هنالك فرق جوهري بين الطرق السريعة الحديثة والقديمة. لقد صُنعت الطرق السريعة الحديثة لتصل بك إلى وجهتك بأسرع طريقة، تخطّ امتدادها الإسمنتي بدقة على بعد مسافة محددة من المدن الرئيسية كي لا تتداخل معها، تقطع الصحراء متوجسة مثل وحش منعزل، وتخترق بك المسافات الشاسعة مفتوحة إلى أن ينتهي البصر في آخرها، حيث يلوح هناك غبش يختفي وراءه جبل أو سهل أو فراغ مجدب، وتتوقف عنده العين. لقد صُنعت الطرق السريعة لتكون نهاية لغاية محددة، معزولة عن أي استطراد أو ملهيات. أما الطرق القديمة فهي مختلفة تماما، إنها غير عملية للمسافات الطويلة، ولكنها عملية لتشعبها ووصولها إلى مدخل كل قرية على امتداد المسافة. فيها سَمتُ التبطل والاختصار وقلة العجلة واستغلال الموارد التي تميز العصور الماضية، تدخل غالبا مدنا وقرى كثيرة، وتتفرع إلى طرق صغيرة تمتد لسانا اسمنتيا وترابيا أحيانا إلى أماكن غامضة ومتشطرة ولامرئية مثل مزارع وروضات وقرى بائدة، وكأن من صنعها يحمل طريقة تفكير الوديان التي تنحت بالماء الموجه بالريح وقوة الدفع مسارات لا تعد ولا تحصى، وتصل إلى نهايات متعددة ومصابٍّ كثيرة.
ولذا، وبسبب هذا التعدد المتشابك، سترى في الطريق أشياء كثيرة ومتنوعة، لأنه صُمم ليقف عند كل محطة تواجهه، وكأنك تسير في مدينة ضخمة متباعدة البنيان. جرب أن تستمر يسارا من صلبوخ موازيا لواديه، تمر بمدينة صناعية صغيرة تضم عددا من مصانع البلوك والصخور والأبواب المعدنية المتكومة على جانب الطريق. هنالك مفرق يؤدي إلى قرية غيانة، شبه المهجورة، والتي ما زالت باقية بمزارع أهلها وآبارهم، ويرفد شعيبُها شعيب صلبوخ، يكونه شعيب المسماة وشعيب حرقان الذي تستقر في طرفه قلتة كبيرة تمتلئ بالمياه في السيل، وتحفه أشجار السدر والنخيل. تستطيع العودة للطريق والاستمرار إلى قرية القرينة، المصممة بشكل مترامي الأطراف يجعل شوارعها مثل الشعبان الواسعة، ومن ثم تصل إلى حريملاء. ستجد في طرف حريملاء محل خردة يفتحه مسن يدعى سعد بن راشد الـ*** عصر كل يوم ويجلس خارجه، لا يوجد فيه إلا الخردة، أشياء قديمة وحديثة في الوقت نفسه، هواتف تعود بك سنوات إلى التسعينات والثمانينات الميلادية، وتلفزيوناتُ ظَهْر أحدها بغطاء خشبي يبلغ عمره قرابة 40 عاما وعلى حافته اسمٌ حاول شخص نحته بسكين في حروف مكركبة لا تقرأ، وطاولاتٌ زجاجية بأرجل بيضاء وحواف مذهبة، ورأس سرير أبيض مزركش على شكل فراشة عملاقة وخلفيةُ كومدينة بيضاء تعودان لتصاميم ما قبل عشرين عاما، وكتب بأكعاب ثقيلة وبنية داكنة، ومدقات نجر، ومفاتيح وكوالين، تتكدس في دكان صغير ومحشور على شكل حفرة مجدّرة. يشتري المسن كل شيء بعد أن يساومك عليه ساعة بلسان بطيء وثقيل ويوحي أنه لا يهتم بالمال بقدر اهتمامه باللقافة والنشبة والتطفل. فيه نبرة ثقيلة الطينة وكثيفة الروح، تستثقله مع أول جملة يقولها، ويخففها مظهر شيبه الوقور ونحول جسده. كل ما لديه خردة، وتجد صعوبة في استيعاب أن أحدا ما يشتري منه شيئا، وتدرك بعد دقيقتين أن لا أحد يشتري منه شيئا، ولكنه يفتح كل عصر، ويجلس على فرشة خارج المحل، أمام دلة قهوة على دافور وترمس شاهي، ويزوره غالبا أشخاص في مثل سنه، ويجلسون تحت السماء التي تغلي فوق شمس حارقة حتى تهدأ وتنطفئ في زرقة المغرب الداكنة، فيجمع أغراضه ويعيدها للمحل ويأخذ دلته وترمسه ويذهب إلى المسجد. يقول إنه على أيامه – وهو تعبير يعني أنه حينما كان يملك الأيام قويا ومهتما – كان يبيع أشياء ذات نفع، مثل معلبات يأتي بها من المجمعة ولا توجد حتى في حريملاء، وبكتات دخان مالبورو، بل وسجائر كوبية من الرياض. محله في الأصل كان محمصة افتتحها والده، يبيع فيها الكمون والقرفة والقهوة والزنجبيل والزعفران والكركم، ويبيع فيها كافة الأشياء الأخرى الغريبة، أجبانٌ معلبة، أقمشة أوروبية، خيوط تطريز بألوان لم يُعرف لها اسم بعد يأتي بها من العاصمة، وأشياء أخرى تفشل ذاكرته في استرجاعها. يقول إنه كان يذكر المحل وهو جذع، أي بعد الطفولة ودون المراهقة، كان أشخاص من خارج حريملاء يتوافدون إليه، بل ومن المجمعة. يذكر والده وراء الطاولة الخشبية الكبيرة، نحيلا ودقيق الرقبة، يحاسب نساء أتين مع رجالهن من القرى المجاورة، ليشترين خيوط تطريز أو أقمشة أو كمونا أو قرفة، ويتسبح المحل بأكمله بالشمس التي تسطع في أثاثه الخشبي البسيط وفراغاته المفروشة بزولية بيجية كبيرة. لقد كان أجداده فلاحين، والده هو الوحيد الذي ترك الفلاحة، ربما لضعفه وهشاشته وكرهه للعمل اليدوي كما يقول، وافتتح هذا المحل، الذي كان مصفوفا برفوف خشبية وأخرى حديدية مليئة بأصناف مشكلة ومتداخلة من المواد، وتهجم عليك فيه روائح متداخلة من القرفة والكمون والقماش. يقول سعد إنه يعمل الآن حارس مدرسة ابتدائية، وإنه يعرف المدن الكبيرة جيدا، فقد سكن مرة في المنطقة الشرقية، حينما عمل حمالا في أرامكو، ولكنه عاد لأن والده توفي، وتزوج ابنة عمه التي كان والده يرعاها بعد وفاة شقيقه، ومنذ حينه لم يعد يجد وقتا للمحل. يغلقه كل مساء، ويبقى مقفلا في الليل، في الشارع الشعبي المضاء بعواميد صفراء قوية تختلط بإضاءات اللوحات البيضاء، وسط محلات مازالت تشرع أبوابها ليلا ويقف على عتباتها عمالة أجنبية، ويبدو من بينها ببابه القديم المطرز بالألمونيوم مثل قبر.
تستطيع العودة إلى القرينة، لتنزل منها جنوبا عبر طريق مزدوج يذهب بك إلى سدوس. قد تسلك طريقا فرعيا يؤدي إلى سدها الكبير، ثم تواصل النزول جنوبا لتتوقف عند طريق ترابي يدعى شعيب الخمرة، يقطع الصحراء مزفوفا بأشجار الطلح المعمرة في امتداد شعيب الحيسية، وعليه وبجانبه آثار مثل جادّات الإبل لسيارات تنحت طرقها الخاصة. يمتد عشرات الكيلو مترات في المساحة الترابية المطلقة المرقعة بتلال وهضاب صخرية إلى أن يصل إلى خشم أبو ثنية، الذي يحمل عدة أسماء مختلفة، مثل خشم فهرين، والمهاوي، ولكن يسمى الآن مطل “حافة العالم”، وذلك بغرض إعادة تسويقه بعد أن صار مزارا للأجانب الذين صاروا بتوافدون إليه بكثرة، أو المتأثرين بالأجانب على حد سواء، ويحتاجون اسما أكثر شعرية وباعثا لحس المغامرة الذي يوحي به المكان المثير، المطل على أجزاء من شعيب الحيسية الذي يسيل جاريا حينما تنهمر الأمطار. تنتشر فيه أشجار الطلح مثل البثور، ولا يرى كثير منهم أن اسما مثل خشم ابو ثنية كاف لتأدية ذلك الغرض، حيث يرون أن المكان يجب أن يعنون ويعلب باسم أكثر جاذبية. سترى هنالك أناسا بخيامهم، ضربوا طرقا بعيدة متعددة بعضها يقطع مفازات وجبالا مجهولة وتصب من وجهات مختلفة ليجلسوا هنا، أحدهم أمريكي من نيويورك، يعمل كبير مهندسين في مشروع قطار الرياض، يجلس هناك مع زوجته، برفقة صديقيه المصري واللبناني مع زوجتيهما أيضا. هنالك ثلاث خيام بجانب صخرة عملاقة قريبا من المطل الذي تستقر تحته حافة يتجاوز عمقها 300 متر، تختفي معالمها في الليل سوادا ثقيلا مثل فوهة كهف، وتمتص العين لدرجة اختلال التوازن نهارا في هبوب رياح بسبب ارتفاع المكان تزيد سرعتها أحيانا عن 30 كم في الساعة وقد تطوح بالواقف فوق الحافة إلى الهاوية. لا يوجد إنسان حولهم، والفراغات المحيطة بهم من كل جهة تمتد عشرات الكيلومترات خاوية ومقفرة عدا صندقات ومستودعات ومزارع فارغة مثيرة للانتباه في تمايز وجودها مع الفراغ المقفر حولها حتى تصل إلى حريملاء أو سدوس. يقول الرجل، واسمه باولو من أصول مكسيكية من جهة والدته، إن هذا المكان يجسد مفهومه التقليدي عن الصحراء، البقعة المفرغة من كل شيء، القاسية بنتوءاتها وتكوينها الصخري، فوق جبل عال يطل على القفر الخاوي، حيث تنتشر أشجار الطلح في الشعيب مثل البثور، ويؤكد أنه يخطط في يوم ما لزيارة الربع الخالي، ويسأل عن الأسماء الحقيقية للأماكن، فيردد اسم “خشم أبو ثنية” ليتقنه، ويقول إنه جذاب لأنه ربما لا يفهمه، ولأن هنالك حتما قصة وراءه، ولكنه معجب أكثر بمطل نهاية العالم، إنه أدق في إيصال الشعور الذي يحس به شخص أثناء وقوفه فوق هذا المكان، على حد زعمه. يحكي أنه يشتاق أحيانا إلى نيويورك، خصوصا في مواسم معينة مثل الصيف والأعياد والاحتفالات، وفي لحظات عامة يفتقد فيها العائلة والأصدقاء والفعاليات، ويصف أنها مدينة حية لا تهدأ كما تعِد بذلك الفكرة الذهنية العالمية عنها، ولكنه يجد صعوبة في وصف تفاصيل أيامه هناك، تتبعثر بين عمل ومطاعم وتكرار وأسماء عامة لمواقع تحتوي أنشطة واحتفالات وتظاهرات عامة، وتبدو المدينة الصاخبة الحية في حديثه محدودة، مبررا ذلك بأن كل شيء ينطفئ نسبيا في الممارسة اليومية، وأن المثير في تلك الأماكن خاضع للمبالغات، فهو لا يخرج دائما، ولا يرتاد بالضرورة الحانات الصاخبة والحفلات التي تضم نخبة أفراد المجتمع ولا يصادف في كل ناصية امرأة جميلة ومتوفرة ولا يصحو في الصباح الباكر ليشتري البيجل ويتجول في منهاتن. يعود للسؤال عن الصحراء، ويسمي أماكن سمعها مثل الصمان ونفود الدهناء، ما هي وما نوعية تضاريسها والطرق المؤدية إليها وما الحيوانات التي تعيش في عمق صحاريها وقفارها وهل ما زال أناس يعيشون فيها وما أشكال القرى التي مازلت آهلة في عمقها، ويتفهم على مضض أن البدوي والقروي الذي عمَّر هذه الأماكن الغامضة وعاش فيها دهرا وما زال يعيش فيها، هو أيضا ينطفئ في التكرار، وأن كل ما يُرى هنا يخضع مثل غيره لخدعة المبالغات والأسطرة والطعم الأول لكل شيء، ويكرر بتفهم خائب الأمل ويهدف لدفع تهمة السذاجة: “صحيح، صحيح، فاهمك”، ولكنه يعجز عن تجنب الاسترسال في الحديث عن كل تلك الأماكن وما تمثله من نكهة شرقية مثيرة، مدفوعا بذلك النوع من الجوع الذي لم تروضه – وربما لن تروضه – خيبة الأمل.
ستعود من خشم أبو ثنية إلى سدوس، ومنها قد تتجه جنوبا إلى بوضة ومن ثم العيينة وحتى الجبيلة التي تؤدي بك عائدا إلى طريق صلبوخ/سدير، في دورة مكتملة. أو قد تعود إلى القرينة لتستكمل الطريق، متجها إلى القرينة القديمة. ستصادف في حال استمرارك ملهم القديمة أيضا التي تقع وراءها ملهم الجديدة على طريق سدير القديم، أو تسلك لفة – شمالا – تضعك في طريق مزدوج يؤدي إلى شعيب دقلة، الوعر بأشجار طلحه المتفرقة وجريان مياهه النهرية في موسم الأمطار وآباره المكشوفة ومزارعه التي يتجاوز عددها المئاتِ متفرقةً على امتداد الحزوم والسهول، والذي يذهب بك إما إلى طريق سدير القديم أو يعود إلى الرياض مارا بروضة الخفس ومخيمات تزف طريق الثمامة السريع.
سترى في امتداد الطرق الفرعية الكثيرة والمدينة – أيا كانت – التي خلفتها وراءك تتساقط قطعة قطعة؛ غرفا صغيرة في وسط الخلاء، مبنية بعضها بالبلوك، وتبدو شديدة الغرابة في عزلتها اللامفهومة لمن لا يعرف هذه المناطق، تعود بعضها إلى مواشٍ لرعاة يجوبون السهول، وربما تصادف أحدا منهم، وهو يتمشى مع غنمه تحت الشمس. وبعضها الآخر غامض وغير مفهوم.

تنتشر أشجار السدر المتناثر على مدى الحزوم الشاسعة، وسترى في امتداد كل تلك التفريعات مناظر غريبة، خيامٌ وسط الصحراء، عمران، صندقات، مستودعات، بعضها رث ومهجور، والآخر يوحي بحياة، وفيه عمال يعيشون وسط الخلاء والقفر. ولكن أكثر ما سيصادفك على تلك الطرق هي المزارع، في كل مكان، يغلب عليها ترقيع العمل اليدوي، الحِبس الترابي المتداخل مع الشينكوات والنخيل وغرف الاسمنت المليص والمصبوغ، تتوزع على جال الطرق أو في عمقها. بإمكانك أن ترى نخلها من مسافة بعيدة، متراصا بخوصه. وبعضها يحفك على جهتي الطريق، وكأنك تسير داخل غابات.


في طرف مركز الحسي، هنالك مزرعة لرجل يدعى مشبب بن راضي الـ***، يبلغ من العمر 52 عاما، يعمل حارس مدرسة في حريملاء. خلال ثلاثة أيام، فقد 20 رأسا من الماشية، من أصل 50 رأسا، بعد أن هجمت عليها حيوانات مفترسة عجز العامل الهندي – المكلف بأعمال المزرعة – عن تحديد نوعها وهو يلحق واحدا منها لاذ بالهرب جارًّا إحدى الخراف، حيث يصفه لمشبب بأنه حيوان في منتهى الغرابة، لم يرى مثله. أخذ الرجل شوزنه نهار يوم جمعة، وركن في المزرعة منذ العصر، وحتى أظلم الليل. يقول إنه غفى شطرا من النهار هناك وظل صاحيا أكثر الليل في انتظار تلك الحيوانات الغريبة، ولكنها لم تظهر. فجلس يوم السبت، وأتبعه – مستأذنا من دوامه – يوم الأحد. يصف أن الليل في ذلك اليوم كان صافيا تماما دون قطعة غيم واحدة، وأن السماء التي تملؤها النجوم الكثيرة ويتوسطها القمر شبه المكتمل (13 صفر) تضيء مسافات شاسعة يسقط في آخر مداها بصره القوي، الذي يشبهه بعيني الصقر، ويقول إنه يكاد يرى في الظلام لولا أن الله لم يرد له أن يصير مثل الشياطين. قرر أن يجلس على سطح برج خزان اسمنتي كان والده وأعمامه قد بنوه قبل ثلاثين عاما، يبلغ طوله 10 أمتار تقريبا، ويتموقع في آخر المزرعة مهملا ومهجورا منذ سنوات لانتفاء فائدته بعد وصول إمدادات مواصير المياه، ويحدق في الصحراء المفتوحة أمامه، حيث يتيح ضوء القمر والنجوم من فوقه لعيني الصقر في رأسه أن تأكل ما تستطيع أن تأكله من المسافة المفتوحة. موسم “الوسم” في مطلعه، وعلائل الريح ترتخي مدهونة ببرودة لا لسعة فيها، تتخلل المكان نقية من الشوائب والحدة. يغفو جالسا فوق كرسي على الخرسانة الأخيرة في حلق الخزان، التي يصعد لها عبر سلم متهالك في داخله المكور، ويصحو على نباح كلب بعيد أو هبة ريح أو انتباهة فكر خاطفة، يتمطق قليلا في طور تيقظه، يصب فنجالا من ترمس القهوة التي يغطيها بفوطة ثقيلة كيلا تبرد. يتصفح جواله ويرى مقاطع الوتس أب التي تصل إليه بصعوبة في ظل جودة الاتصال الرديئة، بينما يتكئ الشوزن على الحافة الاسمنتية بجانبه. يحدق في المدى البعيد زاما عينيه، حيث تلوح المسافة فارغة عدا شجرتي طلح رثة مترامية، ولا أثر لحيوانات مفترسة غريبة حتى هذه اللحظة، وقد تجاوزت الساعة الـ1:30 ليلا. يقول إنه اعتاد تدخين الغليون من والده الذي ورثه أيضا عن والده، يشتري التبغ من محل في معيقلية الرياض، أما الغليون فهدية من ابنه الذي جاء به من ماليزيا بعد سفرة له، عليه نقوشاتُ خط كوفي لم يستطع قراءتها مهما حاول. يدخن ويتصفح الجوال الذي يمتلئ برسائل الوتس أب من القروبات الكثيرة التي يشترك فيها، مواعظ ومقاطع كشتات وشيلات. غفى لحظة واستفاق على أصوات غريبة، تشبه عواء الذئب، ولكن أحدّ. نهض سريعا وسند جسده على الحافة محدقا أمامه. هنالك ثلاثة حيوانات تتجول قريبا من المزرعة، على مسافة تزيد عن 700 متر كما قدرها. أمسك شوزنه، ووجهه نحوها، وانتظرها حتى اقتربت. اختار أكثرهم جرأة وأطلق رصاصة رجت في الصمت المطلق وأصابته مباشرة في رأسه، فهوى وتراكض الاثنان، أخطأهما برصاصتين، ثم أصاب أحدهما بالرصاصة الثالثة في جزء من جسده شله عن الحركة ولكنه ما زال حيا، فيما اختفى الآخر في الظلمة مبتعدا وقد أخطأته ثلاث رصاصات أطلقها تباعا. نزل سريعا، ومضى متلمسا طريقه في النور الأبيض للسماء من فوقه وضوء الفلاش من جواله، حتى وصل إلى مكان الحيوان الأول، كان غريبا بالفعل، لم يرى مثله من قبل، جسمه ضخم نسبيا، فيما ذيله قصير وناعم، وكان قد لاحظ أثناء عدوه أنه يقفز قفزات قوية، وهو ما يبرر دخوله وشركاءه للحظيرة رغم السور العالي. تفحص ملامحه، لا تشبه الذئب، أنياب طويلة وأسنان حادة، يبدو أشرس وأعنف، وفكر أنه ربما يكون حيوان “الشيب”، الذي يسمع أنه نادر في هذه المنطقة، ويعد أشرس من الذئاب والضباع، يعيش وحيدا ولا يتكاثر. ذهب إلى موضع الثاني فوجد أنه فارق الحياة. جره وعاد به إلى الأول، وجر كل واحد منهما على حدة وعلقهما في شبك الماشية. يقول إنه لم يرى شريكهما الثالث بعد ذلك اليوم، وإنّ أفضل ما خرج به من الحادثة أنها أعادت له ذكرياته عن الصيد، ما جعله يغتنم أول فرصة – مع دخلة موسم المربعانية في الشتاء – ليسافر إلى شعيب الرمحية في محافظة رماح شمال شرق الرياض، في كشتة صيد امتدت أسبوعا.
حينما تترك الحسي وطريق سدير القديم وراء ظهرك، وتستمر غربا باتجاه الصفرات القديمة، ستصل إلى مفترق طرق فيه أربع اتجاهات مثبتة بدوار كبير، يحيط به خلاء تام يسقط في آخره البصر. أولهما بالطبع الطريق الذي أتيت منه، آخر يؤدي جنوبا إلى حريملاء، ثالث غربا يذهب بك إلى الصفرات، البلدات القديمة، التي ينتشر فيها النخيل منافسا البلوك والمنازل، وتتفرع مخارجها إلى صفرة العليا جنوبا، حيث يوجد السد والوادي، أو طريق فرعي يشبكك بالطريق المؤدي إلى حريملاء، ثم طريق رابع أذكر أن فيه خطا فرعيا يدخل بك إلى مزرعة، وينتهي بك عائدا إلى طريق سدير القديم. بداية كل طريق، أي طريق، حينما يلوح أمامك منبسطا ومفتوحا إلى وجهة غامضة؛ فإنه يكتسب بطبيعة رسمه إغراء شديد السطوة إذا كنت على قدر من التبطل والعناد المحدودين، حيث تريد أن تسلكه، وكأنه يوجه لك دعوة، وهو نوع من الجوع يعرف الشبع بعد الملل، ولكن قبل أن يحين شبع الملل ذاك فإنك تجد نفسك مستحوَذا أمامه ويدفعك غموضه إلى رغبة استكشافه، إلى خيارات مختلفة وإغراءات أخرى، وحينما تشبع أخيرا ستكتشف أنك ابتعدت كثيرا عن وجهتك، ولذا يجب أن تكون حذرا – ما لم تكن متبطلا وعنيدا إلى درجة مسرفة في الوقت والجهد – حينما تقف في مفرق طرق كهذا.

من ملهم مثلا، تستطيع الآن الذهاب شرقا متجاوزا شعيب ملهم وعرق الرثمة حتى تكسر شمالا إلى روضة وفيضة الخفس وحتى دقلة وشعيبها، أو تستمر أماما على امتداد الطوقي إلى مفرق الرمحية – الذي ينزلك طريق فيها إلى وادي الطوقي – ورماح يمينا والحفنة يسارا، تكسر من الحفنة إلى رويغب ثم تكسر جنوبا إلى روضة وفيضة الخفس في دورة متكاملة. أو تستمر أماما لتخرج على طريق سدير القديم مخلفا ملهم وراءك ومقبلا على الحسي، في دورة أخرى متكاملة من القرى والفياض. هنالك حلقات طرق متشابكة تعيدك إلى النقطة التي انطلقت منها مرورا بعشرات المواقع المختلفة. تستطيع أن تحفظ الطرق جيدا، وأن تزورها عدة مرات في حياتك، ولكن رؤيتها من الخريطة يساعد، مثل رسمة عروق الوديان المنظورة من أعلى. ولكنها ليست دليلا معتمدا، فستكتشف مثلا أن هنالك طريقا بريا يخرج من الروضة، يخترق ويوازي وادي سدير، ويصل إلى أسفل مزارع قرية المعشبة.
في المعشبة، وهي قرية صغيرة بعدة منازل على جانبيها، هنالك عجوز في الـ80 من عمرها زارتها ذات ظهيرة في آخر الصيف، يصحبها حفيدها – الذي بلغ الأربعين من عمره – بعد أن كانا قد جاءا من منزلهما في الكويت إلى الرياض لمراجعة طبية في مستشفى الملك خالد للعيون، واقترحت أن يذهب بها إلى المعشبة، ديرةُ أهلها، فوافق مترددا ومضيا لها مع ارتفاع الضحى ورسوخ الشمس المعمية وانمساح كل ظل عن أصله. في طرف القرية منزل قديم، تقول إنه منزل والدها الذي ربيت فيه، قبل أن تتزوج وتنتقل مع زوجها – الذي كانت تربطه صداقة وعلاقات تجارية بأبيها – إلى العارض، ثم إلى الخفجي، وأخيرا إلى الكويت. المنزل الطيني – الذي أعيد بناء بعض أجزائه حجرا في فترة ما – يتواجد أمام مزرعة كبيرة مهملة، يتضح من انهياره وتقادمه أنه مهجور لدهر منذ أن توفيت والدتها قبل 45 عاما وانتقل أخوها الذي كان يسكنه إلى الرياض، وأغلق تماما في ظل تفرق الأبناء والبنات في عدة مدن ومحافظات، وأضحى اسما يتناقله أفراد العائلة المشتتة ولكن لا أحد يزوره. يقول الحفيد إن جدته قديما كانت سريعة البكاء بصورة غدت مألوفة جدا للجميع، ولاشيء يستفز دموعها أكثر من ذكرى أهلها وذكريات طفولتها في ديرتها. ظلت تحمل في داخلها إحساسا معمقا بالذنب جراء ترك بيت عائلتها، الذي لم تره إلا مرتين فقط طوال 64 عاما منذ أن تزوجت و20 عاما تقريبا في حياة والديها. كان كل شيء من نجد – وتحديدا إقليم سدير – يثيرها ويعمق إحساسها بالغربة والنقمة، الصور والقصص والقصائد والآثار والمقتنيات والذكر العابر، وتقول إن والدها حينما زوجها قال لها إن مكانها الآن حيث ما كان زوجها وأبناؤها، وإن وطنها الآن هو وطنهم، ولكنها أبقت في حقائبها على كل ما يصلها بمنزلها القديم، الملابسُ والعادات واللهجة والأثريات بل والحصى، لديها صخرة غريبة الشكل أكبر من قبضة الكف تقول إنها من جبل بجانب ديرتهم، وتضعها على طاولة في غرفتها، حتى غدت ديكورا تنقَّل معها في بيتين سكنوها على امتداد سنوات استقرارهم في الكويت. تروي أن زيارتها الأولى لبيت عائلتها، جاءت بعد عامين من زواجها، كان والداها مازالا نشيطين، وأغلب إخوانها وأخواتها متواجدون، والبيت أمام المزرعة يضج بالحركة التي اعتادتها في طفولتها ومراهقتها، وكل شيء يبدو في محله، لم يتغير، وكأنه ينتظرها، وحينما سافرت شعرت وكأنها تموت من جديد، وأنها لولا الخوف من والدها – الذي تصفه بأنه رجل شديد وعسر – وحبها لزوجها الذي تعترف صراحة به؛ لرفضت الذهاب وجلست هناك. الزيارة الثانية جاءت بعد تلك بعشر سنوات، كانوا قد استقروا في الكويت، ولم يعد المجيء منها ممكنا بسهولة، وزارها والدها ووالدتها مع اثنين من إخوانها مرة هناك، وفي كل مرة تخطط للمجيء إلى نجد، يمنعها بُعد المسافة ومشقة الترحال في ذلك الوقت قبل 5 عقود. كان سبب مجيئها في الزيارة الثانية هو وفاة والدها، رأت والدتها للمرة الأولى بعد قرابة ثماني سنوات من زيارتها للكويت، وقد هرمت وشاخت بسرعة ولم تعد قادرة على الحركة بسهولة، إخوانها وأخواتها تزوج بعضهم وبدؤوا بالتفرق في المحافظات والمدن المجاورة. تقول إنها بكت في تلك الأيام حتى كاد صدرها أن ينخلع من جسمها، وتجولت في أطراف الديرة آنذاك وأخذت تلك الصخرة من ذلك الجبل المجاور لمزرعتهم قريبا من الوادي، لمعرفتها أن تلك الزيارة ربما تكون الأخيرة، وقد كانت. توفيت والدتها في مستشفى الشميسي بالرياض، بعد أن أخذها أخوها عبدالله لتسكن معه إثر انتقاله ليعمل معلما هناك، ودفنت في الرياض، وبكتها في بيت أخيها المستأجر في حي الملز. يحكي حفيدها أنه حينما كان طفلا اعتاد أن يسمع جدته تقول دائما إنها امرأة معذبة، عاشت حياة لم تخترها. “ليش ما زوجني من أهلنا وجماعتنا؟” تتساءل غاضبة، وتستطرد: “وليش أنا ما عييت؟ لو عييت يمكن ما قالي روحي. أنا شفت وجه ناصر (زوجها) وهو جاين لمنا أيام الخراف يشري تمرنا وجاز لي وقالوا يا الخبلة تراه تاجر وبتسافرين وتشوفين اللي ما شفناه، كنت بزر”. يقول إنه كان مترددا بحذر حينما تفاجأ بطلبها، لمعرفته بعمق ما تعنيه تلك الذكريات، وما تعنيه مواجهتها التي تتطلب شجاعة استثنائية لم يكن يظن أنها قادرة عليها، رغم أنها منذ مدة طويلة لم تعد تسترجع ذكرياتها بذات العنف الذي كانت عليها قبل عقدين، ولم تعد دمعتها سريعة كما كانت، ولكن تظل ذكرياتُه عنها في صغره قوية، ولذا ذهب بها مترددا. ولكنه يقول إنه تفاجأ بها هادئة، تتجول في البيت الخرابة بعصاها، وتحدو بقصائد قديمة، وتصف غرف المنزل غرفة غرفة، وتحكي قصصا عن أبيها وإخوانها وأخواتها الذين زادت رؤيتها لهم بسبب سهولة المواصلات والسفر خلال السنوات الماضية، ويقول إنها كانت تقف هناك، امرأة بعمر قرن تقريبا، لقد ترسبت أحزانها الخاصة، وامتصتها تربة الزمن حتى درستها، وصار التاريخ عاجزا عن تحريكها، لقد تجاوزت التاريخ، وصارت تاريخا في حد ذاتها، فهي أكبر من والدتها ووالدها عمرا حينما توفيا، ويقول إنه سألها عن الصخرة فلم تتذكرها، وفكرت قليلا وردت: “إيه الحصاة اللي بغرفتي، الله المستعان”، لقد انطفأت في ذاكرتها واندرس ما تعنيه، لدرجة أنه يتضح من ردها أنها لم تنتبه لها منذ سنوات فضلا عن أن تفكر فيها، وأضحت مجرد ديكور فعلا.
تخرج من المعشبة جنوبا لتسلك طريقا بمزارع وحزوم وتلال وتتوقف عند سد الحريّق، ومنه إلى مركز الحريّق، حيث تجد في عمقه بلدة قديمة موازية للبلدة الحديثة، تستطيع أن تسير داخلها، وأن تصلي في الجامع القديم إذا كان زيارتك قبل سنوات من هدمه وإعادة بنائه من جديد وإعادة هدمه لوجود خلل في بنائه، وستجد أشخاصا معدودين يصلون معك، رفعوا عقالاتهم على هامة رؤوسهم، واحدودبوا أمام القبلة. قريبا من الحريق ربما ترى جبل أبا الرحي، الذي يقول أهل البلدة إن حجارته قديما تصدَّر لخارج البلدة لقوتها وصلابتها، وفي الطريق منها على امتداد الحمادة سترى على الجهتين – قديما على الأقل قبل سنوات من الآن – آثار قصور طينية قديمة متناثرة يوجد بجانب كل واحد منها بئر، تستغل قديما في زراعة الحبوب، وتنتشر على امتداد إقليم الوشم. تستطيع الاستمرار أماما الى محافظة القصب التي تعيدك لطريق شقراء-الرياض، غربا نحو شقراء، أو جنوبا نحو مملحة القصب، حيث تنتشر برك الملح المجفّرة شديدة البياض بعد جفاف الماء منها، يتوسع بعضها لأمتار طويلة مثل ملعب كرة قدم صغير، تومض في الشمس وتذكر بالثلج حافرا طريقه في الصحراء، بتمازج وتمايز صوري يكاد يكون مقلقا. تتجاوزها إلى ثرمداء ثم إلى مرات التي تستطيع النزول منها إلى ضرما مرورا بمركز أم سليم حتى تصل إلى المزاحمية ومنها نحو طريق مكة-الرياض الذي يؤدي بك إلى حي العريجا، أو تستطيع الذهاب غربا بعد الحريّق مع مفرق يؤدي جنوبا لروضة العكرشية، وهي بحيرة متكاملة في موسم المطر، أو شمالا – من مفرق الروضة – مجانبا الحمادة، ثم تمر بخيارين: مفرق يؤدي لمركز العب حيث تنتشر هناك مزارع كثيرة وكبيرة ومستودعات تدجين ومساحات خضراء واسعة بطرق مهشمة ومحفرة، ويعود بك إلى الطريق المؤدي لأشيقر-شقراء، أو تتجاوزه ليمر بك مفرق بلدة الصوح على يمينك، وهي عدة بيوت تنتشر على جانبي الشارع الفرعي الذي ينتهي عندها، تتجاوزها فتخرج إلى الجريفة على امتداد نفس الطريق المؤدي لأشيقر-شقراء ولكن أبعد قليلا. على امتداد كل هذا الطرق، هنالك مزارع كثيرة تُرى بعيدة في الأطراف بمبان وأسوار تلوح وسط التراب، وهنالك أيضا شعبان أكثر، شعيب الحذيانه وقلتته الشهيرة وشعيب الداهنة التي تصب جباله شلالاتِ ماء في المطر، وشعبان العب والعقنقل الرافد للعكرشية والغلغل وغيرها، ترقعها المياه في مواسم الأمطار وسط أشجار السدر والنخيل وشجيرات الأثل والزرع. والأهم، في كل تلك القرى والمدن المتناثرة المتفاوتة الحجم هنالك سكان اختاروا العيش هناك، بقالاتٌ ومحال ورحلات شبه أسبوعية للمدن الأكبر ذات الخدمات الأفضل أو لزيارة الأقارب، يسكنها أشخاص اختاروا البقاء في القرى الصغيرة التي تعاني من انسحاب الأجيال اللاحقة.
ستجد في مداخل القرى والمحافظات الواقعة في امتداد الطريق بائعين جوالين، فتحوا أحواض هايلكسهم أو ددسنهم وعرضوا الخضار أو الفاكهة أو بسطوا بالمساويك والجح، حسب الموسم. بل تجد تريلة فوق نزلة الكبري، تحمل حزم تبن وشعير كبيرة، وعلى حافتها استلقى هندي يغط في نوم عميق.

جميعهم يتموضعون في أماكنهم بكل التبطل والخمول الذي يمكن أن تراه على إنسان، روّضهم الوقت البطيء الذي يسحب دقائقه ثقيلا ورتيبا، واتضحت ملامح اجتراره على أوجههم الممطوطة ركودا ورتابة، وعلى أجسادهم المرتخية في أوضاع جلسات توحي بشرود بعيد، يقع في منطقة وسط بين الحلم واليقظة، ويكاد يخترق بعدا مخفيا في الزمن.
أحد هؤلاء البياعين فتح صحن هايلكسه الذي صف فيه فاكهة وخضارا وقوارير عسل وسدر، وجلس في أول العصر بجانبه على كرسي خشبي، يشبه كراسي مخرجي السينما، يضع رجلا على رجل متلطما بشماغه مطلع الشتاء.

يقول إنه ليس في حاجة للمال، اسمه مصلح بن مشري الـ***، ولكنه تقاعد قبل أشهر من عمله رجل أمن، ومنذ الأيام الأولى كاد أن يطلق زوجته عدة مرات، ودخل في جدال كاد يصل إلى حد الضرب مع أبنائه الذين خطت شواربهم، وأراد الهرب من كل هذا، مؤكدا: “إذا ما بغوك لا تباهم”. أخذ هايلكسه الذي اشتراه قبل عامين، وقاول مَزارع في القصيم وشقراء والخرج وبعض شركات الاستيراد ليشتري منهم التمر والخضراوات والفواكه، وصار يخرج يوميا – أحيانا منذ الصباح – ليبسط عند مداخل القرى على امتداد طريق سدير، يغيرها كل مرة ولا يثبت على واحد أكثر من ثلاث مرات. يجلس في البرد متكرتنا في بشته الثقيل، وشمس العصر الشتائية تلفظ أشعة دافئة فوقه. يروي أن أول موقع توظف فيه كان في حزم الجلاميد في تبوك، قبل أكثر من 25 عاما، ويقول إن كثيرا ممن كانوا هناك بدو، قريبون من جماعته بشكل أو بآخر، حيث أنه من أهل الأرطاوية الذين توافدوا من المناطق الشمالية قريبا من حائل. جلس هناك شهرين تقريبا، وسكن في استراحة تشبه العشة. “أتكّي مع ربع لي هنياك نتغدى على ربع حاشي ونسهر على خبصة بلوت وأنام في محلي معي بطانيتي وفروتي وعدة البر في موتري، كان معي شاص هاك الحين، كان بيتي وراس مالي”. ثم انتقل بعد ذلك للعمل في مركز أمن الطرق، عند مدينة عرعر. يحكي أنه رأى الثلج لأول مرة في موسم الشبط، كان في السيارة متوقفا مع زميله على رادمية طريق عرعر-طريف، وبدأت كريات الثلج تتساقط ببطء شديد، تتأرجح في الهواء الساكن كليا، حتى تحولت الرادمية الترابية بعد وقت إلى بياض كامل، وهو يكرر مذهولا: “يا وجه الله!”، وزميله الذي تربى في المنطقة يضحك ويقول له إنه لم يرى شيئا، ولكنه يظل يطالع الثلج ينحدر بطيئا في الهواء الساكن كالموت ملفعا بالصقيع، ويرى بياضا لم يرى مثل نقائه وصفائه واتساع رقعته من قبل، يملؤ العين على امتداد بصره المرتطم بالتلال والجبال المناكفة للطريق حيث يقفان. يحكي أنهما كانا يذهبان سويا – وأحيانا مع زملاء آخرين – في العطلة الأسبوعية إلى حرة الحرة ليصيدا هناك، وإلى خباري الهوة بالحماد وقاع البردويل، حيث صاد هناك حيوانات لم يرها من قبل في حياته ورأى جبالا ووديانا لم يرى مثلها من قبل، ويقول إنه صادف هناك بردا جعله يفكر أن الله ربما يعاقب بالصقيع مثلما يعاقب بالنار، واقفا بسيارة أمن الطرق فوق كبارياتِ ورادميات الطرق بتبطل العمل الرتيب الذي يسري في الجسد والعقل مثل الغبش المعمي، والبردُ يجمد أنفه وأذنه وخصيتيه، ويقول: “أنا مدري شلون جبت وراعين عقب ذاك البرد”. يذكر عصرا كانت السماء فيه ملبدة بالغيوم شديدة السواد، والثلج يرقع الأرض الترابية مثل بثور بيضاء، وهو يقف بسيارته – وحيدا بعد استئذان زميله لطارئ منعه من الحضور – فوق كبري سيمر من تحته أمير المنطقة، ويرى امتداد الخط الإسفلتي المندلق لسانا يصعد للسماء القاتمة في البعد، وهناك يقسم أنه رأى إنسانا عاريا يسير فوق رصيف الكبري، رآه في مرآته الخلفية، ثم وهو يمر بجانبه، ويتجاوزه، بلحية بيضاء خفيفة، ومظهر لا يوحي بأي لوثة أو جنون، يمشي أمامه وقد أولاه ظهره وإليتيه، ويقول إنه متأكد تأكُّده من الموت أن ذلك كان جنيا، ولذا لم يحرك ساكنا وهو يجلس منسحلا في مرتبة سيارة أمن الطرق، ممسكا ببيالة شاهي تبخر دخانا، حيث راقبه يسير ببطء مختفيا في البعد. “رعشة ذاك الجني نفضتني ألعن من نفضة البرد. يا وجه الله!”.
هنالك شخص ستراه يوميا بددسن موديل 2012، يدعى عبدالمحسن بن عبدالله الـ***، 43 عاما، يخرج كل ظهر من دوامه في مستشفى حوطة سدير الذي يعمل فيه مدير إدارة ليذهب إلى بيت والدته في عشيرة سدير، ويتقهوى معها هناك لمدة ساعة إلا ربع. في تمام الساعة الـ11:45، ستراه هناك، في الطريق الممتد 15 كم تقريبا. يقول إنه يستمع حينها إلى الراديو، إذاعات السعودية أو يو إف إم أو روتانا، ويحرص على الاتصال إذا تسنى له المشاركة، حتى أن مقدمي الإذاعات، وتحديدا إذاعتا الرياض وجدة الذي يصل بثها جيدا، يعرفونه بالاسم، ويسمونه صديق البرنامج. يقول للمقدمة إنه لا يتفق مع المستشارة النفسية التي تستضيفها، وإن الأطفال لا يجب أن يناموا مبكرا ليحصلوا على قسط كاف من النوم، ويحكي كيف أن أمتع أيامه في طفولته كانت حينما يسهر مع عائلته، وفي ليال يجبره والداه على النوم وتجره والدته معها لتراه بعينها نائما، فيصعد ويحكي معها وتقص عليه حكايات ويقص عليها حكايات حتى تنام هي، فيتسلل إلى الأسفل ويجلس في السيب “الرواق” الملتصق بغرفة الجلوس، وسط الظلمة الملطخة بضوء يأتي من الصالة، وقد أخذ معه فصفصا أو كأس عصير وجلس يستمع للتلفاز ومسلسل الليل المصري، وأصوات إخوته الكبار وعمته التي كانت تزورهم أحيانا وتجلس حتى ساعات متأخرة من الليل وهم يسولفون، ويستطرد أن عمته كانت الوحيدة التي تطالب والديه بأن يدعانه يجلس معهم قليلا، ويصفها أنها امرأة قد انتصفت في الستين آنذاك، ولكنها كانت منطلقة تعشق الحياة، لطالما رغبت في أن تقص شعرها على طريقة الكاريه، وأن تلبس التنورة والبلوزة، وأن تسافر إلى القاهرة. كانت تلبس العباءة على طريقة الأولين – مرفوعة بيديها – فيخرج الجزء الأسفل من قميصها، وحينما ينهرها رجل هيئة مطالبا إياها أن تسقط عباءتها تفعل ذلك ثم تكشّ في وجهه بيديها حينما يلتفت، وتقول إنها لا تخاف شيئا أكثر من أن يصيبها مرض لا يقتلها مباشرة ويبعدها عن الناس والزيارات. تحب أبطال المسلسلات، وتحديدا يوسف شعبان، يتذكر سماع صوتها من الرواق المظلم في إحدى الليالي حينما أتى مشهد جاء فيه يوسف في مسلسل “المال والبنون” إلى حارته مع غرة رمضان ليوزع الطعام والهدايا، وصعد إلى امرأة كان يتودد إليها فترفضه وتخسخسه، ليسمع صوت عمته عاليا: “مالت عليتس جايٍ لمتس وهذي سواياتس يا البقرة”. يقول إنه سمع كثيرا من مشاهد المسلسلات المصرية من ذلك الرواق، يظل جالسا فيه حتى ينام هناك، وتأتي والدته لتحمله إلى الأعلى، وهي تقول له: “بكرة أجلدك، لأني لو جلدتك الحين صحصحتَ ولا نمت”، وتسايره المذيعة والمستشارة في ضحكة تسليكية مجاملة، وتسأله المستشارة بلكنة حجازية: “طيب انت تخلي أولادك يسهروا؟” فيرد: “لا، أمهم تعيي، تنومهم من الساعة ثمان، بيتنا بعد ثمان ما تسمع به حس، هاجد وميت”، فتشرح له أن الأطفال إن سهروا سيتعبونه في الاستيقاظ صباحا، وأنه لو جرب للاحظ أنهم يفقدون تركيزهم، ويعيقهم قلة النوم عن الاستيعاب والتفاعل. يقتنع بكلامها تسليكيا على مضض، وتنهي المذيعة المكالمة شاكرة له. يصل إلى عشيرة، يشرب القهوة مع والدته، تبلغ من العمر 65 عاما تقريبا، تعيش أرملة منذ عامين في بيت العائلة مع أخيه الموظف هناك وأخته آخر العنقود العزباء، ينضمان لهما أحيانا. ليس بالضرورة أن يكون هنالك الكثير من الحديث، أحيانا يجلسان هناك، هو بجواله وهي بريموت التلفاز، ولكن في أكثر الأحيان يتحدثان، عن أشياء تكتسب طبيعة استطرادية لامركزية، ثم يعود إلى الحوطة ليكون في المستشفى في تمام الساعة الـ1، بالضبط.
من عشيرة سدير، التي تقع قريبا من الطريق السريع، هنالك طريق يؤدي إلى الحوطة وعودة سدير ويمر بالخطامة التي تؤدي جميعها إلى طريق سدير القديم، وهنالك طريق آخر يؤدي مباشرة – تتخله تفريعات ترابية لمزارع ومصانع – إلى طريق سدير القديم، ومنه جنوبا إلى العتش، ثم مفرق ثادق. الطريق المؤدي إلى ثادق تحفه عشرات من المزارع الضخمة، والمسماة بأسماء عوائل معروفة، ومشيدة بأشكال عصرية، وفيها طرق تمدك إلى مسارات مختلفة، أحدها طريق يذهب بك إلى شعيب الركية في وادي وراط الممتد إلى مسافات بعيدة، وتحفه أيضا المزارع والمحميات الضخمة، ويتفرع بك بتعدد المزارع الكثيرة إلى عدة طرق جانبية، تنتهي في طريق سدير القديم، في دورة عملاقة متكررة.
“أنا عشرين سنة وانا كنت أبي النحشة من الديرة”. يقول إن اسمه ماجد بن سعود الـ***، مسقط رأسه بلدة عودة سدير، ولكنه يعيش الآن في الرياض، يبلغ من العمر 36 عاما، لديه ابنتان، يعمل معلما. “أول ما طلعت طلعت للرياض أدرس الجامعة، ثم جدعوني في الجوف، وبعدها عفيف، ثم الحفنة، ثم الرياض. كل ما جيت للديرة فزت في قلبي سوالفٍ مدري وش هي والا وش يجيبها. إن قعدت في الديرة ما طقتها وكرهتها، بس أول ما اجيها لا إله الا الله، أبد تسني بزر، قسم بالله مدري شبلاي. أشتاق للبيت والربع والجماعة والحلال”، يبدو على ملامحه استعجاب غاضب، يكمل بحيرة: “عندك هاك اليوم، نازل الليل في بيت الوالد بالديرة كنت جاي اكشت مع اخواني، فتحت الثلاجة مدري شجاني، بغيت اصيح، تسذا بدون أية سبب، ذكرت منول وانا بزر وصغير وانزل تالي الليل آخذ لي تمر والا أدهن لي خبزة جبن قبل ما أطلع أصلي الفجر مع ابوي”، يصمت محدقا أمامه. “أنا ما أدري يعني وش السالفة. الانسان يبي اللي مهوب في يده يعني؟ مثل الموتر الزين اللي تبيه واذا جبته طفرت به شهر شهرين سنة ثم استعجبت من اليوم اللي بغيته فيه! والله اني مدري”. ثم يبدأ في حكاية يومه ذاك، حينما كان يفتح ثلاجة بيتهم ليأكل تمرا أو خبزة بجبنة، ثم يذهب لصلاة الفجر التي يوقظ والدُه إخوانه ليصلوها في المسجد غصبا عنهم. الأوجه الناعسة، الأصوات الرخيمة بنغمية النوم، آثار المخدات على الخدود والجباه، واللطافة الناعمة لكل شيء، وكأن الأجساد وحدها هي التي استيقظت، ولم تستيقظ الأرواح والعقول وبقية ما يصنع ثقل الإنسان. “أرجع للبيت، الوالد يجلس في الصالة، الوالدة تنزل تسوي القهوة، أخواني أغلبهم ينكسون ينامون. كانت اللي أذكرها أكثر شي أيام عطلة. قبل ما تخلص القهوة اللي تملا ريحتها البيت أروح مشي للبقالة اللي ورى بيتنا، كان بها عامل يمني يفتح بعد الفجر عشان يستقبل دينّات التوزيع، أشتري منه جريدة أمس لأن جريدة اليوم ما تجي الا مدري متى، بالذات الرياضية والرياض، وانكس للبيت، كنت اقرا اخبار أمس اليوم وأخبار اليوم من بكرة، ونجلس في الصالة نتقهوى ساعة، ثم نفطر وانا اقرا الجرايد حبة حبة، خبر خبر، ما يفوتني شي، ألين يرتفع الضحى، واخاوي الوالد للمزرعة”. يحدق مبتسما بدهشة، ويتساءل باستنكار: “يخوك وش ذا؟ وش يسمى ذا؟”. ثم يكمل بملل: “الوالد توفى قبل ست سنين، الوالدة قبل ثلاث، من يومها قسم بالله كل ما جينا للبيت جتني تكة تسن أحدٍ قاعدٍ ينغزني بأبر، أتذكر أبوي وأميمتي والثلاجة وفرشة الغرفة القديمة واخواني اللي تفرقوا وربعي اللي طلعوا وحلالنا اللي بعناه ومزرعتنا المهجورة في الديرة القديمة”. يطرق بتعاسة، ثم يعرك شعر رأسه بملل أعمق، ويلفظ ابتسامة عجز وهو يهز رأسه ينهي بها الموضوع المربك، وينتقل إلى شيء آخر أكثر ارتباطا بالواقع، وربما بعمله مديرا في إدارة التعليم بالرياض.

في جلاجل، حينما تتجه شرقا إلى بوضا متجاوزا الطريق السريع الجديد، ستصادف محطة الكهرباء على يمينك، وترى أبراج الضغط العالي تبدأ بالتحرك موازية الطريق المليء بالحفر والمطانيج وتظل ترافقك إلى أن تصل إلى بوضا، وتستمر في السير أماما، حيث ستراها وسط الصحراء تختفي بعيدة في مدى الطريق، وتبدو في الغبار مثل وحوش عملاقة تخرج من باطن الأرض. سترى خط الأبراج هذا في روضة الخشم وقد امتد شرقا، وهي مركوزة في الرمال، تقطع قرية الشعب، وتستمر لترقى جبال المسمى، وتوازيك في الطريق إلى أم رجوم في ذلك القفر الصخري، وستراها لاحقا على أطراف روضة التنهاة، وهي مازالت مستمرة، وسط رمال الدهناء الكثيفة والعميقة، وفياضِ وروضات الصمان الواسعة والمتمددة. وتراها في قرية الشملول هناك في الشمال الشرقي، وهي تواصل الاتجاه نحو المنطقة الشرقية، تقطع هجرا ومفازات ربما لا يعرفها إلا حفنة من الأشخاص، تتعرج فوق تضاريس مختلفة الشكل والطبيعة والصعوبة، حتى تصل أخيرا إلى الجبيل، هناك، في أقصى المنطقة الشرقية. خط هائل من أبراج الضغط العالي، بمسافات تمتد مئات الكيلومترات، وسط أشرس الصحاري والرمال، ويكفي أثناء التحديق فيه وهي تقف معلما بارزا وسط الجدب مثل أصنام حضارات بائدة أن تتخيل الجهد المبذول، وأعداد البشر المشاركين، والساعات المصروفة في عمل كهذا، والمخيمات المثبتة في الأرض أياما لإنجاز ما يعقبه رحيلٌ إلى موضع آخر. تراها وهي تبدأ من وقفتك بجانبها وتختفي في المسافات الغبشية أمامك، بل تستطيع رؤيتها من السماء، من كاميرات الأقمار الفضائية، من خارج الكرة الأرضية. وحينما تقترب من بعضها، وتقف تحتها تماما، تبدو مثل ما تراه في أفلام الخيال العلمي.


ستصادفك في الطريق أشياء ملفتة للانتباه، مثل سيارة مهجورة على جال الطريق، أو جثة بعير متحللة لم يبقى منها إلا هيكل عظمي يوحي بأنه جزء من ديناصور صغير. ستلاحظ أيضا في الخط الإسفلتي نهارا آثار كفرات قبضتها الفرامل حتى توقفت السيارة بتوقف الخطين اللذين بقيا واضحين يلمعان مثل القار في الشمس، تنتشر على امتداد الطريق بتفاوت حسب الموقع والمحيط. إحداها خطان يبدآن في منتصف الطريق، بعد جلاجل بثلاث كيلومترات تقريبا، قبيل بلدة التويم، يميلان بتعرج ثم يختفيان بالضبط عند الرادمية الترابية، قبيل مزرعة كبيرة يتقدمها مسجد صغير. طولهما ثلاثة أمتار تزيد أو تقل، عمرهما سبعة أيام، لم يغسلهما مطر أو عاصفة رملية بعد، يتوهجان وينبضان لونا غامقا في انعكاس الشمس. يعودان لسيارة شاب (كامري نص فل 2015) من بلدة الداخلة داخل روضة سدير، كان عائدا إليها بعد خروجه من المجمعة مرورا بجلاجل، في حادث عجيب. يمكن – من موقع الخطين – رؤية المزارع الممتدة على واجهتي الطريق بين بلدتي جلاجل والتويم، بأشجار النخيل المتضامة رقعا عشوائية تلوّن التربة الحصوية، ويمكن رؤية جسر بلدة التويم القديمة التي تقطع شعيبا صغيرا يؤدي إليها، وكذلك جبل أم عنيق جنوب جلاجل، في مسافة لا تتجاوز 5 كيلومترات بين القريتين. يجلس الشاب على سرير في مستشفى الحوطة، هادئا ولكن بنظرة جمود حيادية، وسمْتِ إرهاق مستنزف ونزق، ويحكي أن أول شيء يتذكره فور الانقلاب، هو الحالة العجيبة التي كان عليها جسده، السيارة المنكفئة على ظهرها مضغوطة بسبب التقلبات العديدة، وقد رصّت المرتبةُ قدميه المنكفئتين لتكونا قبالة وجهه، وكأنه ورقة مسفوطة وهو مستلق على التندة (السقف). يقول إنه استغرق وقتا ليستوعب ما حدث، ثم شعر بنفحة هواء باردة تدخل بين فخذيه ونحو مؤخرته، وأدرك أنه عار، وأن سروال البرمودا الذي كان يلبسه قد طار أثناء التقلب. “أنا واعي والا منب واعي؟ أنا حي والا ميت؟ ما يتحرك مني الا رقبتي واقدر التفت للدريشة المسفوطة مثل جحر ومكسورٍ قزازها على يسراي، واشوف الخط بعيد. جسمي منب أحس به”، التفت برأسه، الجزء الوحيد الذي يتحرك محشورا في قماش التندة والمحاط بالزجاج والحصى، ورأى بجانبه صاحبه الذي كان يركب معه في المرتبة الأمامية وعامود يشق وجهه، “وجهه ما به شي لا جروح ولاشي. بس ذا العامود اللي الظاهر انه حديد شاقه شق. إلى الحين أنا مدري وش هالعمود؟ وين جا منه؟ من الموتر نفسه يعني؟ محد علمني”، يقول إنه ظل يتحلحل في مكانه حتى استطاع أن ينفك ويتحرر، ومن ثم يزحف عبر النافذة المكسورة عن يساره التي تحولت جحرا بسبب ضغط السيارة، “الحصى والقزاز المكسور جرح وجهي وصدري وفخوذي، ثم طلعت ووقفت وانا للحين ما استوعبت اللي صار، مفصح بفنيلة وبدون شورت”. يقول إن الهواء كان باردا في آخر الشتاء، وإنه شعر بالبرودة تجمد ذكره وخصيتيه وتُشعره بمدى عريه. أدرك فور وقوفه أن قدمه اليمنى مكسورة من الكاحل، ولكنه لا يحس بها بتاتا، لدرجة أنه يستطيع أن يطأ عليها بخفة، ولكنه حينما جرب الوطأ عليها بقوة كهربه ألم عظيم دفعه لأن يصرخ في الخواء المقفر صرخة أيقظت العصافير والشياطين من حوله، وأحس بدوخة تلف رأسه متكئا بيده على جسد السيارة المهشمة، ولذا لم يضغط عليها. كل هذا يحدث وهو عار من الأسفل، وذكره يطرخ بين فخذيه. الطريق فارغ كليا، والقمر شبه المكتمل والنجوم حوله تلفظ ضوء أبيضا مريضا يتوزع بين قزع سحاب يتخلله. تلفت فاهيا حوله، ومشى عدة خطوات. “انكشف لي الموتر، كان متعفط ورايح فيها ومنقلب على تندته، للحين اذكر الحصى في رجلي الحافية والأرض الباردة والهوا البارد”. قال إنه سمع نباح كلب قريب، فأخذ يتلفت متلمسا طريقه في الظلمة، ورآه يتشمم شيئا بعيدا عن السيارة، اقترب منه وإذا هو صاحبه الآخر الذي كان يركب في المرتبة الخلفية، قُذف على مسافة عدة أمتار، ربما 15 مترا تقريبا. “ما تشوفه في الأرض، تحسبه جذع شجرة، قربت وانا ما فكرت حتى في التسلب وزين انه يوم شافني مدري شجاه نبح وارتاع شكله يوم شافني صامل والا يوم شافني مفصخ قال ذا مهبول، قربت من عند خويي، وجهه مختلط في مقفى راسه، كله دم ما فيه ملامح أصلا”، يحاول أن يحك قدمه المجبصة، ويبدو منزعجا أنه لا يستطيع الوصول للحكة. يطرق لحظة بملل وعجز، ثم يكمل: “قعدت أناظر حولي، أتشوّف صروالي يمكنه طايح هنا والا هنا بس ما لقيته، ناظرت الطريق من بعيد يلمع في النور بس محد يمر، كل شي حولي ميت، أشوف فيه مزرعة بعيدة على الطرف والبرد يلسعني لسع”. يقول إنه عاد إلى السيارة، وقف بجانبها لحظة، ثم جثى بصعوبة وأدخل رأسه فشم رائحة موغلة البشاعة قريبا منه، وتبين أنها رائحة براز، وشك في نفسه لدرجة أنه تشمم جسده، ولكنه استكشف أنها لصاحبه الذي تبرّز رغم أنه ميت وأن عامودا يشق رأسه. “طلعت راسي وطرشت شوي. كنت مفكر ارجع للموتر اتوقى من البرد لين يمر أحد، بس قلت والله ما ادخل، ثم تذكرت الجوال كنت ناسيه، فشفطت نفس طويل ودخلت براسي بس وتشوفت، ظلما ما تشوف شي، زحفت شوي أتلمس حولي لين قربت من خويي، الحديدة كانت داخلة من العين اليسرى بالضبط، مثل هدف في الزاوية التسعين، والريحة، يا ساتر، ما لقيت شي فطلعت وانا منكتم واتنافض”. كان يحكي ذلك من سريره في المستشفى، وبنفس هدوء نظرة الجمود الحيادية المنهكة والمستنزفة. في العشرين من عمره، كانوا قد سهروا عند صديق لهم في استراحته في المجمعة، حيث يدرسون الجامعة هناك، وعادوا في الساعة الثالثة فجرا. “كنت مسرع أبي أوصل مليت ولا لي خلق، وكنا نسولف ونسمع رابح صقر وانحن طالعين من جلاجل. قالوا لي انطل، كلهم، قلت مابي قالوا الا انطل بالموتر”، يقول بهزة طفيفة من كتفيه “لذا نطلت، مرّت نطلتين وانا امشي 140 الظاهر، ثم فلت الموتر مني وانقلبنا لمّ الرادمية، وبس”. يصمت محدقا بذات الجمود الحيادي، ويتضح عليه الإرهاق والتعب، ويعلق شاردا: “أنا للحين مدري من وين جا العامود! سألتهم قالوا ما ندري بنشوف، أنا ما اذكر فيذاك عواميد، أو انه من الموتر؟”. صاحباه من سكان الروضة، التي تقع الداخلة على حافتها، لم يتعرف عليهما إلا بعد دراسته هذا الترم في جامعة المجمعة. يشيك بملل نزق على الأنبوب الموصول في عرق الوريد في يده، يتلفت، يقول إنهم أعطوه مسكنات، ولكنه يشعر بألم الآن، وفي رأسه دوخة صغيرة. يضغط الزر فتجيئه ممرضة بعد استدعائها، وتزيد له الجرعة عبر المغذي، وتخرج دون أن ينطق أحد بكلمة. يبتسم منهكا، ويكمل أنه أثناء وقوفه على جادة الطريق مرت أخيرا سيارة ددسن، اقترب منها ملوحا بيديه، فتوقف السائق، وظهر وجهه وثوبه. “والله ما أنسى وجه ذاك السوداني”، وضحك بخفة، “الموتر كان ورى بعيد، لذا أتوقع انه ما انتبه له على طول ولا درى ان فيه حادث، كل اللي شافه واحد مجرح ومفصخ ما عليه صروال، أول ما شافني تعوذ من الشيطان وقالي أنت شيطان رجيم والا انسان والا وش انت؟! قلت له تو صاير لنا حادث، قال بالسلامة بالسلامة، لكن تغطى يا الحبيب ما يصح كذا، قلت له صروالي طار، ردد وكنه ما صدقني صروالك طار؟! طار وين؟! قلت له مع الحادث، فرد كنه للحين ما استوعب ومنلخم الحادث طير الصروال؟!”، وأطلق ضحكة عالية حتى احمرّ وجهه وسعل قليلا، ثم هدأ وأكمل “المهم قالي معاك أحد، قلت ايه اثنين. سألني فيهم حياة؟ قلت لا ماتوا، فقال الله يرحمهم. للحين هو منلخم ولا استوعب. سكت شوي وانا واقف عند الدريشة ثم سألني طيب وش الطريقة الحين؟ على مين ندق؟ أنا كنت أتجمد ومخي مهوب معي للحين، فما رديت، بتلت أناظر فيه تسني خبل، قالي الشرطة؟ قلت ايه. طلع جواله ولاه طافي شحنه، قالي ثواني بس أشحنه في البتاع، وجلسنا ننتظر، أنا ركبت السيارة ذبحني البرد فانخرش، ووخر عينه عني ثم سحب شال معه ومده لي قالي تغطى يا سيد، بعد كم دقيقة اشتغل جواله كان الظاهر نوكيا او شي قديم ودق على الشرطة، وجلسنا هناك ننتظر”. أطرق لحظة وهو يبتسم، حتى عاد وجهه حياديا، ثم أكمل: “أذكر مدري ليه قلت له تبي تنزل تشوف؟ التفت لمي متفاجئ قالي اشوف ليه؟ فهزيت كتفي ولا قلت شي. كنت للحين ما استوعبت، أو اني استوعبت بس ما فهمت، أو ما أدري، جلست في ذيك المرتبة، أطالع قدامي وانحن واقفين على طرف الطريق، وأطالعه الاسفلت يلمع في النور، والتفت يمّ سيارتي المنقلبة هناك بعيد واشوفها تلمع في النور بعد، وكل شي ميت ما فيه ولا صوت ولا حس”. كان مصابا بكسر في الكاحل، وجرح في الجمجمة تراه يشق شعره من منابته في الجبين ويختفي في الهامة، مثل واد من الحمم البركانية. في وجهه خدوش زجاج، وفي عينه اليمنى احمرار بسبب شظية دخلت فيها. يقول إن والدا صاحبيه زاراه، تمنوا له الشفاء العاجل، وسألوه عما حدث، فأجابهم بصراحة، أحدهما – والد الذي قُذف من السيارة – غضب ورماه بعدة عبارات تلقاها صامتا، ثم خرج، والآخر أعطاه نصيحة وتقريعا على عاقبة ما قاموا به من طيش شباب، جميعهم، ثم خرج. والده وأمه وإخوانه الكبار لم يقولوا شيئا حتى هذه اللحظة. زاره وكيل الجامعة، وبعض منسوبيها، وقرأ خبرا عن الحادث في الصحف. يقول إنه حينما يستلقي في الليل لينام، لا يرى شيئا في الظلام، ولا يحلم في نومه، ويستفزه عجزه عن التفكير، وفراغ عقله من أي شيء، مؤكدا أن الملل يقتله، وأنه يريد الخروج بكل سرعة. صاحباه دُفنا قبل ثلاثة أيام في مقبرة الروضة، ويقول إنه شاهد صورا لعملية الدفن، وأراد أن يسأل أحدا ولكنه تجنب الدراما التي ستلحق بسؤاله كيف أخرجوا العامود من رأس صاحبه؟ ولكنه يقول إن هذا ليس أكثر شيء يفكر فيه، أكثر شيء يفكر فيه هو كيف لميت أن يتبرز؟ لقد بحث في الأمر واكتشف أن هذا يحدث كثيرا، وتخيل اللحظة التي سيموت فيها وسيتبرز حينها على نفسه، وأرعبه ذلك فعلا. “تخيل، الناس تصيح عليك عيالك واهلك، ثم فجأة ريحتك تصرعهم، هذا آخر شيء بيذكرونك به، طلعت من الدنيا وانت زاق قدامهم”، ويهز رأسه مبتسما باستعجاب. “حتى الموت الواحد ما يقدر يموت بكرامة”. ويقول أخيرا إن هذا كل ما حدث، وإنه ليس لديه شيء آخر ليضيفه.
خطوط الكفرات المفرملة تلك تملؤ أغلب الطرق، وخصوصا السريعة منها، أكثرها بسبب كاميرات قياس السرعة التي تفاجئ المسافرين ليلا، بعضها بسبب التفحيط، وأقلها بسبب الحوادث. يمكن تمييز الأخيرة في أكثر الأحيان، كما يميز الجرافالوجيّ تفاصيل خط اليد. غالبا تكون مفاجئة، ملتفة بطريقة غريبة، ثم تنقطع فجأة في زاوية لا معنى لها، عند الرادمية أو في وسط الطريق. تستمر هذه الخطوط على الإسفلت حسب الظروف المناخية، بعضها تجلس أسابيع، مطبوعة مثل قبر رمزي، تلمع وتنبض نهارا في انعكاس الشمس، ما يجعل رؤيتها أمرا لا محيد عنه. أوضحها تلك الخطوط التي تتوقف فجأة عند الرادمية الترابية، وكأنك ترى شخصا يدخل مكانا، ويختفي.

ولكن ستظل المزارع أكثر شيء تصادفه في الطريق. حتى بين المدن المتباعدة أكثر سيكون دائما هنالك مزارع بينها، فسيحة وفارعة النخل، ويحوي بعضها مسجدا صغيرا بمنارة قصيرة، تدخله الساعة الخامسة فجرا، وربما تجد رجلا نائما، متلطما بشماغه ومستلقيا في الزاوية، أو عاملا متلفعا بشال، وغالبا تجده فارغا، وفيه رائحة الأماكن غير المستخدمة كثيرا، التي لم تملأ فراغَها روائح البشر وما يجلبونه معهم. الرجل المتلطم بشماغه رقيق النوم، يصحو فور دخولك، ويرفع رأسه مترقبا، يحدق فيك فاهيا وجامدا لبرهة، وكأنه لم يفهم أنه استيقظ فعلا، ويراك وأنت تقف وتكبّر وتصلي، ويظل يتابعك، لدرجة أنه يستوي في جلسته المحدودبة، وينتظرك أن تنتهي ليفاتحك بصوت فيه غنة النوم العميق: “صبّحه بالخير”، صوته ثقيل وفيه لكنة سديراوية ثقيلة. يقول إنه يقود السطحة التي في الخارج محملة بسيارة شاص 2016، وإنه في طريقه إلى مفرق الرياض عند المجمعة قادما من الحوطة، حينما غفا بعد قرية الحاير وانحرفت به السطحة وكاد أن ينقلب، ولذا قرر أن يتوقف عند هذا المسجد وينام فيه. يقول إنه يعرف صاحب المزرعة، أسماه باسمه، ثم ذكر اسمه هو، ويطلب منك ذكر اسمك ليرد: “والنعم”. مازال جالسا. ينهض، ويخاويك إلى خارج المسجد، مغلقا الأنوار، ليغرق وجهه في عتمة تخالطها زرقة طفحية، ويمسك يدك إلى الخارج، حيث الصحراء الممتدة أمامكما، والأفق بديع وضخم مثل ورقة سُكب عليها حبر أزرق غامق اللون في السحاب الثقيل، ويخبرك بمعضلة أن تكون سائق سطحة هنا في سدير، ويضرب مثلا بصاحب الشاص، يقول: “دق علي الساعة وحدة الليل، تكفى يبو فلان مس بالموتر الليلة للرياض، نشب لي نشبة قلت أبشر، وآخذ السطحة وأمره وآخذ الموتر وامشي، كنت توي جاي من الرياض مودّي بي إم موديل 2013 من المجمعة، ولا نمت والله من الفجر”. يطرق لحظة، محدقا أمامه بشبه تكشيرة مشمئزة من الهواء شديد النقاء الذي يزامن أول الشتاء. ثم يسألك ما الذي أتى بك إلى هنا. يطلب منك أن تفطر معه، ولا يتضح إن كان بدافع العادة أم أنه صادق فعلا، ثم يركب السطحة ويسلم عليك من النافذة التي يملؤها بجسده الضخم ومرفقه المتكئ على حافتها، ويتجه في الطريق إلى مفرق المجمعة بعد 25 كم.
في مداخل/مخارج كثير من القرى – حتى الصغيرة منها مثل “وْشَيّ” – بدأت تنتشر ملاعب كرة القدم الصغيرة. أحيانا، وهو أمر نادر، ستصادف فيها أشخاصا في فجر الصيف أو عصر الشتاء يلعبون داخلها، بعضهم بأطقم موحدة وعدد موزع، وآخرون بفوضى مطلقة، ولكن الغالب أن تجدها فارغة تماما، يلمع عشبها مثل الحشرات المتطايرة في الضوء وأنت تخطف بجانبها، تكشف ما الذي يعنيه أن يُهجر مكان جاهز ومعد لأن يملأ بالحركة، وأن يُترك هكذا في انتظار طويل وموح بالرتابة والضمور، دون أن يندثر أو يزدهر.
الطرق السريعة الحديثة مباشرة وحادة وذات صبغة عملية تناسب السرعة الحالية. مثلا، طريق شقراء الجديد يتجه بك مباشرة الى قبيل أشيقر، مساران واسعان رايح-جاي تخترق الجبال والقفار والوديان فقط. أما الطريق القديم فتمر من عند وشي، وقرى مندثرة وشبه مندثرة مثل ظلما، ومزارع متناثرة بين الجبال التي تُترّس الخط الإسفلتي. تستطيع ان تفرِق لاحقا قبل الداهنة الى مزارع ونفود الحمادة “عريق البلدان”، هنالك “تموينات ماجد”، تستطيع أن تجد فيها المواد الغذائية بجانب أدوات الكشتات والخيام وتعبئة اسطوانات الغاز بالإضافة إلى المنتجات الزراعية والأسمدة لخدمة المزارع الكثيرة في تلك المنطقة. ثم تمر بالداهنة، والجريفة، وتستطيع أن تكسر منها نحو روضة العكرشية جنوبا أو روضة الهوبجه شمالا الخ. في جلاجل، هنالك طريق يؤدي إلى سريع الرياض-القصيم، ولكنه يستمر إلى بوضا، وهو الطريق الذي توازيك فيه أبراج الضغط العالي لمحطة الكهرباء، وقبلها مفرق يعيدك إلى المجمعة من جهة شارع الملك خالد، أو يتجه بك – ولست متأكدا – إلى جبال يعدّن فيها الآن. تستمر من بوضا إلى مبايض، وهناك أمامك خيارات ثلاثة، الاستمرار إلى قريتي الشعب وأم رجوم مرورا بفيضة الرغوة، المتاخمة مثل بقية القرى للطريق، أو النزول جنوبا إلى تمير، التي كان الوصول لها من الأرطاوية يستوجب المرور بالمجمعة، والعكس. أو الذهاب إلى الأرطاوية عبر طريق جديد – نسبيا – تحفه الرمال وتوازيه روضة الأرطاوي (الخشم) التي لا يمكن رؤيتها لانخفاضها رغم متاخمتها الطريق بأشجار سدرها الكثيفة وطلحها وأعشابها الموسمية التي تتزايد في الربيع، امتدادا إلى مركز الشحمة المحفوف بسده (الذي يزعم بعضهم أنه مورد “تعشار” الشهير) وروضته وجباله الحادة والقاسية من الجهتين، ومن ثم إلى مركز القاعية ومنه إلى الأرطاوية، في طريق قاسٍ في تضاريسه المختلفة، تَخطّفه الإبل والحيوانات البرية وترافقك فيه عواميد الكهرباء القديمة التي تصل بين القرى ويتعرج بين الهضاب والرمال والتلال الصخرية في وسط قفر ليس حوله شيء إلا اليباب والصحراء، يطبخ في نهار الشمس التي تفضح الفراغ المقفر الذي يحوطك حتى تكاد تنتظر ستر الليل، وتصادفك على حافتيه جادات سيارات حفرت طريقا في التراب، تبدو وكأنها دخلت واختفت في العمق المقفر، ولا يبدو واضحا في المدى إلى أين تتجه بالضبط، خصوصا في فصل الصيف الطويل حينما تختفي آثار الفيضات والروضات.

(تصوير أبو عبدالله الفيصل)
في الطريق بين الأرطاوية والقاعية، الذي تلوح عليه قسوة الصحراء واضحة وجلية في كثبان رماله وصخوره الناتئة، هنالك سيارة لوري صغيرة، يتكدس في صحنها ستة عمال بأوضاع جلسات غريبة وملفتة للانتباه، يتداخلون في بعضهم مثل الصلصال، ويُخيل لك أن أعضاء أجسادهم تختبئ في بعضهم البعض، وبينهم، في المنتصف تماما، تستطيع رؤية عامل نائم برأسه المنكس، وجسده الذي يرفده تكدس الأجساد ويمنعه من السقوط في تركيبة مثالية لغفوة سريعة، يتمايل ويقفز مع المطانيج واللفات والحفريات، دون أن يستيقظ. الشمس مشعة إلى درجة معمية، تزغلل العين وتحول أسطح الأشياء إلى سراب لزج، وتكاد تشم من رائحة الصحن روائح عرق وبول ونتانةِ عمل وكد بشرية تخترق حتى تصل إلى نخاع حاسة الشم. العامل المنكس رأسه يدعى شوكل، هندي الجنسية، أتى في أول الأمر قبل أعوام فلاحا في مزرعة في وادي الدواسر، كان ابن عمه قد وعده أنه سيأتي به على كفالة مالك المزرعة ليعمل في بقالة هناك، شريكا له، إلا أن ابن عمه توفي في حادث بعد أن دهسته شاحنة شركة ألبان شهيرة أمام بقالته، حينما لم ينتبه سائقُها له وتراجع إلى باب البقالة ليدهسه ويطأ بالكفر على رأسه ويهشمه، حيث قُتل في محله بطبيعة الحال، واستغل الكفيلُ شوكلَ الذي جاء على كفالته وشغّله في مزرعته عوضا عن البقالة التي تعود ملكيتها أصلا لمواطن آخر. له كرش واسع تشكل بسبب حبه المفرط للطعام والخمول. ستصادفه دائما يجلس في مكان ما وهو يحمل بيالة شاهي في يده ويريحها على كرشه الضخم، متكئا بثقله كاملا على ظهر الكرسي، بتلك النظرة الخاملة الخاثرة التي لا يمكن افتعالها، ولا يتميز بها إلا أشخاص نادرون يعرفون كيف يتلذذون بالبطالة والفراغ الكامل المستحوِذ، مدفوعين بذلك الابتلاع الشره للوقت دون الإصابة بأي تخمة أو أدنى إحساس بالملل. كان هذا يتجسد في استرخائه الدائم، وكرهه الشيطاني للعمل. يقول إنه كره المزرعة بسبب الشغل الكثير فيها وأحبها بسبب الاسترخاء الرهيب الذي توفره، “شجر مويا تراب كهرب صديق يجي من بعيد تي في دش هندي، مية مية لايف”، يقول ذلك وهو يريح بيالة الشاهي على كرشه الضخم، الذي ينتأ بعد صدره ببروز تستطيع من خلاله تثبيت كأس فيه مشروبٌ ممتلئ دون أن يتحرك أو يتزحزح، جالسا على كرسي حديدي موغل في القدم والصدأ أمام عزبته في الأرطاوية. لم يكن يعرف أي شيء عن الزراعة، وانتهى به المطاف أن يخرب دون عمد وعن عمد أحيانا أعمالا كثيرة في مزرعة الرجل، ما دفعه إلى أن يبيع عقده لآخر، نقله إلى الغاط، وجعله يعمل في محل مغسلة يغسل ويكوي فيها الملابس ويطويها ويعلقها في عمل روتيني مكرر، ولكنه يزعم أن الصابون شقّق يديه كما لم يفعل العمل في المزرعة، وأصابه بخار المكواة الضخمة بانسداد في الجيوب، ويستعرض لك أمام عزبته بأن يستنشق نشقتين تسمع معها صفيرا يشرحه: “كلو من بخار، خشم ما فيه فايدة الهين، ورد شجر ريهة فِيْميل وُومَن ما فيه شم كويس”. ظل يخطط دائما وأبدا للعمل في بقالة، يقول إن ابن عمه المرحوم كان يصف له العمل فيها، وتبدو له جنة المتبطل الكسول، أن تجلس يوما كاملا وراء طاولة على كرسي مريح، أو تقف باسترخاء عند باب المحل محدقا في حركة السير أمامك. ولكنه لم ينجح حتى الآن، ارتكب مشادات كثيرة وأخطاء أكثر وأضاع ثيابا وسروايل أدت بكفيله إلى أن يبيع عقده إلى مقاول في الأرطاوية، وحينما اكتشف هوية العمل بنّاءً وحمالا فكر في الهرب، ولكنه لم يجزم، يظهر عليه شيء من الجبن وقلة العزيمة، ما جعله يرضى بالعمل بالتوازي مع استمرار التخطيط لعملية التحول إلى بقّال بعد مدة من الزمن، ولذا فإنه في الفترة الحالية يخرج في كنيز العمال الستة في اللوري الصغير من الأرطاوية إلى القاعية ليبنون منزلا لرجل يهاوشه يوميا ويقول له إنه لا يفهم، ويؤشر على كرشه قائلا كيف سينجح في عمله الذي يتطلب حركة كثيرة وهو يحمل كرشا مثل هذا؟ كيف لبنّاء أن يحمل كرشا مثل هذا؟ ولكنه يقول إنه لا يرد عليه، يكتفي بأن يحمل البلكّ والبلاط ويخلط الاسمنت بأقصى درجة من اللاإتقان والسوء الذي يستطيعه، واضعا زقارته على طرف فمه، ويسمح للعرق أن يرطب جسده. يشرح أنه سعيد لأن الحياة هنا جيدة، مقارنة بحياته السابقة مع عائلته وهم يعيشون في مستنقعات بإقليم البنجاب، حيث توفي خمسة من إخوته – من مجموعة ثمانية – بسبب الأمراض، وماتت والدته وهي تعمل 18 ساعة في اليوم، ولكنه هنا يأكل دجاجا ولحما كل يوم، يستطيع أن يطبخه بطريقة الماسالا، ويعدّد بأصبعه، أو بطريقة التندوري، أو الكاري، ويصف كيف يُطبخ الأكل، ويبهَّر، ويُجمَّل، ليُأكل أخيرا بلذة تكاد تفوق لذة مضاجعة امرأة متوسطة الجمال. الهواء هنا نظيف، بعض الناس سافلة والبعض الآخر طيب ولطيف، مثل أي مكان آخر في هذا العالم، أحيانا لا يشعر بظهره بسبب التعب، ولكنها الحياة، وهو متصالح معها، ولذا لا يجد مشكلة في أن ينام يوميا دون أدنى تفكير أو قلق في المسافة بين الأرطاوية والقاعية. ويختتم مشددا: “بقالة قريب، قريب مرة”.
ستحتاج دائما إلى الخرائط الموثقة لترصد كل هذا التشابك، وهو أمر لا يجب أن تخجل منه، خصوصا إذا لم تكن متخصصا، وإضافة إلى أنها توضح لك الرسم الودياني المتشعب لذلك التصميم الذي تراكم وفق الحاجة والتقادم الزمني، فوضويا وعمليا. إذا حاولت أن تحيط علما بالشعاب والأودية التي اجترحت نفسها في تلك المناطق فإنها ستبدوا مثل شبكة أعصاب لانهائية، متفرعة ومتناثرة في كل جهة، تحمل سمة الفوضوية التي تميز انسكاب الماء. وإذا كنت تملك كثيرا من الوقت، وقررت أن تسلك كل طريق، وهو أمر لن تفعله إلا مرات معدودة إذا كنت محظوظا، سترى أكثر وأعقد من هذا. ستتجسد أمامك فعلا كشعاب ترفد بعضها وتصب في مسارات متعددة مترَّسةً بالهضاب والحزوم والتلال ذات التركيبة الشطرنجية التي تتسع وتضيق وفق الشكل التضاريسي وتمتد غشاوةً متدرجة في الأفق. ولهذا الطرق الفرعية القديمة تذكرك فعلا بالوديان، شبكة أعصاب متنافرة ومتسقة في تصميم متناغم وفوضوي، وتبدو مقاربة لعقلية النجدي، الذي تترسخ فيه تلقائيا عقلية التنقل، حتى القرويون منهم المستقرون في قراهم القديمة ومزارعهم، ممن يتنقلون بغرض الزراعة أو البيع والشراء. متتبعا مواقع السيل أو حتى الجفاف، مسميا كل شعيب وواد ومصب باسم محدد، محمَّلا بفضول صحراوي بدوي-قروي بكل ما يقطن قريبا منه، مهووسا بالخيارات المحتملة فيه، دون شاعرية. ولذا هذه الطرق هي فعلا مرادفة للوديان والشعبان ومساراتها قديما، وانحسار قيمة هذه الطرق بفعل الطرق السريعة المباشرة والطائرات والقطارات ضرورةٌ حتمية للتوسع والسرعة لا شك، ولكنها أيضا وبشكل ما – واقعيٍّ شديد الواقعية وغير شاعري – تعني أيضا انحسار ثقافة الترحال والتنقل التقليدية، “الطرْقِيّة”، المرتبطة بالقرى المتاخمة للمسارات، مثل المسافرين القدماء – من شعراء وجغرافيين وتجار وبدو – الذين يتوقفون عند كل قرية وتمثل أدبياتهم مرجعا تاريخيا وجغرافيا، وهو أمر طبيعي وعملي، ولكن مفهوم الترحال معه يتحول إلى مفهوم مجلوب – ذو صبغة رومانتيكية أقرب إلى السياق الغربي – يتعلق بالطرق المفتوحة المستوحدة التي تشبه الاستعارات الشعرية الحديثة الموغلة في الذاتية والتقوقع على النفس، وتقترب من مفهوم “الهرب”. ففي الطرق السريعة الجديدة، كل ما تراه إما انطلاقك إلى ذلك المطلق البعيد، المفتوح، الذي يكرس حس التوحد مع الطريق والهرب مما يحيط به، أو تغذية حس السرعة الوهمي، الناشئ من فكرة أنك يجب أن تصل سريعا رغم أنك – غالبا – حينما تصل سريعا تكتشف أنك لا تحتاج للوصول سريعا وأن وقتك شبه فارغ كليا وأنه كان بإمكانك تبذير ساعة أو ساعتين في الطريق. ولكن المسألة ليست مسألة الوقت، إنها تتعلق بالحالة الذهنية وربما الرفاهية البيتية والمدنية الحديثة، التي صارت تستفزها فكرة تبذير ساعتين في طريق، في الوقت الذي تستطيع قضاءها في رخاء وخيارات منزلك ومدينتك. أما في الطرق القديمة فأنت ترحل وسط الأمكنة والخيارات المتعددة المتنوعة وحالة التبطل الطبيعية، التي تجعلك عاجزا عن الإسراع، ومجبرا على التريث، وهي ليست فضيلة بالضرورة، فأحيانا تحتاج للوصول إلى وجهتك لمجرد أن تصل، ولا ترغب بأي استطرادات لا فائدة لها.
الخلاصة أن الإنسان في هذا العصر سيجنح غالبا إلى المباشر والمعلب والجاهز من الأشياء، وهو أمر مفهوم، لأنه الخيار الذي يبدو أنه الأسهل والأقل ارتجالا واستطرادا، أن تمسك طريقا ممتدا يصل بك مباشرة، أو لا يصل أبدا. ومعه تتقلص فكرة الترحال التقليدية. وهو أمر لا دخل للصح والخطأ فيه، إنه يحدث فقط، وتستطيع اختيار ما يناسبك منه، إن كان صحا أم خطأ.
تعليقين على “فصل من روايتي “طرق ومدن””
هل يمكن لهم ان يعرفوا سر وجودهم. ان يلاحظوا الاشياء وهي تتحرك، تتسرب، تهرب من خلالهم. “أشباح! ياوجه الله” بل هم أكثر من شبح واقل من بشر. أن اصف ما قرأت بكل موضوعية هو خيار مشروط بـ ناقد. و لا يمكن لي ان اتقلد قناع ناقد بل ان كل ما لدي هو ان هذا النص سيجد طريقه. اليوم، غداً، او الأيام التي تليه.
شكرا عبدالعزيز