التصنيفات
قصص

جبل

اسمي ماجد، واسم والدي سرور، كما تعرف مسبقا.

قبل سنوات، صرت أقفزه إلى جدي. إذا سألني أحد عن اسمي أرد أنني ماجد بن صالح. ولكنني الآن في مدينة أخرى، وفي زمن أبعد، ولا أحد يعرف والدي، أو حتى يذكره إن سمع بقصته. ولذا صرت لا أخشى أن أقول إنني ماجد بن سرور بن صالح الـ***، حتى قابلتك.

أذكر أنني قلت اسمي كاملا. رفعتَ رأسك، تطلعتَ فيني بصمت، وعرفتُ مباشرة أنك تعرف.

 

——–

 

كان سرور ضخما، كما يقول ابنه، أضخم من جبل سواج. حينما يأخذهم إليه، ويقف أمامه، كان ماجد الذي يصل إلى ركبتي والده يراه بالفعل أكبر من الجبل، يغطي سفحه وقنّته والرسومات الغريبة على سطحه، بل ويكاد يغطي السماء من خلفه. يغطي كل شيء تقريبا في محيط بصره.

ولكن والدته تخبره أن والده لم يكن بهذه الضخامة، طوله لا يزيد عن 185 سم.

رغم ذلك، يتذكره ماجد أضخم من جبل سواج.

كانوا خمسة في السيارة، والداه في الأمام وإخوانه الأكبر منه في الخلف. سرور يغني وراء الدركسون أغنية الكابتن ماجد ويلحن موسيقاها، وهو ما جعل المشهد مسليا ومضحكا لهم نسبة لضخامة جسده وقوة حضوره المتناقضة مع الأغنية. “الكابتن ماجد، ترتن تانه، نجم الملعب، ترتن تان، نجم رائد، ترتن تانانا، نجم حساس ومهذب”.

هنالك رائحة قهوة وتمر، رائحة رز ولحم. أجسادهم ما زالت رطبة من السباحة في شعيب مبهل المحاذي لسواج. يسابقون الشمس التي تنحدر أمامهم ليعودوا إلى المدينة قبل أن تظلم العين.

“يعرف أن اللعب مهارة، فن تمرير متبادل، يصنع أهدافا وإثارة، بالتدريب المتواصل”، يغنون الآن معه بأعلى صوتهم، ويصفقون، والسيارة بأكملها تتحرك مثل حفلة معلبة صاخبة.

 

——–

 

كان والدي يحب المطر والكشتات، أكثر من أي شيء.

حينما تمطر، تبرز أسنانه في ابتسامة كبيرة مثل سحابة، ويقول إن المطر يرطّب العقل، ويطفئ الغضب.

حتى أننا صرنا نحب الشتاء. والدي الذي يخرج في الشتاء هو الذي أحب أن أتذكره.

جيب الفي إكس آر موديل 93، بخطه الأسود العريض على امتداد الرفرف. عُدّة البر التي تستحل كامل الشنطة. والرحلات شبه الأسبوعية إلى مواطن القطر والسيل، وكأننا بدو رحّل.

يدربنا على الصيد. لكل سلاح مسكة محددة، ولكل حيوان وطير وضعية صيد وتتبع محددة أيضا. نغوص في أعمق الأماكن صَدَّة في الفيضات والوديان والبراري. أراه – كأنني أراه الآن – جالسا وقد صوب بندقيته إلى الأمام، يلامس خدُّه الخشاب، ويستغرق في التحديق عبر الوزنية. وحينما يضعها في يدي وأنا لم أكمل العاشرة، كان يحوطني بجسده ليمسك البندقية معي، ويوجه ساعدي ويدي، وأختفي في كامل جسده.

كنت أراه دائما في صباحات الشتاء الممطرة، مستيقظا منذ طلعة الفجر. رائحة الفول والتميس تملأ البيت، شعره رطب، يجلس متصفحا جريدة أو يطالع التلفاز. وأمامه كيسة فيها علب فول وشكشوكة وكبدة. حتى في أيام الدراسة، يجبرنا بغضب أن نجلس ونفطر معه. وفي أيام العطل، كنت أجيء وأجلس بجانبه، وآكل من الشكشوكة الباردة، وأطالع التلفاز معه، حتى يستيقظ الجميع.

أتذكر كل هذا مثل لقطات ممنتجة. بضبابية.

يقولون إن ما حدث هو ما جعلني لا أتذكر جيدا طفولتي ومراهقتي، ولكن هذه قصة أخرى.

 

——–

 

هنالك صورة وحيدة لسرور.

ورث عنه ماجد عيناه وسعة جبينه وبروز فكيه وحدة ملامحه، ولكنه – كما يقول – لم يرث منه حدة طبعه أو عباراته التي اشتهر بها. “والله انكم بقر لكن بتحاسبون يوم القيامة”، حينما يعترض ساخرا. أو: “بجر لسانك ألين يصير يسحب على الأرض واذا شافوك الناس عرفوا اني أنا اللي جرّيته”، إذا غضب غضبا طفيفا ما زال ساخرا.

أما إذا غضب فعلا، فلم يكن يتحدث. يلوذ بالصمت، ويتطلع في الفراغ أمامه، مثل حجر. وتعرف جيدا أن شيئا ما سيحدث.

استيقظ سرور في صباح ممطر، يوم الأربعاء 12 صفر عام 1414هـ. اشترى التميس والفول والشكشوكة والكبدة، وأفطر مع أبنائه قبل أن يأخذهم إلى المدرسة. يتذكر ماجد نزوله من السيارة، وسماع البوري ليعود ويفتح الباب ويرى وجه والده الذي كان غاضبا طوال الصباح لسبب ما: “يا غبي نسيت شنطتك”، ليأخذها ويقفل الباب، ويتضبب وجه والده وراء الزجاج الرطب. ذهب سرور إلى دوامه في فرع الوزارة الذي يشغل مبنى صغيرا من طابق واحد ويضم قرابة 20 موظفا لا يكتمل حضورهم إلا نادرا، جلس في مكتبه المطل على الفناء الأمامي بنافذة كبيرة يمكن للمراجعين أن يروه من خلالها أثناء دخولهم. إلا أنه لم يكن هنالك مراجعون، ولا يوجد في الفناء إلا المطر، يضرب البلاط. أنهى عدة معاملات، بقيت بعضها على مكتبه مبعثرة وعاينها المحققون لاحقا ليفهموا ما الذي حدث. ورَد إليه اتصال من مكتب الشؤون الإدارية، لا أحد يعلم ما الذي دار فيه. أقفل الخط وذهب إلى هناك. لم تُسمع أصوات عالية من المكتب المجاور لمكتبه المطل على المدخل الذي ما زال فارغا من المراجعين. خرج سرور، صامتا، ذهب إلى منزله، فتح دولاب غرفته، أخرج الرشاش، وعاد إلى مكتب الوزارة. دخل المبنى الساكن في بكور الصباح الممطر واتجه إلى مكتب الشؤون الإدارية أولا، سُمعت أصوات طلق نار مكممة. كان في المكتب سبعة موظفين. خرج منه، سار حتى آخر الرواق المؤدي إلى الفناء الخلفي، المكاتب الأخرى فارغة، عدا موظف وقف متخشبا حينما أطل سرور في مكتبه، رفع يديه بذهول وتمتم بصوت بين الكلام واللعثمة، ولكنه تجاوزه حتى وصل إلى مكتب مديره، الذي كان قد خرج ليبحث عن أثر الصوت، وأطلق سرور عليه تسع رصاصات عند الباب، ألصقته بالجدار من خلفه، وسقط مائلا مثل سائل متخثر وقد رسم على الصبغة البيضاء قوس قزح أحمر. عاد سرور ليمشي في الرواق متجها إلى المخرج الرئيسي، ولكنه سمع أصواتا في مكتب الشؤون الإدارية، فوقف وسألهم: “للحين ما متم؟”. كان هنالك شخص يحشرج محتضرا، وآخر مصاب في وركه ويحاول النهوض. أطلق النار عليهما مرة أخرى، وصمتت الأصوات كليا. ثم خرج من المبنى. ركب سيارته، فوهة الرشاش الحارة أحدثت حرقا طفيفا في مقعد المرتبة الأمامية لجيب الفي إكس آر. ذهب إلى الشرطة، وسلم نفسه.

 

———

 

أنا الآن أضخم مما كان والدي. طولي 194 سم. لدي طفلان، أحدهما في الثامنة تقريبا، يقول لي إن الأطفال في المدرسة يلقبونني بالناطحة.

الناطحات الآن أكثر من الجبال، ولذا طبيعي أن أكون أكبر من برج المملكة بالنسبة لهم، وليس أكبر من جبل سواج.

أصلا كم عدد الأطفال الذين يعرفون الجبال الآن؟ أعني يعرفونها فعلا؟ وقفوا أمامها ولمسوها وصعدوها؟

لا أظن أن أبنائي وقفوا أمام جبل على الطبيعة. لم آخذهم إلى البر أبدا، وحينما سافرت بهم ذهبنا إلى مدن تنتشر فيها الناطحات أكثر من الجبال. ربما رأوا جبالا من بعيد، ولكن ما الذي يعرفونه فعلا عن رهبة الوقوف أمام جبل مثل سواج وأنت طفل ويبدو والدك أضخم منه؟

حتى أنا لا أذكره إلا من تلك الرحلات مع والدي، والتقارير التي تصادفني في الصحف والمواقع عن نقوشاته الثمودية القديمة.

أذكرها جيدا، وعول وغزلان وحيوانات وحروف غامضة.

أفكر أحيانا: ألسنا جميعا مثل سواج وغيره؟ واقف وثابت ومكتمل، ولكن الرياح والأرض تصنع شكله والآخرون يسمونه ويرسمون فوقه ويسكنونه ويحفرونه.

لولا الناس لما صار الجبل جبلا. والا؟

والدي نفسه يقول إن والده حارب مع الرشايدة طوال شبابه قبل أن يتركهم ويحرث مزرعة في الهجرة التي استقرت فيها عائلته ومعظم معارفه. كان يصعد الشجر مثل طير يقفز من نخلة إلى نخلة متعلقا بسعفها حتى يصل إلى الأخيرة المطلة على الحونشلية الذين يحاولون التسلل إلى المزرعة التي تقف وحيدة في تلك البلدة الصحراوية، ويصوبهم واحدا واحدا مثل الدخّل، حتى أنه قتل عددا منهم لدرجة أن مزرعة صالح بن سرور صارت حمى، وظل يعلم أبناءه كيف يقتلون الحونشلية الذين استمر ينتظر عودتهم طوال حياته حتى حينما انتقلوا إلى المدينة، “يعني الديرة ما فيها حنشل؟ كل مكان فيه حنشل”، يقول لهم غاضبا وهو يعلمهم كيف يمسكون السلاح وكيف يغلقون الأبواب وكيف يقرؤون الشر في أعين الناس.

ولذا، والدي جبل أيضا.

ولكن تبين أن فيه بركانا.

كل ما ظللت أتذكره لأسابيع، بل لأشهر، وربما لسنوات، هو صورته وراء الزجاج المغبش بقطرات المطر عند المدرسة. وكنت أفكر فعليا لو أن شيئا ما حدث، لو أنني نسيت كتبي في المنزل، لو أنني رفضت دخول المدرسة. تخيل أن يضطر طفل أن يفكر بهذه الطريقة؟ ولكنك تكبر وتتسع دائرة تفكيرك: هل كان سيمنع ذلك ما حدث؟ هل يعقل أن ما حدث يحدث إثر نزوة في لحظة ما، أو أنه شيء مقدر له الحدوث؟ هل يقتل إنسان 8 أشخاص إثر نزوة؟ ممكن، ولو لم تحن لحظتها، لما حدثت. لو أن كل الظروف التي دفعت إليها، توقفت، ولم تكتمل، ربما ظلت تُؤجّل إلى نهايتنا جميعا.

إنها فكرة مخيفة.

تخيل أن تكون فعلا نزوة ممهدة وفق ظروف محددة. هذا يعني أن أي واحد منا معرض للقيام بنفس الفعل، حتى أنا، وأنت، حينما تتوفر مقومات تلك النزوة. وصدقني، ليس من الصعب أن تتوفر. ولذا ليس من مصلحتي الاقتناع بذلك، أنها نزوة، علي أن أقتنع أنها كانت ستحدث يوما.

أعني ما الذي تريد أن تعرفه بالضبط؟ ليه مثلا؟

لقد توقفت منذ مدة طويلة عن محاولة فهم ما حدث. كل هذا غير مجد. كل الحجج التي قالها، كل الحجج التي لم يقلها، كل الغضب الذي كان يحس به، وكل الغضب الذي كنا نحس به. وكل المؤشرات المهملة وكل اللحظات الجميلة المربكة.

جدتي، أمه، كانت تقول إنه مظلوم وإن هؤلاء فعلوا به شيئا شيطانيا بكل تأكيد. ولكن أمي كانت تقول إن ما حدث هو السبب الذي يجعلنا نقول إن الحساب عند الله، وليس عند الناس. لأن الله يعرف كل شيء، والإنسان لا يعرف إلا ما يعرفه. كانت حكيمة وتقول إن سرور لم يكن طبيعيا قبل الحادثة وإن الله سيأخذ ذلك في عين الاعتبار.

أكيد أنه لم يكن طبيعيا. ولكن فسر ما هو طبيعي وما ليس طبيعيا. ما الذي يجعل إنسانا في لحظة ما غير طبيعي؟

أعني هل يمكن أن يحدث هذا لي أو لك مثلا؟

لدي سلاح في البيت، حتى زوجتي لا تعرف ذلك. ولكنه لدي. اشتريته. وهو موجود في درج مكتبي المغلق. أبرر لنفسي حينما أتذكره أو أراه – أفتح درج مكتبي أحيانا لأراه وأمسكه فقط – أنه للحماية، ولكن حماية من ماذا؟ الحونشلية؟ “في انتظار البرابرة”؟

أذكر أنني بعد الحادثة بأسابيع، دخلت غرفة الوالدة، ووجدت في الدولاب المفتوح بندقيتي صيد، ومسدس. ولكننا حينما انتقلنا إلى البيت الجديد الذي كان والدي يبنيه قبل أن يسجن، لم نأخذها معنا. أخذها جدي.

 

———

 

يبلغ ماجد من العمر 35 عاما الآن. أصغر من والده أثناء الحادثة بأربع سنوات.

يعمل معلما للغة العربية في مدرسة **** في حي الياسمين شمال الرياض. درس في جامعة الإمام وجلس في سكنها حتى تخرج منها عام 1427هـ. توظف أول الأمر معلما في محافظة العويقلية وسط الحدود الشمالية، عاش هناك ثلاث سنوات، ثم انتقل إلى الخفجي التي قضى فيها عامين، ثم إلى حوطة سدير التي أمضى فيها عامين أيضا، وحينما سنحت له الفرصة انتقل إلى العاصمة، واستقر فيها.

كان في كل طلب يرفعه للنقل الخارجي، يكتب القصيم خيارا أولا ليكون قريبا من والدته التي تلح عليه بالعودة، ولكنه من حسن حظه – كما يؤكد – لم يُنقل إلى هناك.

يقول إن سنوات الغربة – كما يصفها – كانت اختبارا حقيقيا له، ولقدرته على الانسلاخ كليا ونحت شخصيته وصناعة هوية جديدة منفصلة عما سبقها. لا أحد يعرفه، ولكنه قرر أن يبالغ في الأمر، كما يصف، ويزيح والده من اسمه ويقفزه إلى جده، ليكون ماجد بن صالح الـ****، إلى أن تبين له لاحقا أن لا أحد يذكر، الكل نسي.

رأى البحر لأول مرة في حياته في الخفجي. لقد سافروا مرة إلى الشرقية، ولكنه لا يكاد يذكر، ولأن التجربة لا تحتسب إلا بالذاكرة حسب قوله فإنه رأى البحر أول مرة في الخفجي. كانت التجربة عظيمة إلى درجة أنها أحدثت أثرا عميقا في نفسه. حينما يعدد أهم الأشياء التي حصلت له، يذكر بحر الخفجي من بينها. تلك الرقعة الزرقاء الضخمة التي تشبه سيلا هائلا لا نهاية له.

تعلم في سنوات الغربة تلك عددا من الهوايات، مثل النجارة. بدأها في العويقلية، حينما سمح له نجار باكستاني أن يستخدم في أوقات الركود الأدوات في الورشة التي تقع تحت شقته، بشرط أن يستفيد مما يصنعه لنفسه فقط أو يناصفه إذا باع شيئا منه. ولكنه لم يبع شيئا. بدأ بصناعة الطاولات الصغيرة، ثم الأبواب، ثم الكنبات. ينزل عصر كل يوم تقريبا إلى هناك، ويقضي قرابة اليوم حتى التاسعة مساء، حتى بدأ يفقد الاهتمام، وينقطع. لم يصنع شيئا منذ سنوات.

أحب في العويقلية أيضا الكشتات، والتخييم أياما في البر بصحبة مجموعة من الأصدقاء المحددين، يتتبعون مواضع القطر والسيل، حتى وصل إلى الخفجي وسيل بحرها الثابت الذي لا نهاية له، ليتعلم فيها قيادة القوارب وصيد الأسماك ومهارة الاسترخاء أمام البحر.

ولكن أبرز ما تعلمه في تنقلاته تلك هي ميزة التعرف على الآخرين، كيف تصنع علاقات عابرة، ولكن قوية ومتينة. جاءت بالتدريج، لم تكن سهلة، ولكنه تحسس طريقه فيها، وتعلمها على شكل آلية تتقنها، مثل أي حرفة أخرى، كيف تتحدث وكيف تتواصل وإلى أي مدى تتصل وعند أي حد تتوقف. ما زال على علاقة بكثير منهم، ولكن ليس إلى الدرجة التي كانوا عليها حينما جاورهم، وكأنه أقرب أصدقائهم. يبتسم ويقول إن حبائبه كثر، وإنه لم يكن يستوعب في سنوات مراهقته المربكة أن المسألة بسيطة إذا توفرت الرغبة وسنحت الظروف، وكيف أن الناس إذا عرفتَ الأزرار المناسبة التي تضغطها سيتقبلونك دون شروط تقريبا.

في عام 1433، كان في حوطة سدير، وبدأ شعور من الملل والوحدة يضايقه. كان في الثامنة والعشرين من عمره، لم يرى في حياته امرأة من غير أقاربه إلا في سفراته الثلاث إلى شرم الشيخ وسنغافورة ودمشق، وصارت صورة المرأة تمثل له شيئا أعمق من الحميمية والجنس، وتصل إلى مناطق من الرغبة الغريزية بالمشاركة. ولذا قرر أن يتزوج. أخذ أحد أصدقائه هناك على جنب وأخبره بكل شيء، من هو ومن أين أتى، ثم خطب شقيقته، تسكن هي وعائلتها في الرياض ولكن أصولهم تعود إلى أقصى الشمال، من نفس قبيلته ولكن من فخذ آخر. يقول إنه كان متأكدا أنهم سيرفضونه، ولكنه تفاجأ بقبولهم مبدئيا. جاءت والدته وإخوانه الأشقاء أولا إلى الخطبة، ثم إلى الملْكة، ثم جاءت عائلته بأكملها – والدته وأجداده وإخوانه الأشقاء وغير الأشقاء – إلى الرياض، وأقاموا العرس هناك، ثم انتقل بعد أشهر إلى العاصمة واستقر معها.

يقول إن ابنه البكر ولد بعد تسعة أشهر من زواجه. جاء بالغلط، لم يكن مخططا له. سأل زوجته مرة إن كان يجب أن يسميه على والده، وضحك، بينما تطلعت فيه بملامة واستنكار. ما زالت تمشي بحذر أمام قصته، وهو ما يزعجه، ولكن ما يزعجه أكثر من ذلك أنه لا يملك رفاهية الغضب أمامها. في كل مرة يهم فيها بالغضب، يفكر أنها ربما تستعيد القصة في ذهنها، وربما ترى والده في مكانه، فيغضبه ذلك أكثر، ولكنه لا يجد ردا لأنه لا يستطيع إثبات ما يجول في عقله، ولأنه أيضا، كعادته، لا يتحدث أبدا حينما يغضب، يلوذ بالصمت، ويتطلع في الفراغ أمامه، مثل حجر.

 

——-

 

لا، ليس من الصعب الحديث عما حدث. أنا متصالح معه الآن.

أكثر شيء أتذكره من تلك الفترة، هو بيتنا الجديد. كان والدي يبنيه قبل الحادثة، ثم أكمله والده بعد أن سُجن. يأخذني جدي إليه أحيانا في العصر كما كان والدي يأخذني إليه. وحينما انتهى بعد سنة، سكنا فيه. وحينما تزوجت أمي ابن خالتها وانتقلنا عنده بعنا البيت.

نعم طبعا كنت أعرف أغلب أبناء الضحايا. لم يكن أحد منهم في فصلي، أو في شارعنا. ولكنها مدينة صغيرة، أكبر من الهجرة، وأكثرنا يعرف الآخر، وتربط العديد منا قرابات بطريقة أو بأخرى. أحدهم، أكبر مني بعامين، انتظرني بعد الحادثة بأيام عند الطلعة وضربني، واكتشفت أنه تضارب مع إخواني أيضا. أخذوا عليه تعهدا، ولكنهم لم يفصلوه من المدرسة. ولذا كنت أراه دائما، هو وغيره، طوال مدة دراستي وعيشي هناك. أراهم ويرونني.

يجب أن تفهم. حياتنا كلها كانت هناك في الديرة. جماعتنا وأهلنا ومعارفنا. حتى لو أردنا أن نرحل، إلى وين؟ ولذا انتقلنا إلى بيت جدي، والد أمي، وجلسنا هناك إلى أن انتهى بيتنا، وكان جدي والد والدي يجيئنا كل يوم قبل يموت بعد ذلك بسنوات.

وضعي كان أفضل من إخواني الأكبر مني. لقد كانوا مراهقين تقريبا وبدوا للآخرين انعكاسا محتملا لوالدهم، وربما كان هذا أفضل لهم على المدى الطويل لأنهم تعاملوا مع الأمر في حينه، أما أنا فأصغر، الناس كانوا يرحمونني أكثر ويعزلونني عن كل ما يحدث، وأصدقائي مثلي لا يكادون يفهمون ما حدث جيدا.

جدي والد والدتي ما زال حيا، يقول إن الناس نسيت وإن إخواني لا أحد يذكّرهم وإن كل شيء مهيأ لي للعودة. إخواني تعودوا على الأمر، يردّون ويجادلون ويسايرون. أما أنا فما زلت أراها في أعين الناس، ولد المهبول، ويثير ذلك غضبي إلى الدرجة التي أشعر بدمي يغلي، أن أُربط به وكأنني لا أُعرف إلا من خلاله.

ولكنني لا أرد ولا أجادل، لا أتحدث أبدا حينما أغضب.

هذا ما أحس به على الأقل. لأن ما أراه قد يكون انعكاسا لي. العين زجاج ولو اقتربت من عين أحدهم لرأيت وجهك، لذا ربما نرى أنفسنا في أعين الآخرين. مدري. ولكنني عموما لا أحبذ العودة والاستقرار هناك، وحينما سمحت لي الفرصة، طلعت ولم أتردد.

ولكن هذه الفرصة لم تسمح إلا بعد 8 سنوات. أصعبها كانت السنوات الأربعة الأولى، حتى تم القصاص، وآنذاك بدا أن كل شيء يتغير، يُنسى ويبرد.

كنا نزوره أحيانا خلال تلك السنوات الأربعة. وجهه مختلف عما كان عليه قبل، له لحية طويلة، يبتسم لي ولإخواني كثيرا، يلاعبنا. ولا أحد يتحدث أبدا أبدا عما حدث. على الأقل ليس أمامي.

كان القصاص مقررا يوم الخميس 18 ذي القعدة 1419هـ، ولكن كما يفرض النظام لم يبلغنا أحد بشيء. لم نكن نعلم. كنت في الرابعة عشرة من عمري آنذاك، أدرس في المتوسطة. استوقفني شاب في الطلعة يوم الاثنين، عرفت مباشرة أنه ابن أحدهم، قال لي: “أبوك بيقصونه الظهر يوم الخميس في بريدة، تدري والا لا؟”. رديت عليه: “لا”، فقال وهو يمشي: “الآن تدري”. ولاحظت لاحقا أن جميع عائلتي يعلمون، وصلهم الخبر كما وصلني. كان وكأن الموت يسكن معنا ذلك الأسبوع.

بلدتنا في مقطعة صحراوية، لا أدري إذا كنت تعرفها. محسوبة على القصيم ولكنها تقع في طرفها، أقرب إلى طريق الكويت. المسافة إلى بريدة تبلغ أكثر من 100 كم.

من الصعب …….

أذكر أنه حينما كان يأخذنا إلى الصيد، صادفنا مرة عائلة من الوعول أو المها الوضيحي، لا أذكر، فصاد الأم وترك صغارها. وحينما اقتربنا من الجثة الهامدة تناحش الصغار وتركوا أمهم، ووقفوا من بعيد يطالعوننا نذكّيها ونحمل جثتها. وكنت أفكر لماذا لا يقتلهم أيضا، ولكنني خفت أن أسأله، وحينما كبرت وكنت أصيد أحيانا مع إخواني سألت أخي إبراهيم فقال إن الصغير لم يحن صيده بعد، ما زال صغيرا، ولذا يتجنب كثير من الصيادين قتله.

لم أفهم الغاية وراء ذلك، أن الأمر لم يكن رحمة وإنما أنك تتجنب إفساد صيدة على صياد لاحق، ولكنني فهمت على الأقل آنذاك أن هذا الوعل أو المها الصغير سيصاد مثلما صيدت أمه يوما ما، كل ما هنالك أننا نمنحه فرصة ليعيش أطول ويكبر ويصير فريسة أفضل. إلى ذلك الحين، عليه أن يرى والدته تذبح.

أجلس الآن، ولا أستطيع حتى هذه اللحظة تبرير القرار الذي اتخذته. كنت في الرابعة عشرة من عمري فقط. ولكنني جلست طوال يومي الثلاثاء والأربعاء أفكر أنني يجب أن أذهب لأرى القصاص. إلى هذه اللحظة، لا أحد يعلم أنني ذهبت فعلا، لا أمي ولا جدي ولا إخواني، لا أحد يعلم أنني رأيت كل شيء. كنت أجلس وأفكر أنني لو لم أذهب، سأندم. أنني لو لم أرى بعيني ما سيحدث، سأندم. ولم أكلم أحدا، لم أكن أكلم من حولي كثيرا آنذاك. ولذا كنت أفكر لوحدي.

رغم أن والدي سجن وأنا في العاشرة، إلا أنني لا أذكره جيدا، كل ما قلته الآن مجرد صور ممنتجة ضبابية. ويقول لي الطبيب النفسي الذي زرته قبل عامين بعد أن أصبت بحالات ضيق في التنفس لا تبرير لها جسديا إن الصدمة هي التي فعلت ذلك، هي التي مسحت ذاكرتي عدا مشاهد قليلة جدا.

مدري، ممكن.

المهم. جاء صباح الخميس، ومشيت حتى آخر البلدة، إلى الطريق الذي يربطنا ببريدة، ووقفت هناك أنتظر أحدا يمر. كلما مرت سيارة تعرفت عليها، أشحت وجهي وكأنني لم أنتبه. أريد من يأخذني ألا يعرفني. وفعلا توقف رجل كان قادما من حفر الباطن متجها إلى بريدة، وأخذني إلى هناك. قلت له إنني سأقابل عمي في الجامع الكبير، فأنزلني أمامه.

كانت الشمس قوية ومعمية، وكل شيء انتعل ظله. مشيت حتى وصلت إلى مكان يقال له “الجردة” شرق الجامع الكبير. حينما انتهت الصلاة، بدأ الناس يتوافدون إلى المكان، ويتحلقون حول بقعة فارغة. وقفت أنتظر، ومن مكاني أستطيع رؤية عوائل الضحايا، وعدة أناس من البلدة. شاهدت الأجساد تتموج، ثم مر والدي مثل الخيط، يقوده الشيخ الملقن للشهادة مع طبيب وعدد من الضباط ومسؤولين يزفونه.

بيني وبينه قرابة 15 مترا، في الصف الثالث من الواقفين تقريبا، ويبدو واضحا أنه أُعطي مهدئات ومسكنات أو أن الخوف شلّ تفكيره، يميل مع اليد التي تحركه أينما وجّهته.

أركعوه وجلس جلسة المتشهد في الصلاة.

هنالك أناس يكبرون ويهللون، وآخرون يصرخون “اعفوا لوجه الله، أعتقوه لوجه الله”. ربما بعضهم لا يعرف، ولذا يقترح من نفسه.

يتقدم شخص ممسك بورقة، وتهوي الأصوات إلى الأرض دون خدش، وترنو الأعين معلقة في صورة الرجل المقعي والشيخ الذي يلبس بشتا والطبيب الذي يقف منتظرا والسياف الذي لا تكاد ترى سيفه ملتصقا بثوبه الأبيض إلا إذا التمعت الشمس في نصله، ويقرأ: “قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى. وقال تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون. أقدم سرور بن صالح بن سرور الـ**** على قتل كل من”، وذكر أسماء الضحايا الثمانية، واحدا واحدا، بأسمائهم الثلاثية، وكيف قتلوا، وكيف وقعت الجريمة، وتستطيع ملاحظة الدهشة التي علت أوجه الناس الذين لم يكونوا يعلمون، ثم أكمل أنه صدر بحقه صك شرعي يقضي بالقصاص منه حرابة وأن الاستئناف أيد الحكم وصدر أمر ملكي بذلك، وحينما انتهى لم يخرج صوت واحد يطالب أهالي القتلى بالعفو، كل ما تسمعه هو حوقلة واستغفار ووشوشة خافتة.

ما زالت أذكر اللكزة التي لكزها السياف في ظهره بذؤابة سيفه، فرفع رأسه، والسيف يلمع في الشمس. كنت أشعر بنفسي أطفو، رأسي فارغ، دمي اختفى من جسدي، ولكنني لم أتمكن من إشاحة بصري، مهما حاولت. وحينما هوى السيف عنيفا وقويا، كنت تستطيع سماع صوت المعدن في اللحم والعظم، وترى نافورة الدم التي تطايرت متمايزةَ الحمرة في سطوع الشمس، والرأس ينحني عن رقبة مجزوزة ما زال جزء من لحمها ملتصق لم يصله السيف.

كل ما أذكره هو أنني استفقت في المسجد، وفوقي شخصان يسألان آخرين: “من جاب ذا الورع؟ وين أهله مطلقينه؟”.

لم أخبرهم بشيء. لم أستطع المشي، لساعات، كنت كلما وقفت وضغطت على قدمي، هويت. ويسألونني وين أهلك؟ جاي مع أبوك؟ ولكن لساني انعقد، عيناي تريان ولكنهما لا تريان فعلا. ووالله، والله، إلى الآن لا أذكر ما الذي حدث ذلك اليوم. كل ما أذكره أنني كنت في البيت في الليل.

حتى الأيام التي أعقبت ذلك اليوم، لا أذكرها.

 

——-

 

كان جالسا، يملأ الكرسي بجسده الضخم. يحدق أمامه بجمود، وفي وجهه حمرة طفيفة.

يقرص بخفة لا ترى شفته السفلى بإبهامه وسبابته، ويتطلع بشرود. قبل أن يرفع رأسه، ويبتسم ابتسامة مرتبكة تقريبا.

قال: “أعتقد أن القصة لم تنتهي، ولذا لا أملك تعليقا يليق بأن يكون قفلة، لأن القصة ما زالت تحدث، ولا أعلم أصلا هل ستنتهي معي أم لا”.

4 تعليقات على “جبل”

يا الله.
منذ زمن لم أقرأ شيئًا تستحيل حروفه رعدةً في القلب ورعشة في الجلد وهزات متتالية في الجسد.
المحليّة التي تتضوّع من قصصك تمنحها مشهدية راسخة، فيصير رسوخها في الذهن والقلب كثيفًا، كثيفًا وكأنها ليست من ابتكار سارد، وكأنها ليست مجرد أحداث تدور على الورق أو الأرض، بل حدثت في نفوسنا بالفعل، تركت في الوجدان شروخا وندوبا وسخامًا وضجيج.
عظيم. عظيم جدا.

اترك رد

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة