لدي عَمَّان اسمهما مثل اسمي، كلاهما ماتا دون الثلاثين. سُمّي الثاني على ذكرى الأول، وسُمِّيت أنا الثالث على ذكرى الثاني. ولذا كنت أُحسُّ دائمًا بنفحةِ نفَسٍ عند أذني وخطوةِ قدمٍ ورائي وعثورةِ هالةٍ تحيط بي وأقول لنفسي ولمن حولي بنبرةِ المتهورين الواقفين على حافة اليقظة الكبرى التي نسمِّيها الحياة: “الموت واحد من أخوياي”.
أول مرة أذكر أنني متّ فيها كنت في العاشرة من عمري. رأيت فتاة تركَتْ طفولتها للتو، ناهدةَ الصدر منتوقة العنق فارعة القوام، تمشي في الحارة، يلحقها إخوتها الصغار، وتصرخ فيهم: “أصّْ، بسّكم لعب”، وتختفي وراء شجرة السدر عند الزاوية. في الغد، لم أكن ألعب كما اعتدت، ويسألني أخواي: “وش فيك منفّس؟”، فأرد باحتقار: “إلى متى تلعبون؟ بسّكم لعب”، وأراقب الزاوية، وأنا أتحيَّن، وأحاول أن أبدو مثلها وكأنني تركتُ طفولتي للتو، ناتئ الصدر مرزوز الذقن متطاول القوام.
بنت الكلب، قتلتني!
عمومًا، معظم الأشياء لا تعيش أكثر من عمر الذبابة. اللحظة تموت بانصرامها، واللذة بانطفائها، والنزوة بتقلُّص إلحاحها، والأحلام بانكسار مجاديفها، والنفس بتقلب مزاجها.
ينام الإنسان شخصًا، ويستيقظ شخصًا آخر. كل الأمجاد التي بُنيتْ، والخيبات التي استحكمتْ، قد تمسحها غمضةُ عينٍ وانعدامُ وجود، لتصحو مجرَّداً من المجد الذي بَنيت، محرراً من الخيبة التي حَصدْت. يجلس “النعمان السائحُ” ملكًا على شرفة قصره المطلّ على معالم عظمته الحاثَّة إلى الفناء، ليستيقظ هائمًا على وجهه وقد خلَّف مُلكه واختفى أثرًا بعد عين. ويتزمّل “محمد بن عبد الله” وكيلًا لتجارة زوجته بأغطية فراشه مرعوبًا من هول ما رآه مغلولًا بثقل غربته التي أسهرته هائمًا على وجهه في الفيافي، ليستيقظ رسولًا.
ينام الإنسان شخصًا، والنوم ميتة صغرى، ويستيقظ شخصًا آخر.
أُمسك خيشة السكر، وشاربي لم ينبت بعد. تقول والدتي: “جب اللي بتنتهي أبعد شي”، بقي عليها أربعة أعوام، فأرد: “لا تخافين، عمرها أطول من عمري”.
كنت أعلم منذ صغري أنني سأموت قريبًا، وكثيرًا.
المرة الثانية التي متّ فيها، كنت في الـ11 من عمري. صَرَف صديقي انتباه العامل فسرقتُ كيس الإسمنت وهربت به من المحل. أحضرنا التنك التي سنعبئها بالأسمنت ونغرس عواميد المرمى فيها. كل شيء يسير حسب الخطة. ولكن حشَّاشًا مشهورًا في الحارة، نسمع به ولا نراه، مثل العفاريت، برز فجأة من زاوية السكة، وجاء إلينا، وأنا أخلط الرماد بالماء. عيناه حمراوان، فمه يرتعش، خطواته تترنح، كلماته تتعثر، وفي يده آلة حادة. وحاصرنا بالأسئلة والتلميحات والاحتمالات المخيفة قبل أن تُدخل المصادفة رجلًا شتَّت الموقف بحضوره.
الإهانة! هي أكثر ما يؤلم في الخوف. عشتُ طويلًا وأنا أستغلُّ أي فرصة لأضع نفسي أمام الخوف، وجهًا لوجه، تلمس أرنبةُ أنفي أرنبةَ أنفه، لا لشيء سوى لأقول: “جرب تهينّي، يا ابن الكلب؟”، قبل أن أدرك أن الأمر لا يستحق، وأن هزّةَ كتفٍ حكيمةٍ –إذا نُفذت بالطريقة المناسبة– تستطيع أن تنفض أي إهانة محتملة في فعل التراجع عن الصدامات السخيفة التي تصفّي من خلالها عداواتك القديمة مع الخوف. أعتقد أن خطوط الثلج التي تلوِّن شعري الآن وانحناءة التفكير التي تقوِّس رقبتي وفجوات الأناة التي تقسِّط كلامي جعلتني أُتقن تلك الهزة إلى درجةٍ أقنعتني أنها كافية فعلًا لتنفض أي إهانة محتملة.
ينبت شاربي، أخضر ومتنافرًا. تقول أمي إن كل شيء يذكرها بعمي الذي سُمِّيتُ على اسمه ومات دون الثلاثين. أسألها: “طيب وأنا أذكّرك به؟”، فتقول لا. أبتسم، وأهزّ رأسي، وأنا أفكر بنبرة المتهورين الواقفين على حافة اليقظة الكبرى التي نسميها الحياة: “إذا مت قبل الثلاثين بأذكّرك به وبيذكّرك بي”.
ولأنني متُّ كثيرًا، أكثر مما يمكن إحصاؤه، فمن الصعب ترقيم ما يتكرر.
مثلًا، إحدى المرات التي مت فيها، كانت وأنا في الـ13 من عمري. ولكنها حالة اكتشاف جسدي يصعب الحديث عنها دون الإسفاف في الكلام.
لنتجاوزها.
متّ أيضًا في الـ17. لم أكن أتخيل أن العالم واسع إلى هذه الدرجة. الرياض، بكل شوارعها ومبانيها وأناسها وسمائها وأرضها، بدت كونًا داخل الكون. وأنا، ذلك الجسم الصغير، الوافد من بلاد صغيرة، يمشي في زقاق يقول صديقي إن ليس له اسم، لأن الأسماء انتهت، ولا يمكن أن تسمي كل هذه الشوارع والأزقة بما لا يتكرر. ويبرر: “كم تعرف من واحد اسمه سعد في عائلتكم بس؟”، وأهز رأسي: “يا كثرهم!”. ونذهب إلى الجامعة التي أتوه داخلها كل مرة بحثًا عن قطيعي الذي يجلس في كيان مشيَّد من الاختراعات البشرية المذهلة ليدرس كتبًا مؤلفة قبل مئات السنين تخبرنا كيف يجب أن نتصرف ونعيش. وأقول لنفسي هذه الحياة ليست لك. “اتركها وعوّد. أو خايف؟”، كيف تخاف والموت خويك، أنظر إلى الحافة، قريبًا ستسقط، ما الفرق؟
وأتركها وأعود لأقف وجهًا لوجه وأرنبة أنف لأرنبة أنف أمام الخوف الذي كان أبشع آنذاك من مئة حشاش مشهور، يريك حياة كلّها خيبة وفشل وتكرار، وموت.
ولكن الموت أنقذني. مت مرة أخرى في الـ19. لم يطرأ صوتٌ أكثر أهمية من الصوت الذي كان يخرج من فيش الهاتف، وهو يربطك بعالمٍ موازٍ للواقع، ممتلئ بالأوادم، والصور، والأفلام، والسوالف، والحوارات. ضوء الكمبيوتر يخدش عينيّ فتدمعان لكثرة جلوسي أمامه، وبطء الاتصال ينجح في قتل الوقت الذي قد يقتلك بثقل فراغه. كم ربّاني ذلك البطء! وكم روضني! وكم تفرعن علي! يعلمك مثلًا تأمل المرأة بعمق لا مثيل له، أن تجلس ساعات عدة لترى صورة فتاة واحدة، تظل منابت شعرها معلقة ربع ساعة، ما يجبرك على استنطاق جمالياتها. يعلمك لذة الظفر عندما يكتمل تحميل فيلم لم تكن لتراه لولا هذا الصندوق وذلك الصوت. يعلمك فضيلة الامتنان للبشر عندما تتصل بأشخاص يشاركونك الرغبات والمخاوف والهوايات ذاتها، بل وماتوا مثلك، ميتات كثيرة، حتى وصلوا إليك كما وصلت إليهم.
كم ستكون الحياة شاقة لو أننا لا نموت أكثر من مرة!
متّ عندما حصلت على سيارتي الأولى، وعندما ظفرت بوظيفتي الأولى، وعندما سكنت شقتي الأولى، وعندما استقللت بمسكني في الرياض، وعندما صار لدي فائض من المال، وعندما أفلست، وعندما قابلت أول فتاة، وعندما جمعت كل ما أريد من الكتب ورأيت ما أحب من الأفلام، وعندما سافرت، وعندما دخنت، وعندما كرهت وعندما أحببت، وعندما اخترت العمل في موقع إخباري صغير وكنت أستطيع العمل في كبريات الصحف والقنوات التلفزيونية. بل إنني مت عندما تجاوزت الثلاثين ولم أمت. لم أنتبه، غمرتني الحياة، ولم أنتبه. استيقظت يومًا، وقد تذكرت العمّين، وأنا في الحادية والثلاثين، وقلت في نفسي: “واللعَنة، تعدّيتهم!”.
ولكن ذلك لم يغير شيئًا. ما زالت أشعر دائمًا بنفحةِ نفَسٍ عند أذني وخطوةِ قدمٍ ورائي وعثورة هالةٍ تحيط بي وأقول لنفسي ولمن حولي بنبرة المتهورين الواقفين على حافة اليقظة الكبرى التي نسمّيها الحياة: “الموت واحد من أخوياي”. ربما لأنني خاويته أطول من أن يختفي باختفاء سببه (أليست معظم الأشياء في حياتنا هكذا، حضورٌ يظل عالقًا حتى بعد انتفاء سببه؟)، أو ربما لأنني ما زلت أموت، كثيرًا. كلما استحكم أمرٌ حتى اختنقتُ به، متّ. وكلما فاض مقدار رغبة تحقّقتْ حتى صارت خطرًا على النفس، متّ. أجيد الموت كثيرًا، فكم ستكون الحياة شاقة لو أننا لا نموت أكثر من مرة. وعندما تحين النومة الكبرى التي نسميها الموت، سأكون مستعدًا.