التصنيفات
مقالات

لماذا كرة القدم مهمة؟ (انطباع عاطفي وانفعالي وغير حيادي)

وهم الكرة مقابل أوهام السياسة والثقافة والاقتصاد

لمدة شهر، يتحد أكثر من ٥ مليار شخص على التشارك في متابعة كرة مستديرة يركلها 22 شخصا في مستطيل طوله ١٠٥ أمتار وعرضه ٦٨ مترا.

قد تكون غنيا أو فقيرا. قد تكون من سلالة عريقة أو من عائلة مبتورة النسب. قد تكون مربوطا في العمل، أو مسترخيا في رغد من العيش اللامحاسب. قد تكون في مساحة من الإطلالات الفسيحة أو في سكة حارة ضيقة محشورة. لا يهم. تتحول الهواتف إلى شاشات تتوارى فيها تنبيهات الدردشة الى الوراء، وتُستخدم جدران الحواري لوحةً لبؤرة ضوء البروجكترات، وتؤجل الأفلام والمسلسلات في غرف السينما الخاصة، وتكثر أسئلة الدخلاء التي يضيق الراسخون في العلم بها ذرعا.

يمر شخص بمقهى، فيرى جماعة يتجمهرون أمام تلفاز. يتوقف، بفضول. ويسأل دون اهتمام تقريبا: “بين من ومن؟”، ليرد شخص: “الأرجنتين والمكسيك”. يهز رأسه، ويسحب كرسيا، ويجلس. لا يمكن لكل هذا العدد من الناس أن يكونوا على خطأ. يجلس، ويشرب، وربما يعمل، وهو يتابع، ويسأل، ويتفاعل. وفي لحظة ما، يصل إلى مرحلة ارتياح تخوله من القول لشخص لم يره في حياته ولكنه تكلم معه أكثر مما تكلم مع زوجته ذلك اليوم: “اللاعب المفترض دقها بالكعب للي جنبه ثم طق سبرنت”.

طبيعي. إنه شهر كأس العالم. لدى الجميع رخصة لعيش هذا الوهم الكبير، مثل الوهم الذي يعيشه شخص يجلس في الاستراحة بعد يوم طويل ليؤكد لصاحبه في معرض حديثهما عن الصراع الأوكراني: “بايدن مخذرف ومخه طاير وحقين اليمين خلاص يبون السلطة. أنا أراهنك ان أمريكا بتنقسم خلال كم سنة”.

كرة القدم لن تحل مشاكلك، ولكن السياسيين لن يحلونها أيضا، ولا المثقفون، ولا الاقتصاديون، ولا أصحاب المبادئ ولا ذوو العزم من البشر.

كلها أوهام. الحياة عبارة عن وهم كبير.

ولكن وهم الكرة يمتد تسعين دقيقة، يأخذ بيدك، يخبرك منذ اللحظة الأولى: “تراها لعبة، هدّ أعصابك”. ولكنها ليست لعبة فحسب، إنها مزيج كل تلك الأوهام. إنها وهم عالي المستوى، يخدعك ببساطته حتى تكاد تصدقه، ثم ينتهي منك وأنت قد رأيت كل شيء خارجه يحدث داخله. الحرب والسياسة والاقتصاد والبطولة والثقافة. وكله يحدث في ذلك المستطيل بلا مصائب، بلا دواهي، بلا تبعات.

لعبة فيها كل شيء، وتنتهي بنهاية الصافرة.

كرة القدم هي الحياة، بدون المصائب.

.

كرة القدم في مقام والدك

يُنتظر من والدك أن يعلمك أشياء كثيرة.

بعضها روتيني ويومي: كيف تشبك أسلاك الاشتراك في بطارية سيارتك، كيف تكوّر الرز في راحة يدك كما يفعل الرجاجيل، كيف تعرف الجحة الجيدة بضربات أصابعك الخفيفة. وبعضها الآخر دروس أكثر عمقا في كيفية النجاة والنجاح والتعافي في هذه الحياة.

لن تعلمك كرة القدم الدروس الأولى، ولكنها قد تعلمك الأخيرة.

منذ اللحظة التي تلعب فيها مباراتك الأولى، ستلاحظ كيف يجتمع نقيضان مهمان في الحياة. يجب أن تدافع عن كرتك وأن تنتزعها بكل قوتك. تنزلق، تهاجم، تحضّن، تدافش، تحارش، تتلفظ، تتوعد، تنغز، وربما تعضّ. ولكنك لا تؤذي. تُبقي على ذلك الخط الفاصل بين الاندفاع والأذية، وحينما ينتهي كل شيء، يخمد ذلك الوحش، الذي قد يستغرق خموده مدة من الزمن تختلف من شخص لآخر وحالة لأخرى، ثم يعود كل شيء إلى طبيعته.

نقيضان مهمان في الحياة: العنف والتسامح. العنف النابع من حماية ما لك، ما تستحقه، ما تريده، والتسامحُ النابع من الاعتراف بأن ما لك وما تستحقه وما تريده يجب ألا يتجاوز حدود غيرك.

ستتعلم أشياء أخرى أيضا: كيف تتغذى على نشوة الانتصار وكيف تداوي جروح الكبرياء. كيف تكون جزءا من جماعة وكيف تكون فردا بدونها. كيف تُبقي على الكره الذي يعزز اندفاعك وكيف تُخمده. كيف تواجه الاستفزازات بالتأني أحيانا والانفجار أحيانا أخرى. كيف تخطط للوصول إلى الغاية التي تبدو بعيدة ومعقدة. كيف تقرأ الناس وتفهم نقاط ضعفهم وكيف يقرؤك الآخرون ويكشفون بقراءتهم لك نقاط ضعفك.

كيف تفوز، وكيف تخسر.

.

يد الله مع الجماعة، ويد الجماعة مع الفرد

كنت دون العاشرة من عمري. أخذني قريبي إلى مباراة النصر والهلال التي كانت تقام عصرا، في أحد شتاءات منتصف التسعينات الميلادية.  

كان الملعب مكتظا، لم أر في حياتي اكتظاظا مثل هذا إلا في الحرم.

الثياب البيضاء، الشمغ الحمراء، الجاكيتات، الزبيريات، الفصفص، الشمس المرتفعة في السماء، الخياس، السوالف، الأهازيج. آلاف من البشر، جاؤوا ليتابعوا 22 شخصا يركلون الكرة في ملعب مستطيل.

ماجد عبدالله كان أكبر من الحياة. لو مر بقرب مدرستنا الابتدائية لتحولت إلى حلقة من مسلسل OZ حيث يكسر المساجين رؤوس السجّانين ويلوذون بالهرب. ولو صادفته في مخبز تميس لبدا الأكل ثانويا أمام إمكانية السلام عليه وسؤاله عن قفزة الملز المشهورة وإهدائه خبزة التميس التي في يدك.

يدخل الملعب للإحماء، وتراه يدقدق الكرة لوحده، مثل أي شخص، وتفكر: “وبس؟ هذا هو؟”.

ولكن الجميع من حولك يتابعونه. يصرخون: “ماجد! هنا!”. وتفكر: هنا ليه؟ وإذا التفت يعني وش الفايدة؟”، ولكنه يلتفت ويلوح، فيصرخون، لمجرد نظرة وتلويحة فقط. وتفكر: “واللعنة، هالرجال أكبر من الحياة صدق!”.

تبدأ المباراة، ويضيع بين الآخرين. نراه يتجول، بين المدافعين. يداقش، يحارش، يكاتف، يحاول، يحاول جاهدا، بكل قوته. ولكنه محاصر، معزول، منحّى، مُزاح. تحك لسانك في سقف فمك لتصدر صوتا يعبر عن الخيبة: “وبس؟ كل هالمشوار عشان كذا؟”. ولأن المفاجآت لا تأتي درامية، تمر عدة دقائق مملة كهذه، ثم فجأة، يركض لاعب سريع بالكرة من الطرف، ويتسلل آخر من الخلف ليسحب معه مدافعا، ثم تُرفع الكرة، وترى ماجد بين الأجساد المتراصة يهرول، يتوثب، يقفز، يحلق، وترى الكرة تقترب مثل الريشة، وترى الرأس الأسود الذي يلمع في الضوء يرتفع ويرتفع، ويظل يرتفع، ويكاد الزمن يتوقف والألسن تصرخ: “خلاص يا هوه أوقف وين رايح ما قدامك إلا الجنة فوقك!”، فيتوقف فوق الجميع، أثناء وصول الكرة إلى رأسه، ليضربها ضربة تجعل حبيبات العرق في رأسه تطيش لامعة في الهواء، وفي لحظة غير مرصودة بالعين المجردة، تكون الكرة قد وصلت إلى الشباك.

يركض هذا الفرد، رافعا يده. لا أحد معه. يركض مثل وحوش البراري التي تصطاد لوحدها. كأنه صورةٌ والملعب إطاره، ولا أحد داخل هذا الإطار سواه. وتكاد تنسى الآخرين، تنسى الذي ركض، والذي تسلل، والذي مرر. وتكاد تظن لوهلة أن هذا هو الهدف، هذه هي الكرة، ماجد لوحده، ولا أحد غيره. ولكن الآخرين يتجمعون حوله، يحتفلون معه. الذي ركض والذي مرر والذي تسلل. كلهم، كتلة من الأجساد، يتجمهرون على الشخص الذي لم يكن سيكون بدونهم ولم يكونوا سيكونون بدونه.

.

راوغ لتنجو

كان عندنا في الحارة شاب اسمه مصلح، ولقبه يوسف الثنيان.

لم يكن يلعب الكورة، أو يتابعها. لو سألته عن مارادونا لظن أنه نوع من الكاكاو. صادف مرة فهد الهريفي في البقالة فظن أنه البائع وطلب منه: “جيب بكت مالبورو أحمر”. أريناه مرة صورة صالح النعيمة وأخبرناه أنه وزير المالية، وظل دهرا يظن أن وزير المالية هو صالح النعيمة، ولم يشك في الأمر إلا حينما عُرضت مباراة قديمة مسجلة ورأى النعيمة يلعب واستغرب: “ياخي عجيب، شلون لاعب قدر يصير وزير مالية؟”.

مصلح رجل محدود، لكيعٌ ولكن بسيط “على قدّ حاله”. لا يعرف من الحياة إلا ما يدور في دائرة مترين حوله جسده، ما هو خارج ذلك يكون خارج دائرة اهتمامه ومعرفته.

إذن لماذا نعرفه باسم يوسف الثنيان؟

بدأ الأمر من موقف: كان مصلح يمشي متجها إلينا ونحن نجلس على عتبة البيت، في عصرية خاثرة. كل شيء ممل، كل شيء مكرر، حتى مشية مصلح التي رأينها مئات المرات تحسسنا أننا نعيش حلقة مفرغة من الحياة الرتيبة. ثم فجأة، سقط مكيف صحراوي معلق في غرفة سطح، واصطحب معه عدة “بلوكات” يبدو أن صاحبها ثبَّتها بـ “علك”. راوغ مصلح المكيف، وراوغ نثار البلوك، ورأيناه يقف أمام الفوضى دون خدش. حدق إليه، ثم التفت، ومشى إلينا وكأن شيئا لم يكن.

وشلون؟ هل كانت صدفة؟

وكي نصل إلى إجابة، تأملنا حياة مصلح أكثر. كان رجلا يراوغ المخاطر طيلة حياته. راوغ اليُتم بأن جعل رجال الحارة كلهم آباءه بفضل ظرافته وسماحته، راوغ المدرسين بالجلوس دائما وراء أضخم طالب في الفصل كي لا يراه المدرس. راوغ الفقر بأن يشتري السراويل والفنايل بدرزن الجملة ويبيعها عند أبوا الجامع بعد صلاة الجمعة.

حتى أنه يراوغ في حالات غريبة. نجى من ثلاثة حوادث مميتة، خرج من ثلاثة مضاربات في الحارة دون خدش، يجالسنا في الصيف دون أن تعضه بعوضة واحدة، يخرج في ذروة الزحام دون أن يعلق في الزحمة.

ولم تكن مهارة المراوغة متعمدة بوعي، أو مكرَّسة بالتدريب والممارسة. كان مراوغا بالفطرة، لقد خُلق بها، ولا يمكن اكتسابها. إنها منحوتة في شخصيته، في ذاته، ولا أحد يستطيع اكتسابها.

ولذا بدا التشبيه مثاليا، يوسف الثنيان الذي يشبه الهواء، يستطيع التسلل بين أصابعك المغلقة بإحكام. مشاكس، بسيط، فطري، يغيب مدة ثم يعود وكأنه لم يغب. يمشي على العشب وكأنه يطير. تبدو قدماه وكأنهما منحوتتان من الصلصال. يختفي بين لاعبين حتى لا تراه، ثم يخرج بينهما والكرة في قدمه. يتراجع حتى تظن أنه انتهى، ثم يعود ليكون الأفضل.

كن مثل يوسف الثنيان، راوغ حتى تنجو.

.

حروب

حينما وصل لوكا مودريتش إلى توتنهام، الفريق الذي أشجعه في إنجلترا (لا تسألوني ليه)، كان يبدو مثل طالب هزيل في ثاني متوسط يعيش على سندوتشات الجبن.

لو كان لوكا مودريتش يعيش في سدير أو القصيم، لسمعت ملامات العجايز لوالدته: “وراكم ما توكلونه وتقصون شعره؟ شوفيه كنه بنية!”. شعره الطويل، بشرته الأوروبية الشرقية الناعمة، بنيته الرخوة.

“يا حليله، بياكلونه ذا البعارين!”. حتى أن فينغر، مدرب أرسنال الأسطوري، رفض التوقيع معه لأنه غير مؤهل بدنيا.

يلعب مودريتش مبارياته الأولى بين بعارين إنجلترا. حركاته تشبه حركات راقص. لو ركض فوق ثلج لما رأيت أثرا لخطواته بسبب خفة حركته. ولكنه ما زال لاعب وسط بين بعارين إنجلترا، حينما كان الدوري الإنجليزي يقدر البعارين كثيرا.

نشأ هذا الفتى الرخو في عز حرب الاستقلال الكرواتية عن يوغسلافيا. والده كان ميكانيكيا في الجيش الكرواتي. هذا الرخو يأتي من سياق يقول إن الشخص يجب أن يعمل بذكاء ليحقق نجاحه.

من الصعب السيطرة على لوكا. يتحرك كثيرا، أكثر من اللازم. يمسك الكرة جيدا، يقرأ الملعب جيدا، يستغل بطأ هذه البعارين التي تحيط به لينسل ويتسلل ويمرر.

يتحرك كثيرا، كثيرا، ولا يتوقف. يتعب الجميع، يهدؤون، وهو يركض، ويركض.

كان منظرا مضحكا. أن ترى لاعبا بهذا الحجم بين كل هذه الأجساد. وكأنه حصاة بركانية تقطع طريقها كما شاءت بين صخور الجبال.

في ذلك الوقت، بدأ برشلونة جوارديولا بالظهور. فريق مكون من مجموعة أقزام. وبدأت كرة القدم تتغير. صارت المباريات تلعب على سبّورات غرف المدربين قبل أن تلعب على المستطيل. كل حركة، كل إنش، كل مساحة هواء، احتمالٌ لمنفذ يؤدي إلى الهدف أو يمنعه. صارت مثل حروب الشوارع التي حدثت في كرواتيا، وصار لكل شخص إمكانية نجاح. الجندي في الجيش الكرواتي الهزيل الذي كان يحمل بندقية من الحرب العالمية الثانية لديه إمكانية نجاح إذا عرف كيف يتسلل من وراء العدو ويباغتهم بعقب بندقيته. ومودريتش الذي يبدو مثل طالب متوسط يعيش على سندوتشات الجبن لديه إمكانية نجاح إذا عرف كيف يطوع ثقل هذه البعارين في مصلحة سرعته ومهارته ولياقته.

الآن، يبلغ لوكا من العمر 37 عاما. لعب قبل أيام 120 دقيقة أمام منتخب البرازيل. وانتهى به الأمر ليسجل ضربة جزاء ويرى منتخبه يصعد على بعد مباراتين فقط عن كأس العالم.

.

“متى توظفت؟” “يوم عرف أبوي ميسي”

الزمن معقد، فيزيائيا وانطباعيا. إنه – كما تقول ويكيبيديا – “أمر نحس به أو نقيسه أو نقوم بتخمينه، وهو يختلف باختلاف وجهة النظر التي ننظر بها بحيث يمكننا الحديث عن زمن نفسي أو زمن فيزيائي أو زمن تخيلي”. (هذه المقالة كتبت في حالة انشغال تمنع من إجراء بحث متقص أكثر من صفحة ويكيبيديا. نرجو تفريغ الكتاب لكتابة مقالات أكثر رصانة).

في عام 2007، كنت شابا مفلسا مهمشا مركونا بمتع محدودة مجانية في الحياة. وفي عام 2020، وصلت منتصف الثلاثينات في حالة من الإنجاز المعقول معنويا وماديا.

هنالك قواسم ثابتة مشتركة بين تلك المرحلتين. حبي للآيسكريم مثلا، كرهي للمربى، الإسرائيليون الذين لم يفنوا حتى هذه اللحظة كما وعدنا مدرس المكتبة في المرحلة المتوسطة. وهنالك أخرى تغيرت، السرعة التي قُلصت على الخطوط السريعة مثلا، الناطحات التي بنيت، أنف ناصر القصبي الذي يواصل التضخم.

في 18 أبريل عام 2007، كنت جالسا في مقهى صغير، مفلسا ومهمشا ومركونا. هنالك مباراة على التلفزيون. المباراة مملة، الأجواء خاملة. أجلس شبه مستلق وانا أفكر في خيارتي الحياتية شبه المعدومة. العمال يتحركون مثل الذباب المريض، الناس يشيشون ويجلسون – قبل الآيفون – محدقين في الفراغ. المكان كله يشبه أغنية لكريس كريستوفرسن. لو هبط مكوك من السماء لما حرّك من الناس إلا التفاتة كسولة تتوقف في المنتصف. ثم فجأة، هبط ذلك المكوك. يلتقط مراهق الكرة من نصف الملعب، يركض، ويركض. يتجاوز لاعبا، ثم آخر. وتقول: “الحين يعكرفون له”. يتجاوز الثالث، “وش سالفته ذا؟!”. ولكنه يسفط الرابع مباشرة. “وجع!”، وها هو الآن أمام الحارس. تعتدل في جلستك، وتقول: “هنا بتضيع، مستحيل يا بوي وين!”. يتقدم عدة خطوات، ويقترب، ثم يسحب بالحارس، ويضعها في المرمى. “……”. لا تعليق، الفم مفتوح، العينان جاحظتان، الجلسة ثابتة. تلتفت حواليك، العمال يتحركون مثل الذباب المريض، الناس يشيشون ويجلسون – قبل الجوالات – محدقين في الفراغ. المكان كله ما زال يشبه أغنية لكريس كريستوفرسن. لا أحد انتبه أن المكوك قد هبط من السماء.

بعد ذلك اليوم بعدة أيام، توظفت وظيفتي الأولى. كنت أكتب مقالات عن السينما. تلك الوظيفة أدخلتني الصحافة، وظللت أتنقل بين الأماكن، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.

في عام 2020، توقفت كرة القدم لمدة شهرين، ثم عادت. كنت في مقهى يوم 13 يونيو خارج السعودية في سفرة استثنائية. أجلس خاملا، العمال يتحركون مثل الذباب المريض، الناس – بعد اختراع الآيفون – يجلسون محدقين في هواتفهم، وعلى التلفاز أول مباراة لبرشلونة بعد العودة من كورونا. قبيل النهاية، لا أذكر متى بالضبط، يأخذ ميسي الكرة، يمشي عدة خطوات داخل منطقة الجزاء، ويركلها لترتطم بالمدافع وتدخل المرمى في هدف تافه وسخيف. لم تكن مضت على وفاة والدي عدة أيام، وأذكر جيدا أنني تذكرت لحظة ما في الزمن، حينما أخبرته بوظيفتي الأولى، وجاء هدف ميسي على التلفزيون، فسألته: “قد شفت هدف مثل هذا في حياتك؟”، والدي الذي لم يكن يحب الكرة، رفع رأسه، تابع الهدف، ثم سألني بتسليك: “من هو ذا؟”، فقلت: “ميسي”، ولكنه ضحك، وكأن اسمه كان مضحكا.

كنت أرى الهدف التافه، والمعلق يهتف: “ميسي، ميسي”، وأجد نفسي أضحك. ربما هو اسم سخيف بالفعل لمن لم ير مكوكه يهبط من السماء في يوم 18 أبريل 2007.

تعليق واحد على “لماذا كرة القدم مهمة؟ (انطباع عاطفي وانفعالي وغير حيادي)”

امممم .. اعتقد أن الأمر مرتبط بما يحبه المرء ويتابعه ويفضله من الأنشطة .. ربما غيرك لا يتابع اي حدث كروي ولا تهمه الكرة من قريب او بعيد لكنه مثلا نشأ في بيئة تحب القنص فترتبط ذكرياته وخبراته برحلات القنص فيجد أن القنص بمثابة مدرسة .. وهكذا ..

اترك رد

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة