الساعة الـ4 عصرا
يضرب سعد دركسون سيارة “الشبح” القديمة عدة ضربات غاضبة.
تتضح على وجهه آثار جروحٍ إثر مضاربة حدثت قبل ثلاث ساعات. الدم نشف، الجرح تجلط، وهنالك لصقة طبية صغيرة على جبينه لا تتسق مع حجم الجرح.
“يلعن أمها الخردة بنت كلب”.
يهدأ. ويقرر أن يجرب مرة أخرى. يدقّ السلف، ويشتغل الموتر أخيرا. المسجل عالق على شريط يحوي أجمل أغاني بشير شنان، لا يمكن إطفاؤه أو إخفاض صوته. يغني الآن: “دمعي على وجنتي جاري كما النهرين، نمار والا حنيفة ياللي تعرفونه”.
شمس أغسطس تحرق جبينه. كل جسمه عرق. يرمي بصره الشارد إلى امتداد الشارع الصحراوي، ويظل واقفا عند الإشارة الحمراء، ويفكر أنه لا رجعة مما فعل، كل شيء محتومٌ الآن، بلا رجعة. وتبدو الفكرة عميقة وحقيقية ومفصلية لدرجة أنها تكاد تخنقه، تكاد تجعله يحس بكل الموجودات التي من حوله، الدركسون والإشارة والإسفلت والشمس والحصى، كلها مثله، عالقة بطريقة أو بأخرى.
يخرج زقارة، ويعلقها في فمه. يتوقف جيب لكزس على يساره، ويلتقط هامشُ عينه خياله، ويحس بشيء يدفعه إلى الالتفات، فيلتفت، وتقع عينه على عين صالح جالسا في مرتبة الراكب، حيث يحدق إليه مصدوما، وبجانبه شاب يقود السيارة. صرخ صالح: “الملعون! هذا هو!”.
عشّق سعد القير بسرعة، ودعس. وسمع فحطة اللكزس من ورائه بعد لحظات. الشريط كان قد راح إلى الأغنية التالية، بشير وهو يغني: “عينيَ اللي تهلّ الدمع مثل المطر”.
أدرك أنهم سيلحقونه، ولذا حذف السيارة إلى الجزيرة الترابية، وكاد التراب والحصى في الأرض المجوّفة أن يقذف بالموتر في الهواء، ولكنه تمكن من الخروج إلى المسار الآخر، ومنه إلى الرادمية، ومنها إلى البر. هوَت الزقارة من فمه، وتطاير الحصى من حوله. صوت الكفرات التي تنحت جادّة في التراب يعلو ويجعجع مثل حديدة رُميت في مخرطة، تنذر بخطر حتمي. ولكنه دعس، وظل يدعس، ويرى اللكزس من ورائه، وقد تأخر عنه بسبب القرارات المفاجئة التي اتخذها، ولكن أي قرار مفاجئ سيتخذه الآن؟ ليس هنالك إلا البر والشمس وبوابة الآخرة التي تنتظره أمامه. ولكنه دعس، وظل يدعس. يتجنب الصخور، والجروف، والخفوس. ويدعس مترجرجا في الطريق الوعر.
يسمع صوتا هائلا في الخلف، ويرى في المرآة عثورة غبار كبيرة، ولكنه لم يتوقف إلا حينما ابتعد وتأكد.
ظل واقفا. نظراته عالقة في المرآة الخلفية.
الشبح القديم يحنّ ويئنّ، صوت أنفاسه ينغّم حنّته. وبشير قد توقف فجأة ليقول: “يا روحي أحمد بن علي المبيريك”، ثم عاد ليخرش العود.
———————–
2011
“يا سعد، الموت هو الحق. تدري ليه يا سعد؟ لأن كل شيٍ ثانٍ يمكن يصير ويمكن ما يصير. بس الموت، الموت صاير صاير، جايّك جايك. يا سعد، الموت جا أمك، وجا أبوك، وجا أخوانك. لكنه ما جاك”.
كان عمُّه قد سحب كرسيا من كراسي مجلسه الكبير، وجلس أمامه. ما زالت رجلا سعدٍ قصيرتان تتوقفان على بعد أربعة أصابع عن الأرض. يُسدِل يديه على حجره، فيما تتعلق حدقتاه الواسعتان في سقف عينيه كي يستطيع النظر إلى عيني عمه الضخم.
“تفهم وش الموت يا سعد؟”.
هز سعد رأسه بالإيجاب.
“وش هو؟”.
“انهم ما يرجعون”.
“صح. هذا هو الموت. اللي يروح ولا يرجع”.
النافذة المطلة على الحوش تومض بجانب وجه عمه، حيث يتكسر الضوء على أغصان شجرة السدر الكثيفة ويلج المجلسَ الضخمَ مثل السهام.
رائحة القهوة، والشاهي، والبخور، ودهن العود.
عمُّه، الذي يعد أحد وجهاء فخذهم ورضي أن يعيش حياته المهنية والمالية موظفا على التاسعة في وزارة الشؤون البلدية، ما زال يحدق إليه مترقبا، بصبر وأناة. “اسألني. أي شي”.
“بروح لبيتنا؟”.
“لا. هذا بيتك الحين”.
أجال بصره في المجلس الكبير. “وين بنام؟”.
“مع صالح”. التفت سعد إلى المدخل، ولمح ابن عمه الذي يكبره بأربعة أعوام، يقف وقد وضع يديه في جيبيه، متكئا باسترخاء على الجدار. “واذا كبرت بتاخذ الملحق”.
“وش بقي لي من بيتنا؟”.
“النار كَلَت كل شي. ما بقي إلا ذا”. وأخرج عمه مفتاح سيارة الشبح القديمة، ورفعه متدليا من يده الضخمة. “وبتاخذه إذا كبرت”.
———————–
الساعة الـ2 ظهرا.
يجلس سعد على أحد الكراسي في المول، ويحدق إلى محل الملابس الفاخرة. وتتضح على وجهه آثار جروح المضاربة التي حدثت قبل ساعتين.
هنالك فتاة خلف الكاونتر، تكلم رجلا ينوي شراء بنطلون جنز.
تضحك، تؤشّر، تشرح. تبدو جميلة، فيما يبدو الرجل أنيقا.
تخيل أنه مكانه، يدخل، وينتقي قميصا غاليا، ويسألها عنه، فتخبره: “هذا مرة مناسب عليك، بس تراه غالي شوي”، فيرد: “لا عادي، السعر ما يهم”، فتبتسم، وتقول بتواطئ: “أجل خل بوريك واحد أحسن”.
يجلس، في المول المكيّف الذي تلمع أنواره على أسطح السيراميك وتُسمع أصوات أقدام المتسوقين التي تمشي متثاقلة في الظهيرة، وعلى فمه ابتسامة طفيفة.
تقترب منه طفلة صغيرة، تنكز ساعده فيلتفت. عيونها واسعة، نظراتها ثابتة، مثل أغلب الأطفال الذين يحدقون وكأنهم ينخرون بنظراتهم إلى أعماق روحك. ترفع لصق جروح، دون أن تقول كلمة واحدة، وتمدها له. يضحك، ويلاحظ والدتها وأخواتها في الخلف، يراقبن الموقف بما يشبه الترقب. يأخذه، ويتلقف يدها، يقبلها، ويقول لها: “شكرا”. فتبتسم، وتركض عائدة نحو أمها. يثبّت نظراته عليها، ولكنها لا تطيل الجلوس، تذهب مع أمها وأخواتها، ويراقبها تمشي. وتزداد نظراته قتامة وجمودا أمام منظر العائلة التي تبتعد عنه. فيعود للتحديق إلى المحل، بما يشبه التكشيرة.
اختفت البنت، ربما مع الرجل الذي ما زال يبحث عن جنز مناسب، وحل مكانها شاب وراء الطاولة. الشاب نفسه الذي كان يقود جيب اللكزس. فنهض سعد. واتجه إلى المحل.
حينما شاهده الشاب ارتبك، تلفّت حوله. “مهبول أنت؟ وش جابك هنا؟”.
“اسمع. صالح يبي فلوسه”.
“كنت بجيبها الليلة. حبكت الحين؟”.
“إيه. مستعجل”.
يتأمله الشاب بحذر. وكأنه يقرأ الموقف كاملا. يقرأ الجروح على وجه سعد، والتوقيت الغريب، والإنهاك الذي يظهر على وقفته. “وين صالح؟”.
“ما قدر يجي”.
“وش السالفة؟”.
يدرك سعد أنه يحتاج أكثر من ذلك ليقنعه. يتلفت بتردد. “فيه شي بيصير، ما أقدر أقول لك. المهم اننا بنتخارج. صالح يبي الفلوس الحين. تبي تقول له لا؟ أقدر أرجع وأقول له سليمان يقول لا”.
“ما قلت لا”.
تقترب الفتاة الجميلة من سليمان، ولكنها تلمح سعد، بمظهره المريب، وتتردد. فيشير لها سليمان بالاقتراب. “كنت بقولك اني أبي إجازة بكرة”، يهز سليمان رأسه، وتمشي، بعد أن تلقي نظرة أخيرة على سعد، الذي كان يثبّت عينيه عليها، ويراقبها وهي تمشي.
“هيه”، يناديه سليمان، فينتبه سعد ويسحب نظراته عن البنت التي تبتعد عنه. “تلقى الفلوس في سيارتي في المواقف، تحت مرتبة السواق”.
“200 ألف؟”
“إيه”
“عطني المفتاح”
“بفتحها. هي ورا المحل. نفس جيب اللكزس”
فيذهب سعد، ويتجه إلى المواقف، ويجد الأموال في كيسة ملفوفة. يأخذها ويمشي.
———————–
2017
“واليوم ما فيها مجال / تعال نافسنا تعال / في نجد والا في الشمال / الأوّلهْ دايم لنا”.
الشيلة مرفوعة على آخرها، وصالح يفحّط بالموتر يمينا وشمالا، على سرعة 200 كلم. “الكدنزا” تتمايل مثل نمرٍ حديدي ضخم يلاحق طريدته، أنيقةً ورشيقةً ولامعةً بضوئها الأسود الذي يعكس أضواء الشوارع.
بجانبه سعد، الذي يتشبث بأي شيء يستطيع الإمساك به بيمناه، فيما يصوره بيسراه.
“ارجع ورا ارجع ورا / ياللي تبي طلعت كرا”.
يترك صالح الطارة، كما تفرض طقوس ترند التفحيط المنتشر، ويرجع إلى الخلف. فيما يواصل النمرُ الحديدي تخايله الرشيق وهو يومض شعاعا خاطفا وسط الشارع الميت.
نبضات سعد تتسارع، ويشعر أن صدره سينفجر، بينما يواصل التشبث والتصوير، حتى أوقف صالح الموتر في سكة.
وهدأ كل شيء، عدا أنين الموتر المنهك.
تأمله سعد، يجلس هادئا وراء الطارة، وكأنه صحا من غفوة خاملة. أما هو فيرتعش. يحاول إخفاء رجفته، ولكنها أقوى منه، تتولّد من معدنه. التفت إليه صالح، التفاتة الناعس المستيقظ من النوم، ولاحظه. ابتسم: “أنت وراك دايم تخاف؟”.
“ما خفت”.
“لا؟”.
“لا”.
ولكن صالح ظل يحدق إليه بابتسامته. ثم قال له بين الطبطبة والجد: “شنبك بدا يخط يا ولد. خلاص، استرجل”.
كان هذا قبل عامين. أما الآن، فيكتفي صالح بالجلوس في استراحة العيال تحت كبري الفحص، يدخن، ويتصفح جواله. “خرابيط، كلها خرابيط”، يصف التفحيط، والدوجان في الشوارع، وملاحقة البنات في المولات. يجلس، وهنالك هالة من الملل المضني تحيط به، تتولد عميقةً من معدنه. حينما يخرجان، يهز رأسه، وكأنه يخاطب نفسه: “كلهم بزارين. كل ذولي ناس ما عندها سالفة”. يجلس خاملا في مجلس والده الواسع، وينصت للناس التي تتحدث عن المرجلة والإقدام والقدحة، وحينما يخرجان يهزّ رأسه بنفس الطريقة: “موظفين عايشين على الشرهات ويخرطون بالمراجل. وش يدريهم عن المراجل والقدحات!”. يجلس، ثم يرفع رأسه بنفس الملل البدائي المتولد من أعماقه، وتعلو ملامحه تكشيرةُ نفور تنضح عدائيةً وعنفاً.
وصل الحشيش الذي طلبه أحد الشباب من البياع الواقف في الخارج، فذهب إليه صالح، وتبعه سعد كالعادة.
تفاجأ صالح به، ناصر، الولد الذي درس معه في المتوسطة.
وقفا في الحارة المعتمة، تحت عامود الضوء الوحيد، الذي ينيرهما وسط السواد.
“فيها فلوس والله” قال ناصر بنبرته الهادئة. ولكن صالح اكتفى بهز رأسه، دون أن يتجاوز درجة الفضول الأدنى.
“من وين تجيبه؟”، سأله سعد، الذي يقف بجانبهما، مثل ولد يُسعده مجرد التواجد بين الكبار الذين لا يعطونه ما يكفي من الوجه غالبا.
“اللي أجيبه منهم ناس ما عندهم لعب. أكشن يا ولد”. وابتسم بجذل.
أمال صالح رأسه مستفسرا، ذلك الميلان الذي يشي بارتفاع حدة الفضول لديه.
بدا ناصر متحمسا، حماسةَ من يعرف أنه يملك انتباه المنصتين، فيستخدم يديه مسرحياًّ ويترك فراغات في الكلام ليستحوذ على مزيد من انتباههم: “طيب. أوقّف دايم عند شجرة سدر كبيرة على طريق المخيمات، عرفته؟ ذاك اللي يوديك لمخيّم أبو رويشد. أحط الفلوس في الشنطة، وأخليها مفتوحة. يجون، دايم اثنين، ما أنزل. يحطون البلاطات في الشنطة، ياخذون دراهمهم، ويمشون. نص دقيقة، بس”.
تُسمع أصوات السيارات البعيدة وسط الصمت، وصرخات الشباب الذين يلعبون في الاستراحات المنتشرة. ولاحظ سعد، تحت ضوء العامود الوحيد وسط السواد، عينا ابن عمه تلمعان.
———————–
الساعة الـ2 ظهرا.
يجلس سعد في الشبح القديمة. أنفاسه متسارعة بتوتر لا حراك فيه، وهو يحدق إلى محل مفروشات تحوّل زجاجُه إلى مرآة في ضوء الظهيرة، يعكس السيارات والأوادم والحركة، ويحجب الناس في الداخل.
آثار جروح المضاربة التي حدثت قبل ساعة ما زالت طريّة. تتشكّل نُقطةُ دمٍ على حافة جرح جبينه، تتكوّر، تكبر، ثم تسيل على جلده، وتنتهي عند حاجبه الأيسر.
ويظل يحدق، مترددا.
يشتغل شريط بشير شنان العالق من البداية، بعد دقائق من الصمت في آخره، بضربات عود نغمية. يتململ: “يلعن أمك من موتر!” ولكنه يريد مكيف السيارة، فيتركه. الحركة هادئة في الشارع الذي يقع وسط حي السليمانية، لا أحد يبدو دخيلا على المكان. وبشير قد بدأ يغني: “البارحة يوم الخلايق نياما / بيّحت من كثر البكا كلّ مكنون”.
يقرر أخيرا، ويترجّل.
يدخل المحل، ويرى البائع السوري يجلس وراء الطاولة، يقرأ جريدة. لم يرَ سعد أحدا يقرأ جريدة منذ سنوات. يقف متأملا منظر الشخص السمين وراء الطاولة، في هذا المحل القديم، دون أن يتقدم خطوة. لم ينتبه له البائع، فتنحنح سعد. يرفع السوري عينيه، مستغربا. فيقترب سعد بابتسامة: “أبو عبده”.
يُنزل أبو عبده الجريدة ببطء، وهو يراقب سعد، الذي جلس على كرسي أمامه. “في إشِي؟”.
يهز سعد رأسه: “لا لا. كل شي تمام”.
أبو عبده يملأ الكرسي. كل حركاته بطيئة. ملامحه، يداه، انحناءات جسده. كل شيء فيه متأن ومتريث. ولذا يميل رأسه ببطء، ويخزّ عينيه بابتسامة خفيفة فوق شاربه: “متضارب مع حدا؟”.
ينتبه سعد، ويمسح الجرح، ولكن خط الدم ناشف على جبينه ويبقى منه أثرٌ باهت. يضحك: “مع عامود”.
يضحك أبو عبده: “لا تقول لحدا هيك. خليها بيني وبينك. حدا يخبط في عامود يا ولد”.
يبتسم سعد، وتستمر لحظة الصمت أطول من اللازم، ما يجعل نفحة توتر تتخلق سريعا. ولذا يقفز مباشرة إلى الموضوع: “صالح مرسلني، يقول نحتاج الفلوس اللي عطيناك إياها. بنكنسل الموضوع ونرجَع لك بعدين”.
يكتفي أبو عبده بالتحديق، بنفس البطء الرخيم. يحرّك يده: “شو السالفة؟”.
“ما فيه سالفة. بس محتاجين الفلوس في شغلة ضرورية. بنرجع لك أكيد. أنت عارف”.
نفحة التوتر تتفاقم في الصمت. ونظرات الرجل الذي يملأ الكرسي تزيدها حدّة. “ليش ما إجا صالح بنفسه؟”.
يهزّ سعد كتفيه: “ما يقدر. مرتبط مع أبوه. والموضوع مرة مستعجل”.
تطول لحظة الصمت أكثر من اللازم. ولكن سعد يدرك أنه لا يستطيع أن يكسرها، ولذا يظل منتظرا، فيما يتأمله الرجل وراء طاولته. يهز أبو عبده رأسه أخيرا: “طيب، خلاص”. ثم ينادي إلى الخلف: “عدنان”، يقترب شاب، ويسرّ إليه أبو عبده بكلام، ثم يلتفت إلى سعد: “روح مع عدنان، راح يعطيك الفلوس”.
يتردد سعد، ولكن أبو عبده يرفع الجريدة، ويشير بها إليه: “روح يا ابني، يالله”.
ينهض سعد، ويتبع عدنان. يبدو متوترا وهو يسير وراء الشاب.
لقد تعامل مع أبو عبده أكثر من مرة، ولكن بحضور صالح بطريقة أو بأخرى. كان ابن عمه يرسله أحيانا إلى هؤلاء، إلى الموزعين والبياعين، وحتى وقت ما كان يظن أن له كلمة في الموضوع حينما يجتمع معهم لوحده، أن ابن عمه يثق فيه ليترك الأمر له، إلى أن اكتشف أن صالح يتصل بهم، ويخبرهم بما يريد، وكيف يتصرفون مع مرسوله الذي سيأتيهم. عاد في ذلك اليوم، وجلس في غرفته، وأخذ يفكر بتعاسة وورطة أن الأمور لا تسير كما يحب. قابل ابن عمه، الذي جلس أمامه، وكأن شيئا لم يكن، وأراد أن يواجهه، ولكنه لم يستطع.
يسير وراء الشاب في المحل القديم، الذي يحوي قطع أثاث تبدو وكأنها كانت هنا منذ الثمانينات، عتيقةً ومغبرةً. ويفكر أن أبا عبده ربما يحاول الاتصال بابن عمه، وأن ما يخشاه سيحدث.
المكان معتم بلا نوافذ. يختفي الشاب في العتمة ثم يظهر فجأة في رشحة ضوء تأتي من مكان ما، ويتبعه سعد. حتى يخرج به من الخلف، نحو ارتداد يشبه الحوش. ويخبره: “انتظر هون”.
يختفي عدة دقائق، ثم يعود بنفس الشنطة التي جاؤوا بها، وفي داخلها 500 ألف ريال. يأخذها سعد، ويشكر الشاب الذي يبتسم ويقول عائدا إلى الداخل: “قول لصالح ما ينسى اتفاقنا”.
يمشي سعد بالشنطة، والشمس تضرب في هامة رأسه. نقطةُ دم جديدة تتشكل على جرح جبينه، وتتكور، وتسيل على جلده بأثر يلمع في الشمس، حتى تنتهي عند حاجبه الأيسر.
———————–
2021
يستلقي سعد على سريره في الملحق الذي تحول غرفة له منذ سنوات.
السماعات في أذنه، مشبوكة في الجوال، ومقطع اليوتيوب الذي يضم أفضل عشرة أغان لمزعل فرحان مرفوعٌ على آخره.
يحدق إلى السقف. ويفكّر.
حينما ترك الجامعة أخبره عمُّه: “لا تظن ان وراك ظهر. محد بيقوّمك يا سعد، ولا حتى أنا. ما عندك إلا نفسك. لا تصير عدوّها”.
لقد اعتاد أن يكون حذرا في التعامل مع عمه، الذي يتحدث مثل الشعر في كثير من الأحيان، ولكنه رد: “هذا صالح تارك الجامعة”.
ابتسم عمه بتكشيرة: “ولد عمك عدوّ نفسه. أمه هي اللي تعطيه كل ما طلبها. بيجيه يوم ويندم”.
كان سعد قد دخل غرفته قبل ساعة، ولاحظ الفوضى التي تغمر المكان. اعتاد أن يعيش في الداخل حينما كان صغيرا. لم يكن يُعامَل بشكل مختلف، ولكنه بقي على مسافة من الجميع. زوجة عمه التي ورثت من أمها مبلغا كبيرا تعطيه مما تعطي أبناءها، ولكن ليس مثلهم. وحينما كان في الثالثة عشرة من عمره، التفت إلى ابنة عمه حصة التي تكبره بسبعة أعوام وهم يتابعون مسلسلا مصريا، وقال لها: “تشبهين هذي، بس أنت جسمك أحلى”، وأشار إلى منى زكي في التلفاز. بعد يومين، أخذه عمه إلى الملحق الكبير الذي أُثث غرفة له، وأخبره: “أنت الحين رجّال، هذي غرفتك، بتاكل من اللي ناكله وبعطيك من اللي أعطيهم. لكنك خلاص، رجّال”. وقف في الملحق المؤثث، وهو لا يفهم شيئا مما حدث.
يستلقي ويحدق إلى السقف، ومزعل يخبره: “كلٍّ يقول ان البكى فيه راحه / وأنا بكيت اليوم لعلّيَ أرتاح”.
دفش صالح الباب باندفاعه المعتاد. “مشينا”. لم يشاوره، ولم ينتظره. فنهض سعد، ولحقه.
توقفا على رادمية طريق صحراوي شرق الرياض. هنالك شجرة سدر عملاقة، يبدو وكأنها نزلت من السماء وسط الأرض القاحلة، وظلت واقفة لوحدها، طوال قرون، دون أن يمسّها أحد بسوء. توقفا كثيرا عند هذه الشجرة، التي كانت مثل دبوس في خريطة. “الوعد عند الشجرة على طريق المخيّمات”.
سأل صالحَ أخيرا: “بنقابل الأفغاني؟”.
“لا”.
وانتظر سعدُ من ابن عمه أن يشرح، ولكنه كعادته اكتفى بالصمت، وهو يدخن ويتصفح جواله، يرفع قدمه على طبلون سيارته الجينيسيس. كانت والدته قد أعطته مئة ألف ريال، زاد عليها مئة وخمسين ألفا من الأموال التي جمعها، واشترى الموتر.
“من بنقابل أجل؟”.
زفر صالح، والتفت: “هذا سوري يقاله أبو عبده، مع اللي يهرّبون. بدخل معه وأصير موزع”.
“بس ذولي حبوب والا؟”.
“إيه. بنبيع حبوب”.
بدا سعد متفاجئا، ما جعل ابن عمه يلتفت إليه، ويبتسم: “يا سهل ما تخاف!”.
“ما خفت”.
“لا؟”.
“لا”.
اتسعت ابتسامته: “طيب”. وعاد إلى جواله.
حدق سعد إلى أغصان السدر العملاقة، التي يصل ظلها إليهما، وترسم ظلالا مثل النقوش على السيارة. وفكر في حصته التي يحتفظ بها صالح طوال هذه السنوات، ويعطيه منها.
هل يسأله؟
التفت إليه، طالعه، بدا على نفس هيئته الخاملة، يدخن، ويتصفح جواله.
حينما كانوا يقضون بقية العيد في مزرعة والد أمه، اعتاد صالح أن يأخذ سعد معه. ولأن النساء قد صاروا يتغطّون عنه والرجال لا يعرفونه إلا بالاسم، فقد اعتاد أن يقضي وقتا كبيرا مع العمال، يدور في المزرعة، يراقبهم، يعمل معهم، حتى يتجمع الأولاد في بيت شعر قديم على طرف المزرعة. كان هنالك كلب شارد يحوم حولهم. يأخذ صالح بقية الأكل، يضعه أمام الكلب، الذي يأكل مستمتعا، فيما يراقبه صالح. في مرة من المرات سحب الصحنَ فجأة، فرفع الكلب رأسه، وهز ذيله، وتوسل بكل جسده. ولكن صالح قلب الصحن ودعس عليه بقدمه، وانتظر. ظل الكلب يحدق إليه، ما زال يطمع في الطعام، ولكنه حينما أيقن أنه لن يأخذه، استسلم. طأطأ رأسه، وحنّ بنبرة استعطافية مقتربا من صالح، الذي طبطب عليه مبسوطا. وظل يطعمه كل يوم. حتى لمحه مرة يأكل من فتى آخر. أخذ صالح بندقية جده المعلقة في بيت الشعر، ولقمها، وأطلق النار بجانب الكلب. كان يستطيع إصابته، ولكنه تعمد أن يخطئ. ولاذ الكلب بالهرب، ولم يعد مرة أخرى. يقف صالح، بالبندقية المسدلة بجانب فخذه، ويضحك، ولكن بنبرة تشي بما يستتر قاتما وتعيسا وراء واجهةِ الضحك.
———————–
الساعة الـ1 ظهرا
يدفش صالح الباب باندفاعه المعتاد.
لم يكن يطرق باب غرفة ابن عمه أبدا. ولم تنفع طلبات سعد المتكررة إليه بألا يفعل ذلك.
يجلس سعد على الأرض أمام التلفاز، ويلعب مباراة فيفا. يعطي التفاتة سريعة إلى الخلف، ثم يعود إلى اللعبة، ويزفر بما يعكس انقباضا غير معلن.
يجلس صالح على مركى بجانبه، ويراقب المباراة.
كلاهما صامت. لا صوت إلا صوت المعلق.
يسجل خصمه هدفا، ثم آخر، ثم ثالث، ثم رابع. لقد كان متقدما بنتيجة هدف مقابل لاشيء قبل دخول ابن عمه. يتأفف، يغلق اللعبة ويظل ممسكا باليد، وهو يحس بنظرات ابن عمه تخز صدغه، يلتفت إليه، ويرى صالح يحدق إليه، بجمود، وعلى فمه ابتسامة طفيفة لا تكاد تُرى.
“وش؟” يسأل بامتعاض.
يرد صالح على نبرة الامتعاض بتعبير عدائي جامد: “ليش ما كملت؟”.
يتحداه سعد: “وش الفايدة؟”.
ولكن صالح لا يرد. يظل يحدق إليه بتلك النظرة الجامدة. يقاوم سعد، ثم يشيح وجهه أخيرا.
يسحب صالح نفسا طويلا، ويقول: “العلم اللي واصل ان فيه حملة كبيرة بتصير الأيام الجاية وبيقفطون العالم. بجمع الدراهم وأتخارج”.
التفت إليه سعد. دون أن يرد.
“رح لأبو عبده وقله نبي الفلوس. قل اننا محتاجينها”.
“ليش ما تروح له أنت؟”.
يلاحظ صالح نبرة العناد، فتزداد نبرته عدائيةً: “لأني بروح لسليمان”.
يحدقان إلى بعضهما. ولكن سعد، هذه المرة، لا يُشيح نظراته.
يضع صالح يديه على ركبتيه لينهض، فيبادره ابن عمه: “وفلوسي؟”.
يتأمله صالح: “وش فيها فلوسك؟”.
“إذا بنتخارج أبيها”.
“باكلها يعني؟”.
“ما قلت انك بتاكلها”.
“أجل وش تقول؟”.
يتذكر سعد منظر الكلب، الذي سحب صالح طعامه ودعس عليه بقدمه، ويحدق إليه. وتتشكل ارتعاشة لا إرادية على طرف فمه، وهو يحدق إليه، وفي الهواء هالة عنفٍ وشيكة. يحس بعرقه الذي ينطبع على يد البلايستيشن، لزجا وحارا. رفعها فجأة، وهوى بها على رأس صالح، الذي سقط إلى الخلف.
تلك اللحظة التي أعقبت ذلك، حينما وقف صالح، بخط دم على جبينه، بدت مثل شرخٍ في الزمن، وهما يحدقان إلى بعضهما، كلاهما في حالة ذهول مما حدث.
ثم اشتبكا، وطحنا في مضاربتهما كل شيء في الغرفة، حتى تمكّن سعد من الإمساك بلابتوبه على الطاولة، وضرب به صدغ صالح، فخر على الأرض دفعة واحدة.
يقف سعد فوقه منهكا ومستنزفا، ثم يتهاوى على الأرض، مستندا على الجدار، وهو يلهث.
ويظل يلهث دقيقة، وسط ركام الغرفة.
يتحامل على نفسه، وينهض. يقترب من ابن عمه المنبطح على الأرض، يقعي عنده ويتأكد من أنه ما زال يتنفس.
ينهض مرة أخرى، ويظل واقفا، يفكر. ثم يقرر.
———————–
الساعة الـ4 عصرا.
الشبح يحنّ ويئنّ، صوت أنفاسه ينغّم أنينه. وبشير قد توقف فجأة ليقول: “يا روحي أحمد بن علي المبيريك”، ثم عاد ليخرش العود.
الصحراء صمتٌ مطبق. الغبار يغطي الرؤية خلفه. والشمس ساطعة تزغلل العين. وهو ما زال يحدق من خلال المرآة إلى التراب المتطاير.
رجع بالشبح، حتى اقترب من كرة الغبار التي بدأت تهجد.
نزل، ومشى. رأى جثة سليمان وقد سقط على صخرة، وجهه مسحوقٌ بلا ملامح، عظامٌ وأنسجةٌ وعروق ودمٌ يبقبق على شكل فقاعات من محجر العين الممسوحة. لم ير في حياته منظرا كهذا. وقف يحدق إليه ذاهلا. ثم تجاوزه. حتى اتضح له اللكزس، منقلبا على ظهره، معجونا ومهشما. ظل يقترب منه، حتى وصل إلى بابه، وأقعى. رأى صالح، وقد اخترقت حديدة من شاص السيارة صدره، وتوقفت عند المرتبة وراءه، وهو معلق فيها مثل ثوب على حبل غسيل.
حدق إلى المنظر، مصدوما.
صالح ما زال حيا، ولكنه يبدو ذاهلا. على وجهه كدمة أصارت أسنانه الجانبية. يحرك رأسه، يبدو غير واع بما حوله.
يلتفت إلى سعد، يراه. ويهمس بنفس الذهول اللاواعي: “قل لهم يجون يا سعد…”، يصمت، ويتمتم بكلمات غير مفهومة وسط فمه المهشم، ثم يقول: “سعد. سعد. قل لهم يجون”.
يُخرج سعد جواله، ويهم بالاتصال على الإسعاف. ولكنه يتوقف. يحدق إلى ابن عمه، ثم يقف، ويعطي ظهره إلى السيارة.
يتلفت، لا أحد حولهما.
يضع جواله في جيبه. ويظل واقفا.
الصحراء على حواف المدينة، تبدو عذرية لم تطأها أقدام بشر من قبل. على امتداد البصر، تلوح البيوت في انعكاس الشمس، بيوت متراصة، تلمع في الضوء المزغلل، مثل حرز يحمي نفسه من الشمس والريح والمصائب.
ظل واقفا. الريح تحرك ثوبه، والعرق يتيبّس على جبينه وصدغيه. تختفي الشمس وراء غيمة، فينتشر فيءُ ظلٍّ واسع، ثم تتحرك سريعا ليعود الضوء قويا وحارقا.
يلتفت إلى السيارة، ويقعي. يرى صالح، وقد انطفأت عيناه، وتركزتا على نقطة في الفراغ، برأسه المائل قليلا إلى اليسار.
يحدق إليه طويلا. ويحس بارتعاشات تختلج على وجهه.
ينهض، ومن البُعد يُسمع بخفوتٍ مكممٍ صوت بشير وهو يغني: “أشهد انْ زرع قلبي يبس عقب الثمر، يالله انك عويني يوم مالي عوين”.
الصحراء صمت مطبق.
يتلفّت حوله، إلى الآن لا أحد هنا. لا أحد. يتحرك. يمشى أولا، ثم يركض نحو سيارته، يركبها ويمشى مبتعدا.
———————–
2024
صلوا صلاة الميت على صالح ظهرا. توافد الناس طوال النهار، وتفرقوا قبيل المغرب.
سعد في غرفته. يجلس على طرف سريره، ويحدق إلى النافذة المطلة على الحوش. يرى آخر شخص يخرج، يودعه أحد أبناء عمه الكبار، فيما يرى عمَّه واقفا في الخلف، واقفا دون حركة وقد وضع يديه في جيبيه، وعيناه مغروستان في مكان ما في الأرض. يرفع رأسه، ويلقي نظراته إلى الملحق، إلى النافذة، حيث تلتقي عيناه بعيني سعد.
يختفي عمه من إطار النافذة، ثم يسمع قرعا على الباب، يعرفه سعد جيدا، يعرف ملمس يد عمه على بابه. ثم يفتحه، ضخما يكاد يغطي الفجوة الكبيرة.
يغلق الباب ويقترب منه، حتى يجلس بجانبه على السرير.
تمر دقيقة أو أكثر. دون كلمة واحدة. مجرد الأنفاس الرتيبة لشخصين يجلسان متجانبين على السرير. يُميل عمّه رأسه أخيرا دون أن يلتفت: “الشرطة يقولون حادث. لكنهم يقولون أشياء واجد. أشياء كنت أعرفها ولا أعرفها”.
سعد لا يرد.
يلتفت إليه عمه. ثم يسحب كرسيا، ويجلس أمامه: “كنت تعرفها صح؟”.
ولكن سعد لا يرد.
“أكيد كنت تعرفها. كلنا كنا نعرفها”.
ولكن سعد لا يرد. يكتفي بالتحديق إلى عمه، بانتباه. ويفكّر أنه لو بحث فسيجد الأموال تحت السرير الذي يجلس عليه، وترسل هذه الفكرة ارتعاشة عنيفة تهزّ عاموده الفقري.
“الرجل يصير رجل أول ما يندم. لأن البزر ما يندم. بزر! يحسب انه تبع أبوه وأمه، تبع أهله”، يقول عمه. يحكّ لحيته، ويبتسم: “أذكر كان معي ددسن عراوي عطاني إياه أبوي، وقال لي هذا موترك يا عايض، أنت الحين تقدر تروح وين ما تبي. الموتر هو المرجلة، إذا سقت أول موتر لك، حسبت انك رجل، وين ما اشتهيت رحت، متى ما اشتهيت وقفت. الموتر يوديك لكل شيٍ كانوا يقولون لك: بعييد. ما فيه شي بعيد. أخذت الددسن، ومشيت به، متّرت به السعودية كلها. ثم صدمت به وأنا أفحّط مرة من المرات في ثادق، وانعدم الموتر. وأذكر اني جالس على الرادمية، أحتري السطحا اللي بتشيله حديد، وأحس ان فيه دودٍ ياكلني من الحشا. بديت أفكر شلون بشتري موتر؟ من وين بجيب فلوس؟ ولو خرب وشلون بصلحه؟ صرت أفكر مثل رجل. ذيك اللحظة، هي اللحظة اللي صرت فيها رجل، ما هي يوم خذت الموتر”.
ينصت سعد، والنافذة المطلة على الحوش تومض بجانب وجه عمه، كما كانت تومض حينما أجلسه أول مرة بعد وفاة عائلته، ولكنها الآن باهتة في الغروب، وشجرة السدر التي كانت تكسر الضوء قد قُطعت قبل سنوات، ولم يبق منها إلا جذعها الذي تُرك لأنه كان ضاربا جذوره في الأرض بعمق. أما عمُّه، فقد طغى الشيب على وجهه، وتهدل جفناه، وتحفر جلده. كل شيء قد تغير.
“مدري شلون كنتم تخاوون. شلون ما طحت في اللي طاح فيه؟”. نظرات عمه توحي بشكّه، وكأنه يختبره.
ولكن سعد لا يرد، يُبقي على ملامح التفهم الصامت، فيما تجرح نظرات عمه وجهه الذي ما زالت تتضح عليه آثار المضاربة.
“كل ما قلت له اترك ولد عمك لا تجره في خرابيطك، قال سعد ما له في هالأمور، سعد أطيب منا”، وفرضت ابتسامةٌ مرتبكةٌ على شكل تكشيرة نفسها على فم سعد. “الظاهر انك أنت الوحيد اللي كان يحبه”.
أحس سعد بنغزات حادة في صدره. وتحولت تكشيرة ابتسامته إلى ضحكة استنكار. “ما ظنتي والله”.
هز عمه رأسه: “يمكن”.
وظلا يجلسان هناك، عدة دقائق، بصمت، فيما اختفت الشمس كليا، وطغى طفحُ الغروب الأزرق مثل كدمة على الوجه.
ثم ينهض: “تعال”.
يلحقه سعد، ويتجهان إلى باب الكراج. يخرج عمه مفتاح سيارة صالح المرسيدس جي كلاس موديل 2022، ويعطيه إياها: “خذها. لك”.
يأخذ سعد المفتاح، ويراقب عمَّه يتركه، ويختفي داخل البيت.
يقف أمام السيارة التي تلمع، وقد بدت له مثل جبل.
يتردد طويلا.
ثم يركبها. يتأمل التفاصيل المنحوتة، كل شيء نظيف وفخم. رائحة الزقاير والعطر. دكنة الجلد الأسود. ثم يلتفت، ويرى بندقية الصيد عند مرتبة الراكب.
———————–
2022
أشجار السدر العملاقة تظللهما على أطراف بر مزيرعة، حيث شمس الأصيل تقسم الأشياء إلى رشحة ضوء ودكنة ظل.
يجلس صالح على صخرة، يحدق شاردا وجامدا إلى الأمام، إلى مطلق النظر في البر الواسع. فيما يجلس سعد مسترخيا، شبه مستلق.
النار تشتعل أمامهما. وفي الخلف جيب المرسيدس الجي كلاس.
التفت صالح إلى ابن عمه، تأمله، فانتبه سعد. نظرات صالح مارقة ومحايدة، وكأنه يحاول قراءة شيء ما على وجهه. ما جعل سعد يستغرب: “وش؟”.
ولكن صالح لا يرد. ظل يحدق، بنفس النظرة المحايدة. “قد دخل في جزمتك حصاة؟”.
استغرب سعد، وهو شبه مستلق. “حصاة؟”.
يحدق صالح إليه بنفس التركيز الجامد، الذي جعل السؤال يبدو أكثر جدية. “إيه، حصاة!”.
“أكيد. بس ما أذكر”.
“ألعن شي. حصاة. وش فيه أخس من حصاة؟ تاطاها تحت رجلك وانت تمشي. تاطاها وطي. لكنها تنيك حياتك. تنغز رجلك، تغثك. تبي تشيلها لكن ما تقدر لأنك جالس في عزيمة والا تمشي مع رجال. وشلون شي توطاه وطي، يوذيك أذية؟”.
اكتفى سعد بالصمت. لقد اعتاد أن يكتفي بالصمت في مثل هذه الحوارات. ولكن نظرات صالح لم تحد عنه شعرةً، تنخره بثباتها وجمودها. لم يبد غاضبا، أو مستفَزا. بدا حياديا، مثلما كان يطالع مطلق البر الواسع.
“وش أكثر شي تكرهه؟”.
فكر سعد، ولم يجد بدا من الإجابة. ولكنه هز كتفيه: “مدري”.
ابتسم صالح، بما يشبه الاستحقار: “وش يعني؟ أنت؟ ما تخاف من شي؟”.
“إلا أخاف”.
“وش تخاف منه؟”.
أراد أن يقول: أنت، الله يلعنك. ولكنه رد كيفما اتفق: “الموت”.
أطلق صالح ضحكة خفيفة، وهو يهز رأسه باستنكار. وهمس بينه وبينه نفسه تقريبا: “الموت!”. ثم عاد للتحديق إلى ابن عمه بنفس النظرات: “طيب وش أكثر شي تكرهه؟”.
ولكن سعد هذه المرة لم يرد. وصمَل أنه لن يرد. ولذا لاذ بالصمت. وهو يسمع أصوات الحمام الذي يطير من الأشجار، وحفيف الريح في الأغصان، وتشتشة الحطب في النار.
“تدري وش أكثر شي أكرهه؟”، وترك فراغا في الجملة ليترك مساحة للترقب، وربما التوتر، ثم قال: “الضعيّف. أكره الضعيّف. أكره اللي يمشي في الحياة مثل ذا الحصاة اللي في الجزمة”.
تذكّر سعد حينما كان صغيرا وجلده ولد أكبر منه سنا، فتدخل صالح، وأدمى الولد حتى هرب مع أصدقائه. أخذه، ومسح التراب عن وجهه، وهو يبكي. أخذه تحت يده، ومشيا سويا، وهو يطوّق كتفيه بساعده، وأحس أن الدنيا أمانٌ كلها، وكأن جناح ابن عمه حرزٌ يحميه من كل شيء.
نهض صالح بملل، التقط البندقية، وهو يقف أمام سعد. رفعها ليلقّمها، وسعد يتابعه، بينما تتضح على جسده علامات الترقب. انتبه صالح، حدق إليه. تلك اللحظة البطيئة لحالة غريبة. ابتسم: “وش فيك؟ وراك خايف؟”.
تمتم سعد: “ما خفت”.
ضحك صالح، رفع البندقية، حتى كادت أن تكون فوهتها مقابل وجه سعد، وهو ما زال يبتسم. ولكنه لفها، والتفت معها ليعطي سعدَ ظهره، وصوبها إلى الأعلى، حيث تحلق الطيور من الأشجار. ثم أطلق ثلاث رصاصات دوّى صوتها قويا في الصحراء، وسقطت على إثرها الحمامات الثلاث.
منظر ظهره الصالب، والبندقية تبرز من ساعده مثل ذراع ثالثة، بدا مهيبا. وسعد يطالعه.
التفت صالح إليه بطرف رأسه: “قم جبهن”.
فنهض سعد بامتعاض، ومشى نحو الحمامات. شال الأولى، ودمها يسيل على يده، واتجه إلى الثانية.
وحينها، على بعد عشرة أمتار، رأى ابن عمه يرفع البندقية، ويصوبها إليه.
تصلب في مكانه، والدم اللزج يصبغ يده. يحدق إلى تلك الذراع الثالثة التي تبرز من جسد ذلك الرجل، والفوهة التي بدت مثل مغارة سحيقة تواجهه مباشرة إلى النقطة المنحوتة بين حاجبيه.
لن يستطيع قياس الزمن في تلك اللحظة، مهما استعادها في خياله. لقد بدت طويلة وقصيرة في الوقت ذاته، مرت سريعة وبطيئة في الوقت ذاته.
لفّ صالح البندقية، ورفعها، وأطلق رصاصة سقطت إثرها حمامة رابعة. ثم أراح البندقية على كتفه، وهو يحدق إلى السماء، حيث ما زال ريش الحمامة المقتول يتطاير في الهواء. ثم أنزل رأسه إلى ابن عمه. يراه سعد، من تلك الأمتار العشرة، ولا يستطيع قراءة ملامحه أو نظراته، كل ما يستطيع رؤيته هو وقفته المسترخية بيده الحديدية الثالثة المستريحة على كتفه، وهو يطالعه.
وفكر سعد، الذي ما زال يمسك بالحمامة التي أفرغت دمها في يده: “لازم أذبحه، والا بيذبحني!”.
———————–
حدق طويلا إلى بندقية الصيد عند مرتبة الراكب، وعلى وجهه تكشيرة امتعاض تتضخم.
ثم التفت إلى الأمام، وابتسم، برضى. ولكن تلك الابتسامة لم تدم طويلا، تلاشت، وحل مكانها جمود عميق.
3 تعليقات على “أشباح”
أحس اني قدرت أشوف القصة في مخي بشكل “فيلم قصير” مع المؤثرات الصوتية والبصرية. قصة رهيبة جداً. تعاطفت مع متلازمة سعد في القصة، وتعاطفت جداً مع صالح وتعارض جوانب شخصيته ومشاعره اتجاه سعد.
قصة قصيرة بتشويق لاذع، انتقد كثرة الحوارات عن الوصف، رغم ذلك.. أبدعت باختيار الكلمة و لياقتها في الجزء المناسب لها.
حبيت الجو هذا من القصص، وقليل اللي يتقن هالنوعيه من القصص هذي بحجم أحمد. حس الفكاهة بقالب تشويقي-غرائبي بعض الأحيان