التصنيفات
قصص

مقطع من كتاب “الحافة المطلة على العالم”

حينما كنت في الـ ١٨ من عمري، قررت ترك الجامعة. وهو قرار صعب ومعقد لأنني مجردٌ من رفاهية اتخاذه، وشهدتُ أثره في أقارب وأصدقاء صاروا يلاحقون لقمتهم مثل الكلب بسببه.

الجامعة وقتها كانت طوق نجاة. الشهادة تعني وعداً بحياة كريمة، إذا تحققتْ فقد أصبتَ وسلمت، وإذا لم تتحقَّق فقد اجتهدت ولا ملامة. أما حينما تتركها فأنت تترك نفسك طريدة للمجهول. ربما تجد طريقا آخر، وربما – وهو الغالب – تغرِّز في طريقك، وتظل مغرزا إلى أن تموت.

كنت في شقة تعيسة في الرياض، بلا سيارة، أدرس تخصصا غثيثا اخترتُه في حالةٍ ذهنية وفكرية طارئة كنت أعلم أنها ستزول قريبا. ورغم ذلك، لم تكن هذه هي الأسباب. الأسباب تجمَّعت ببساطةٍ سطحيةٍ ومبتذلة في سبب واحد: أريد شيئا مختلفا، لا أدري ما هو.

أصير كاتبا؟ أصير شاعرا؟ أصير سينمائيا؟ أصير صحفيا؟

لا أدري. كلها أفكار سخيفة ومراهقاتية.

أذكر أن الإدراك كان عنيفا إلى حد أنَّه جثم على صدري وكتم نفَسي. خرجتُ الساعة الواحدة ليلا، حينما كانت الرياض تنام في الساعة الثانية عشرة. كان معي ٢٠ ريالا، مشيت إلى أقرب مطعم تسالي في حي الفلاح، أقنعتُ الهندي بتأخير وقت الإغلاق قليلا، واشتريت ثلاثة براجر واثنين بيبسي. أخذتها وجلست على رصيف الدائري الشمالي، آكل، وأراقب الطريق الواسع الفارغ عدا سيارات تُسمع خافتة من بعيد، ويظل صوتها يتصاعد بطيئا، ثم تمر خاطفة وتختفي.

أكلتُ حتى أوجعني بطني، ولم أرغب في التوقف. وكأنني أردتُ أن أغثّ نفسي بشيء آخر غير هذا الإحساس الغريب.

تلك اللحظة، كانت أول مرة أجلس فيها وأفكر في مجريات حياتي.

وأنت مراهق، لا تفكر في حياتك. لم أصادف مراهقا يجلس ويفكِّر في حياته. حياتك يُسيِّرها آخرون أو سياقات أكبر منك. وأذكر أن هذه الفكرة أذهلتني أكثر من المأزق الذي أنا فيه: أنْ تجلس لوحدك، وتفكر في حياتك. حياتك الآن لك، كلها لك، أبوك وأمك أطلقاك إلى العالم، خلاص، ولا أحد معك حتى وإن كنت محاطا بالناس. وكأنني اكتشفت مجهولا غامضا، يقول إنك قادر على الجلوس والتفكير في حياتك واتخاذ القرارات التي تريدها، ولا أحد سيمنعك.

لم أكن مستوعبا أنه ممكن … أنه مسموح!

وفجأة، غمرني شعور عميق بالوحدة، لا أنساه. أراقب الطريق الواسع الفارغ عدا السيارات التي تختفي أسرع مما تأتي، وتبدو هذه الوحدة استعارة مبتذلة من ذلك المشهد. وأدركت شيئا عن نفسي لم أدركه من قبل بمثل هذا الوضوح: أنت شخص شاطح، ويُرجَّح أنك ستعيش حياة مليئة بالشطحات، بدونها ستفقد ما يميزك وما يجعلك على طبيعتك.

وأذكر أنني كنت جالسا، وأتخيَّل. ولكنه كان خيالا يُشبه الحلم. أحلُم أنني ربما أكون كاتبا وأستطيع أن أكسب رزقي من الكتابة بطريقة أو بأخرى. أحلم أنني أذهب إلى أكبر صحيفة وأتسلل إلى مكتب رئيس تحريرها وأحاصره ليعطيني وظيفة تجعلني أعمل فيما هو قريب من الكتابة. أحلم أنني أصير مصورا وأفتح شركة أُنجز فيها أفلاما تجعل الجميع يقتنعون أننا في حاجة للسينما التي لم تكن تطرأ على بال أحد عدا ثلَّة ملحوسة من الشباب.

آكل، وأحلُم.

وأذكر بوضوح كيف أنني خيرت نفسي بين أمرين: إما أنْ تسحق كل هذه الشطحات الغريبة، وتنضمَّ إلى الركب، أو أنْ تقبل شطحاتك، وتفهم أنها ستجيء بهذا الإحساس العميق بالوحدة، الذي لن يقتله قربُ عائلة أو أصدقاء أو حالة مجتمعية.

وما زلتُ حتى هذه اللحظة حينما أتخذ قرارا شاطحا: أستقيل من وظيفة ممتازة، أستمر في وظيفة غريبة، أمتنع عن فرص، أُصرُّ على كتابات لم تلق رواجا في وقتها، أجد أنني أتذكر تلك اللحظة، وأُحسُّ بذات الوحدة أمام شكوك الآخرين.

اعتدتُ عليها مع مرور الوقت، ولكنْ تكوَّن معها سحرٌ يتكون مع كل من يريد شيئا مختلفا: النتائج تقلُّ أهميتها. إذا لم تجيء هذه المرة ستجيء المرة القادمة، أو التي تليها، أو التي بعدها. أو ربما لا تأتي أبدا. لا يهم. المهم أنْ تتخيَّلها، لأنك ما دمت قادرا على تخيلها، فهنالك احتمالٌ – يزيد أو ينقص حسب الحالة – بتحققها.

اخترتُ الثانية، وعثرتُ في طريقي الذي غرَّزتُ فيها مرارا وتكرارا على أناس اختاروا مثلما اخترت، وبدأت أحس أنني أقل وحدة.

ولكنها لم تغب عن بالي أبدا، تلك اللحظة. وأفكِّر ماذا لو أنني اخترتُ الأولى، ما الذي سيحدث؟ فكتبتُ رواية كاملة (أيام وكتب) لأتخيل كيف سأكون، أو قريبا مما سأكون.

ولكنني مقتنع أنني لم أكن سأختار غير ما اخترت، ولو عاد الزمن بي مئة مرة.

لستُ طويلا، طولي 1.76.

ولكنني كنت طفلا طويلا، حتى أن أبي كان يخشى أنني سأطول إلى أن ألتحم بالسقف.

كنت أطول منه. نمشي إلى المسجد، فيسألني: “بتمطر اليوم؟”، فأرفع رأسي مستكشفا، ولكنه يخبرني: “دخّل راسك في الغيم وعلمنا”، وأفهم أنه يستهبل، فأكتم ضحكةً وأنا أمثّل أنني غاضب: “ياخي أشغلتوني خلاص”.

أقف بين الحشود الذين أماثلهم عمرا وأتمايز عنهم حجما أثناء التحقيق في جريمة سرقة من مقصف المدرسة، فأُستثنى مباشرة. “مهوب ذا، لو انه ذا البعير كان شفته”، وأُدرِك أنني خسرتُ احتمالا وظيفيا بأن أكون مجرما.

يدخل الأطفال على النساء أثناء زوارة تجمع عوائل الحارة. أتبعهم، فتهتال النساء ويسود هرج ومرج، يتلقفن شيالهن ويتعوذن ويستفزعن، ظنا بأنني شاب اقتحم مجلسهن. وأُطرد مثل الكلب، وأنا الذي كنت أريد مجالسة إحدى الفتيات التي ستقبص خدي وتقول لخوياتها: “وه، يا ملحه ذا الولد يا ناس”.

يخطب دخيلٌ على الحارة بنت الجيران التي أحبها. يتحدثون معه في الخارج، فأتسلل بينهم، وأخبره أنني لست راضيا عن الزواج، وأنني سأسعى لإفساده. يغضب، ظنا منه أنني مراهق وقح، ولكنهم يخبرونه بعمري، ويبدو مستغربا: “ذا العير عمره 11 سنة؟ أكيد؟”، فيؤكدون له، ويفطسون ضحكا وهم يسايرونني. “معك حق، تعال للعرس واجلده”. 

حينما بدأتُ، قبيل المراهقة، أفهم ميزة الطول، ومهابته في الرجل، أُوقفتُ عن الارتفاع. ورأيت الناس من حولي يرتفعون، حتى فاقني بعضهم طولا.

ومثل معظم المفارقات المبتذلة، انتبهت لها مستحيا وأنا أرى صورة قديمة لي بين أصدقائي، أبدو مثل مئذنة، وعلى وجهي ملامحُ المتورِّط باختلافه.

لم أعش طفولة عنيفة، ولكنني حتما عشت طفولة خشنة، مشحونة بذلك الإحساس العميق بقرب الموت الذي لم أصرّح به لأحد، والطولِ الفارع الذي يحسسني أنَّ كل شيء في متناول يدي، والانتماءِ إلى الشارع الذي أحببتُه كثيرا إلى أن نفرتُ منه حينما أدركتُ أنه ليس مشبِعا وأنَّ هنالك جنًّا في عقلي تجرُّني إلى التفكير أكثر من الحركة.

ظننت نفسي قويا، وقد كنت كذلك، طويلا وقويا، وظننتُ أن هذا سيكفيني في الحياة، هذه القوة وهذا الاندفاع اللامبالي بالغد. لم أكن مدركا أنني سأواجه الحياة بعقلي أكثر من جسدي، وأنني سأتدرَّج لأكون أكثر انطوائية وانكماشا على النفس. 

قبل سنوات، عملتُ مع رجل في الستين من عمره، أشغلنا بإطفاء لمبة الرواق في وردية الليل رغم احتياجنا لها حينما نخرج من المكتب. سألته مرةً ونحن نشرب الشاهي في لحظة صافية من الروقان ونقاء النية، فرَشَخ رشفةً طويلة من الشاهي، وابتسم: “أبوي كان يهاوشنٍا دايم على اللمبات، وتعوّدت”.

كنت أبتسم، ولكن تكشيرة عميقة ومشوَّشة كانت تتكوَّن داخلي: عمره ستون عاما وما زال عالقا فيما طلبه منه والده، وكأنه لم يكبر عاماً.

ما أضعفنا!

وفكرت: ربما لهذا السبب، أنا الوحيد في العالم الذي يكره النوم؟

كنت أكرهه لأنه سيأخذني إلى الغد، إلى يوم جديد، وكم كنت أكره الأيام الجديدة، لأنها كانت تباغتك – رغم تكرارها – بالذهاب إلى المدرسة، والجلوس على كرسيٍّ حديدي مصممٍ لانتزاع الاعترافات من المجرمين، والاستماع إلى موظف يسمونه معلما يخبرك بأشياء تعرف أنَّ بإمكانك العثور على معظمها في الخارج، وتنظر إلى الخارج من النافذة، حيث تلمع الشمس نقية وجميلة، وحيث يمتدُّ الأفق فسيحا ومليئا بالاحتمالات، وتقول ليتني لم أنم، ليت أنَّ الأمس لم ينته.

أريد العيش دائما في اللحظة، بكل ما يحمله هذا التصريح من ابتذال.

ولكن اللحظة أيضا بطبيعتها غير ثابتة. أنت في هذه اللحظة لست الشخص الذي كنتَه في اللحظة السابقة. أنت مختلف دائما، متنقل دائما، مستكشِف ومستكشَف دائما. ليس هنالك ذكرى مفضَّلة، أكلة مفضَّلة، حالة معيشية مفضَّلة. كل شيء يتغير. شعرك يشيب، جسمك يترهل، طبعك يختلف. ليس هنالك فيلم مفضَّل، أغنية مفضلة، كتاب مفضل. تخرج في يوم ماطر وتجد الحقيقة، تخرج في يوم ماطر وتجد الوهم.

إنها ورطة. الغد طريق يجسِّد اعترافاً بأن حياتك خطَّة مُلزِمة، واللحظة طريق آخرٌ يمشي بك إلى المجهول.

ولذا فإن حياتي كلها صراعٌ ضدَّ هذا التوق إلى المجهول المرتبط باللحظة. أُروِّضُه حيناً من الزمن، فيسكن ويستقر وأجد أنني أخطط للغد وأعلم ما سأفعله في عصر جُمعة بعد شهرين. ولكنه ينتصر، أحيانا، ويعيدني إلى اللحظة المجهولة التي لا يُدرى ما سيجيء بعدها.

ومن الصعب تحديد موقفي تجاه هذه الورطة، لأنني لن أكون الشخص الذي أنا عليه بدونها. وأنا راض عما أنا عليه، نوعا ما. ولذا أتراوح بين تقبُّله حينما أكون مرتاحا لنتائجه المُرضية المتسقة مع شخصيتي اللحظية، والنفور منه حينما أُدرك أنه يعطِّلني ويمنعني عن نتائج أريدها وأتمناها.

أظن أن كل الخيارات التي اخترتُها في حياتي، وكل الرهانات التي دخلتها، وكل الجدران والنجاحات التي أكلتها، أتت من أول لحظة رأيت فيها حطَّة الشاهي على الركبة.

في صغرك، الحياة كلها مغامرة: رصيد معلوماتك الراسخة صفر، رصيد تجاربك الخاصة صفر، رصيد أفكارك المستنتَجة صفر.

كل ما هو أمامك مجهولٌ وغير مكتشف، مثل الصحاري العذراء العظيمة التي لم تطأها قدمُ بشر من قبل.

تريد المشاوير لأن المشاوير لم تُكتشف كلُّها. تريد مخاواة الكبار لأن الكبار يعرفون ما لا تعرف. تريد السيارة لأن السيارة ستذهب بك إلى حيث لم ترَ.

كل شي عندك خيار محتمل للجديد، للمزيد. لذا تذهلك أشياء كثيرة. حياتك سلسلةٌ من الذهول.

في مرة تريد أن تكون شرطيا، وفي مرة أخرى تريد أن تكون حراميا.

في مرة تريد أن تكون دكتورا، وفي مرة أخرى تريد أن تكون مفحِّطا.

في مرة تريد أن تكون نبيلا ومهيبا مثل أبيك، وفي مرة أخرى تريد أن تكون سربوتا وشاطحا مثل صديقك.

لذا، هذه اللحظة فارقة: حينما ترى من هو أكبر منك عمرا، أفهم منك في شؤون الحياة، شاف أكثر، وجرَّب أكثر، يجلس وهو يثني ركبته. ثم يأخذ بيالة الشاهي، يُمسك عروتها بسبابته وإبهامه مسكةَ الخبير المتمرِّس، يرفعها وكأنها عضو نبَت من يده، ويحطّها على عظمة ركبته. وبدلا من أن تطيح، مثل ما تطيح منك البيالات دائما رغم أنك تُمسكها بكل أصابعك: تثبت.

“يلعن أمّ السحر!”.

هذا المنظر الرمزي لكل ما هو رجوليٌّ ألاحقه منذ أن كنتُ صغيرا. وحياتنا كلنا – لو تأملتها – استعارات من هذه الصورة.

كيف تقول: تنجح، حتى لو كانت صعبة. كيف تقول: تمرّ، حتى لو أنها لا تمرّ. كيف تجدها حتى لو كنت لا تدري عن ماذا تبحث بالضبط. كيف تجعلهم يصدِّقونك حتى لو أنك لا تصدق نفسك.

كيف تُثبِّت البيالة على ركبتك دون أن تطيح.

كيف تمشي في الحياة مهووسا بما أنت فيه الآن، حتى وإن كان يقودك إلى المجهول.  

نحن الآن في منتصف عام 2024. أقترب من الأربعين. لم أعمل في وظيفة مستقرة منذ عام تقريبا. أقدّم استشارات في صناعة المحتوى. الفيلم الذي كتبته انتهى تصويره، وأنهيتُ للتو كتابة سيناريو فيلم طويل آخر سأخرجه بنفسي يوما ما. تصلني دعوات لندوات وورشات واجتماعات تقدّمني كاتبا ومختصا يُسمع رأيه ويُعتدُّ برؤيته.  

ولكنني أجلس في سطح شقتي المستأجرة في منابت شعر الرياض، في منطقة البداية والنهاية، حيث تبدأ المدينة لمن يدخل وتنتهي لمن يخرُج، وأفكّر أن حياة أخرى كانت تنتظرني لو أن الظروف التي قادتني إلى حياتي هذه لم تكن.

وأجدني أسترجع ذكرى محفورة في ذاكرتي: كنت جالسا في غرفتي، ربما في الثانية عشر من عمري، وبجانبي أبجورة تنحت بؤرةَ ضوء صغيرة في الظلام، تكفيني لأقرأ سيرة ابن هشام دون أن أُوقظ أخي النائم. وصلتُ إلى مقتل حمزة ابن عبد المطلب في غزوة أحد. خرج الرسول يلتمسه بين القتلى، حتى وجده في بطن الوادي. تخيَّلْ تلك الصورة، وأنت في موقف الرسول، وترى الجثة من مكان بعيد، ملقاةً بين الصخور والحصى، مثل أيِّ تالفٍ هامشي لا تحيط به هالةٌ أو تُسحب إليه عين. نزل إليه، حتى وقف عنده. بُقر بطنُه عن كبده، ومُثِّل به فجُدع أنفه وأُذناه. تأمَّلَه، لم يبق شيءٌ من عمِّه، حتى جسدُه أُخذ بعضُه. ثم قال: “لولا أَنْ تحْزنَ صفيَّة، ويكونُ سُنَّةً من بعدي، لتَرَكْتُه، حتى يكونَ في بطُونِ السِّباع، وحواصلِ الطَّير”.

لم أفهم المقصد الذي فهمته لاحقا، أنَّ كل جسده وليس بعضه يكون قد ذهب في سبيل الله، ليبعثه لاحقا من بطون السباع وحواصل الطير. لم أفهم إلا تلك الصورة الساحرة للموت، ألا تُدفن، وأن تُترك فريسة للطبيعة، بكل وحشيتها وبدائيتها، تلتهمك وتختفي في داخلها. أن تبدأ من جسد كائنٍ وأن تنتهي إلى جسد كائنٍ آخر.

وتمنَّيت أن أُدفن مثلما قال. بدت نهاية لائقة. أنْ أقدَّم إلى السباع والطيور، وأن أختفي في بطونها وحواصلها.

ورغم أن حياتي الحالية تبدو متهورة للبعض، إلا أنها مهذَّبة أكثر مما كنت أتخيَّل وأنا في الثانية عشر من عمري. ولذا أتخيَّل حياةً أكثر تهورا واندفاعا، أكثر جنونا وصخبا. كنتُ مهيأً لها، مفتونا بها، مقادا إليها.

وما زلتْ.

ما زلتُ أحسُّ بنزعة وحشية تقول لي إن الحياة هناك في الحوافّ، حيث يكون كل شيء ضبابيا وشديد البياض مثل مفازات المناطق القطبية. ولكنني الآن على مشارف الأربعين، لستُ كبيرا، إلا أنني منهكٌ إنهاكَ العدَّاء الذي ركض ضِعف عمره، وصار يجد السلوى في جلسةٍ مريحة ومنظر جميل.

وأجدني في جلستي تلك أسترجع كل ما كتبتُه، كلُّه: “أدب”. شخصيات سياقية معقدة، نثرٌ مكثف، حوارات محدودة. أراه – وقد يختلف آخرون معي – أدبا ممتازا، ولكنه يظل أدبا رفيعا.

أردتُ كتابة شيء مختلف يذكّرني بالحياة الشاطحة التي كانت محتملة ولكنها لم تحدث، أردتُ كتابة عنف مندفع لشخصيات غير مألوفة، لا نقرؤها عادة في أدبنا الرفيع.

نثر مباشر وحاد. حوارات كثيرة بين شخصيات تُسمع مثل الأفلام.

تعليق واحد على “مقطع من كتاب “الحافة المطلة على العالم””

اترك رد

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة