على بُعد عشر أغاني لطلال مداح ومحمد عبده

أنا راجع أشوفك

وصل إلى الخفجي فريق الوزارة مكوَّن من ستة موظفين وموظفات لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين على سيارتي جيب شيروكي في الصباح الباكر.

هذه آخر محطات استكشافهم المنطقة الشرقية.

استقبلهم فريق من المحافظة. دار بهم في المدينة، ثم أقام مأدبة غداء لهم، وذهب بهم إلى فندقهم المخصص، وأعطاهم قائمة بالأماكن الجيدة. رفضوا كالعادة أي فعاليات أو مرافقات، وشددوا على ضرورة استكشاف المكان وحدهم.

ظلت عذبة، التي ترأس الفريق، تُؤجل السؤال إلى آخر الجلسة. لم ترغب في أن يبدو مهمًا إلى درجة لفت الانتباه. ولذا طرحته باعتيادية على أحد نواب المحافظ في لحظة ما في أثناء الغداء: “أقدر أعرف معلومات واحد اسمه علي الغديّم؟ رقمه أو مكانه. اللي أعرفه أنه يشتغل في ميناء السفانية”. أجابها النائب بـ “أبشري” مقتضبة، دون أن يطرح أي سؤال، أوكل المهمة إلى أحد موظفيه الذي صادف أنه يعرف الرجل، وأعطاها رقمه وعنوانين هناك، لمنزل ومحل منزو على امتداد الشاطئ، وقال إنها ستجده عصرًا هناك.

“وش المحل؟”، سألت عذبة.

“هو زي الشاليه. لكنه يستخدمه عشان يبيع معدات صيد، ويطلع بك تصيد أو يؤجر القارب اللي عنده”.

ضحكت عذبة. “علي؟! يطلّعك تصيد أو يؤجر قارب صيد لك؟!”.

ابتسم الموظف باستغراب: “إيه. من كم سنة. أنا أعرفه أصلًا لأني طلعت معه أصيد مرة. السفانية من الأماكن الحلوة للصيد”.

أخذت عذبة إحدى السيارتين، بعد أن أسندت المهمات التي لا تتطلب حضورها إلى زملائها، ولذا لم ترافقها إلا زميلتها وصديقتها نورة. “جوجل يقول المسافة 70 كيلو. اعترفي وش عندك هناك!”، فردت عذبة: “قلتِ إنك بتجين وأنت ساكتة، صح والا لا؟”.

الهجرة صغيرة وملمومة، ولكنها اتجهت إلى الشاليهات التي تبعد عنها قرابة 20 كلم، وتجنبت الاتصال به. الطريق وعر، ولكنها وصلت أخيرًا. عندما توقفت عنده، بدا المكان رثًا في امتداد منزو من الشاطئ، وهنالك أناس –أغلبهم عمالة– يراقبونهما بفضول. سارت، وسألت الواقفين عن علي الغديّم، فدلها أحدهم على مكانه. التفتت إلى المحل، فرأت بناء إسمنتيًا على حافة الشاطئ وسط غرف رثة، بعضها إسمنتي والبعض الآخر صندقات، تشكّل ما يشبه شاليهًا متهالكًا، تساقطت صبغته وظهرت تشققاته، ويتضح أنه بناء عشوائي لم يُلمس منذ عقود.

سألتها نورة: “وش قاعدين نسوي هنا يا خبلة؟”.

“ندور علي الغديّم”.

“من هو علي الغديّم؟”.

دخلا المحل، ووقفت عذبة على مسافة خمسة أمتار عن رجل تجاوز منتصف الثلاثينيات، بدأه صلع طفيف على هامة رأسه، يراقب عاملين يشتغلان على سد ثلمة في الجدار المتشقق تنتأ منها أسلاك ومواصير، ويضع يديه في جيبيه. عندما التفت إليهما، لم يستوعب مباشرة، بدا كأنه يشاهد سياحًا تكرَّر مجيئهم إلى هنا في المدة الأخيرة، ثم استوعب عقله الأشباه والملامح، واستحوذَ ذهولٌ جامد على ملامحه، ثم استحكمت ابتسامة مشدوهة على وجهه كله.

إحدى السمات التي تحبها في علي: يبتسم أحيانًا ابتسامة ملمومة على شكل ضحكة مكتومة، فتنكمش شفتاه انكماشةَ من يوشك على إعطاء قبلة مترددة، وكأن وجهه كاملًا يتجمع عند فمه.

سارت إليه. ما زال واقفًا ومشدوهًا. عندما اقتربت منه ضحكت بأعلى صوتها، واتسعت ابتسامته لتظهر أسنانه. “خلاص لمتى مصدوم؟”.

“أنا أحلم والا وش اللي صاير!”.

التفتت عذبة على نورة: “أقدم لك علي خالد الغديّم، أول مدير لي في حياتي المهنية في شركة معدن في الرياض، والشخص اللي علمني كل شي”.

ابتسم علي لنورة بإيماءةِ ترحيب مرتبكة، وأعاد بصره إلى عذبة. ما زال مشوَّشًا. ثم حاول استجماع حضوره واستفسر ساخرًا: “علّمتك كل شي؟”.

هزت كتفيها: “وش أسوي لازم تجامل واحد إذا لك سبع سنين ما شفته”. ثم أمالت رأسها إلى نورة: “ما علمني ولا شي في العمل، كنت أعرف أكثر منه. كل اللي تعلمته منه أحسن الأغاني اللي تسمعها. الأخ هذا عنده أكثر من ألف شريط كاسيت أغاني. للحين عندك ذا الأشرطة؟”.

أشار بسبابته إلى باب صغير في طرف المحل، وهو ما زال يبتسم بارتباك: “هناك. أتوقع وصلت الحين ألفين”.

“يعني ما تعالجت مثل ما اتفقنا؟”.

ضحك: “حاولت. بس للأسف الحالة ميئوس منها”.

طغى صمت مترقب على الوقفة كسره صوت عامل يصرخ من الخارج: “وصلت ماصورة؟”، فرد العامل الواقف بجانبهم بصرخة أعلى غاضبة: “لا”.

البوية البيجية العتيقة متقشرة، وتنتشر على الجدران رفوف مصفوفة عشوائيًا، وكأن أعمى وضعها على مدد متباعدة دون اعتبار لتناسقها، وعلى الرفوف معدات صيد قليلة، تعطي انطباعًا بأن المحل مهجور.

“علي كانت أغلب بنات الشركة يدوّرون أي سبب عشان يجونه في المكتب”.

لم تستطع نورة السيطرة على نظرة استغراب متفحصة برزت على حاجبيها، وكأنها تقول “هذا؟”، لولا أن عذبة سبقتها: “لا يغرك شكله الحين. كان أحلى، أحلى شوي مو كثير، والبنات عمومًا كانوا يجونه عشان سواليفه وكلامه عن الأغاني والشعر. واستهباله. كان يستهبل واجد، كثير من كلامه استهبال، أحيانًا يغثك وأحيانًا يضحكك، لكنه عمومًا يخليك تنسين أنك تداومين. هذي أهم مواهبه، ينسيك الدوام”.

ما زال يقف مرتبكًا ومشوشًا. يداه في جيبيه، ويبتسم ابتسامة بين الخجل والاعتراض. ولم يرد.


سايق الخير

“تذكروا كلامي زين: السنة ذي بتصير سنة علي الغديّم”، قال علي لزميليه حمود وصالح في مكتبهم في قسم الموارد البشرية في شركة معدن، ثم تابع في استطراد شاطح كعادته وهو متكئ بثقله على الكرسي كيف أنهما بعد سنوات سيسألهما داود الشريان في فيلم وثائقي متى استشفَّا عبقرية علي، وسيردان أن هذا حدث في عام 2015، وسيقولان: ليتنا ما ضحكنا عليه، ليتنا سمعنا كلامه، ولكن الشريان سيخلع عقاله ويسوطهما به وهو يقول يا مهابيل ضيعتوا على نفسكم فرصة العمر. يتابعه الاثنان بخمول وهو يشرب الشاهي ويتخيل كعادته، ويظنان أنه خلّص. ولكنه يستطرد فجأة أن الشريان سيعطيهما قنبلة ويقول اغسلا عاركما بأيديكما، “لكن قبل ما تفجرون أنفسكم، بدخل عليكم، وبقول خلاص، سامحتكم، وبتجون تحبون راسي ويدي وتقولون تكفى تكفى يا علي خذنا معك”.

يطالعه حمود بتكشيرة خاملة بعدما تأكد أنه توقف أخيرا: “ثم بتوقف ذبانة على خشمك وبتقوم من النوم في شقة في النسيم وأنت في سروال وفنيلة بعد ما طردوك من العمل”. بينما ضحك صالح، اكتفى علي بهز رأسه: “اللهم لاتجعلني من السفهاء الذين اعتادوا على ضياع الفرص”.

دخلت عذبة المكتب، فنهض علي، ورحب بها محاولًا تحجيم ارتباكها، ثم عرّف الاثنين عليها: “هذي زميلتنا الجديدة عذبة، خريجة جامعة الملك سعود بمرتبة الشرف، واللي غالبًا بتصير وزيرة في يوم من الأيام، بدربها الشهر هذا على العمل بطلب من أبو راضي، لذا بتشوفونها كثير”، ثم أشار لزميليه: “هذا زميلنا الأخ حمود بن عبد العزيز التافه، وهذا زميلنا الأخ صالح بن سالم السامج”. ثم هز كتفيه أمام نظرات عذبة: “والله العظيم هذي أسماؤهم”.

قال صالح: “الزميل علي بن خالد السفلة كان يشرح لنا وشلون بتصير 2015 هي السنة اللي تبرز فيها عبقريته”.

“صحيح”، ثم أوضح لها: “بتكون سنة تفتق العبقرية لعلي بن خالد الغديّم”.

ابتسمت عذبة بتردد من دخل في وسط نكتة خاصة، وربما غير مضحكة، ثم سألت: “في إيش؟”.

“هه؟”.

“عبقريتك في إيش؟”.

صمت متورطًا، وانفجر صالح ضاحكًا. تأتأ علي ثم قال: “بشكل عام يعني. ما فيه شي محدد”.

هزت رأسها: “أوك”.

نجح صالح في الكلام بين ضحكه: “اسأليه وش هوايته”.

“وش هوايتك؟”.

حدق إلى صالح الميت من الضحك وسط جميع الساكتين، وحمود الذي يتكئ بثقل كرشه على الكرسي مبتسمًا بملل. ثم قال لها: “أجمع أشرطة كاسيت”.

“ليه؟”.

“ليه لا؟”.

وتدخل حمود الذي ما زال يتكئ بكل ثقل كرشه على الكرسي بملل: “هذا اللي بيدربك لمدة شهر كامل، enjoy”.

وهنا رفع علي يديه: “مستعدة؟”.

“الله يستر. مستعدة”.

قادها إلى خارج المكتب ليعطيها لفَّة في القسم، وصوت صالح العالي يلحقهما: “نصيحتي الشخصية أنك تسوين عكس أي شي يقول لك إياه”.

استغرقا نصف ساعة وهو يدور بها على الأقسام والأشخاص. يتكلم، وتكتب. يخوض حوارات جانبية، وتنصت ساكتة. ثم اختتما الجولة بالدخول على أبو راضي الذي استقبلهما بنصيحة مبطنة لعلي وخطاب تحفيزي لعذبة، اختتمه بجملته الشهيرة: “اتبعوا الشغف، وستجدون اللي تريدون”، وعلي يهز رأسه، “طيب وإذا ما لقينا الشغف يا أبو راضي وشلون نلحقه؟”. ما جعل أبو راضي يقضّبه الباب، فخرجا.

اعتاد علي أن يأتي بفطوره معه كل يوم، سندوتشتين كبدة من البوفيه الملاصق له، ويذهب متى جاع إلى مكان سري، الدرج الخلفي الذي لا أحد يأتي منه تقريبًا. يجلس في فجوات النوافذ الطولية التي تطل على الشارع الخلفي، ويتصفح الجوال، ويأكل، محاطًا بالشمس والهدوء، وأحيانًا يأخذ غفوة سريعة متكئًا على الجدار أو الزجاج. وأمام أسئلة عذبة التي لا تنتهي مقابل قرقرة بطنه، لم يجد بدًا من كشف سره. أخذ السندوتشتين مع كأسي شاهي، وذهب بها إلى هناك.

“كم مرة تجي هنا؟”، كانت تجلس على حافة النافذة الأخرى المجوفة من الزاوية. رفضت عرضه بأخذ سندوتشة، وجلست بحذر.

“الله أكبر. أول سؤال ما له دخل في العمل”. كان قد خلع شماغه، وبان شعره المتداخل الذي خُنق بالطاقية كيفما اتفق، يشتبك بعضه في بعض بفوضى، ولكن بما يناسب تركيبة وجهه. “قدّ ما أقدر”.

أجالت نظراتها في المكان، وكأنها تحاول استيعاب السياق الذي جلبها إلى هنا، وظل صوت في رأسها يسأل: هذا صح؟ لقد تقاطعت مع أولاد من قبل، في حياتها الاجتماعية ودراستها وتطبيقها، بل خرجت في موعد مع واحد وجلسا في أحد المقاهي، ولكن ما الذي يحدث هنا؟ هل هذا تلميح؟ هل هذا المكان وهذا الشخص تلميح؟ عندما التفتت إليه، لم تر إلا رجلاً يعلك فطوره بانشغال وشرود، ولا أثر لتلميح مبطن يطرأ منه أو عليه. ولذا وجدت نفسها مدفوعة إلى أن تسأل: “هل صدق تجمّع أشرطة كاسيت؟”.

“عندي أكثر من ألف شريط”.

“ألف؟!”.

“كانت عند عمي أشرطة واجد، وكان عمي أكثر واحد رهيب ممكن تقابلينه. يوم مات وأنا صغير أخذتها، وبتلت أزيد عليها لين وصلت ألف”.

عرم اللقمة الأخيرة، وأخذ يعلك بلذة. فتح السندوتشة الثانية وقسمها نصفين، مد لها نصفًا: “خذيها والا بيوجعني بطني وبقول إنك نظلتيني”. فأخذتها بتردد وهي تبتسم، وبدأت تأكل معه.

بدائية المكان الذي لا تطؤه الأقدام إلا نادرًا تتداخل مع رائحة الكبدة الثقيلة، والنوافذُ الطولية تسحب نور الشمس الذي يلج مكسّرًا وناعمًا بفضل أشجار السدر العملاقة، والصمت المطبق فوق السيراميك يجعل كل شيء مسموعًا إلى درجة أن الجالس يكاد يسمع أفكار من بجانبه. ظلت تعلك ببطء أتيكيتي وهي تحس بأن الموقف يزداد غرابة، وأن هذا المكان لا يمتُّ للمكاتب بصلة، أو لما توقعته واعتادته عن بيئة عمل. ولكنها غرابة جيدة، غرابة مريحة. هذا المزبن السري بدا أنه نفور في المكان والزمان، نفور في المبنى الجامد، لا أحد يرتاده، تغمره الشمس، وتحوم فيه أحاديث معلقة لا تمت للعمل بصلة، تحس بها وشيكةَ الحدوث في أفكارهما التي تكاد تُسمع في الصمت. والرجل الذي أمامها لا يشبه الموظفين، هو أيضًا نفور في المكان والزمان.

أكمل فجأة: “لو تدخلين وتمشين بين الأشرطة وأنا صافها على الجدران، بتحسين كنك تمشين في ذكريات واحد كان رهيب بس انسحب عليه. ما هي مثل بيوت الطين والا الفوانيس اللي يحبونها الشيبان والعجايز واللي تذكرهم بحياتهم”. التفت إليها وهو يعلك بما ينافي أي شعرنة متعمدة في كلامه: “كل شي يصير رمز. الشمغ الحمر، التشخيصات، الشنبات الطايحة على الشفايف، الخط، التصاميم. شي كان حي من فترة قريبة مرة وكان اللي يملكونه ناس رهيبين، لكن الحين محد يبيه، ما له فايدة”، وضحك ببرود.

بينما بقيت في يدها لقمة أخيرة، ابتلع هو آخر لقمة، وأسند رأسه إلى الجدار، يتمطق باستمتاع، ممسكًا ببيالة الشاهي. حدق إليها بابتسامة اعترافية: “بالعادة آخذ لي غفوة سريعة الحين”.

ضحكت وابتلعت اللقمة الأخيرة كاملة دون بطء أو تردد أتيكيتي كما تفعل مع شخص تألفه. لم يغلق عينيه، ظل يحدق إليها، ثم سألها: “طيب، وش آخر أغنية سمعتيها عشان أعرف مقدار الإصلاح اللي لازم أسويه؟”.


ساري

“أنا أشتغل مديرة تطوير في الوزارة وعندي فريق اقترحته ومسكته. أحد مهامه استكشاف المناطق وإمكانية تنفيذ مشاريع أو فعاليات بدل ما نعتمد على جهات خارجية بس. جت فرصة استكشاف المنطقة الشرقية فطلبتها. كنا في الخفجي، وجيت هنا لأنهم يقولون السفانية من أماكن الصيد الحلوة. بس”.

شرحت عذبة، وهو يهز رأسه. “وعادي تسافرون يا البنات لحالكم مع العيال؟”.

“هذا أول سؤال يطرأ عليك؟ يبه!”.

ولكنه برر: “مدري. طرأ علي كذا”.

ابتسمت: “A brave new world يا شيخ علي”.

خرجت نورة قبل دقائق لتتحدث بالجوال، وبقيا وحدهما بجانب العمالة الذين يتناقشون الآن بالأوردو في أثناء التخطيط للعمل على ترقيع الثلمة في الجدار، ويبدو أن خلافًا طرأ بينهم حول الطريقة المناسبة.

“طايح عليكم صاروخ والا وش السالفة؟”، وأشارت برأسها إلى الثلمة.

التفت إلى الثلمة وضحك: “من زمان وهي فيه. بس اليوم مدري وش جاني صحيت وقلت ودي أصلحها”.

“الشاليه هذا لك يعني؟”.

“مدري وش هو هالمكان، لكنه أكيد ما هو بشاليه. كان لواحد وشريته منه عشان أحط المحل بس قريب من القارب والبحر”.

كانت عيناها تميلان غصبًا إلى الباب الصغير في طرف الدكان، مواربٌ بما يكفي ليُغري عينَ من يراه، تكاد ترى من فرجته صف الأشرطة. “طيب بتوريني إياها والا كيف؟”.

“حياك”.

أخذها إليها، ودخلا إلى خزانة صغيرة كانت توضع فيها الخردة، ولكنه حولها إلى تخشيبات حديدية ملأها بأشرطة الكاسيت.

الغرفة لا تتجاوز مترين في مترين ونصف المتر، وفي جدارها نافذة تطل على البحر. الجدران كلها مغطاة بالأشرطة، ما يجعل الغرفة زاهية بالألوان الفاقعة، وكأنها غرافيتي يغطي الصبغة المتقشعة. فور أن شاهدتها ضحكت بفرح، وأجالت بصرها في المكان، ثم ركزت عينيها عليه: “تدري إني أول مرة أشوفها؟”.

“عارف”.

أطرقت لحظة. “إلى الحين تسحب البنات بالأشرطة ذي يا علي؟”.

كان يقف متكئًا بمرفقه على أحد الرفوف. لم يتلاش تشوّشه إلى الآن. “أي بنات بس. ما عمرها نجحت معهن”، صمت، ويحدق بعضهما إلى بعض، وقد اتفقا ضمنيًا أنها نجحت على الأقل مع بنت واحدة، ولذا أشاح ببصره إلى الأرض بابتسامة متورطة.

أعادت النظر إلى الأشرطة والألوان والصور التي تغلف الجدران كاملة. تنهدت بينها وبين نفسها، ولم تقل شيئًا.

يمكن سماع البحر من النافذة المفتوحة. ورائحة الكاسيتات البلاستيكية تختلط برائحة الرمل والسمك والناس والشاطئ البكر الذي لا تطؤه أقدام كثيرة.

بينما تجيل نظرها في الجدران، يركز نظره عليها، بترقب.

سألته: “وراك حاطها هنا. ليش ما حطيتها في بيتك؟”.

“هنا أحسن. البيت ما عندي مكان مناسب ولا أضمن ان محد يجيها”.

“متزوج؟”.

“إيه. عندي ولد وبنت”. صمت قليلًا، ثم سأل: “وأنت ما تزوجت؟”.

“لا”.

هفّ يده: “توك بزر”.

“أي بزر. توي كملت الثلاثين قبل كم يوم”.

“الثلاثين في هالزمن مراهقة. قريت أن أعمارنا ممكن توصل مية وخمسين سنة بفضل الطب والتقنية”.

“هذا طموحك؟ تبي تعيش مية وخمسين سنة يا علي؟”.

ضحك: “لا والله. إلى السبعين وأتوقع كفاية”.

الغرفة صغيرة، وكل شيء يبدو قريبًا. حتى هو في وقفته في الزاوية الأبعد، يبدو قريبًا.

أغلب الأشرطة مصفوفة لتُظهر الكعب، أما بعضها فمصفوفة لتُظهر الغلاف، ولذا هناك صف من صور طلال مداح ومحمد عبده وسلامة العبد الله وخالد عبد الرحمن وراشد الماجد وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد منير في مراحل عمرية مختلفة، وأخرى بلا صور، مكتوب عليها وصف الجلسات والحفلات التي سُجلت فيها.

سألته: “وبس، هذي شغلتك، تصيد وتؤجر قارب صيد وعندك شاليه ما هو بشاليه؟”.

“لا وييين، لو كذا لقيتيني أشحذ. لا، أشتغل في الميناء”.

فتمتمت بابتسامة حرش: “ايه قالوا لي”.

“من قال لك؟!”.

“علومك تاصلني يا سيّد”.

ركزت نظراتها عليه، ثبَت لحظات عدة، ولكنه تحرك أخيرًا خطوة إلى الجانب ليعيد ترتيب الصف. لم يكن الصف في حاجة إلى إعادة ترتيب، ولذا بدا مفضوحًا، وهو ما زاد من ارتباكه.

إحدى السمات التي تحبها في علي: عندما يضغط على أسنانه، يتحرك عظم في صدغه، يومض مثل برق ويختفي.

سألته: “مبسوط هنا؟”، ثم بررت ضاحكة: “ما استوعبت للحين أنك هنا”.

كان يقف ممسكًا بألبوم “لو بكيت” لخالد عبد الرحمن إنتاج شركة الخيول 1994، فرَد يده: “إيه. أداوم في وظيفة سهالات. أشتغل هنا في البحر. صح أني أخسر على المحل أكثر مما أكسب، بس ولو. كل شي قريب. متزوج وعندي ولد وبنت”.

“ما تمل؟”، كان في طريقة طرحها السؤال ما هو أعمق مما يبدو عليه.

“أول ما جيت هنا بغيت أنهبل. سكنت في الخفجي وصرت أتردد. كنت حاقد على أبوي وعلى الدنيا وعلى كل شي. ثم مع الوقت”، هز رأسه: “بدا كل شي يصير أحسن. يصير منطقي أكثر. حتى أني نقلت هنا، وتزوجت”.

“كيف تزوجتها؟”.

“أخت واحد من أخوياي في الخفجي”.

“وبس كذا خطبتها وتزوجت؟”.

“بس”.

مرت لحظاتُ صمت وهما يحدقان إلى بعضهما. نقَّل بصره متورطًا في المكان، ثم رفع الألبوم: “واضح أن اللي صمم الغلاف دق بيجر على خالد عبد الرحمن الظهر، وقال له أبو نايف أرسلي صورة سريع سريع مع أي أحد، فراح أبو نايف طلع صورة بطاقة الأحوال ودفها له مع واحد من العيال، والعصر جهز الألبوم”.

كانت بالفعل مثل صورة بطاقة الأحوال. ابتسمت، ولم تقل شيئًا، وظلت تحدق إليه، فعاد بدرجة الارتباك نفسها إلى ترتيب الصف.

يمكن سماع صوت البحر من النافذة المفتوحة، حيث الشاطئ البكر الذي يبعد عن كل مكان عشرات الكيلومترات. ورائحة الكاسيتات أقوى، وكأن مجرد تحريكها نفث نفحة من داخلها مستخرجة من أماكن لم تلمس من زمان.


اليوم يمكن تقولي

دخلت عذبة المكتب. وجدت حمود وصالح، فسألتهما: “علي وينه؟”.

“صاحية أنت؟ علي يداوم مع الناس؟”. وقفت مستغربة فأكمل صالح وهو يطالع ساعته: “احسبي له ربع ساعة أو يمكن نص ساعة”.

“يتأخر عشان شغل يعني؟”.

“شغل؟! الحلو عليه إنذارات تأخير أكثر من مدربين المنتخب”. ثم ضحك مستمتعًا: “شغل!”.

لم يأت إلا بعد نصف ساعة. يضحك ويبتسم، وآثار النوم ما زالت واضحة عليه. هتف حمود وهو يدخل: “هه، جا سمو الأمير”.

وقف علي بجانب عذبة، وأشار إلى الاثنين اللذين نهضا وفي طريقهما للخروج: “نازلين يدخنون. كل ربع ساعة ينزلون يدخنون. يقول لك يعدل المزاج عشان يعرف ينتج”، وقبل أن يرد أي منهما أكمل: “قد شفتيهم يدخنون؟ استعراض كوميدي. يشفط الزقارة لين تختفي خدوده كنه حاط مكنسة في أثمه”، بينما ضحكت عذبة وقف الاثنان بملل. “يقالّك شغف ومزاج. تراك تشفط زقارة منتب تمص البنزين من التانكي. اتركوا المسرحيات هذي عنكم ترى أشكالكم هطف ما هي كول”.

تجاوزاه وهما يعلقان على عينيه المليئتان بالغمص، وأفسح لهما الطريق وهو يعلق على رائحة التتن التي لا تليق بموظف مثالي، ولم يبق إلا هو وعذبة. ابتسم لها: “شفت وشلون جلدتهم؟”.

“قوي”. ثم سألته وهو يجلس: “ما عمرك دخنت؟”.

“مستحيل”.

“أنا ودي أجربه”.

“جيلكم وده يجرب كل شي”.

تجاهلته وهي تتأمله: “ولا تتابع كورة بعد”.

“إلا أتابع على خفيف”.

“من تشجع؟”.

“الأخدود للحين يلعب والا سكروه؟”.

كان قد مر أكثر من أسبوعين منذ بدأ تدريبها. يمضيان ساعات عدَّة بعضهما مع بعض، ويتراسلان على الوتس أب بخصوص ما يطرأ، ويتابع بعضهما بعضًا على السناب شات. تأملته، ثم استنتجت: “ما تتابع كورة، ولا تدخن، ولا تتكلم كثير في الفلوس والوظايف، ولا تلاحق البنات”.

“دقيقة. وش يدريك أني ما ألاحق بنات؟”.

“ممكن يجونك وتكلمهم. بس أنت ما تدورهم. واضح”.

“كيف واضح؟”.

“أنا بنت وأعرف. واضح”.

وصمتا، وكأن تلميحًا غامضًا دخل المكتب وأربك الموقف. عادت لتسأل بفضول: “طيب غير أنك تسمع أغاني وتقرا كتب”.

قاطعها: “أقرا شعر. ما أقرا كتب. ما أحب الكتب”.

“طيب مو مشكلة. غير هذا، وش تسوي طول اليوم؟”.

“لازم يعني أدخن والا أتابع كورة والا ألاحق بنات والا أقرا كتب عشان ألقى شي أسويه؟”.

“طيب وش تسوي؟”.

اتكأ بثقله على الكرسي، ووضع يديه خلف رأسه: “تدرين وش سويت أمس الليل؟ طلعت مع الشباب ثم رجعت للشقة مبكر لأنهم سحبوا علي، يقولون لازم نقوم مبكر، ذابحهم الجد والاجتهاد. عجزت أنام، فقمت، وانسدحت على كنب الصالة، وقعدت أطالع السقف وأنا مشغل تسجيل لعمر كدرس لأغنية اسمها تخيلي، ما صدرت ولا لها إلا تسجيل جلسة نزله واحد على الانترنت قبل سنين وعطاني إياه واحد من أخوياي. في التسجيل، قاعد يغني وجنبه بدر بن عبد المحسن، ويدخل ويطلع ناس، وتسمع أصوات ناس، والدعوة آخر روقان. وبتلت منسدح أسمع التسجيل، ينعاد مرة، وينعاد مرتين، وينعاد ثلاث، والأغنية الحلوة لازم تعيدها ثلاث مرات، ثم في الرابعة ما عاد صرت أسمع التسجيل، ولا الأغنية، ما عاد صرت أسمع شي، راحت في الخلفية، وكل اللي كنت أفكر فيه: ولا شي. أنت تسأليني وش تسوي، أنا أقول لك ودي أوصل لمرحلة أني ما عاد أسوي شي”.

تنصت، وتبتسم بما يشبه السخرية: “وش حالات الـ meditation والتأمل هذي”.

“لا ما لها دخل. هذي موجودة قبل ما تجينا الحين بهالطريقة. هذي موجودة من أيام جدي”، ثم تحرك فجأة واتكأ على الطاولة مادًا يده، وكأنه سيشرح شيئًا شخصيًا مثيرًا يتطلب قربًا أكبر: “جدي، كنت تشوفه يجلس أحيان كذا في الحوش، يجلس بس، ما يسوي شي. يمكن يدخن أو يشرب شاهي. لكنه جالس. يسكّر الرادو ويجلس. وأقول له يبه وش تسوي، يقول لي ولا شي. أقول له وش تفكر فيه، يقول ولا شي. طبعًا كلمة ولاشي دايمًا نستخدمها عشان نقول أفكر في شي تافه ما يستاهل أقوله، لكن يمكن أنه يقصد فعلًا ولا شي، إنه بس جالس ولا يفكر في شي!”.

عاد الاثنان، فهتف علي: “الله أكبر، اليوم زقارة وحدة بس”. ثم قال لعذبة: “غالبًا ما لقوا أحد يشوفهم يدخنون، لذا ما فيه فايدة أنهم يستعرضون على بعض”.

استمرت المناوشات دقائق عدة. إلى أن اعتدل علي في جلسته، وأعلن: “الله أقوى، لازم نرجع للشغل. اليوم بوريك وشلون تضبطين الأوراق اللي وريتك إياها أمس”. وفتح كمبيوتره. ولكن عذبة أخبرته أنها أنهتها أمس، وطلبت منه أن يراجع النظام. ما جعله يتفاجأ، ويحيل إلى حمود “الذي يكد مثل الحمار” بحسب تعبيره ورغم ذلك ينهيها في يومين، وهو ما دفع حمود إلى الرد بأن عليًا الذي “يسرح مثل العنز” ينهيها في خمسة أيام، ولكن عليًا صحح له بأنه ينهيها في سبعة أيام مطالبًا إياه بالحذر “عندي سمعة لازم أحافظ عليها”. لينتهي الموقف بعلي يحدق إلى عذبة: “أنت متأكدة تحتاجين تدريب أصلًا؟”، وهو ما قابلته بهزة طفيفة في الكتف.

نهض وطلب منها أن تتبعه إلى قسم المالية ليريها كيف تتابع مسار المعاملة، حتى لا تُركن وتنسى. “أنت إتش آر، فضروري تكونين نشبة”.

سارا بعضهما بجانب بعض. الأروقة ممتلئة بالحركة مطلع الصباح، هناك الموظفون المجدُّون الذين يحبون البكور ولا تنطفئ طاقتهم إلا منتصف العصر، والموظفون الأقل جدية الذين شربوا قهوتهم وروَّقوا وبدأت عقولهم تعمل، والموظفون عديمو الجدية الذين يسحبون أرجلهم كما يفعل علي. كلهم تستطيع معرفتهم من طريقة مشيهم.

وقفا عند قسم المالية، فحدق إليها، ثم إلى القسم، ثم سأل بفضول: “هل أصلا تحتاجيني أوريك وشلون تمشي المعاملة؟!”.

“لا”.

هز رأسه: “الله يستر علينا منك”. تركها تدخل، وهو يخبرها أنه سينتظرها على الفطور عشر دقائق، وشدد بسبابته وهو يمشي: “عشر دقايق بس”.

منذ اليوم الأول الذي شاركته مكانه السري، صار يجيء بأربع سندوتشات بدل اثنتين، ويفطران معًا، رافضًا كل محاولاتها مشاركته في القطّية. عندما وصلت إليه بعد نصف ساعة، وجدته متكئًا على الجدار، مستغرقًا في غفوة، وبجانبه كيسة السندوتشات الأربع، وشماغه المنسوف. ضحكت، وصوّرته، ثم أيقظته.

“شلون تنام كذا؟”.

“واضح أنك دافورة. اللي ينامون في المدرسة ينامون في أي مكان في العالم. لو تحطيني على راس دبوس بقدر أنام”.

كانت قد فتحت جوالها، وسمعت بداية أغنية تخيلي التي أرسلها، فقالت بنفاد صبر: “أكيد، أغنية حب، وش بتطلع يعني”. كانت قد جادلته أن الأغاني العربية كلها تقريبًا عن الحب، وأن هذا ينفرها. “المشكلة كلهم جلوف وأبعد ما يكونون عن الحب”.

فكّا قراطيس السندوتشات، وبدآ يأكلان.

“ما لها دخل. الحب فكرة أكثر من كونه ممارسة”. رفعت حاجبيها تعبيرًا عن دهشة ساخرة أمام العبارة الفلسفية، فعلق: “سارقها. جرير قروي ويعيش في بيئة زبالة وأبوه يرضع ديد العنز”، ضحكت بأعلى صوتها باستغراب، ولكنه أكمل: “ومع ذلك يقول أرقّ شعر ممكن تسمعه في حياتك رغم أنه في حياته ما عشق”، عرم من السندوتشة، واستذكر: “كان أبوي كل ما غصبته أمي يسوي شي يروح يسويه وهو يقول لي: لا تحب يا علي، الحب ذل يا علي”.

أغلب أحاديثهما سوالف اعتيادية، لكن تلك المفاجأة الأولى لتنافر طبيعة المكان العملية مع استطراداتهما الغنائية والشعرية التي تطرأ أحيانًا تلاشت، لأن هذا المزبن السري تقمص هوية خاصة به، كنفور ملموس في المكان والزمان، يناسب كل تلك الاستطرادات. وفي كل مرة يبدو لها الرجل الذي يجلس أمامها، بعظمة صدغه التي تومض مثل البرق وتختفي وجلسته المسترخية وعينيه الناعستين دائمًا، نفورًا ملموسًا في المكان والزمان أيضًا. لم ترد، فأكمل: “العرب يحبون الشعر والأغاني لأنهم يقولون فيها اللي ما يقدرون يقولونه في الواقع. وهذا اللي يخلينا نحبها. في الواقع، ما تقدر تقول الكلام اللي يقوله بدر بن عبد المحسن في هالأغنية، تخيلي في الواقع تقول دمعي يواري خطوتي، إن الألم في سكِّتي. عسى ما شر وش ذا الدراما؟ أول من بيسحب عليك البنت بتقول ارفع علومك يا ولد. لكن الأغاني تخليك تقول كذا، وتسمع كذا، وما تحس بأي شي غريب. لذا أغلب أغانينا عن الفراق وكلها صياح ودموع”.

الشمس تلوّن وجهه، وعظمة صدغه تبرز وتختفي وهو يأكل. انتبه لنظرتها المركزة التي أشاحتها فور انتباهه: “واضح ما اقتنعت”.

هزت كتفيها وهي تعرم من السندوتشة: “ما عندي رأي في الموضوع”.

ولكنه أصر: “طيب، وش اللي ما اقتنعت به؟”، واستمرت الجلسة كاملة يتحدثان عن الأغاني والشعر وتموضع الحب فيهما.


أغراب

“طيب، الشباب يوم دروا اني أنا ونورة هنا، وسمعوا عن الصيد والشاليه الغامض هذا، قرروا يجون هنا. ويبون منك أيها الصياد العظيم أنك تاخذنا في رحلة صيد”.

هز رأسه وهما يمشيان على امتداد البحر: “أوك. ممكن بكرة الفجر نحرِّك”.

“خلاص ننام الليلة هنا ونحرك الفجر”.

ابتسم باستفزاز: “ترى ما فيه فنادق يا عذبة”.

“متعودين ننام برا. معنا عدتنا وكل شي. شغلنا كله بدائي ومتّحد مع الطبيعة”. ثم أكدت بالابتسامة المستفزة نفسها: “جايين مستعدين يا سيّد”.

رمل الشاطئ خفيف، وكأنهما يمشيان في صحراء تطل على بحر. المد يتناوب مع الجزر بتراتبية منومة، وحمرة الشمس الحادرة في الغرب ترشّ صبغة ضوء تلوِّن الماء.

كان قد أخذها في جولة على الشاطئ، ولكنهما لم يتوقفا. ظلا يمشيان أكثر من نصف ساعة، ويتحدثان.

“الليلة بنجلس نطبخ عند البحر ونشوف لنا مكان نخيم فيه. لازم تجي”. التفت، ولكنها هزت رأسها بما يعني أن الرفض ميئوس منه. “تبي تنادي أحد من ديرتك الجديدة؟ نبي نعرفهم. إلى الحين أحس أن الموضوع فيه خدعة”.

“ما يصلحون لكم، خذيها مني”، ثم استدرك: “فيه واحد اسمه عساف. معلم هنا لكنه ساكن في الخفجي. بيحبكم”، ابتسم ضاحكًا: ” كلما جاني قال احمد ربك على التغييرات اللي صايرة يا علي بتجيب لك سياح. ثم ينشب لي أضبّط الشاليه وأشتري قارب ثاني”.

مرت لحظات صمت. ثم تمتم وكأنه يخاطب نفسه: “وش بقول لزوجتي؟”.

“قلها إنك بتجتمع مع ناس من الوزارة. أو عادي خلها تجي نشوفها”.

التفت إليها متفاجئًا: “أجيب زوجتي تجتمع مع رجال؟ صاحية أنت؟”.

انكمشت، وظلت تحدق إليه. أرادت أن تعلق، ولكنها أدركت أن الموضوع حساس، وأنها دخلت منطقة محظورة.

يمشيان بجانب البحر، يحدق إليه، إلى المد والجزر اللذين يتناوبان، وهدهدة الماء المتموجة، وصبغة الضوء التي تحيل البحر إلى مرآة ذهبية هائلة. تسترق كل لحظة نظرة مركزة على صدغه، وكأنها تبحث عن أي آثار للخدعة المزعومة. الملامح ملامحه، الأشباه أشباهه، الحركات حركاته، ولكنّ هناك شيئًا فيه لا يمكن سبر كنهه، شيئًا في صميم وجوده، في صميم حضوره، مختلف.

وأحست فجأة بثقل السنوات السبع، مثل البحر عن يمينهما، متاهة من الغموض الساطع. أشياء كثيرة قد تتغير في سبع سنوات، وفكرت بينها وبين نفسها: وش كنت متوقعة؟ ولكنها قالت: “اللي يعيشون عند البحر يقولون إنك تمل منه بعد فترة”.

فقاطعها تقريبًا: “ما عندهم سالفة. البحر أحلى شي”.

“ما يمدح السوق إلا من ربح فيه”.

ضحك: “أخسّ ربح والله”. سكت لحظات عدة ثم أكمل: “جدي، كلمتك عنه واجد”، هزت رأسها، “أمه بدوية، وكانوا أخواله يجون للمقطان جنب بيوت عمانه في الصيف. لذا كان نص بدوي. يقص علينا سواليف شليويح العطاوي وموهق الغنامي، يعرف النياق، يعرف يقص الأثر، شوي. إذا زارنا في الشرقية يقول إن الأرض أصدق من البحر، لأن الأرض تقدر تشوف آثار الناس فيها، أما البحر فهو والموت سوا، من يدخل فيه ما يندرى وين راح”، صمت شاردًا باستمتاع. “هذي من أجمل الكلمات اللي سمعتها في حياتي”.

سألت بما يشبه الضحكة المتفاجئة: “تحبه عشانه مثل الموت يعني؟!”.

“لا ما قصدت كذا. أقصد أن البحر مهرب. ما يشبهه مهرب إلا الموت. فهمت؟ تشبيه الهربة والنحشة بس”.

“وش تنحاش منه يا شيخ علي؟”.

ضحك وعرك جبينه بيده: “نسيت قد ايش أنت نشبة. ما أنحاش من شي. ما جيت هنا على كيفي أنا جاي هنا أشتغل. أنا بس أقول إن البحر أحسن مكان تختفي فيه”.

وأعطاها ابتسامة تخفف حدة الكلمة، قبل أن يلتفت أمامه. هزت رأسها، ولم ترد. وظلا يمشيان بصمت في هذا المكان البكر البعيد عن كل شيء.

تجمعوا ليلًا أمام البحر، واختاروا مكانًا عند القارب المركون على الشاطئ وليس الشاليه. كان عساف، كما تنبأ علي بذلك، سعيدًا بالوافدين الجدد. “اللي يصير أعظم شي”. قال أمام شبة النار “أنا أبوي عنده نخل، وأمي بدوية، ومولود فوق جبل، والحين ساكن عند البحر. أنا جامع لك الناس. وهذاني أعلمكم: اللي صاير الحين أحسن شي”.

قال محمد، أحد أعضاء الفريق: “خلاص ما يحتاج نسوي R&D دام عندنا عساف”.

“إيش؟”.

“R&D، بحث وتطوير”.

“طيب قل بحث وتطوير”.

“كذا أسرع”.

التفت عساف إلى علي: “خلاص أنا معك. أسحب كلامي”.

فاعترض علي: “أنا وش دخلني؟”.

“أنت للحين عايش في الماضي وما تبي شي يتغير”.

“من وين استنتجت هالشي يا الحبيب؟”.

تدخلت عذبة: “كل شي فيك يقول إنك ناشب في الماضي”.

“مثل؟”.

“وش تسمي هالأشرطة اللي مجمعها؟”.

“لا ما لها دخل ذي”.

كان الهواء لطيفًا، وعلى النار يطبخ عساف طبخته “المليحية” التي تعلمها من أمه التي وُلدت وتربت في عرعر. دخل الجميع في نقاش حول الأغاني، والماضي، والحاضر، وعلي ينصت مبتسمًا وصامتًا، ويبدو مستمتعًا.

البحر يُسمع قريبًا منهم، ولكنه لا يُرى في العتمة، يعطي انطباعًا شبيهًا بالاستلقاء في الظلام بجانب نائم تُسمع أنفاسه ولا يُرى. والنجوم كثيرة، تغطي رقعة السماء كاملة بعيدًا عن أضواء المدن الكبيرة، مثل عرس.

قالت نورة: “أنا عجزت أحب الأغاني العربية”.

التفتوا جميعًا إلى علي، الذي رفع يديه اعتراضًا: “ترى الأغاني مهيب أمي. عادي يعني”.

ضحك بعضهم وتدخل عساف: “مشكلة الأغاني العربية كلها حب. أقرفونا. عشان كذا الناس تبي تسمع شيلات. شي غير الحب”.

ابتسمت عذبة، وقد تذكرت نقاشاتها مع علي، التفتت إليه ولكنه كان يحدق إلى المجموعة، ولا نية لديه للتدخل. فسكتت.

ردّ ناصر، أحد الشباب: “أظن لأن الأغاني تقول اللي ما يقدرون يقولونه. العرب شعب عنده معضلة في التعبير عن نفسه. لذا يبدو طبيعي أن الحب اللي هو أصلًا موضوع حساس يكون أكثر شي يغنّى”.

استحكم صمت شبه اتفاقي، ما دفع عليًا إلى الاعتراض: “مهوب صحيح أن الأغاني تقول اللي ما نقدر نقوله”.

“أجل وش؟”.

“الأغاني تقول اللي لا يمكن نقوله أصلًا. ليش الناس تحب الأغاني والشعر والقصص؟ لأنها مهيب حقيقية. البدو الأولين عندهم الحجاجي والحضر الأولين عندهم السباحين. وحنا جيل المدن الجديدة عندنا الأغاني”.

لم يعلق أحد. كانت عذبة تراقبه، وهي تتذكر كلامه القديم المناقض، بصمت. أكمل: “ما فيه أحد يعيش هالكلمة: لك حبيب ما نسى، كلمته دايم عسى. لو ما تنسى بتنتحر. لما تسمع مذهلة تحس أن الحب شي أوركسترالي أكبر من كل شي وإذا عشته بيوديك كل مكان، ولما تسمع ظالم ولكن تحس أن الحب قطعة من جسمك وأنك عادي ممكن تموت”. ثم رفع سبابته: “تدري ليه أغانينا كلها حب؟ لأننا نستحقر الأغاني ونشوف أنها أقل من أننا نغني شي من حياتنا، فنحط فيها شي أصلًا مدري وش هو، شي كبير مرة. محد يعيش الحب اللي في الأغاني”.

طغى صمت على الجلسة. ثم علق عساف: “الكلام ذا يقوله الأخ اللي عنده ألفين كاسيت”.

ضحك علي، ولكنه لم يعلق، اكتفى بابتسامة محايدة، وترك مساحة لتعليقات الجالسين، واكتفى بالتحديق صامتًا.

كانت عذبة تراقبه من وراء النار التي تفصل بينهما. يبدو مشغولًا بمتابعة من يتحدث، ولكنه بدا أيضًا كأنه يتجنب النظر إليها عمدًا. وكما كان ضوء الشمس يلوّن وجهه في مكانهما السري، كان لون النار يلوّن وجهه، وعظمة صدغه تبرز وتختفي. ولكنه لم يلتفت إليها هذه المرة، ولم يلتقط تحديقها المركز. ظل يحدق إلى غيرها، بعيدًا عنها.


أسابق الساعة

استدعاه أبو راضي إلى مكتبه. دخل علي، وبدا الموقف لا يبشر بالخير.

كان أبو راضي متكئًا على كرسيه وقد خلع نظارته، وهذه علامة على الخطر، لأنها تعني أن مزاجه متعكر. ظل يحدق إلى علي، الذي جلس محتارًا ومترقبًا.

قال أبو راضي: “معك ميتين ألف؟”.

“ريال والا ين؟”.

ضحك بملل وهو يهز رأسه: “I’m out of sticks and carrots”.

العلامة الثانية على الخطر، عندما يتحدث بالإنجليزية. “كيف عذبة؟”.

“ممتازة. ما تحتاج تدريب”.

“ما أثّر فيك أن موظفة جديدة تعرف أكثر منك عن الشغل؟”.

رد كيفما اتفق: “لا وش دعوى. كلنا فريق”.

استشعر حدة الهجوم في الموقف كاملًا، ولذا عدّل جلسته بارتباك، وانتظر من تحديق مديره أن يلين. ولكنه لم يلن، ولم يهتز. ومرت ثوان عدة وهما يحدقان بعضهما إلى بعض، وفي طرف فم أبو راضي ما يشبه الابتسامة المنهكة التي تقلصت وتحولت إلى عبوس أكثر حدَّة.

قال أخيرًا: “أنا مضطر أنهي التعاقد معك يا علي. بنطلب منك تجلس أسبوع بس، لكننا بنعطيك راتب الشهرين اللي مفترض تداومهم”.

أحس علي بالدم ينسحب عن وجهه، وبفراغ حاد يطفو في هامة رأسه. وقبل أن يسأل “ليه؟” بادره أبو راضي: “هذي ثاني قضية تتسبب فيها أخطاؤك بتكليف الشركة مبلغ ضخم، مع عشرات وعشرات من المشاكل. أوراق خطأ، أسماء خطأ، ملفات تضيع، تأخير”. ثم صمت بما يشبه الأسف والتعاطف.

حتى الآن، لم يقل علي كلمة واحدة. الشمس تدخل كثيفة من النوافذ، وتعطي المكان انطباعًا ناصعًا بالنقاء. لاحظ الزجاج النظيف، ونبتة البوتس على الحافة، وبخاخ الماء. وبدت النافذة أكبر مما كانت، تمتص شمسًا أكثر مما اعتاده، وتكاد تُغرقه في الضوء.

كل شيء نظيف ومرتب وناصع.

وجد أن أول سؤال يطرأ عليه بينه وبين نفسه بما يشبه الصدمة: وين بروح كل يوم الصبح؟ ولكنّ أبو راضي أعاده إلى السؤال الأهم: “أنا أعرف أبوك يا علي، كان مديري في أرامكو، وأكنّ احترام وتقدير له، بس ما أقدر أتغاضى أكثر من كذا”. وهنا برز السؤال الأهم الذي لفّ برأس علي: وش بقول لأبوي؟ ثم كبر ليشمل: وش بقول لأهلي؟ وش بقول لأخوياي؟ إلى أن وصل إلى: وش بقول لعذبة؟ رغم أنه لم يفهم لماذا طرأت عليه هذه الفتاة وكأنه مدين لها بتفسير.

لم يجادل. هز رأسه أمام كل كلمة قالها مديره، وكل توجيه، وكل وعد، واجمًا ومشدوهًا، ثم خرج من المكتب.

لو تأمله أحد، لظن أنه تلقى خبر وفاة عائلته كلها. ولكن لم يتأمله أحد، وظل واقفًا بين حركة الموظفين، والدوام، والرايح والجاي.

عندما تحرك كانت قدماه مثل حصاتين ثقيلتين، يجرهما جرًا.

هذه المرة الوحيدة التي تمنى أنه يدخن، كي يجد سببًا ليهرب إلى الأسفل. لكن خطواته قادته إلى المكتب.

وجد هناك زميليه حمود وصالح وعذبة التي تنتظره. كانوا في وسط نقاش حول أفضلية القطاع الخاص على القطاع الحكومي في الوظائف القيادية.

“الحكومة الحين تتغير. قريب بتشوفين أن أحسن الوظايف بتصير في الحكومة”، قال حمود لعذبة، وشدد: “تذكري كلامي زين”.

“يعني رايك أقبل العرض؟”.

“لا ما قلت اقبلي. أنا أتكلم بشكل عام”.

كان علي قد جلس شاردًا، والنقاش يدور من حوله. انتبه له صالح: “وش رايك يا الحبيب؟”. رفع علي رأسه فاهيًا وأكمل صالح: “الظاهر أنت تبي وظيفة في وزارة التعليم، مثل شغل الشياب”.

ابتسم علي، وقد لاحظ الجميع فجأة مدى التغير الذي طرأ على ملامحه. وزاد صمتُه حدةَ ملاحظتهم، فسأل حمود مترقبًا: “ما فيه رد استهبالي؟ والا ذبة؟ والا أي شي؟”.

ولكن عليًا ظل مبتسمًا. تنهد: “يا كثر كلامكم عن الوظايف والفلوس. كلها تروح وتجي ترى”.

هز الاثنان رأسيهما، وعلق حمود: “جا اليوم اللي ما نسمع إلا كلمتين من الأخ علي”. ثم عادا إلى النقاش، وظلت عذبة تراقب عليًا بطرف عينها، ثم مدت له الأوراق التي في يدها وقالت: “خلصتها”. أخذها وهو يهز رأسه، فقالت: “ما تبي تراجعها؟”، وكأن السؤال حرك شيئًا في داخله فضحك ضحكة مكتومة، ورد: “لا ما يحتاج”.

مرت دقائق عدة. نهض بهدوء، وخرج. فور خروجه صمت الاثنان وقال حمود: “شكله انفصل. هذا وجه واحد توه منطرد”.

استقامت عذبة في جلوسها مذهولة، وهي تتابع الباب. سأل صالح: “سالفة سعيد تتوقع؟”.

“أكيد”.

نهضت عذبة: “وش سالفة سعيد؟!”.

“موظف جاب علي العيد في معاملة عقده ومن ثم تسريحه، ورفع قضية، وغالبًا بيكسبها. وشكلها الشعرة الأخيرة”.

“أي قضية ما جاب طاريها أبدًا!”.

“وش دعوى أول مرة تقابلين علي؟ طبعًا مهوب جايب طاريها. الرجال الدنيا عنده سهالات ويظن أن كل شي يحل نفسه بنفسه”.

“طيب عادي يقولها!”.

“أنت تتكلمين عن واحد أبوه درَّسه، أبوه توسط له ووظفه، أبوه يلاحقه، أبوه يصرف عليه، لو الأمر متروك لعلي بيفلس، فيه أيام تمر ما معه إلا خمسة ريال. مستوعبة موظف عزاب ما معه الا خمسة ريال؟ أكيد أنه ما هو مستوعب اللي صاير”.

“أنتم ما تستحون؟! زميلكم وخويكم وتتكلمون عنه كذا؟!”.

دُهش الاثنان، وتلعثم حمود مبرًرا: “ما قصدت، أنا بالعكس أحب علي. أنا بس أشرح لك حالته. أنت ما تعرفينه”، وهز كتفيه بارتباك ضاحك: “أنا آسف!”.

ولكنها تركتهما، وخرجت. وقفت عند حد الباب، التفتت يمنة ويسرة ولكنها لم تره. تحركت وبحثت عنه في كل مكان، ولكنها لم تجده.

لم يعد علي. ترك كل شيء. واختفى.

أرسلت له مرات عدة على الوتس أب، والسناب شات، ولكنه لم يرد. وعندما مر يومان رد عليها أنه عاد إلى الشرقية بطلب من والده الذي سيدبّر له وظيفة في أرامكو.

اتصلت به، ولكنه لم يرد. وأرسل لها أنه سيكلمها قريبًا.


صوتك يناديني

“تذكرين ذاك الفيلم اللي شفناه، البولندي؟”.

ردت نورة: “cold war؟”.

“ايه”، قالت عذبة وكأنها عثرت على كنز، واستكملت هذرتها المتوثبة: “الرجّال وشلون كان distinguished وغامض وجذاب. وشلون كل الرجال في قصص الحب كذا، اللي ياكلونك بعيونهم ويروح كل وقت أول العلاقة وأنتم تناظرون بعض نظرات تختصر كل شي. لكن في الواقع مو شرط. الواقع مختلف”، ثم سألت بنبرة ساخرة: “ليش الواقع مختلف يا نورة؟! ليش يكذبون علينا؟!”.

هزت كتفيها وهي تضحك: “وانا وش يدريني”. ثم قالت: “يبيلك تشوفين أفلام الموجة الفرنسية. بتشوفين..”.

ولكن عذبة كانت مستحكمة في طردية أفكارها وقاطعتها: “أعلمك وش المشكلة؟ حنا المشكلة، البنات. الرجال يحبون البنت عشانها حلوة والا مملوحة والا جسمها زين. لكن حنا حمير، إيه نحب الزين أكيد لكن ممكن نحب الولد عشان شي مرة مرة غبي. عشان عظمة فكّه تتحرك وهو ياكل”.

“وشو؟!”، وضحكت نورة.

“لا تضحكين. حنا كذا. غبيات”، ومسحت وجهها بيدها: “الله يلعنه توقعت إذا جيت بيتغير كل شي، لكن من يوم شفته كل شي رجع مثل أول وأقوى. ليش ما أقدر أمسحه من راسي؟!”.

ابتسمت نورة ابتسامة تعاضدية، تلك التي تمنحها لمن لا يمكن أن يُمنح أكثر من ذلك، ما دفع عذبة إلى أن تضحك على نفسها بإحباط. التفتت إلى البحر النائم الذي يُسمع ولا يرى، يتموّج رخيمًا وأليفًا. “كل شي فيه كان”، وسكتت تبحث عن كلمة مناسبة “organic، طبيعي مرة مرة”. ثم اتكأت برأسها على يدها، واختتمت: “الله يلعنه”.

كان علي وعساف قد مشيا قبل مدة عندما انتصفت الساعة العاشرة. عساف سيعود إلى الخفجي ثم سيرجع صباحًا إلى هنا للدوام. “نم عندي بدل المشاوير”.

“لا صعبة. بعوّد للبيت”.

يمشيان إلى سيارتيهما عند الشاليه، بعيدًا عن مكان التخييم. “يا رجال تعال بس. نسهر ونتكي. أنا ما فيني نوم”.

“وش شايفنا عزاب للحين؟ ورانا دوامات ووراعين”. وفارقه بتلويحة وداع.

القرية تهجد كلها منذ ساعات الليل الأولى، والضباب الطفيف المعلق في الهواء غبّش الضوء. وكأنه يمشي في حلم شخص ثقيل النوم.

بيته دور ونصف، قديم، عمره أكثر من 40 سنة، رممه وجدده قبل سنوات عندما تزوج. دخل فلم يسمع حسًا. كان كل شيء هاجدًا، ولمبة المطبخ التي تُترك دليلًا للماشين في الظلام تنحت ضوءًا مربعًا في أرضية الصالة، أوقفته عند الباب، وجعلته يجول ببصره، وشعورُ قلقٍ غريب يباغته، وكأن البيت فارغ، ولا أحد هنا غيره.

في الطرف الآخر عند الشاطئ، رتَّب الشباب عدتهم وأماكن نومهم بجانب القارب. خبرة الأشهر الماضية في التنقل في أماكن كثيرة جعلتهم محترفين في نصب خيامهم الناموسية وترتيب أغراضهم. تنقلوا بين جبال وسهول وقرى وشواطئ. ستة أشخاص يبثون طاقة في المكان تُرى وتُحس على مسافة كيلومترات. تستطيع رؤية أضوائهم وسماع أصواتهم واستشعار حضورهم. يتحركون ويتحدثون ويضحكون ويستعدون.

تجلس عذبة صامتة، تراقبهم بنظرات وابتسامات وتعليقات تسليكية، والظلام الذي يقود إلى القرية يجذب عينيها، فتغرق فيه، ولكنه لا يؤدي إلى شيء. سواد حالك. وتعود بعينيها إلى الشباب، فترى في وجوههم وحركاتهم كل تلك الجبال والسهول والقرى والشواطئ التي مروا بها، والتي سيُحيون بفضل مرورهم بها احتمالات وإمكانات وحيوات لم تكن ستتحقق دونهم. ولكن عينيها تنحرف إلى السواد الحالك دائمًا، وتعجز عن صدها عنه.

صعد علي إلى غرفة النوم، فوجد زوجته هيا جالسة على السرير، تقلب في جوالها. “غريبة رجعت مبكر”.

ردّ وهو يخلع ساعته ويضع جواله ويفك أزرار ثوبه: “خلصنا”. ثم أضاف بشرود: “باخذهم بكرة الفجر في رحلة صيد”.

“ما عندك دوام؟”.

“سهالات”.

“بتصير مشهور. عساف صادق، لازم تزين الشاليه وتقول لهم يمدون طريق أحسن له”. ولكنه لم يرد. جلس على طرف السرير، وأحس بيدها على كتفه، تمسّده. التفت فرآها ترمقه بنظرة لا يخطئ معناها، ابتسم، فجرته إلى الخلف، حتى استلقى متكئًا على مرفقيه تحت وجهها الذي أحنته لتقبله قبلة طويلة. أرخى مرفقيه وأنزل رأسه وتركه على فخذيها، فأخذت تمسّد شعره. “أمي اليوم تمدحك عند أخواتي، تقول رجلك أجودي. حبيب ورجال، لو بس يهديه الله ويعوّد للخفجي”.

“وأكيد قلت حلو بعد. هذا الأهم”.

“أكيد. حلو وبادي يصلع”. ومرت بأصابعها على دائرة الجِلد المرقعة بالشعر على هامة رأسه.

رفع رأسه وقبلها، واختفيا بعضهما في بعض.

تستلقي عذبة في ناموسيتها الصغيرة. تقلب في جوالها، ويستغرق كل شيء وقتًا طويلًا للتحميل. رمته بملل، وظلت تحدق إلى السقف المخرّم المؤدي إلى السماء. آلاف النجوم تتلألأ بعيدًا عن أضواء المدن. رأت المنظر عشرات المرات، ولم يُخيّب ظنها مرة واحدة. إذا حدقتْ طويلًا إلى النجوم تستطيع أن توجد أشكالًا منها. جمادات، ووجوهًا، وأماكن. ولكن لا شيء هذه المرة، لا جمادات ولا وجوه ولا أماكن. بينما تتلألأ النجوم، تجلس وحيدة في ناموسيتها الصغيرة التي نامت فيها عشرات المرات نومًا عميقًا وطويلًا. ولكن النوم الآن يبدو بعيدًا.

نهضت، وخرجت. الكل نائم. الكل هنا محترف في التأقلم مع الأماكن والظروف الجديدة. سارت على امتداد الشاطئ المعتم. ينسكب ضوء القمر الهلالي على سطح الماء مثل نافذة مواربة، وصوت المد والجزر يغطي كل صوت آخر. وأحست بجفاف في قدميها، الجفاف الإيحائي الذي ينشأ من مراقبة الماء، فرفعت ملابسها ودخلت بقدميها، وأحست به يسري قشعريرةً في كل جسدها، مثل لمسة يد، أو قبلة، أو حضن.

لم يتمكن علي من النوم. حاول، أغمض عينيه، عدّ إلى المئة، قرأ آية الكرسي، ولا فائدة. نهض وصعد إلى السطح، حيث رتّب له جلسة أرضية بسيطة يلجأ إليها إذا أراد الخلوة بنفسه. يسمع، أو يقرأ، أو يتصفح جواله، أو يفكر. وجلس هناك.

لسبب ما لم يهتم بتفسيره، أراد أن يسمع أغنية تخيلي لعمر كدرس في ذلك التسجيل النادر. شغله، واستلقى يشاهد النجوم. أعاد التسجيل نفسه مرة، ومرتين، وثلاثًا، ولكنه هذه المرة لم يتوقف في الرابعة عن سماع الأغنية، ولم تذهب إلى الخلفية، ولم يصل إلى مرحلة عدم سماع شيء وعدم التفكير في شيء. ما زال يسمع الأغنية، وما زال يفكر في صور كثيرة لكن أبرزها وجه عذبة في مكانهما السري، وهو يحدق إليها ذات يوم، ويقول لنفسه إنه سيتزوجها، إن هذه المرأة ستكون زوجته. هذه الصورة، بجانب صور أخرى، مدفونة في أماكن بعيدة تكاد تكون نسيانًا، إلى درجة أن عودتها إلى الذاكرة تؤلم رأسه، وكأن فأسًا يضرب أرضًا صلدة في جمجمته ليستخرجها.

ما زالت عذبة تقف في الماء، ولكن القشعريرة التي تشبه اللمسة أو القبلة أو الحضن تلاشت، ولم يبق لها أي أثر. البلل هو ما تحس به، تحس به في جسدها كله.


مرتني الدنيا

أخبره والده أن يستيقظ في تمام الساعة الثامنة، وعندما لم يجده مستيقظًا، ضرب الباب وصرخ فيه حتى استيقظ. لبس علي، ونزل، ورأى مشهدًا لم يره منذ زمن دفعه إلى الضحك. عائلته المكونة من ثلاثة إخوة وأخت ووالديه يجلسون جميعًا إلى طاولة الطعام، ويتناولون الفطور. مشى إليهم وهو يقول: “ما عمري شفت أحد يسويها إلا أنتم والأجانب اللي في الأفلام”.

التفت إليه والده منفّسًا: “عسى ما شر؟ لا صباح الخير ولا شي؟ استح على وجهك واجلس وأنت ساكت”.

سدّ فمه بابتسامة مقموعة، واقترب من الطاولة: “صباح الخير عائلتي الكريمة”. فردوا جميعًا عليه. مدت والدته صحنًا فيه بيض وخبز توست: “خذ حبيبي”.

ضحك والده ساخرًا: “حبيبي! تدرين كم مرة نادتني أمي حبيبي؟ ولا مرة. وأنتِ واحد كبر البعير وتوه مطرود من وظيفته ونايم يالله قومناه عشان أول يوم دوام في أرامكو وتقولين له حبيبي!”.

يبتسم علي مركزًا على صحنه، ويهز رأسه. دافعت أمه: “إذا محد قال لك حبيبي هذي مشكلتك. كل فطورك بس واسكت”.

إخوته، الذين يعملون جميعًا في أرامكو، وأخته، التي تعمل في سابك، يأكلون بصمت. لم يستطع علي كبح ضحكة. “خل نتفق على الأقل أن المنظر غريب”، أخوه الأكبر سعود وأخوه الأصغر عزيز بدا أنهما يتفقان معه بابتسامة متواطئة ناعسة، أما رابح وهند فيبدوان معترضين بنظرات نافرة.

رد والده: “الغريب والله أنك أنت الوحيد اللي تشوف هذا غريب”، ثم همس: “يا ليت هذا بس اللي يفرقك عنهم”.

سمعه علي، وسمعه الجميع، ولكن لا تعليق، واستمر علي في ابتسامته التسليكية الناعسة. ثم قال: “يبه، عندي لغز. وشلون تعرف واحد يشتغل في أرامكو؟”.

طرأت ابتسامة على فم والده بالغصب، كبحها ورد: “كل فطورك وأنت ساكت”.

“لا جد، وشلون تعرف أنه يشتغل في أرامكو؟”.

“وشلون؟”.

“ما يحتاج، هو بيقول لك”.

ضحك سعود وعزيز، واتسعت ابتسامة والده وكادت أن تصل إلى ضحكة كاملة، لولا أنه هز رأسه فوق صحن البيض: “you are blessed with charm، الحمد لله، والا كان متَّ جوع”. وبدأ علي يأكل، وهو يضحك مستمتعًا.

على بعد أكثر من 400 كلم، كانت عذبة في يومها الرابع في وزارة التجارة. كانت قد طبَّقت هناك في أثناء تخرجها، وعندما علم مديرها بقبولها عرضًا في الشركة، ألح عليها حتى عادت. ولذا فإن معرفته بها جعلتها عضوًا أساسيًا في فريقه فور دخولها.

ظلت ترسل لعلي بين مدة وأخرى، ولكنه لا يرد مباشرة، يستغرق أيامًا عدة للرد. إحدى الرسائل كانت رابط تسجيل لأغنية “من بادي الوقت”، ولكن بلحن مختلف. يبدو صوت محمد عبده فتيًا، لا بد أنه في مطلع الثمانينيات. سمعه من قبل، وأحبه، وسمعه مرة أخرى من الرابط الذي أرسلته، وهو جالس في مكتبه الجديد في أرامكو، محاطًا بموظفين أصغر وأكبر منه سنًا في قسم الأرشيف. يضع السماعات ويسمع، ويراقب، ويفكر: “يستاهل الأمر إني أحاول مرة ثانية؟”. وتخيل نفسه بعد سنتين، يُستدعى إلى مكتب المدير، رجل يشبه والده، ويشبه مديره السابق، ومديره الذي قبله، ويخبره أنه لا يجد بدًا من إقالته. رد عليها: “الجلسات دايم لها جو حتى لو اللحن ما تغير، كل تسجيل لأغنية له جو مختلف في إيقاعه ومزاجه وكأنك تسمع أغنية جديدة. عشان كذا الجلسات أعظم، كل مرة تسمعها كنك تسمع شي جديد بعكس الاستوديو”.

لم تتوقف عذبة عن رسائلها طوال أشهر، ولم يكن يأتيها منه إلا ردود متأخرة كل مرة. تلقت ترقية، وتولت إدارة مشروع، وكثرت مسؤولياتها وأشغالها. عندما تفتح السناب شات، تمر دائمًا على سنابه فلا ترى شيئًا جديدًا، إلى أن اختفى الحساب.

أرسلت له مرة، وقد صار لها مكتب خاص بها بعد مرور سنة من وظيفتها الجديدة، أغنية طال السفر بتسجيل جلسة، وكتبت: “الأغنية حزينة وكلها دموع وترجّي، بس اللحن يخليك ودك ترقص. فوضى خخخ”. فرد بعد أيام: “كثير من الأغاني الشعبية الحزينة، خصوصًا في الجلسات، فيها هالشي، اللحن الراقص اللي يخفف جدية الحزن. وعمومًا الحزن فيه كذا شي راقص، مثل الصوفيين اللي يرقصون. بس مشكلتكم ما تفهمون الحزن تبون الحزن والحب شي ضخم وأسطوري وكئيب مثل أغنية المسافر لراشد”. وأحست بأن في الجملة الأخيرة نبرة هجومية أكثر من كونها استهبالية كعادته.

عندما أرسل الرسالة، كان قد مضى يومان على استدعاء مديره له، وتهديده بقرب إقالته إذا لم يحسِّن وضعه. وهو ما دفع والده إلى مواجهته: “ما راح أخليك تفصل من أرامكو. إذا ما تبي تكمل، اطلع. لكن إذا طلعت لازم تشتغل. ما تقعد في البيت”.

فقرر وهو جالس بابتسامة واجمة: “أبي أطلع”.

بعد يوم، جاءه والده، وأخبره أنه دبّر له وظيفة في ميناء السفانية، قرب الخفجي. “بتسكن هناك، وتروح كل يوم للميناء مسافة 70 كلم، وبعدين نشوف وضعك”.

لم يرد علي. كان يجلس صامتًا، وعلى فمه ابتسامة، تخفت حبة حبة. رمقه والده، وهو ينهض، ثم قال مبررًا: “تظن أني كنت أبي أجي لكلية البترول أدرس؟ والا أروح بعثة؟ والا أتوظف في أرامكو بعيد عن أهلي؟ لا، لكن عادي، الإنسان يروح وين ما يصير رزقه، ويعيش ويتزوج وتمشي الحياة”.

كان علي يحدق إليه دون غضب، وإنما بنظرةٍ أقرب إلى التفهم. بدا ما يقوله والده معقولًا، وإن كان مخيفًا. هز رأسه، وظل صامتًا، وتخيل حياة في مكان هادئ، بعيدًا عن كل شيء يعرفه وصار عبئًا عليه.

لم يسرِ قرار توظيفه هناك إلا بعد ثمانية أشهر. كانت عذبة قد انتقلت إلى هيئة الترفيه بمنصب مساعدة مدير مشروعات. عندما وصلها قرار قيادة المرأة خرجت من غرفتها، وركضت إلى والدها الذي يجلس بقميصه في الصالة، وهتفت: “فزنا”، ثم بدأت حملة تسويقية داخل البيت لتفرض ضغوطًا على والديها لقبول قيادتها السيارة، وهو ما واجه حملة مضادة من الوالدين. اعتمدت حملتها على ترسيخ فكرة أنها البنت البكر، وأن شقيقاتها الثلاث وأخيها الصغير سيستفيدون من خدماتها، بل إنها قدمت عرضًا توضيحيًا ساخرًا بالباوربوينت لوالدها الذي واجهه بحملته المكررة التي اعتمدت على سرد قصص مروعة من حياته العملية بوصفه محاميًا لفتيات اختُطفن واغتُصبن، وهي الحملة التي حققت نجاحًا في بادئ الأمر ولكن القصص بدأت تصير سخيفة ومملة. واستمر الصراع السلطوي حتى اللحظة التي استسلم فيها والدها ودخل غرفتها مرة وسلمها مفتاح سيارته القديمة الماليبو وأبلغها: “بكرة نبدأ التدريب”.

لم ترسل له أي رسالة منذ أشهر. بين مدة وأخرى، تحين لحظة تذكرها به. عندما تشغل “أبعتذر” بتسجيل يتجاوز 20 دقيقة وهي متجهة إلى العمل فتتذكر كلامه عن أن الأغاني تجمّل الطرق وترقق المسافات. أو عندما تترقى في عملها ويخبرها مديرها أنه سيكون لديها الآن موظفون يجب أن تهتم بتدريبهم وتأهيلهم وتحبيب عملهم إليهم. أو عندما تتعرف على شاب في تطبيق “باث” فتجد نفسها تلقائيًا تقارنه به.

ثم كانت جالسة مرة في قاعة اجتماعات فسيحة وحدها، تنتظر تقديم عرض إلى وكيل وزارة برفقة مديرها. الشمس تدخل كثيفة من الجدران الزجاجية، وتعطي المكان انطباعًا ناصعًا بالنقاء. لاحظت الزجاج اللامع، ونباتات الأريكا الموزعة بأناقة، والطاولة الخشبية التي تعكس الضوء. كل شيء نظيف ومرتب وناصع. أخرجت جوالها، وحذفت رقمه، وحذفت محادثاتهما في الوتس أب.


صعب السؤال

لا تتذكر عذبة الحلم مهما حاولت. أصواتهما مكممة، تكاد لا تسمع. وملامحهما بعيدة، تكاد لا تُرى. في مكان لا يشبه أي مكان رأته من قبل.

اعتادت أن تراه قبل سنوات في أول الأمر، وظلت تتقلص أحلامها عنه حتى اختفى منها.

عندما استيقظت، وجدت رسالة من أحد موظفي المحافظة، يعتذر أولًا من توقيت الرسالة المفاجئة ويخبرها أنهم نجحوا في ترتيب الاجتماع الذي طلبته مع رواد الأعمال المتحمسين لمقابلتها ومناقشتها حول مستقبل المشروعات والفعاليات الممكنة هنا، في تمام الساعة الـ11 صباحًا.

“خربت الرحلة”، قالت لنورة، “يبوني أجي للاجتماع، راح عن بالي”. كان الجميع قد نهض باكرًا، واستعد للرحلة. تجمعوا عند الشاطئ، ووقفوا هناك بعدتهم، ينتظرون عليًا.

وقفت تحدق إلى الشمس التي تصعد من انحناءة الماء، وأمامها البحر والقارب المركون عند الشاطئ، وعلى ملامحها تعبير عن النقمة والورطة.

تدخلت نورة: “نقدر نؤجلها. عادي”.

“لا صعبة. شوفيهم متحمسين يبون يروحون”.

شرحت لهم أنها مضطرة إلى الذهاب إلى هناك، يكفي أن تذهب وحدها. اقترح محمد أن يقابلوها هناك في الخفجي عندما ينتهون قبيل المغرب، ووقفت عذبة مبهوتة قبل أن تنقذها نورة: “ارجعي هنا أحسن، وممكن نقعد الليلة ونسهر مثل أمس، ثم نمشي بكرة”. فهزت رأسها بالموافقة.

جلس علي في سيارته المتوقفة بعيدًا دقائق عدة، يراقب الشمس التي تصعد من انحناءة البحر، ويراقبهم عند الشاطئ. يبدون مثل أسماك صغيرة نتأت عن الماء. ويكاد يستبينها من بين الجميع، رغم اختفاء المعالم، تقف بمعزل عن المجموعة.

ظل جالسًا دقائق عدة. فكر جديًا بالعودة، ولكن هذا بدا سخيفًا. وبَّخ نفسه، واقترب بالسيارة ونزل.

انتبهت له قبل الجميع. رأته مثل خيال مرسوم يتحرك في المدى، يسير ببطء. يحمل عدَّة، مثل صياد حقيقي. وضحكت. بدا منظره غريبًا، لا يشبه شيئًا مما تعرفه عنه، ولكنه في الوقت ذاته بدا متسقًا تمامًا مع ما تعرفه عنه. تلك الألفة الاستحقاقية التي تنشأ مع شخص لا تغيرها أي تحولات طارئة أو متراكمة. وظلت تراقبه يقترب، علي الصياد، حتى وقف أمامها وهو يبتسم: “ليش تضحكين؟”.

فضحكت بصوت أعلى: “الصورة ذي يبيلها سنين عشان أستوعبها”.

اقتربا من الجميع. فك الحبل وأخبرهم: “عادي اركبوا”، فركبوا، وظلوا يدورون في القارب مثل الأطفال المذهولين بالأشياء الجديدة الغريبة، وكأنهم لم يركبوا قوارب من قبل.

“دايم شابكين كذا ويتحمسون لأي شي؟”، سأل ساخرًا وهو يشير إليهم.

“لو ما تحمسوا كذا ما نجحوا في هالوظيفة”. ثم أردفت: “طيب أنا ما أقدر أجي، عندي اجتماع الساعة 11 مع المحافظ والتجار”. بدا متفاجئًا، ولكن بتنهيدة، فهاجمته: “شكلك مبسوط؟”.

“لا والله. بس كلمة المحافظ والتجار فاجأتني”، وضحك.

“امرأة مهمة. وش على بالك”.

“عارف. من يوم نشبت لي في التدريب وأنا عارف أنك امرأة مهمة”.

كان يقترب من البحر، فتماشيه خطوة بخطوة.

“منت بفاقدني يعني؟”.

“إلا أكيد”.

“بتفقدني عشاني ورطتك بذا الناس وسحبت والا بتفقدني لأنك بتفقدني؟”.

بينما دخل القارب، توقفت هي عند حدود الماء، وظل على مقدمته يضع عدته: “ركبوا معي ناس ما أشتريهم بريال. زملاك رهيبين”.

“يعني بتفقدني لأنك بتفقدني؟”.

هز رأسه باستسلام ضاحك: “يا حبكم لهالكلام”. اختفى ليشغل القارب الذي حنّ بجلجلة كبيرة، ثم عاد إلى المقدمة، يرتب العدة.

ظلت واقفة. سألته مميلة رأسها قليلاً: “خلك صريح. الموقف كله غريب صح؟”.

وهو يتحرك ويشيل ويحط: “أي موقف؟”.

“يعني أي موقف يا عبقري؟”.

“لا عادي. كنتِ مارة من هنا”.

“صح. مارة من هنا”.

“بالضبط”.

صمتت لحظة، وتقدمت خطوة وكأنها تتمشى. أرادت أن تقول شيئا سخيفا يخفف غرابة الموقف. “أكمل التالي: وإن ضايقك إني على بابك أمرّ”، وخففت حساسية الإحالة إلى الأغنية بحركة يد متحدية.

ضحك بأعلى صوته مستمتعًا، وهو ما زال يرتب المكان: “الله المستعان. صرت تحفظين أغانينا”.

“كمّل ولا تصرّف”.

كان قد انتهى الآن من الترتيب، وقرفص أمامها من مقدمة القارب المرتفعة. حدق إليها طويلًا، ثم قال: “عندي وحدة تناسب أكثر. مستعدة؟”.

“الله يستر. مستعدة”.

بدا وكأنه يفكر، أو أنه يزيد حدة الترقب بالصمت. “جيتِ من النسيان”.

وظلا يحدقان بعضهما إلى بعض بابتسامة مترقبة، وضجيج القارب يمسح أي صوت عداه. نظر إلى الأسفل، وبدا متفاجئًا: “عذبة!”.

“هه؟”.

“دخلتِ في الموية!”.

أنزلت رأسها، ورأت قدميها بحذائها وبنطلونها يغرقان في الماء إلى منتصف ساقها. لم تنتبه، كانت قد دخلت إلى الماء وهي تقترب منه ومن القارب، ولم تنتبه!

رفعت رأسها فرأت ابتسامته الملمومة، وهو يحدق إليها. تلاشت ببطء ليحل مكانها تعبير عميق بالأسف، وصوت القارب يرتخي.

التفت إلى الخلف، وكأنه سمع نداء، رغم أنه لم يكن هناك أحد ينادي. نهض وتمتم كيفما اتفق: “لازم أروح مابي أتأخر”، ثم أكمل وهو يمشي: “إذا رجعت تكلمنا”.

واختفى في مكان ما في القارب.

الشباب متحمسون ويتحدثون ويتجادلون. محمد يضع يده على كتف علي ويطلب: “يا شيخنا، خل نصيد شي photogenic عشان نقدر نصور معه، أوك؟”. ولكنه لم يسمعه تقريبًا، التفت إليه وكأنه يراه أول مرة، ما دفع الشاب إلى التربيت على كتفه والابتعاد بابتسامة اعتذارية: “not a morning person، فاهمك يا صاحبي”.

جمع كل ما في طاقته كي لا يلتفت، ودعس بأقصى سرعته.

ظل القارب يسير مسرعًا. كانت قد أنزلت رأسها، وتأملت حذاءها تحت سطح الماء، وفكرت: هل يصل الإنسان إلى هذا الحد؟ أن يخوض في الماء دون أن يدري مثل الأبله؟ أطالت النظر إلى حدِّ أنها عندما رفعت رأسها لم تر القارب، اختفى في سطوع الشمس الذي يسبق انحناءة البحر، المكان الذي لا يمكن تقفي أثر من دخل فيه، مثل الموت.

ذهبَت إلى السيارة، وركبت. جلست دقائق عدة تحدق أمامها بوجوم. أخرجت جوالها وأرسلت لنورة: “إذا خلصتوا تعالوا للخفجي، بحتريكم هناك. ما أقدر أرجع”، ومشت.


على البال

“لذا يعتبرون هذي opportunity cost”.

رفع علي رأسه: “تكلفة الفرصة؟”.

“تترجم على أنها تكلفة الفرص الضائعة. فيه أشياء هي أصلًا فرص ممكنة، لكن لأنك ما انتبهت لها أو ما عرفت تستغلها، تروح عليك وتضيع منك، ويمكن بدون ما تدري. فاحتمال أن المشروع أو المنتج يكون ناجح، لكن كان ممكن يكون أكثر نجاح”.

هز رأسه ونفخ بفمه قبل أن يعرم لقمة من السندوتشة: “هذي فلسفة ما هي استراتيجيات”.

“تعلمني أغاني، أعلمك فلسفة”.

كانا يجلسان في مكانهما السري آخر العصر، قبل إقالته بأيام.

كلفهما أبو راضي بمهمة تطلّبت وجودهما إلى الساعة السابعة. استأذنت من والدها. طلبا غداء، وذهبا إلى هناك يأكلان.

المكان غَسقيّ، تلوِّنه رشحة ضوء ذهبية.

كل شيء في المكان يحض على الألفة، وكأنه اُختير بعناية لاستثارة موقف ما. تلك اللحظة المثالية في الزمن التي تدفع الإنسان إلى الاقتناع بأفكار ما زالت محملة بالشك والتردد. اللحظة المثالية التي تدفع الإنسان إلى التهور، أو الإيمان، أو التصالح.

يأكلان، وهناك خصلة مزعجة تتدلى على وجهها.

إحدى السمات التي يحبها في عذبة: هذه الخصلة تتدلى دائمًا على وجهها، فتعيدها وراء أذنها أو داخل حجابها المرتخي، ولكنها أحيانًا تكتفي بنفخها بفمها بعيدًا عن وجهها. وهي حركة غير مجدية، وكأنها مدفوعة بإحباط الصراع الأزلي معها إلى ما يشبه الصراخ عليها.

نفخت الشعرة وهو تستعد لأخذ لقمة، وأراد أن يمد يده، وأن يضعها خلف أذنها.

بعثت الصورة قشعريرة في جلده، وابتسامة شاردة على فمه.

راقبها، وشمس الأصيل الذهبي تلوّن وجهها، والشعرة تمتثل للنفخة الصارخة فتميل إلى اليسار قليلًا، ويمكن رؤيتها تستعد للعودة بعد لحظات أمامها.

وقرر بينه وبين نفسه أنه سيتزوجها، أن هذه المرأة ستكون زوجته، يومًا ما.

⁂

أحمد الحقيل

روائي وقاص سعودي. عن الكاتب ←

النشرة

رسالة حين يُنشر نص جديد في المدونة أو يصدر كتاب.

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة