نجر

زارني أبي البارحة!

أبي ميت منذ أربعين عامًا، قبل أن أولد بأشهر. لم أعرفه إلا من الصور والقصص.

جلسنا في مشبّ بيتي. وتكلمنا حتى طلعت الشمس. كان أصغر عمرًا مني، في الثلاثين من عمره فقط.

طلب مني أول ما جلس أن آتي بحبوب القهوة غير مطحونة، وأخرج من كيسٍ يتأبطه منذ أن دخل نجرًا نحاسيًا قديمًا، وأخبرني أنه كان يحمله طوال تلك السنوات ليعطيني إياه.

ثم أراني كيف أدق القهوة، كما كان يفعل والده، وكما اعتاد هو أن يفعل. لا أعلم هل أرادني أن أفعل لاحقًا كما فعلا، أو أنه أراد أن يعلّمني شيئا –أي شيء– يختزل فيه كل الأشياء الأخرى التي يُفترض من الأب أن يعلمها لابنه ولم يتسنّ له أن يعلمني إياها.

تكلمنا عن كل شيء. بينما كان شَعره أسودَ لا شيب فيه، غطى الشيب شعري، ولذا وجدت نفسي مرتبكًا وأنا أناديه “يبه”. تكلمنا عن الناس الذين ماتوا بعده. عن السيارات التي تغيرت بعده. عن الشعر الذي قيل بعده وأعجبه بعضه ولم يعجبه بعضه الآخر. عن كل الأشياء التي كانت في زمنه واستمرت بعده. كيف هي الآن؟

تكلم أكثر مما تكلمت، لم أسأله عن حياته القديمة، وعن ذكرياته، جلستُ أكثر الوقت ساكتًا أسمعه، وأجيب عن أسئلته.

رائحة القهوة التي أسواها تفوح في المكان، وحسيس النار التي تأكل الحطب تنغّم الكلام.

سألني عن أبنائي، وزوجتي، وأصدقائي، وعملي. سألني عن أمي، فأخبرته أنها تزوجت بعده، وأنجبت ولدين وابنتين. وأدركت حينها أنني الباقي الوحيد من صلبه، الشاهد الوحيد على أنه مرّ في الحياة.

وضع يده على كتفي عندما همّ بالخروج، وأخبرني أنه راض عما رآه. أبدو ناجحًا ومرتاحًا. ثم قال إنه كان يتمنى لو أنه عاش مدة أطول لأعرفه. قالها وكأنه يعتذر، وكأن ما حدث لم يكن في يده. بدا مرتبكًا وهو يتكلم. كان من الواضح أنه ليس معتادًا هذا النوع من الكلام، وأنا مثله، ولكنه لم يجد بدًا من قوله.

أحسست بوخزة وحشية في صدري، لم أحس بمثلها إلا عندما ولد ابني البكر وحملته وأنا أفكر: ماذا إن متُّ غدًا؟ ووجدت نفسي أخاف على نفسي رأفةً به أكثر من حبي الحياة.

كان ما زال يضع يده على كتفي، بالارتباك نفسه الذي يمنعه من أن يسحبها فجأة، وظللتُ أحدق إليه متجمدًا دون رد فعل وأنا أفكر: كيف يكون كل هذا الحب ونحن لا يعرف بعضنا بعضًا ولم ير بعضنا بعضًا من قبل؟

أخبرني أنه سيحاول زيارتي قريبًا، ولكن الوقت يمضي سريعًا هناك، الأربعون عامًا تمر أمام العين مثل البرق. ثم مزح أنني ربما آتي إليه قبل أن يأتي إلي.

استوقفته قبل أن يخرج. سألته عن الحياة هناك، بعد الموت، فقال إن هذا شأنٌ يجب عليّ أن أراه بنفسي، كما سيفعل الجميع.

تململ في وقفته، ابتسم، ثم قال بنبرة اعتذار مسبقة إنه سيحاول زيارتي مرة أخرى، ومشى.


أحيانا أقول في نفسي: ليتني لم أتزوجه.

أين هو الآن؟

كل يوم في ديرة. يقول إنه يبيع، ولكن يبيع ماذا؟

صح، يبيع محصول التمر من مزرعة أخيه صالح، ويبيع الجح الذي يزرعه خويه راضي في القصيم، ويبيع الفنايل والسراويل التي يشتريها بالجملة من البطحاء.

والخيبة.

أي حياة هذه؟ كيف سيصرف على هذا الذي في بطني؟

ولكن الشرهة علي. نادتني أمي يومًا، وقالت إن ولدًا اسمه عبد العزيز خطبني. ففزّ أبي الذي كان يتظاهر أنه لا يسمع: “ولد؟ أي ولد؟ عمره 28”. فنزرته أمي: “وإذا؟ هذا معناته إنه رجال وراكد”. كان عمري 18 سنة، لم أفهم ما الركادة في الرجل. هل هي مثل ركادة أبي الذي يعيش مثل الساعة؟

والدي يقول أكملي الدراسة في الكلية مثل بنات عمك، وأمي تقول تزوجي وارتاحي من وجع الراس. اقتربَت مني ونحن نطبخ العشاء، وهمست مثل السر بيني بينها: “بخليتس تشوفينه، بنروح للسوق بكرة”.

كان يبيع في محل عمه. عمه يبيع كل شيء يمكن أن يخطر على بال. أذكر الأقمشة فوق الخردة والبهارات وأخياش القهوة. لم يعرفنا، يقف بين كل تلك الأشياء صالب الظهر، يضحك بكل جسده ضحكة عالية تكشف أسنانًا تلمع في الشمس، عروق يده بارزة وهو يمد قماشًا لأمي ويقول: “هذا من الهند، ما مثله في أي مكان يا خاله”.

أمي كانت تعرف أن هذا سيكفي.

الحريم ومكرهم!

لم أنم تلك الليلة. ظللت أتقلب وأنا أتخيل ذلك الرجل بعروق يده البارزة وظهره الصالب وأسنانه الضاحكة وكأنني أعرفه من يوم أن وُلدت، وكأنه لي، خلاص.

حتى الآن، يهجّ الباب بعد شهر قادمًا من كل ديرة، ويمد سوار ذهب، بعروق يده البارزة، ويبتسم عن أسنانه البيضاء، ويقول: “هذي ما بعتها يا حصيصة، من يوم شفتها قلت هذي لمْرتي”. ينعقد لساني عن كل الكلام الغاضب الذي كنت أنويه، وأكاد أحس بالابتسامة تطحن فمي الذي يقاومها دون جدوى، وأفكر: “يا حظي، هالرجل لي”.

ليتني ظللت أحلم به وأنا أتقلب في فراشي، ولم أتزوجه.


يقول سعد الأكلبي:

يا زين الجميحي لا سَرا والعباد خْـفوت / يبي لازم متغانمه قبل لا يفوتهْ

يقوّس مع الهَوْيات كنّك تشوته شوتْ / يشاديْ المظلّي لا نزل في براشوتهْ

لا دقّت هواجيس المعنّا وجَرَّ الصوتْ / يْعدَّ النجوم المرقّبه فوق كبُّوتهْ

والله، ثم والله، لو لم يصنع الآدمي إلا هذه الآلة الحمراء التي أنا فيها، وهذه الطرق التي أسري عليها، لكفاه.

السواد منوّخ من أقصى السماء إلى آخرها. الليل كأنه بشت صوف والنجوم كأنها شقوق يجيئنا منها نور ملكوت الله الذي كله نور. الملائكة تغطيه لننام وتعطينا هذه النجوم لنستدل بها.

ولكن أين أنا والنوم؟

ليت الحياة كلها هنا. نسري ونقف. نطرد وراء السيل، والنجوم، والفرص.

حصة تتحرّاني. تقول كلما كلمتها بالهاتف: “وينك يا رجل؟”. ولكن حصة امرأة، ما أدرى الحريم بالعمل والسعي؟ الله يخلقنا والله يعطينا والله يوجهنا، وأنا أمشي في درب الله، ولا أدري أين يأخذني الدرب.

أقابل في أم حزم رجلًا يقال له عيد بن مربح، يكدّ على تريلة ليسدد ديونه التي تمنعه من الرجوع إلى ديرته. نجلس في حوش خوينا ماجد. معي أقمشة جئت بها من الأردن لأبيعها في العارض. ويقول إن ابنه وُلد في غيابه، وأسموه “غريب”. فأضحك، وأقول: “تراي حولك، حرمتي حامل بالولد”. ويعطينا قصيدة أدري أن الناس سيعرفونه ويتذكرونه بها حتى لو مات بكرة.

“وْلا تشكي الظلم وحنّا الوقت ظالمنا / دليلْ ظلمي تراك تشوفْ برهانهْ

الله يجيب الصّديقَ اللي يعلّمنا / أبنشدهْ عن غريب وحال عربانهْ”.

وأقول في نفسي ليتني شاعر ليذكرني الناس حتى لو مت بكرة.

أقول لها: “يا حصة، أمس تالي العصر حول الغاط، شفت غيوم ما شفت مثلها. الشمس وراها كنّ حرب ولّعت والسما كلها دم”. لكنها تتأوه وتحوقل وتقول الله يخلف عليك بس.

أنا الآن عند الزلفي. سالم يقول إنه سيفتح مصنع إسمنت. الجميع يحتاج إلى الإسمنت. ويقول إنه يحتاجني. سترضى عندما ترى الخير. الحياة كلها خير. أنا سآخذ من هذا الخير وليأخذ الناس الوظائف.

أقول لها: “يا حصيصة، بنسمي الولد صالح، على اسم أبوي الله يرحمه”. فتقول: “أنت عوِّد واركد ويصير خير”.

الديرة هاجدة، والأبواب مغلقة. ولكن من يحتاج إلى بيت ومعه الجميحي؟ حوضه مفرش، وسقفك السماء.

الله يرعانا. الله وراء هذه النجوم، يراني ويرعاني.

أقول لها: “قابلت خلف بن هذال في الداهنه، جلسنا وسمرنا وهيجنا وشربنا الشاهي سوا وقال لي قصيدة. خل أقولها يا حصة”. تسكت، وأعرف أنها تريد أن تسمعها.

“جعلَ السحاب اللي معهْ برقْ ورعود / يمطر على دارٍ وليفي سكنْها

يسقي وطنْ منتوقةَ العنْق يا سعود / ما لي وطنْ بالعارض إلا وطنها”.

تسكت، وأدري أنها تبتسم من وراء التلفون.


سألني ابني عبد العزيز ذات مرة لماذا ابن عمه الذي ولد قبل أيام لا يشترك معه في اسم العائلة نفسه، فأخبرته لأن سعود أخي من أمي. لم يفهم، فأخبرته أن أبي لم ينجب أحدًا غيري، وأنه توفي قبل أن أُولد. بدا أنه ابتعد عن الفهم أكثر، وأنه الآن يفكر: كيف يموت أب قبل أن يولد ابنه؟

وأدركت أنه لن يفهم إلا إذا كبر أكثر. ما زال في العاشرة من عمره.

عندي ثلاث صور لوالدي. صورة وهو يقف بعيدًا أمام السيل، التقطها أحد إخوته، ملامحه مغبشة في البُعد. صورة له وهو في سيارته “البهبهاني”، فتح الدريشة وأخرج يده، يطالع الكاميرا بضحكة واسعة. كانت أمي تسمي هذه السيارة: “ضرّتي”، وكأنها امرأة أخرى في حياته. صورة بطاقة الأحوال، لم أر في حياتي أحدًا يبتسم في صورة بطاقة الأحوال. لم تكن ابتسامة واسعة أو فاضحة، ولهذا ربما مرّت على مصور الحكومة، ولكنها كانت ملحوظة على طرف فمه.

يسألني عبد العزيز بعد أيام: “يعني ما شفت جدي؟”، فأخبره “لا، ما شفته”. أفتح جوالي، وأريه الصور الثلاث. يطالعها، ثم يطالع فيّ، ثم يطالعها، ثم يطالع فيّ، ويقول: “ما يشبهك”. أتفق معه، وأقول: “لكنه يشبهك أنت، شف عيونه”. يتأمل وجهه في انعكاس شاشة الآيباد، ويتأمل صورة بطاقة الأحوال في جوالي، ويبدو غير مقتنع، أو غير مستوعب. وأقول له: “يعني أنت أخذت اسمه، وأخذت عيونه”.

سيفهم عندما يكبر.

معي صالون تاهو. لم أكشت يومًا في البر أكثر من نهار. لا أمسك الخطوط السريعة إلا في السفرات الضرورية. عشت طفولتي في بيت مسلّح قديم، من دور واحد، ورثه والدي من جدي. رفضتْ والدتي العودة إلى بيت أهلها الصغير، وأصرَّت على العيش هنا، قريبًا منهم، ولم ننتقل منه إلا عندما تزوجتْ وأنا في العاشرة. كانت هناك غرفة في السطح، مستودع، وفي هذا المستودع كل الخردة التي كان يجمعها والدي من سفرياته، ويقرر الاحتفاظ بها أو أنه لم يستطع بيعها. كان حاضرًا رغم غيابه، أراه في أثاثنا، في خردته، في القصص، وأتخيل نفسي مثله، ولكنني لم أكن مثله. كنت أقرب إلى جدي، والد أمي، أذكره يجيئنا كل ظهر ومغرب، يتقهوى معنا، يأخذني إلى المسجد، يشتري لي الملابس، يعلمني سياقة السيارة. ولكنني ظللت أتخيل نفسي عندما أكبر، وأنني سأكون طير بر ورجلًا يمتّر الطرق وسأبني مستودعًا أملأه كما ملأه، ولكن هذا لم يحدث.

أعطيت ابني اسم والدي. وقالت لي أمي الله يستر. كانت تتجنب الحديث عنه أحيانًا، وفي أحيان أخرى تتكلم عنه كثيرًا حتى يبدو وكأنه ما زال حيًا، وكأنه في أي لحظة سيهجّ الباب بعد غياب ويقول: “هاه، وش عشانا الليلة يا حصيصة”.

يجلس عبد العزيز أمامي في المشب، يلعب مع أختيه. النار الدافئة تجلب النعاس، وأرى عينيه تشبهان والدي أكثر وأكثر مع مرور الزمن. أناديه، وأضع النجر بيننا: “تعرف وش هو ذا؟”. يمسكه بفضول، وكأنه يرى شيئًا غريبًا ومثيرًا لم يره من قبل. “هذا زمان كانوا يدقّون القهوة فيه”. أحطّ القهوة، وأريه كيف يطحنها بيد النجر. يضحك، ربما يبدو الموقف غريبًا إلى حدِّ الضحك، أو ربما مثيرًا وممتعًا إلى حد الضحك. وأدق النجر وهو يضحك، وأختاه تقتربان وتضحكان معه. كلنا عند النار الدافئة في برد الشتاء المحجوب في الخارج. حتى أنني بدأت أضحك معهم. هذا أنا أدق النجر في بيتي، أنا الذي ليس عندي عدة بر ولا أحب الطرق السريعة ولم آخذ من الماضي إلا الذكريات، أدق النجر. طبعًا سأضحك.


هَجَّ البابَ عصرية خميس ومعه أكياس كثيرة. أرز وسكر وطحين وفواكه وخضراوات وأقمشة. كان لا يقول لي عن تجارته أو ما يفعله في سفرياته، كلما سألته قال: “أدوّر الخير”، أسأله وش هو هذا الخير علمني، ولكنه يسحب حلقًا ذهبيًا، ويمده: “هذا. البسيه”.

أتمنّع، ولكنه يعيده ويقول: “هاه، أبيعه يعني؟”.

كنت في العشرين، أردت أن ألبس الذهب وأفصّل القمش التي يأتي بها. أردت أن يراني الناس مع هذا الرجل. فأسكت. “يا حبكم للدلال”، ويأتي بنفسه ويلبسني إياها. وأنا سلمته نفسي. وجهي في صدره.

رائحته قهوة ومطر وعنبر ودخون. رائحة أماكن كثيرة مر بها.

يا زينه! ويا ضعفي!

“خل نطلع يا حصيصة”. ونذهب إلى الشعيب الذي امتلأ بأمطار الأيام الماضية. وكأن الناس كلهم هناك. الكل يبدو وكأنه يعرفه، يسلمون عليه من بعيد، ينادونه “أبو صالح”، وكأن صالح وُلد ويلعب عندنا. أعرف أن الحريم يلاحقنه بأعينهن، وأعرف أن الرجال يبتغون الجلسة معه. ولكنه يجلس معي، لحالي، أصب له القهوة، ونتكئ على المركى نفسه، ونرى السيل، وهو يقص عليّ ما شافه.

بعد أيام قال لي إنه سيسري إلى حائل. وش عندك في حايل؟ والإجابة مثل الإجابة دائمًا: “أدوّر الخير يا أم صالح”.

لا أذكر أننا تهاوشنا، كنت كلما غضبت يجلس صامتًا وأنا أهوشه، ثم ينهض فجأة ويطلع. أحيانًا يرجع في اليوم نفسه وكأن شيئًا لم يكن، وأحيانًا يرجع بعد أيام. ولذا ما الفائدة؟

أمي كانت تقول إنها شعرت بوخزة في قلبها عندما شافت أخاها آخر مرة، وكأنها كانت تشك أنه سيموت. عماتي وخالاتي يقلن شيئًا مشابهًا عن كل من مات في حياتهم. كلام فاضي. يتخيَّلون. لم أدر إلا بوالدي يدخل علي، وعرفت من وجهه مباشرة أن عبد العزيز قد مات.

قال إن سيارته انحرفت به في المطر شرق الرس، وسقطت في وادي الرمة.

لم يجدوا جثته فيها، جرفها السيل. وجدوها في الصباح بعد أكثر من ستين كيلو عند ديرة يقال لها محيوة.

حتى وهو ميت كان يسري!

جلست أسمع والدي، وأنا ساكتة. لم أبك ولم أتحرك. أظنه خاف أنني انهبلت. ولذا ظل يتكلم عن الابتلاء والصبر وعن الخطط التي يجب أن تصير لتربية هذا الذي في بطني. “لا تخافين، الأمور سمحة والحياة سهلة وأنت للحين صغيرة”. وأنا ساكتة وأفكر: “يا الخبلة. وشلون ظنيتِ أن هالرجل كان لك؟ هالرجل ما كان لأحد”.

وأخذت أتخيل منظر جثته، وهي تسري مع السيل. يستلقي على ظهره ووجهه ناحية السماء، حيث النجوم. “هالرجل محد يقدر ياخذه من نفسه”.

بكيت في الليل ولا أحد حولي، حتى نمت من التعب.

لم أفكر في الولد، ولا في حياتنا بعده، ولا في الذي سأفعله. كنت أفكر كيف سأنساه الحين؟ والمشكلة أنني لم أكن أريد نسيانه. ووجدت أن آخر فكرة تجرني إلى النوم هي الفكرة التي كنت أفكر فيها دائمًا عندما لا يكون موجودًا: ليتني لم أتزوجه. كانت هذه الفكرة تروح عندما يأتي وأراه. ولكنه الآن لن يأتي ولن أراه.


الحياة لا تأتي على الكيف.

طيب، وفشل مشروع الإسمنت، وبان أن سالم لا يعرف رأسه من رجله.

وإذن؟ تقف الحياة؟

الخير موجود، وهو موجود هناك، لا هنا. كل خير هنا يزاحمك فيه الخلق، أما هناك فأنت وشطارتك وحظك. الخير دائمًا هْناك. هْناك. وين؟ العلم عند الله.

تقول حصة: “حياتنا الحين مهي حياة أبوي وأبوك. الحياة الحين يبيلها ذهانه وركادة”، فأقول عارف، هذا الذي يجعلني أمتّر الأرض.

تظن أنني لا أسمعها. ولكنني أسمعها، هي التي لا تسمعني.

المطر يغسل كل شيء، حتى القلق. غيمة كبيرة فوق طريق حائل، جاءت فوقي مباشرة، وصبّت. وكأنها اختارتني من بين الناس.

الله يراني ويرعاني.

شوارع بريدة كلها ماء. أبيع الحطب الذي حملته من حائل لرجل منزله أكبر من السحابة. يقول: “إلا الدنيا فيها خير واجد. أنا كل رزقي جبته من بيع الإسمنت”، وأضحك وأنا أقول له يا رجل تكفى لا تجيب طاري الإسمنت.

يا زين الأخويا. في كل ديرة لك صاحب. أمرُّ على راضي، فيحطُّ ذبيحة يعزم عليها الحارة كلها.

يقول إن بندر بن سرور قلط عنده قبل أمس، وأنشدهم قصيدة. أسأله عنها فيعقد حجاجه ويتفكر: “ما حفظت إلا أول بيت: آهْ يا فيحان من طُولَ المسافه / بينْ نجدُ وبينْ رِيعانَ الحَويّة”.

فأهز رأسي متحسرًا وأقول ليتني بكّرت.

نجلس في عريش نصَبه في حوشه ونأكل. الرزُّ أصفر واللحم مقمّر ورشَاش المطر الذي يضرب في البلاط يقلط علينا.

يا زين الدنيا.

يقول لي رجل متكئ وفي يده بيالة شاهي، لا أعرفه ولا يعرفني: “أنا عندي 21 ولد من أربع حريم، والله إني ما أذكر إلا أول ستة، والباقين يتشابهون”، أضحك ويسألني: “وأنت، كم عندك؟”، فأقول إن ولدي ما زال في بطن أمه. يتفاجأ: “هذا كبرك وعندك حرمة وحدة بس؟”، ولكنني أهز البيالة بيننا: “بس عن أربع حريم”.

في السوق محل صغير، يبيع فيه شايب يقول إن عمره الآن مئة عام، رغم أنه يبدو أصغر. عنده نجر نحاسية لم أر مثلها من قبل، وكأن راعيها غمسها في الشمس وسكّها. يقول الشايب إنني إذا صنفرتها جيدًا يمكنني بيعها بأضعاف سعرها، ولكنني أقول له: “لا، هذي بخليها لولدي”. يسألني كم عمره، فأقول إنه ما زال في بطن أمه.

المطر ديمة لا تتوقف.

ليس في الدنيا ما هو أحلى من طريق سريع كله مطر.

إذا أحبك الطريق أكرمك.


حلمت أنني داخل ملجأ في حرب. الملجأ مثل المستودعات القديمة الكبيرة، لا أعرف كيف أصفه بغير ذلك. هناك أناس ولكنهم متفرقون لا يملؤون المكان. زوجتي وأبنائي وأمي وإخوتي معي، دون أن أراهم. أعلم أنهم معي. أمشي، وأصوات القذائف والمتفجرات في كل مكان في الخارج، ولكن الناس يجلسون ويتحركون بهدوء. وكأننا اعتدنا الحرب. أختار ربعة بعيدة، وأجلس فيها. فجأة هناك أناس أمامي وبجانبي، ليس فجأة بالمعنى الحرفي ولكن فجأةُ الأحلام عندما لا يكون الشيء وفي لحظة يكون، وكأنك انتقلت في الزمن. أحدهم ابن خالتي، رجل لم أره منذ زمن ولكنني أقدِّره وأثق به، يخبرني أن عليّ قراءة كتاب قديم، نسيت اسمه، كتاب ضخم في عشرات المجلدات أذكر أنني كنت أراه في مكتبة خالي، ويخبرني أن فيه مقطعًا مذهلًا عن الحروب. أتفاعل وأقول إن الكتاب نفسه نُصحت به سابقًا. كنت متحمسًا رغم أنني لست مهتمًا بالقراءة. أدرك الآن أن ابن عمي بجانبي، وابن عمي الآخر. كنت أظن أنني أتكئ على جدار خرساني، هذا ما جعلني أختار المكان، ولكنني الآن أتكئ على جدار نصفه زجاج، والزجاج يبدأ من عند منتصف ظهري تقريبًا. تومض ليزرات القناصة الحمراء، أحني رأسي ولكنْ لا أحد يحني رأسه، يجلسون متجمدين، وكأنهم لا يرون شيئًا. أقول لهم انزلوا، ولكن لا أحد يبدو منتبهًا، حتى لي. تنطلق رصاصة وأُصاب، أصاب في رأسي، ولكنني لا أموت، وكأنها خدشت صدغي وراحت. أنهض وأصرخ فيمن حولي ليتحركوا ويبتعدوا، ولكن كل ما أفكر فيه هو أمي وعائلتي. الناس يتحركون الآن، ولكنهم لا يتحركون حركةَ من يوشك أن يموت. وأفكر ما قصة هؤلاء الخلق؟! لمَ لا يخافون؟!

فجأة، أنا أهرول داميَ الرأس في مستشفى، المستشفى لا يبدو مستشفى حرب، ولكنني ما زلت في حرب. أدخل مصدومًا، وأشك. كل شيء يبدو طبيعيًا أكثر من اللازم. يواجهني طبيب، أخبره بما حدث لي، ولكنني لا أثق به، لا أثق بالمكان. يبدو طبيعيًا أكثر من اللازم. أتركه وآخذ أمي وزوجتي وأبنائي ونمشي. في الممرات الفارغة نحو المصعد، تتوقف أمي، تبدو مسنة أكبر مما هي عليه، تحاول المشي، وتتعثر. أساعدها على النهوض، وتتبعني. لا أعلم لماذا ولكنّ تلك اللحظة في الكابوس كانت مؤثرة وعنيفة، بدت أمي امرأة مسنة أكبر مما هي عليه بكثير. تلك العثرة هزتني هزة عنيفة، وشعرتُ بالخوف على كل الأشياء التي عندي ولا أستطيع حمايتها.

بعد ذلك أضغاث أحلام غريبة. مستشفى أتعالج فيه، ممرضة تحاول الاعتداء على ابني، زوجتي تقول إنني أتحسن ولكنها تختفي. أضغاث. كل ما أذكر منها هو الخوف الضاري اللاهث على أمي وأبنائي. ليس هناك أي شيء يدل على الحرب، ولكنني كنت خائفًا عليهم. كنت وما زلت في الحرب.

ثم انتهت. هكذا، مثل الشي تعلمه ولا تراه. الحرب انتهت.

أنا مع أمي وأبنائي وزوجتي، رجعت بهم إلى سطح بيتنا القديم، البيت سكنا فيه سنوات عدة أنا وأمي فقط قبل أن ننتقل مع زوجها الجديد، عمي إبراهيم كما أسميه. كنت متوجسًا، ما زلت أظن أن الأمر لم ينته بعد. ربما لهذا السبب أخذتهم إلى السطح. السماء صافية، والنجوم ساطعة، وكل شيء جميل. كنت أحب غرفة السطح، التي فيها كل الخردة التي تُركت بعد والدي. عندما كنت أجلس فيها لا أحد يعلم أنني هناك. ولكن شيئًا ما يدفعني إلى العودة إلى الخارج. أفتح باب السطح، وإذا بالبيت يحترق، والدرج يبعد عن قدمي نصف متر تقريبًا. كل شيء يحترق، حريق داكن يبدو في نهايته ولكنه لا يتوقف، مثل الشعلة الصغيرة المستمرة في الحطب، التي تأكله ببطء. عدت إلى السطح، ورأيت أن المكان تحول إلى ما يشبه الحافة التي تطل على حديقة داخل مبنى، ولكن الحديقة داخل المبنى بعيدة في الأسفل، وأنا على الحافة في الأعلى. وأعلم أن أمي وأبنائي هناك، دون أن أراهم. أظن أن بإمكاني الوصول إليهم، ولكنني لا أحاول. أرجع إلى باب السطح، ما زال المنزل يحترق. الدرج الآن على مسافة ثلاثة أمتار تحتي، يستمر في الانحدار والابتعاد، أعلم أنني إن قفزت سيسقط بي إلى الهاوية. أسمع أصوات أبي وأمي، يتكلمون، ربما يتحدثون أو يتجادلون. ليس واضحًا. يبدو أنهما في مكان ما في الأسفل، ويبدو أنهما لا يدركان أن حريقًا يشتعل في البيت، أو لا يهمهما. كل الكابوس أناس لا يدركون ما حولهم، أو لا يهتمون، أنا فقط من يرى بوضوح ويهتم. وأردت أن أناديهم، ولكنني لم أفعل.

وأتذكر أنني في تلك اللحظة، وأنا أفكر في القفز نحو الدرج الذي يبتعد كل قليل، استيقظت.

لا أظن أن أحدًا يستطيع كتابة الكوابيس جيدًا. هي أصلًا كوابيس لأنك لا تستطيع كتابتها، أو حتى تخيلها.

جلست على طرف السرير، وضحكت. ضحكت بحسرة لأنني شعرت بوحدة وحشية لم أشعر بمثلها في حياتي، أو ربما أنني شعرت بها طوال حياتي ولم أستوعبها حتى هذه اللحظة. ولكنها أضحكتني بحسرة لأن زوجتي بجانبي، ولأن أبنائي في غرفهم بجانبي، ولأن أمي تسكن الآن بجانبي، ولأن كل شيء في الخارج هادئ وآمن.

الحياة صعبة. وكأنك تخسر دائمًا حتى وأنت تفوز.

⁂

أحمد الحقيل

روائي وقاص سعودي. عن الكاتب ←

النشرة

رسالة حين يُنشر نص جديد في المدونة أو يصدر كتاب.

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة