التصنيفات
قصص

ندم

كان الوادي ممتلئا بأشجار الطلح التي اختفت الآن ولم يبقى منها إلا رؤوس السيقان المقطوعة. حينما تنحدر الشمس عصرا، تتوزع أشعة الأصيل عبر الأغصان كأنها سبائك متباينة الحواف، ذهبية تومض في الأرض.

يسميه رجا وادي الذهب.

في عام 2004، حاول رجا تفجير سوق في بغداد، وفشل.

أمسك في يدي صورة لي وأنا أضحك، عمرها 16 عاما، وفي طرف عيني اليمنى زرقة لكمة لم يلتئم جرحها، وستخلف ندبة ما زالت موجودة حتى اليوم.

صورها رجا ونحن على بعد أمتار من وادي الذهب.

سماء الشتاء خلفي تمسح أحاديتها الزرقاء غيومٌ دخانية الشكل، تكشف بتمايز البياض المختلط بصفرة الشمس جسامة تلك الرقعة الهائلة التي تسقف الكون وتحجب عنا الملكوت. هنالك دفقة ضوء ناعمة تسيح على وجهي. ذلك الوجه الضاحك بكل قوته. مألوف جدا، لم يتغير. رجا كان مثلي أيضا، يضحك على كل شيء. ولكنه هادئ ومتردد. طويل ونحيل، شعره ناعم، عيناه واسعتان، وفي وقفته وحركة جسده ما يشبه ارتباك المراهقة. ولأننا صغار، فقد كنا نفترض أن الهادئ المتردد هو الطرف الأضعف، لأننا نربط القوة بالفعل وردة الفعل، بعدم المبالاة بالطرف الآخر، بما ستفعله لكمة في وجه إنسان. ولأننا لا نفهم أن التردد وأخلاقيات القتال مجرد عذر، وأن طبيعة الشخص – التي تتشكل وتنحت نفسها دائما – هي المدبرة المتحكمة بكل شيء، وأن الطبيعة إذا ترسخت على شيء، سيخضع لها كافة الجسد؛ لم نفهم أن رجا لم يكن هادئا ومترددا، بل كان متحكما بكل جسده، وأنه إذا حانت اللحظة الحاسمة التي تترسخ فيها طبيعته ليكون ذلك الشخص الذي صار إليه لاحقا؛ ستماثل لكمتُه الموت قوةً.

يقع وادي الذهب قريبا من روضة نورة. الطريق إلى مخيم الشباب داخل ثكنة أشجاره طويل، لأننا كنا نسكن في حي السويدي آنذاك، ولذا علينا أن نقطع الرياض كاملة من جنوبها حتى شمالها. استيقظت مع أذان الفجر يوم الخميس، كنت أكره الاستيقاظ فجرا، ولكن والدي اعتاد أن يخبرني وأنا صغير أننا لو لم ننهض لصلاة الفجر لما طلعت الشمس، وصرت أتخيل دائما وأنا أمشي إلى المسجد أسراب المصلين ينغزون السماء بدبيب أجسادهم فيقظون الشمس المتلحفة بالليل. صليت الفجر، ثم مريته بسيارتي ووجّهنا إلى هناك. شارع الملك فهد يمتد فارغا. وحش نائم. آثار الزحام تكاد ترى من وحي ذاكرتك محسوسة، والبنايات المتطاولة على دفتيه خاوية، ولا يخاويك فيه إلا فلاحو هذا العصر، عمال المصانع والمقاولات الذين يمسح خروجهم أي إمكانية للشمس أن تعود إلى النوم. ستجد عددا من الكتب في سيارتي، على الطبلون أحد أجزاء الروض المربع، وفي الخلف مجلدات شرح العقيدة الطحاوية وتهذيب التهذيب لابن حجر. كنا في السنة الثانية في الجامعة، ولكنني أسبق المنهج. كنا نتحدث، بغنة ونعاس. سألني – مفتتحا يقظة التوتر – إن كانت الكدمة تؤلمني، فرديت لا، ولم يقل شيئا، ولكنني شعرت بتحديقه، بتفحصه، رغم أنه في طرف عيني كان ينظر أمامه. يلبس شماغا مكويا، يجلس هادئا بسمته المتحفظ، وهندامه المرتب، فأشعر بقدحة استفزاز تلهث في داخلي. سألته هل يفكر أحيانا في أن يشيّش، فرد أنه لم يشيش في حياته ولم يفكر في الأمر. سألته إن كان يرغب أحيانا في استئجار فيلم يسهر عليه الليل بدل أن يسهر مع الشباب، فقال إنه لم يشاهد في حياته إلا عدة أفلام ولم تعجبه. سألته أخيرا ونحن نخرج من الرياض إن كان يستمني أحيانا، فابتسم بارتباك وقال إنه لا يفضل الحديث في مثل هذه الأمور، ولكنني أصريت عليه بالسؤال فرد بعصبية أنه لا يريد الحديث عن الأمر. سكتّ وأنا أبتسم، كان من السهل – والمغري – أن تربكه، ولذا كنت أربح معظم معاركي أمامه. لقد عرفته منذ سنوات قبل أن تتكون شخصيته، أو شخصيتي، حينما كنا دون المراهقة في المرحلة المتوسطة، ونقلد الكبار المحيطين بنا الذين يضعون معايير ما سنكون عليه، قبل أن يطلقوننا إلى الحياة مثل وحوش البراري لنختار الاستمرار أو الانحراف. لقد استمر، بسمته المتحفظ وهندامه المهذب وابتسامته الواسعة الراسخة. وجلسنا صامتين عدة دقائق، ونحن نخترق صحراء نجد ونعاكس مرتقى الشمس أمامنا، وأنا أفكر أنني أريد أن أقضي عطلة نهاية الأسبوع أشيّش وأشاهد فيلما وأتغدى مع أهلي، بدل أن أذهب إلى مخيم شباب يأكل عطلتي.

ولكنني رغم ذلك كنت أضحك في الصورة بكل جسدي، ولا يمكن أن أستنبط منها هل كنت مبسوطا فعلا أم أنني مندمج مع اللحظة فحسب.

ما أذكره جيدا أن اللكمة كانت تؤلمني فعلا، كان قد مضى عليها أقل من يومين. كنا نجلس مع آخرين في مطعم بيت الشاورما في السليمانية، وعلى بعد طاولة عنا شباب يتحدثون بأصوات عالية عن رحلتهم إلى البحرين بعد أيام، ويعدد كل واحد منهم أفضل البارات الموجودة، وأنسب مكان لمواعدة البنات، ويسترسلون ويفصلون في أحسن تجاربهم. نهض رجا واقترب منهم، تحدث معهم بصوت لا نسمعه، وكل ما أذكره ابتسامته ووقفته غير المستوية، المترددة. ثم ارتفعت أصوات الشباب، ونهضوا، فنهضت ووقفت بجانبه. تعالت أصواتنا وشتائمنا ورجا يحاول أن يبعدني بيده النحيلة، ولكنني لكمت أحدهم فلكمني الذي بجانبه، واختلط الجميع في تلك الجلسات الخارجية الضيقة، حتى فكونا جمع من الناس، وفرقوا بيننا، فذهبت إلى المنزل بلكمة في وجهي ما زالت ندبتها فوق حاجبي. سألني الشباب في وادي الذهب عن سببها، فحكيت لهم القصة، ورجا يطالعني بصمت. لم أفهم آنذاك لماذا كان معترضا، رغم أنه ظل صامتا، ولكن تلك النظرة المحاكمة رسخت انطباع الفتور الذي نشأ والمسافة التي تتسع بيننا.

لم أكن أعرف ذلك بعد في ذلك الوقت، كمعظم العلاقات التي تنقطع مثل بهوت اللون، بطيئة وغامضة.

هنالك صورة أخرى تجمعني برجا، ولكنها أقدم من صورة اللكمة في وادي الذهب. نقف بجانب بعضنا وسط ضوء الشمس الظهيرة أمام أحد المساجد. كنا قد تخرجنا للتو من الثانوية العامة، وسجلنا في قسم الشريعة في جامعة الإمام، وقررنا الذهاب في عطلة الصيف لحضور درس للشيخ ابن عثيمين في مسجده في عنيزة. كنت قد ذهبت قبل عامين مع إمام مسجدنا، ولكن رجا لم يذهب من قبل. لم يكن يرتاح في مجالس العلم. لم يكن ضليعا ومطلعا بما فيه الكفاية، ولذا كانت تربكه، ويفضل عوضا عن حضورها الجلوس مع أقرانه، والخروج في المكتبات والتجمعات الشبابية. أما بالنسبة لي، كان حضور ذلك الدرس إنجازا أصبو إليه. لقد صمموني منذ ولادتي على أن أكون عالما، أو طالب علم على أقل تقدير. والدي بروفيسور في العقيدة، اثنان من إخواني أساتذة في جامعتي الإمام وسعود في تخصصي الشريعة والنحو، في بيتنا مكتبة أكبر من كل الغرف. الجلوس في ذلك الدرس، أمام ذلك الرجل الضئيل النحيل، مالئ الدنيا وشاغل الناس، الذي يمكنك رؤيته يخرج من بيته المجاور للمسجد، ويسير حافيا، بغترته البيضاء التي تنسحب إلى هامة رأسه؛ يستحث شعورا عميقا من الامتنان والرضى في نفسي.

لم تبدأ طبعا من تلك اللحظة، من ذلك الدرس، حتما بدأت من قبل، ولكن الاختلافات بيني وبينه تركزت في هذه النقطة تحديدا، أنني كنت رجل علم، بعكسه. لقد كنت أستمتع بالمعلومة أكثر من أثرها، وأنشغل بفهمها أكثر من انشغالي بتطبيقها، بعكس رجا، الذي لم يفهم كثيرا ما تعلمه، ولكنه طبقه كله، كما طُلب منه.

أفهم الآن أنه كان يرى أنني لا أستحق. لا أظنه يراني منافقا، ولكن ربما مزيف، أو ضعيف على أقل تقدير. وبقدر ما كنت أبتعد عنه، مثل بهوت اللون، كان هو أيضا يبتعد عني، ربما بأكثر من ابتعادي عنه.

أذكر أنني حينما كنت أكثر جرأة في إظهار انحرافي عما ورثته من سمت من كنا نقلدهم، وكنتَ تستطيع أن تشم في ملابسي رائحة الدخان، وتزل من فمي إشارات لأفلام ومسلسلات، وأترك لبقية الخلق مهمة إيقاظ الشمس، في الوقت الذي كان رجا يتصاعد في استمراره المكتمل؛ قرر أن يحلل شخصيتي في جلسة لنا عند وادي حنيفة. كنا خمسة، نتجادل عن جدوى القتال في العراق، ثلاثة – بينهم رجا – في صفه، وثلاثة – أحدهم أنا – ضده. لم يهاجم الآخرين اللذين كانا ضده، نسيت من هما، قال إن لديهما اجتهادا وقناعة بعدم جدوى الجهاد هناك وخطورته، ولكنه أشار إلي وقال إن مشكلتي ليس منبعها اجتهاد أو قناعة بالدرجة الأولى، ولكن لأنني مفتون بملذات الحياة. وأذكر أنني ضحكت عاليا، تلك الضحكة التي تملأ وجهي، وهو يبتسم لي ملأ فمه باسترخاء وجدية. الوقت ليل، وعيناه الواسعتان الهادئتان تلمعان مثل نجم في انعكاس النار، والبخاري الذي أكلناه ما زال كابسا على الجسم ومسيطرا على الحواس. ملذات الحياة. كانت تلك من المعارك القليلة التي ربحها أمامي، ربما الوحيدة. كلانا كثير الضحك، كلانا يستمتع بالأشياء الصغيرة، ولكن – بطريقة ما – لكلينا تعريف مختلف لملذات الحياة. نعم لم أقتنع بجدوى أن تذهب إلى هناك لتقاتل، وبإمكاني أن أجادل ذلك فقهيا، ولكن السبب الحقيقي هو أنني لم أستطع فعلا أن أتخيل نفسي وأنا أحمل سلاحا وأعيش في الخرابات مع المقاتلين المعلّمة أجسادهم وأرواحهم بآثار الحرب التي تركوا بسببها أهلهم وجماعتهم وملذاتهم وخرجوا بحثا عن شيء من الصعب إمساكه. كنت مؤمنا غاية الإيمان بالله، والآخرة، والجنة، وكنت حينما أصلي أشعر أنني قريب جدا من الله لدرجة أنني لو مددت يدي أمامي لانفتح باب موارب يؤدي إليه بكل نعيم مطلق وغير مشروط. ولكنني لم أتخيل ولو للحظة أن أهدر ذرة واحدة من حياتي، سأصل إلى النهاية حينما أشفط آخر قطرة من الدنيا. إنها حالة معقدة من الإيمان العنيف بالدنيا والآخرة في الوقت ذاته، حتى أنني كنت مقتنعا أن من رحمة الله بي أنني لم أولد في عصر الرسول، وإلا لكنت من رهط كفار قريش لمجرد أنني لا أريد لشيء أن يعكر صفو حياتي. ولذا ضحكت طويلا، كمن قبض عليه متلبسا وليس لديه ما يقوله سوى أن يهز كتفيه لامباليا.

بعدها، لم يبقى في علاقتي برجا ما يستحق القتال من أجله، وتوسعت الفجوة تماما مثل بهوت اللون.

أكملت الجامعة، وحينما تخرجت عملت في السلك القانوني الذي يصب في تخصصي ولكنه لا يلزمني بمظهر جاهدت ألا يتلبسني. ثم بدأت أكتب، في كل مكان، في الصحف والمنتديات والمدونات، وتحديدا عن مواضيع مثل الإرهاب والتشدد، ثم توسعت منها إلى الكتابة عن الأدب عامة، والرواية، وتعلمت فنونا جديدة وخبرت طرق تعبير مختلفة عما نشأت عليه.

هنالك صورة أخرى لرجا، جعلتني أضحك عاليا حتى أن زوجتي أطلت برأسها علي. كان يقف في أرض خلاء في البر، لا أذكر أين بالضبط، ويمسك وردة قطفها من الأرض، وينظر مبتسما في الكاميرا، وثوبه منتفخ بالريح مثل القطن.

حينما توظفت باحثا في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني؛ تلقى عدد من المهتمين دعوة من وزارة الداخلية لزيارة السجون وإجراء مقابلات مع عدد من المتهمين بالذهاب إلى مناطق الصراع. كان هو من بين المساجين هناك. لم أره إلا في آخر الزيارة، كنا نقف في الساحة الواسعة المكشوفة، وحينما بدأ المطر يهطل رشا خفيفا مثل الرذاذ، التفتّ إلى الخلف نحو بركسية تغطي مساحة من المكان، ورأيته يقف هناك، يحدق إلي وهو يبتسم، ثم رفع يده مسلما. وظننت لوهلة أنني أتخيل. ولكنني تمالكت ذهولي واتجهت إليه. يتضح وجهه أكثر من بين الرذاذ وأنا أقترب منه. لا يختلف كثيرا عن رجا الذي أعرفه. تصافحنا، وتأملت وجهه وسط الكلام، ونحن نسأل عن الصحة والحال والعائلة والأقارب والصحبة. ما زالت ابتسامته واسعة مثل ابتسامتي. تحدثنا وقد بدأ المطر يهطل قويا، ومن الأرض تفوح رائحة السماء مختلطة برائحة الأرض. يسترسل رجا عن الذكريات، والقصص القديمة، بينما أحدق إليه مبتسما وأتحين لحظة الصمت التي تملأ فراغها أصواتُ حبيبات المطر في التراب والشينكو.

سألته: أجل رحت؟

هز رأسه. ولم يرد.

كم جلست هناك؟

رد: سنة وواحد وعشرين يوم.

وش سويت؟

أخذ يعدد العمليات التي اشترك فيها، بعضها تافهة ودون أثر، ولكن بعضها حاسم وعنيف. إلى أن قال إنه أوكلت له أخيرا مهمة خطيرة، حينما لبس ذات يوم حزاما، وخرج إلى سوق في بغداد يرتاده عدد من الجنود الأمريكيين بجانب ثكنتهم، وحاول تفجير نفسه. وحينما فشل بسبب عطل في الحزام، قبض عليه، وعذب حتى كشف أسماء قائديه ومواقع تمركزهم، ثم سلم لاحقا إلى الحكومة السعودية.

هادئ ومتردد. حينما تتأمل رجا، تتخيله خويّ سفرة طويلة، أو رجلا يملك محل اتصالات ويجلس فيه بعد العصر، أو قريبا يجيء إلى قهوة الجمعة لزيارة والدك. لحيته خفيفة، يلبس عقالا. يبدو عاديا، هادئا ومترددا. ولكن ثباتا في عينيه، يشبه ثبات الصياد حينما يثبّت نظرته على طريدته. عيناه الراسختان لا تشبهان تشوّش جسده.

لم أسأله أصلا، هو الذي قالها. المطر يتراجع، ويبخر رذاذا من الأرض. وقال إن الشيء الوحيد الذي يندم عليه، هو أنه لم ينجح في جعل الحزام ينفجر في ذلك السوق.

ويحل صمت.

كانت قراءة وجهه مستحيلة. هل كان تعيسا أم واثقا، هل كان محبطا يريد أن يموت أو كان مصمما يريد أن يستشهد.

يقف بسمته المتحفظ وهندامه المهذب وابتسامته الواسعة الراسخة.

سألته ما الذي يتوقع أن يحدث له، فرد أنه لا يعلم. قانونيا جرائمه أقل من غيره، ولكنه ليس متفائلا. يبتسم عن أسنان بيضاء متسقة، وأذكر أنني أسرح بنظرتي في وجهه وأفكر ساخرا كيف لشخص عاش عاما وواحدا وعشرين يوما في حرب واشترك في عدد من العمليات أن يحظى بأسنان رائعة كهذه، وألا تختلف ابتسامته، وألا تتغير هيأته، وأن يبدو تماما كما بدا قبل سنوات طويلة، حينما كان يلتقط صورتي أمام السماء الضخمة في وادي الذهب، وحينما كنا نقف أمام مسجد ابن عثيمين، وحينما كان يمسك الوردة بنت الكلب وسط البر. وشعرت بنفسي محايدا أمام غرابة الموقف، إلى أن خرجت، ليبدأ شعور مستحوذ وغامض ينسلّ إلى داخلي مثل لسان السيل. الرياض بعد المطر تمتد مرآة ضخمة. الشوارع تلمع، البنايات تومض، السماء تشع، وتكاد ترى وجهك في الهواء، في انعكاس رذاذ المطر المعلق في الفراغ، وأكاد أرى فيه ابتسامتي تكبر، وعيناي تتسع ضحكتهما. وتضخ فيضة سرور في عروقي، وتصل إلى مناطق من جسدي لا يصل الدم نفسه إليها، وكأنها تجد طريقها إلى روحي، إلى تلك البقعة الغامضة من وجودي، التي لا تُطرق إلا نادرا وسط رتابة الحياة وشكوكها ولامبالاتها، فتدق الفيضة بابها وتُفتح إثر ذلك دفتان مغبرتان، لتتسرب رطبةً في مكان مقفر، وأحس بجسدي خفيفا إلى درجة الانحلال، إلى درجة الذوبان في الفراغ حولك، في الجزيئات اللامرئية التي تصنع الوجود، في كل ما يحدث في الخلفية، في الآلة التي تحرك الكون، في الحياة نفسها، في ذلك العنصر الجوهري الغامض الذي يُنتج الحقيقة الوحيدة المؤكدة: أنك حي. لم أشعر أنني حي مثلما شعرت في تلك اللحظة المخيفة بانكشافها الجسدي. الطعم، الروائح، اللمس، المحسوس. كل شيء اكتسب انطباعا لا يمكن وصف أثر لذته، يكاد يكون غير بشري، يعود بك إلى أعمق إحساس حيواني متجرد من أي أثقالِ وعيٍ غامضة. أكلت كبدة في بوفيه نعمة على طريق الملك عبدالله، أخذت الشاهي ووقفت في الشارع الذي يلمع بالمطر، ودخنت. أتأمل الناس، والسيارات، وحركة الغيم في السماء، ومرور الوقت في مظاهر الطبيعة. وأنا أكاد أختنق فرحا وسعادة، وتورق في عيني رطوبة يختلط أثرها برذاذ المطر. لفيت الرياض كاملة، إلى أقصى الجنوب وراء الشفا، إلى البر والصحراء هناك، ثم إلى أقصى الشرق، إلى انقطاع الطريق في عمق الثمامة، ومنه إلى أقصى الغرب، إلى حدود وادي حنيفة، وقد بدأ عقلي يستعيد حضوره تدريجيا، وبدأت أفكاري تنبض، وانطباعاتي تتعقل، وتتشكل في داخل ذلك العبث الروحي قدحةُ تأمل ممنهجة. لماذا كنت مبسوطا إلى هذه الدرجة؟ أخذت أفكر، وأدركت أنني ممتن، أن هذا الشعور المخيف الغامض، هو شعور امتنان لأني محظوظ، محظوظ أنني لم أولد مثل رجا، رغم الشعرة التي تفصل بيننا. أن تركيبتي البيولوجية وتفاعلي الكيميائي وخلفيتي الحياتية لم تتكامل لتنتج مني شخصا مثله. كل ما يكفي لأكون مثله عوامل بسيطة، أبسط مما تتخيله. مجرد شعرة كانت تفصل بيننا، ولم أكن أنا الذي صنعها أو أوجدها. فأي فضل تنسبه إليك هو في الأصل لم يكن منك، وإنما وُهب لك. ولذا أي امتنان فهو مطلب على الموهوب للواهب، وأي منّة فهي حق للواهب على الموهوب. كنت ممتنا، ممتنا لكل شيء ساهم في ألا أكون مثله، وكانت تلك الأشياء كثيرة إلى درجة أنها كادت تخنقني. كنت ألهث ركضا وراء إبداء امتناني تجاهها، تجاه أنها وُجدت داخلي أو حولي، كل تلك الأشياء الهائلة الكثيرة التي تنتثر فسيفساء لامتناهية.

حينما عدت إلى البيت، وقد كان ابني البكر آنذاك في الأشهر الأولى من عمره، أخذته ووضعته بجانبي في الصالة، وجلست هناك أمام التلفاز. الشمس تلقي شعاعا مثل سبائك الذهب متباينة الحواف على النافذة ثم تختفي وراء غيمةٍ ومطرةٍ. التلفاز يعرض صورا لاشتباكات ومحاربين مدججين بالسلاح في مكان ما في العراق، وطفلي الذي كان قبل عام ماء في ظهري يصعد فخذي ويتسلق ساعدي ويحاول الوصول بيده إلى ذقني ليدير رأسي إليه ويرد على نظرتي بضحكة طفولية عصبية كمن فاز بتحد ما، ويبدو أبعد ما يمكن أن يكون عن كائن معدوم الوعي بتصرفاته ومشاعره، أقرب ما يكون إلى كائن مدرك لمدى حبه لي، وحبي له، ويعبر عنه بأعظم ما يمكن لإنسان أن يعبر به: بجسده. وأفكر كيف يختار إنسان أن يموت؟ من الصعب أن أحكم ما إذا كان رجا يبالي فعلا بما يؤمن به، ربما هو مثلنا ينتقي ما يؤمن به وفق ما تمليه عليه طبيعته. ولكن ما كنت متأكدا منه آنذاك أنه شعر دائما أن هذه الحياة أصغر منه، ولذا بدت فكرة أنّ الدنيا دار عبور جذابة لدرجة أنها سيطرت عليه وأوصلته إلى حد لم يعد يستطيع فيه أن يتلقاها بجدية، ومنذ أن عرفته كانت لديه أمنية خفية موجهة تجاه المجهول، الذي قد يلبس أشكالا كثيرة، من بينها الموت. أما أنا، فلم أستطع أن أخضع نفسي لهذه الفكرة، لهذا الاستخفاف في تقدير الدنيا. لقد عجزت أن أقتنع بأنها أصغر مني أو من غيري، بأنها دار عبور فحسب، وكلما أردت أن أقتنع بذلك جرتني اللذات والملذات إليها، اللذات والملذات التي تتوزع في أرجاء اليوم ضئيلة لا تكاد ترى. وبدت يد طفلي وهي تمسك بإبهامي الذي يبرز من قبضته الصغيرة إجابة كافية تستطيع أن تهزم أي إغراء أو شك بوجود ما هو أعظم من اعتيادية يوم تقضيه في بيتك.

في مسار ذلك اليوم، وأنا أقف خارج بيتي على عتبة الباب الرطبة أراقب المطر الذي ما زال يرش رذاذه في الهواء، أدركت أن رجا يجب أن يموت لأحيا أنا، وبدت تلك الفكرة المربكة مستساغة في السياق لدرجة أنها لم تحرك شعرة في جلدي. وفكرت أنه لو حكم عليه بالقصاص، سأكون موجودا هناك، لأراه يموت، كما كان يريد دائما، ويترك هذه الدنيا لي.

ولكن رجا لم يمت، وأكله النسيان.

قبل أسبوع، حينما تأخر الإمام وتقدمت المصلين في مسجد حارة الوالد الذي مازال متمسكا ببيته في طرف السويدي. بدأت من الآية التاسعة والعشرين من سورة “المؤمنون”: “إِنَّ فِي ذَلكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴿30﴾ ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴿31﴾”، ومضيت أتلو قصة قوم ثمود أو عاد، الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأُترفوا في الحياة الدنيا وعجزوا عن تصديق أنهم إذا ماتوا وكانوا ترابا وعظاما أنهم مخرجون. “هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴿36﴾ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴿37﴾”. لقد توظفت قبل عامين مستشارا في مكتب وزير العدل، لم أشيش أو أدخن منذ سنوات، ما زلت مفتونا بقراءة الروايات وأشاهد أحيانا بعض الأفلام. عدت للتعمق في علوم القرآن والتأصيل تحديدا، وصرت أجد متعة تطهيرية في بحث أعقد المسائل الشرعية قانونيا، ولا أفوت فرصة لأن أوقظ الشمس كل فجر. “ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ﴿42﴾ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴿43﴾”. وبدأت أرى مع نضج العمر وتخمر التجربة وطحن الحب في الرأس كيف أن الحياة هشة، وأن الابتلاء سمة، وأن كل أمة حديثُ الأمة التي تليها. “ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ  كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿44﴾”. ولكن ذلك لم يزدني إلا شغفا بالحياة الدنيا وزينتها، ويقينا بأن أجلّ الفوز هو الفوز بها وبالآخرة سويا. تلوت في الركعة الثانية قصة موسى وقومه. وحينما سلّمت، جلست برهة أنظر أمامي وأنا أستغفر، ويخيل إلي وسط غمرة السكينة أنني لو مددت يدي فإن بابا مواربا فعلا سيفتح ليذهب بي إلى الله والنعيم المطلق غير المشروع، وأن هذا الباب سيظل مواربا ما دمت قريبا منه، على مسافة مَدّة يد عنه، وأن الحياة جميلة وطويلة وأن مِن شُكر الله أن أستغلها إلى آخر رمق منها. ثم التفتّ. كانت الصفوف كثيرة تملأ المسجد. أشكال مألوفة وأخرى عابرة، تملأ العين. ثم برز وجهُ رجا من بين تلك الأوجه. رأسه الظاهر من بين الجالسين والواقفين، يحدق إلي وابتسامته التي تبدو أنها معلقة منذ أن التفتُّ قد اتسعت أكثر حينما التقت نظراتنا. وظننت لوهلة أنني أتخيل. تمر الأجساد من أمامه فيختفي لحظة وراءها ثم يظهر حينما تتجاوزه، ويخيل إلي أنه سيختفي فعلا مثل وهم وراء الجسد الذي سيمر أمامه الآن، ولكنه ظل يظهر جالسا هناك. رفع يده مسلما، ونهض، بعقاله المرفوع إلى هامة رأسه، ولحيته الخفيفة، ومظهره الذي لم يتغير. كبر، وبدأ يصلي السنّة. وظللت جالسا أطالعه.

كان ينتظرني في الخارج، يقف بثبات وقد وضع يديه في جيبي ثوبه. تصافحنا طويلا. سألني وسألته عن الصحة والحال والعائلة والأقارب والصحبة، وحينما لم يبقى إلا المكاشفة، قال إنه خرج قبل شهرين، وإنه جاء إلى هنا عدة مرات، ولكنه لم يصادفني في المسجد مع والدي.

ابتسمت ولم أقل شيئا.

نبلغ من العمر 37 عاما. لدي أربعة أبناء، ومنزل، ووظيفة. رجا يعيش في منزل والده في السويدي، ولم يتزوج، ولم يتوظف بعد.

ولكن ابتسامته ما زالت واسعة.

قال إنه تمنى أنني أكملت لأصل إلى أهم آية في السورة بحسب رأيه، “أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ﴿55﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿56﴾”.

لم أرد، ثم استدرك: هذي زينة انك تنسجن 15 سنة، يمديك تحفظ القرآن على الأقل.

ابتسمت له، وقلت: بسيطة، هذي هي راحت سريع ولا كنها مرت.

ولكنه أكد دون مبالاة تقريبا: ما راحت سريع، لكنها عموما راحت.

الجماعة يواصلون الخروج من المسجد، يمرون بجانبنا، يسلمون علي، يرمقون الرجل الغريب عن الحارة. سألته إن كان يريدني في شيء بحكم أنه أتى عدة مرات إلى هنا، فقال إنه أراد أن يسلّم فحسب. تبادلنا أرقام الجوالات، ووقفنا عدة دقائق نتحدث، ثم تفرقنا على أننا سنتواصل قريبا. وأفكر وأنا أطالع الصور أنني في المرة القادمة لن أتمكن من الامتناع عن سؤاله مباشرة هل ما زال نادما أن الحزام لم ينفجر. ولكن خفقة ترتعش في جسدي وأنا أفكر، خوفا من إجابته وقلقا من ردة فعلي، وأقول في نفسي إنني إذن لا أريد أن أراه.

الصورة الأخيرة التي تجمعنا، لا أذكر مناسبتها، ولا أين التُقطت. كنا صغارا، ربما في أول ثانوي. نجلس على فرشة في أرض خلاء، ومن خلفنا شارع تمر فيه سيارة ددسن. بإمكان الذاكرة أن تجعلك تقرأ آلاف الإيحاءات في الصورة، كعادتها، ولكن الشيء الوحيد المادي فيها، هو أننا نتشابه في المظهر، أكثر من الصور السابقة. وأفكر أن رجا صديق طفولة، ليس أكثر، ولا يجب أن يكون له حضور في حياتي الآن. ولكن فضولا غاضبا ما زال يريد أن يسأله هل ما زال نادما.

اترك رد

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة