأ على كفه، وينظر إليها من المسافة الطويلة التي تلج فرجة الباب المفتوح. يحدق بجمود منهك. كانت تدندن لحنًا، يشبه “أسابق الساعة”، ويفكر أن صوتها جميل لمَّا كانت تغني له. عندما رن الجرس، التفتت والتقت نظراتهما، سألته: “تفتح؟”، فهز رأسه ونهض. كانت أمها ووالدها.
وقفوا معًا يحدقون إلى المرأة، تطوي الملابس ببطء، وترتبها بعضها فوق بعض، وهي تدندن. ولا تتذكر شيئًا مما حدث. كانت تلك أكثر اللحظات صفاء في تلك المرحلة، كانت هي كاملةً، ولذا ظل إبراهيم يراقبها، ويبتسم لها. في جسده يسري انقباض غامض، يشبه امتصاص الهواء من كيس، ويجد أنه عاجز عن التعليق بأي فوقية ساخرة، كعادته، ولذا يصمت وهو يراقبها تضحك وتتكلم مع والديها وتشرب قهوة المغرب معهم.
الساعة الثانية والنصف منتصف الليل. مقهى آخر. قهوة جديدة تحركها الريح مثل بحر ملطخ بالنفط. لا أحد في الجلسات الخارجية ولا الداخلية. العمال يستعدون للإغلاق.
يجلس، باسطًا ذراعيه على الطاولة، متوسدًا ساعده بذقنه، مثل طالب ينام على طاولة المدرسة. ولكن وجهه منتصب، ونطاق رؤيته متوازن مع سطح الطاولة، ما يمكّنه من رؤية رماد الدخان ونثار الغبار والعناصر الدقيقة التي تحطّ على سطوح الأشياء. أما الدب فبجانبه، كعادته، يحدق إلى الأمام.
نبهه النادل: “we are closing boss”.
رفع رأسه ببطء، ابتسم له، ورآه يعود إلى الداخل. يجمعون الأغراض، يقلِّبون الكراسي على الطاولات، ينظفون الأرضية.
لقد انتهى اليوم. “خلاص”. لا مكان آخر يذهب إليه.
ولكنّ هناك دائمًا مكانًا آخر يُذهب إليه، هنالك الشيشات، ومحطات الطرق السريعة، وحتى الفنادق. لن يمنعوا شخصًا من الدخول مع دب، لا قانون يمنع ذلك.
تخيل أن الدب يقول له هذا، أن الدب يحاول إقناعه، ولكنه يحدق إلى الدب، وليس هناك تعبير على ملامحه، كالعادة.
يسحب جسده من على الكرسي، وينهض. يظل واقفًا، في ملامحه إنهاك استنزفه وامتصَّ كل طاقته. يضحك بارتباك وتعاسة: “كانت ليلة ممتعة. بس، أتوقع لازم أرجع، خلاص”. ولكن الدب يبدو أنه لا يلحظه أصلًا، يحدق إلى الأمام، كعادته. فيحدق إليه، بنظرة الارتباك والتعاسة نفسها، وكأنها يتمنى أن يلتفت إليه.
يسحب جسده بعيدًا عن الطاولة، ويتركه خلفه، على كرسي المقهى الذي يملأه بأكمله، ولو رآه شخص ضعيف البصر لظن أنه شخص.
يمشي على الرصيف المضاء بعواميد سوداء قصيرة ترشح نورًا ضعيفًا غرضه الزينة فحسب إلى سيارته الموقفة بعيدًا. الهواء البارد يهف شعره، ودخان الزقارة التي شبها تنحت طريقها أمام وجهه، والمقهى والدب والكراسي يتضاءلون من ورائه حتى اختفوا، دون أن يلتفت.
طلب الطبيب إدخالها إلى مستشفى مختص لمراقبة حالتها، واتخاذ الخطوات القادمة المناسبة في حال خروجها. تكفَّل والدها بتكاليف إقامتها في المستشفى الخاص، واتفقوا أن يجلس الأبناء عند جدتهم في الخرج، ويجيئوا عطلة كل أسبوع إلى بيت والدهما. يخططون وإبراهيم يجلس بصمت مطبق، جامدًا. يقولون إن الحالة إذا استمرت حتى انتهاء العطلة الطويلة وبداية الدراسة، فستأتي جدتهما لتسكن معهم، لئلا يخرجانهما من مدرستهما وينقلانهما إلى الخرج. يهز رأسه بجمود مطبق، والجميع يخطط.
رفضت الموظفة في مكتب استقبال المستشفى إدخال الدب القطني. “غير مسموح إدخال أي شيء من الخارج”.
حدق إلى الدب، ثم إليها. “يعني بهرّب في الدب سكاكين مثلا وحبوب؟”. ولاحظ أول مرة عينيه الصغيرتين الزامّتين تعبران عن عدم التصديق، وكأنه أكثر دهشة منه أمام وقاحة التشكيك فيه.
ابتسمت بأدب: ““والله هذا النظام أخوي”.
يصعب على الآخرين تحديد مدى جدِّيته، وهذا الموقف كان تجسيدًا مثاليًا لتلك الحيرة التي يبثُّها في الآخرين. قال: “شوفي، أم زوجتي هي اللي اشترت هالدب لأنها قرأت مقالة في الانترنت تقول إنه سيساعد بنتها على التأقلم، وممكن يكون صحيح لأن زوجتي وصلت مرحلة صارت تشوف أموات وتحسب إني خالها اللي دعسته تريلة في الطايف عام 1999، وفي الوقت نفسه ممكن تظنه جني وتطعنه بأقرب ساطور قدامها وتصاب بانهيار عندكم، لكن، عمومًا، أمها الحين معها في الغرفة وقالت لي أنت اللي جبه معك، وبالتالي ابتلشت أنا بهالدب”.
أطرقت الشابة المحجبة بحيرة، وعجز عن استحضار رد، وظل يحملق فيها مترقبًا، وهو يمسك بالدب الضخم. وعندما اتضح استعصاء النقاش، تركه عند طاولة الاستقبال، وقال إنه سيأخذه عندما يخرج، ثم ذهب إلى الغرفة حيث وضعوا زوجته.
كانت نورة في حالة شتات واضحة. تعلم أن شيئًا يحدث، أن هناك مشكلة ما، ولكنها لا تعلم ما هي، أو لماذا. ولذا تلمع نظراتها يمنة ويسرة، ولكنها تتردد، وتتحفظ، وتظل تراقب والدتها والمكان، وتحاول استكشاف ما يحدث حولها. كانت في أسوأ حالاتها آنذاك. ظلت تسأل بشك لا غضب أو عدوانية فيه: “وين أنا؟”، مثل طفل مرعوب. يقف إبراهيم عند الباب على بعد أمتار منها، دون أن تنتبه له. ترد والدتها عليها، وهناك ممرضة ترتب الأغراض، ويقف إبراهيم هناك عند حد الباب متكئًا على الجدار، ويتمنى لو أن بإمكانه أن يخبرها: “حنا في حوش بيتنا، العصر، والعيال يلعبون في شحنة الرمل، والشمس هناك في السما، بين الغيم. وحنا نشرب شاهي”، ربما تصدقه، وتبتسم وهي تتخيل أبناءها وشحنة الرمل التي يلعبون فيها، وترتاح. ولكنه ظل واقفًا عند الباب، يحدق واجمًا، ويراقب حياته من مكانه أمام المرأى الأعلى فوق العالم تنهار تحت قدميه.
يقع بيته الذي اشتراه مع نورة قبل أشهر عدة في حي القيروان على شارع عرضه 20 مترًا، أمامه أرض فارغة تجعله مكشوفًا على طريق الملك سلمان. يمكن لمن يمر من الطريق أن يرى رجلًا يجلس قبيل الفجر على عتبات الباب الذي تنيره لمبة مؤطَّرة الضوء، تمنحها عتمةُ الشارع فرصةَ أن تكون مرئية من مسافة بعيدة.
كان قد صعد ورأى أخته نائمة عند ابنيه، وعندما حاول النوم لم يستطع.
نزل بدافع العادة إلى الحوش ليدخن، ولكنه وقف قليلًا، ورأى السماء والغيم والظلام والظلال، واستثقل الوقفة، فخرج إلى الشارع المشتِّـت للذهن، وجلس على العتبات كما اعتاد أن يفعل عندما كان يسكن شقة، تحت ضوء اللمبة الإطارية الصفرة التي تلوح وراءها ظلالُ بيت حديث أغلبه زجاج في أجدد أحياء الرياض. وفي أذنه تُدندن تلك الموسيقا الراقصة: “سلامتك، سلامتك، نودُّ لك سلامتك. سلامتك، سلامتك، نودُّ لك سلامتك”.
10 تعليقات على “المرأى من الأعلى”
يا سَلام يا أحمد، يا سَلام💘
الان فقط فهمتها … انها القلوب اذا رأت صفت … جميلة القصة احمد ودمها خفيف
عورني قلبي على نورة
و ابراهيم اتمنى له زقارة دخان سعيده
القصة رهيبه لدرجة ندمت اني خلصتها
استرسال الاحداث والمواقف فنان !
نورة💔
القصة من اجمل ما قرأت السرد اكثر شيء اعجبني حقيقي ما كان ودي تخلص..
يبكّي
أنت يا أحمد الحقير شخص كريه وبغيض ومريض نفسي وقذر
الله يبيلك بنفسك يا سايكو
اقسسم بالله ابداعععععع
احمد !
دائمًا ما اقدر افهم نهاية اي مدونة مدري المشكلة فيني ولا بالنهايات لان طاقتي تخلص
عالعموم مبدع احب استرسل دائمًا ، بالتوفيق لك
مجنون
ياربي أنا أقول في نفسي أن كتاب(الحافة المطلة على العالم) قرأتها قبل. لين استوعبت 😄
الحمدلله أني كنت من القراء هنا قبل الكتاب
كل التوفيق أخوي أحمد وننتظر الجديد دائمًا