الاحتمال الدقيق الذي قد ينقذك من أن تكون قاتلا

كنا نظن أن في والدي جني. كان نحيفا ومسالما ولكنه يغضب فجأة، يغتم، ويصير عصبيا، ويبكي أحيانا. اعتاد أن يضرب أمي، ربما لأنها الأقرب إليه، ولأنها كانت تستفزه كثيرا. فيضربها، حتى يكاد يدميها. ثم نراه يبكي قبل أن يخرج ويختفي!
لذا قالوا إن فيه جنيا. أخذوه للمشايخ، وكووا رأسه، ولكن لم يتغير شيء.
لن أنسى أبدا المنظر. يضربها فتصرخ فيه، تحاول الدفاع عن نفسها، وتنجح أحيانا بأن تضربه بشيء على رأسه فينكمش ويهرب، أو ينقضّ عليها. ثم تبكي وأنا وأخواتي الأربعة نتحلق حولها. يخرج من مكان الهوشة، وإذا لحقناه رأيناه يبكي هو أيضا، في المجلس أو في غرفة النوم، يبكي ويصرخ فينا. منظر عجيب!
يمر يوم أو يومان يختفي فيهما، ولا نراه ولا نعلم أين يذهب. ثم يعود، ويعود كل شيء إلى طبيعته تدريجيا، وتراهما يضحكان.
نشأت معظم حياتي في ذلك الروتين المتكرر.
كنت أعيش تقريبا في الشارع، منذ الظهيرة وحتى الليل. تعلمت كل شيء في الشارع، المضاربات، والخواية، والسباب، والسمعة. السمعة مهمة في الشارع، من أنت، وكيف تمشي وكيف تتكلم، وكيف تصد من يتجرأ عليك. أنت سمعتك، باختصار. ولذا كان صعبا أن أعود لأرى أبي يضرب أمي، وأنا واقف مثل الكلب لا أفعل شيئا.
ولذا، يوما ما، وقد تجاوزت السابعة عشرة فيما أظن، دخلت ورأيت أمي تبكي. القصة نفسها، القصة الملعونة نفسها، وأبي واقف أمامها. بدا وكأن يدي تصرفت من تلقاء نفسها. ارتفعت بكل قوتها وهوت عليه، على وجهه. طار ضرسان من فمه، وأحسست مباشرة بثلاثة من أصابعي تنكسر. سقط على الأرض دفعة واحدة مثل ثور منحور، وضرساه يلمعان في الأرض، وصرخت بأعلى صوتي متألما من أصابعي المكسورة. أذكر أمي تصرخ: وش سويت؟! وش سويت يا المهبول؟! وذهبت إليه، وتركتني!
كنت على ركبتي، أمسك بيدي. وأراها على ركبتيها، تحاول أن تحركه!
سيمر وقت طويل قبل أن أستوعب أنني لم أضربه لأجلها، وأنها لم ترد مني أو من غيري أن أضربه. ولكن وقتها سيكون كل شيء قد صار ومضى.
ذهبت لحالي إلى المستوصف القريب من بيتنا. أمشي ممسكا بيدي، وأنا أحاول كبح بكائي من الألم، ولكن دموعا حارة تسيل على خدي. جبروا الأصابع الثلاثة، وعدت إلى البيت، فلم أجده. ووجدت أمي غاضبة علي، وأخواتي عندها، لا يعرفن مع من يقفن، معي أو معها.
أذكر أنني انسدحت على سريري، والألم ما زال قويا في يدي، يكاد يبكيني. وأفكر لماذا هي غاضبة علي؟ ما مشكلة هذه المجنونة؟
وأنا أصغر كنت أغضب منها لأنها لم تأخذنا وتذهب إلى بيت جدي. لماذا تستمر في العيش مع شخص كهذا؟ وذاك اليوم حينما أوقفت هذا المجنون عند حده، لماذا تغضب علي؟ ألست رجلا الآن؟ ألست رجلها ورجل البيت؟
ووجدت أنني ألعنها وألعنه وألعن جميع البشر، وأنا أحس بالألم يعصر ذراعي وينتشر في كل جسمي ويمنع عني النوم.
بعد أيام رأيته، أعني والدي، ينتظرني عند باب المدرسة. كان يقف بارتباك، ويتضح مباشرة أنه لم يكن في حال جيدة. اقترب مني وطلب مني أن آتي معه. فكرت أن أتهاوش معه، أن أسبه، ولكن يبدو أن تلك اللكمة خففت جزءا من حقدي عليه، كما أنه بدا في حال غير جيدة، بدا مريضا ومنهكا، رغم أنه يبدو دائما مريضا ومنهكا. ركبت معه في الهايلكس، كان قد اشترى هايلكس موديل 99 جديد وأعطاني الددسن القديم. لم أحلم في حياتي بشيء مثلما حلمت أن أقود ذلك الهايلكس يوما ما.
ذهب بي إلى مقهى على طريق الدمام، وجلسنا هناك. طلب لنفسه ولي شيشتين. كنا نتقاط أنا وأخوياي في بكت الدخان ونوزع الزقاير بيننا، وندخنها. ولكنني لم أشيش من قبل. هل رأيت أبا يشتري شيشة لابنه الذي ما زال مراهقا يدرس في الثانوية؟ ولكنني كنت أتوقع منه كل شيء. مثلما قلت لك، كنا نظن أن فيه جنيا.
جلسنا نشيش، بصمت، أنا بأصابعي الثلاثة المكسورة وهو بالكدمة الحمراء التي تغطي وجهه. كان في حالة غير جيدة. أردت أن أخبره أننا لا نريده أن يعود، أو أن يضرب أمي، ولكنه بادرني قائلا إنه لن يعود، وإنه لا يصلح أن يعود. أخبرني أنه لا يصلح أن يكون له زوجة وأبناء. لم يكن في حالة جيدة. لن أنسى في حياتي منظره وهو يشيش ويبكي، يشفط وينفث من الدخان والدموع تسيل على خديه، يرمش بعينيه ليعصرها، وينشق بأنفه، ويظل صامتا. رحمته، وكرهته في الوقت ذاته. ووجدت نفسي أفكر في نفسي: ربما يعطيني مفتاح الهايلكس ويقول إنها لي.
ولكنه لم يعطني إياها. أنزلني في البيت، ومشى.
لم أخبر أمي بشيء. ومرت عدة أشهر، لا أذكر كم، كان يرسل فيها معظم راتبه مع أحد أعمامي، ولكننا لا نراه. حتى جاءنا اتصال من الشرطة. أعطتني أمي السماعة، ووجدت شرطيا يطلب مني المجيء. ذهبت إلى المركز، وأخبروني بما حدث. أخذوني إلى المستشفى. نزلنا إلى الطابق السفلي، ومشوا بي في سيب طويل، ثم دخلوا بي في غرفة واسعة باردة، مليئة بالأسرة. رفعوا غطاء عن سرير، فرأيته هناك. في جبهته شق صغير مثل كرة المصقال، وجهه مبقع بالشحوب والسواد، وقد ازداد نحولا. هذا أيضا منظر لن أنساه في حياتي. ما أكثر المناظر التي لن أنساها في حياتي. قالوا إنه أطلق النار على نفسه في استراحة، ولكنه لم يمت مباشرة، بل إنه ظل واعيا، حتى نقله أحد أخوياه، وحينما وصل كان قد فقد كثيرا من الدم، ومات هنا في المستشفى.
حتى في الموت لم يستطع أن يموت بشكل صحيح!
قالوا إنهم لقوا معه وثائقه كاملة، وورقة كتب عليها: اتصلوا على هذا الرقم، وخلوا ولدي راضي هو اللي يجي.
لم يكن مفتاح الهايلكس مع المفاتيح، ربما باع السيارة. بوك فيه خمسة ريالات، وولاعة، وبكت دخان مالبورو، وساعة، وسبحة، بس.
انهبلت والدتي، بكت عليه، وقالت إنني السبب. لو أنني لم أطيّر أسنانه في ذلك اليوم، ربما كان الأمر قابلا للتغيير. الرجل كان يضربها عشرين سنة ويقولون إن فيه جنيا، ورغم ذلك تظن أنه سيتغير!
وأذكر أنني كنت أراقبها وهي تبكي، وأقول في نفسي هل كل الحريم هكذا؟ تضربهم في يوم وتراضيهم في يوم ثان وتمر الحياة؟ أظنها كانت تحبه أكثر مما كانت تحبنا، وكلما رأيت ذلك كلما كرهته وكرهتها أكثر!


توقف راضي عن الحديث. كنا نجلس في الساحة المغلقة في سجن الحائر. في عوارضه شيب طفيف، وعلى أسنانه طبقة جير صفراء، وفي سحنته شحوب انعدام أثر الشمس. كان يبدو أكبر من عمره، 37 عاما، بكثير. ظل يحدق إلى الأمام بنظرة جامدة معلقة، لا أثر فيها لفكرة أو لمحة تأمل، بقدر ما فيها من الملل الذي يطغى على شخص لم يبق لديه ما يخسره، كما يقال.
تعلمت ألا أسحب الكلام ممن ينفرون منه. يجب أن تمنحهم مساحةَ صمتٍ يتحسسون من خلالها ثقتهم فيك، وفي أنك لا تريد أن تجبرهم على شيء. ولكنه أطال الصمت، فقلت له: “وبعدين؟”
انتبه، باستغراب، وهز كتفيه: “بس”.
وفهمت أنه لا يريد ان يتحدث عما حدث بعد ذلك. لا يريد أن يتحدث عن السنوات التي أعقبت انتحار والده. عن علاقته بوالدته، وأخواته، وعن المسار الذي أدى به إلى هنا.
لقد صدر في حقه حكم بالقصاص قبل عشرة أعوام، لم ينفذ في انتظار بلوغ ولي دم قاصر. كان راضي يعمل كدادا ينقل المسافرين على الطرق السريعة، وتهاوش مع شاب رفض دفع المبلغ كاملا فطعنه عشر طعنات أودت بحياته. قبِل الحديث معي لأن إدارة السجن أخبرته أن قصته ستكون ضمن حملة توعوية، وقد بدا أن ندمه الذي رسخته سنوات انتظار الموت عزز رغبته في مشاركة حكمته. ولكنني أردت أن أعرفه أولا، قبل أن نسجل قصته وأقواله.
شرح الجريمة، منذ خروجهما من الرياض بصحبة عدد من الركاب، وحتى وصولهما إلى تبوك لوحدهما، ورفض الشاب سداد المبلغ كاملا لسبب تافه لا يذكره. السفر الطويل، والإرهاق، والنزق، والسهر، والقرف الذي كان يشعر به.
“القرف من وش؟”.
بتلويحة نزقة من يديه: “من كل شي”.
كيف رفعت يده السكين، وكأنها تصرفت من تلقاء نفسها، مثلما فعلت مع والده حينما أطار أسنانه من فمه. والندم، الذي يحس به عميقا، إثر إزهاق روحين دون سبب وجيه، روح المقتول وروحه التي توشك أن تلحق به.
بدا حياديا في حديثه، وكأنه يتكلم عن شخص آخر. ستكتشف أن أكثرهم لا يبكون، أو يتأثرون. لن تلتقط في أدائهم لمحة مسرحية، ولن تلحظ تصاعدا دراميا، يتكلمون وكأن ندمهم استنتاج منطقي تحكمه المعطيات الواضحة، حتى يكاد يستعصي على غير المجرب استخلاص صدقهم من كذبهم. كنت أسمعه، وأسمعهم، وأفكر: لماذا أنا هنا؟ هل أحتاج مزيدا من الموت لأكتب عنه؟ ألا يكفي ما كتبت؟ ألا يكفي الموت الذي يحيط بي؟
كان والدي يموت في الديرة. كنت أعرف ذلك، حتى وإن لم يكن واضحا. تستطيع رؤية الموت في عينيه، كما يقال في موطئ قدمنا الذي يقتنع أفراده أنهم يستطيعون التنبؤ بالموت في أعين المحتضرين. في طريق العودة عطلة ذلك الأسبوع، اتصلت بي والدتي وأخبرتني أنه أدخل إلى المستشفى، وقالت إن حالته مستقرة، ولكنني علمت مباشرة أنها النهاية. في الليل، استقبلنا الاتصال الذي يؤكد وفاته.
لم أفكر في راضي ووالده وأنا أدفن والدي. فرغم التناقض الحاد بيننا جميعا، إلا أن الإيحاء يكفيه لمحة خاطفة ليربط بين شيئين. ولكنني لا أفعل ذلك، أبدا. تعلمت أن أحيّد، وأن أفصل الإيحاءات والإحالات ما بين عملي وحياتي. قد أكتب الليلة خبرا عن شخص يقتل عائلته كلها، ثم أنهض لآكل العشاء مع عائلتي.
ولكنني كنت، قبل أيام وبعد مرور أكثر من سنة على الحكاية، أتصفح التقرير الشهري الذي يجرد كل ما نشر من أخبار في الصحيفة. من بينها خبر لا يكاد يرى، لم أنتبه له حينما نُشر، ولم أكد أنتبه له الآن: تنفيذ حكم القصاص في مواطن سدد عشر طعنات لآخر إثر خلاف حول “مشوار”.
يذكرون اسم راضي، القاتل، رباعيا، واسم القتيل، مرزوق، رباعيا. الطعنات العشر، الخلاف الغامض، القصة المقتضبة. نُفذ القصاص في مدينة الرياض، يوم الخميس 7/11/1442.
في الحواس طبيعة شاعرية، تتجاوز حدها الوظيفي. الشمس، مثلا، تلون كل شيء داخل مكتبي الصغير، تكاد تراها من أذنيك وأنفك وجلدك قبل عينيك. ورائحة القهوة فواحة، تكاد تشمها بأذنيك وعينيك وجلدك قبل أنفك. ولذا فإن من السهل على الذاكرة أن تطوع فوضى الحدود بين الحواس حتى تكاد ترى وتسمع وتشم راضي، وكأنه يجلس أمامك.
“يمكن يعفون عنك ما تدري”. كنت أخبره مبتسما بملل.
فيهف يده باستسلام: “طاعن الولد عشر طعنات ألين صار كنه مشخل، أنا وين والعفو وين!”.
أمسك طريقا مظلما مدلهما يكاد يطلي سواده أضواء السيارات، وأنا عائد إلى الديرة. ولم أجد مهربا – هذه المرة – من الربط، ربما لأبدد الوقت، أو لأمنح كل هذا السواد فكرة تلائمه في الشكل. كم تبدو حياتي مختلفة عن راضي، كليا، وكم يبدو هذا الاختلاف هشا جدا في الوقت ذاته، لأن الشيء الوحيد الذي يفصل بيننا هو أنني لم أولد مكانه ولم يولد هو مكاني.

⁂

أحمد الحقيل

روائي وقاص سعودي. عن الكاتب ←

النشرة

رسالة حين يُنشر نص جديد في المدونة أو يصدر كتاب.

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة