وداعاً أخي – قصة قصيرة لجون تشيفر

the-opportunity-by-john-cheever-640x420

 

نحن عائلة متآلفة منذ أن كنّا. والدنا غرق في رحلة إبحار عندما كنا صغارا، ولطالما شدّدت والدتنا على حقيقة أن علاقاتنا الأسرية محظية بنوع من الديمومة التي لن نضاهي مثلها أبدا. لا أفكر في العائلة كثيرا، ولكنني حينما أتذكر أفرادها والساحل الذي يعيشون عنده وملح البحر الذي أظنه يجري في دمائنا، أكون سعيدا أن أعلن أنني من آل بُومرُوي – أن لي نفس الأنف، واللون، والوعد بطول العمر – وأنه على الرغم من أننا لسنا عائلة مرموقة، إلا أننا حينما نكون سوياًّ نستمتع بوهم أن آل بومروي فريدون. لا أقول أيا من هذا لأنني مهتم بتاريخ العائلة أو أن هذا الحس من الفرادة متجذر أو يهمني، ولكن لأوضّح أننا أولياء لبعضنا بغضّ النظر عن اختلافاتنا، وأن أي فتق لهذا الولاء هو مصدر فوضى وألم.

نحن أربعة أبناء. هنالك أختي ديانا والرجال الثلاثة تشادي ولورانس وأنا. مثل أغلب العائلات التي ينفصل أبناؤها منذ العشرينات؛ تفرقنا بسبب العمل أو الزواج أو الحرب. أنا وهيلين نعيش الآن في لونج آيلند، مع أبنائنا الأربعة. أعمل مدرسا في الثانوية، وتجاوزت العمر الذي أتوقع معه أن أكون مدير مدرسة، أو قائدا كما نقول، ولكنني أحترم المهنة. تشادي، الذي حقق أفضل مما حققناه، يعيش في مانهاتن مع أوديت وأبنائهما. الوالدة تعيش في فيلادلفيا. وديانا، منذ طلاقها، تعيش في فرنسا، ولكنها تعود إلى أمريكا في الصيف لتقضي شهرا في laud’s head. laud’s head هو مزار صيفي على ساحل إحدى جزر ولاية ماساشوستس. كان لدينا بيت ريفي هناك، وفي العشرينات بنى والدنا البيت الكبير. يقف على الحافة فوق البحر، وباستثناء Saint-Tropez وبعض قرى الألب، هو مكاني المفضل في العالم. لكل واحد منا نصيب فيه ونساهم ببعض المال للمحافظة عليه.

أخونا الأصغر لورانس، الذي يعمل محاميا، حصل على وظيفة في شركة في كليفلاند بعد الحرب، ولم يره أحد منا طوال أربع سنوات. حينما قرر أن يترك كليفلاند ويذهب للعمل لصالح شركة في ألباني، كتب لأمي أنه سيقضي – بين مهام العمل – عشرة أيام في laud’s head مع زوجته وابنيهما. هذا كان في الوقت الذي خططت فيه أن أقضي عطلتي – من عملي آنذاك في المدرسة الصيفية – هناك، وكان سيتواجد أيضا كل من هيلين وتشادي وأوديت وديانا، لذا ستكون جَمعةُ العائلة هناك. لورانس كان عضو العائلة الذي نحظى معه جميعا بأقل القواسم المشتركة. لم نعاشره بكثرة، وأفترض أن هذا هو السبب وراء أننا ما زلنا نناديه تيفتي – وهو لقب وُصم به حينما كان طفلا، لأنه حينما يقطع الرواق إلى غرفة الطعام للإفطار، كان شبشبه يحدث صوتا مثل “تيفتي تيفتي تيفتي”. هذا ما كان يناديه به الوالد، وكنا نناديه به جميعا. حينما شب في العمر، ديانا كانت تناديه أحيانا المسيح الصغير، والوالدة اعتادت أن تناديه “النكدي”. لقد كنا ننفر من لورانس، ولكننا تطلعنا لعودته بمزيجٍ من التوجس والولاء، وبشيء من بهجةِ وغبطةِ أن تستعيد أخا لك.

عبَرَ لورانس من اليابسة على قارب الساعة الرابعة ذات عصر في آخر الصيف، وذهبت أنا وتشادي لمقابلته. عملية وصول ومغادرة عبّارة الصيف تحوي كل العلامات الظاهرية التي تقترح رحلة بحرية – صافرات، أجراس، عربات، وصال، ورائحة الأجاج – ولكنها كانت رحلة بحرية دون بضائع، وحينما شاهدت القارب يلج المرفأ الأزرق ذلك العصر وفكرت أنه يكمل رحلة بحرية دون بضائع، أدركت أنني أصبت نفس الملاحظة التي كان لورانس سيبديها في الموقف ذاته. حدقنا بحثا عن وجهه خلف زجاج السيارات الأمامي وهي تخرج من القارب، ولم نواجه مشكلة في التعرف عليه. ركضنا نحوه وشددنا على يده وقبلنا بارتباك زوجته والأطفال. “تيفتي!”، هتف تشادي. “تيفتي!”. من الصعب أن تقدّر التغيرات في مظهر أخيك، ولكن كلانا أنا وتشادي اتفقنا، ونحن عائدون إلى laud’s head، أن لورانس ما زال يبدو شابا. دخل إلى البيت أولا، وأخرجنا حقائبه من السيارة. حينما دخلت، كان يقف في غرفة الجلوس، يتحدث مع الوالدة وديانا. كن في أفضل ملابسهن ومجوهراتهن، وكن يرحبن به بإفراط، ولكن حتى في تلك اللحظة، حينما كان الجميع يكافحون ليَظهروا ودودين للغاية في وقت كان فيه ذلك الكفاح سهلا وفي متناول اليد؛ كنت أدرك وجود توتر خافت في الغرفة. بينما كنت أفكر في ذلك وأنا أحمل حقائب لورانس الثقيلة عبر الدرج، أدركت أن نفورنا كان مغروسا عميقا بقدر عواطفنا الطيبة، وتذكرت مرة قبل 25 عاما حينما ضربت لورانس بحجر في رأسه، أنه انتصب بنفسه وذهب مباشرة إلى والدنا ليشتكي.

حملت الحقائب إلى الدور الثالث، حيث كانت روث، زوجة لورانس، قد بدأت تهيئ غرفة عائلتها. إنها فتاة نحيلة، وتبدو منهكة للغاية بسبب الرحلة. ولكنني حينما سألتها إن كانت تريدني أن أجلب لها مشروبا في الأعلى، قالت إنها لا تريد.

حينما نزلت إلى الأسفل، لم يكن لورانس هناك، ولكن الجميع كانوا مستعدين لشرب الكوكتيلات، ولذا قرروا البدء. لورانس هو عضو العائلة الوحيد الذي لم يكن يستمتع أبدا بالشراب. أخذنا كوكتيلاتنا إلى الشرفة، لنستطيع مشاهدة المنحدرات والبحر والجزر الواقعة في الشرق، كما أن عودة لورانس وزوجته، ووجودهما في المنزل، بدا أنه ينعش ردود فعلنا تجاه المنظر المألوف؛ وكأن اللذة التي سيستشعرانها في منظر وألوان ذلك الساحل بعد وقت طويل من الغياب، نُقلت إلينا. بينما كنا هناك، صعد لورانس الممشى من الشاطئ.

“أليس الشاطئ رائعا، يا تيفتي؟”، سألت الوالدة. “أليس من الرائع أن تعود؟ هل تريد كأس مارتيني؟”.

“لا يهمني” قال لورانس. “ويسكي، جين – لا يهمني ما أشربه. أعطيني شيئا من الرّمّ”.

“ليس لدينا رمّ“، قالت الوالدة. كانت تلك أول ملاحظات الفظاظة. لقد علمتنا ألا نكون أبدا غير حاسمين، ألا نرد أبدا مثل رد لورانس. ما وراء ذلك، كانت أيضا معنية للغاية بآداب منزلها، وبأي شيء غير معتاد وفق معاييرها، مثل أن تشرب الرّمّ غير الممزوج أو تجلب علبة بيرة إلى طاولة العشاء، ما يجيّش داخلها خصاما لا تستطيع حتى مع حسها الساخر الرحْب أن تروضه. أحست بالفظاظة وعملت على معالجتها. “هل تريد شيئا من الآيريش، عزيزي تيفتي”، قالت، “أليس الآيريش ما كنت تحبه دائما؟ هنالك شيء من الآيريش في الخوان. لماذا لا تجلب لنفسك شيئا من الآيريش؟”. رد لورانس أنه لا يهتم. سكب لنفسه كأسا من المارتيني، ثم نزلت روث ودخلنا إلى العشاء.

رغم أننا أثناء انتظارنا لورانس شربنا الكثير قبل العشاء، كنا جميعا متحفزين لنلبس أفضل وجه ونستمتع بجلسة مسالمة. الوالدة امرأة صغيرة بوجه أخّاذ ما زال يكشف كيف أنها كانت جميلة حتما، وبحديث متخفف على غير العادة في تلك الأمسية، إلا أنها تكلمت عن مشروع استصلاح للتربة يُنفّذ في الجزيرة. ديانا جميلة بقدر جمال الوالدة في شبابها، امرأة مفعمة ولطيفة تحب الحديث عن الأصدقاء الخليعين الذين صادقتهم في فرنسا، ولكنها تحدثت تلك الليلة عن المدرسة التي تركت فيها ابنيها في سويسرا. أستطيع ملاحظة أن العشاء صمّم ليرضي لورانس. لم يكن دسما أكثر من اللازم، ولم يكن فيه ما يمكن أن يثير قلقه بشأن البذخ.

بعد العشاء، حينما عدنا إلى الشرفة، كانت السحب تحمل ذلك النوع من اللون الذي يشبه الدم، وكنت سعيدا أن لورانس حظي بمثل هذا الغروب المتّقد في أوبته. حينما أمضينا عدة دقائق هناك، رجل يدعى إدوارد تشستر جاء ليأخذ ديانا. كانت قد قابلته في فرنسا، أو في القارب نحو البيت، وكان يقطن منذ عشرة أيام في النزُل الذي يقع في القرية. عرّفناه على لورانس وروث، ثم رحل هو وديانا.

“هل هذا هو الشخص الذي تنام معه الآن؟”، سأل لورانس.

“يا له من سؤال بغيض!”، قالت هيلين.

“يجب أن تعتذر عن هذا يا تيفتي”، قال تشادي.

“لا أعلم”، قالت الوالدة بإنهاك. “لا أعلم يا تيفتي، ديانا في موضع يخولها أن تفعل ما تريد، وأنا لا أطرح عليها أسئلة منحطة. إنها ابنتي الوحيدة، ولا أراها دائما”.

“هل ستعود إلى فرنسا؟”.

“ستذهب بعد أسبوعين”.

لورانس وروث كانا يجلسان على حافة الشرفة، وليس على الكراسي، وليس حتى ضمن دائرة الكراسي. بفمه المستعد، وجّه أخي نظرة لي مثل رجل دين بروتستانتي. أحيانا، حينما أريد أن أفهم تركيبته العقلية، أفكر في بدايات عائلتنا في هذا البلد، واستنكاره لعلاقة ديانا وحبيبها ذكرتني بذلك. فرع آل بومروي الذي ننحدر منه وُجد من صلب قس كان يمجّده كوتن ميذر لجهوده الدؤوبة في دحض الشيطان. آل بومروي كانوا قساوسة حتى منتصف القرن التاسع عشر، وحدّة أفكارهم – الإنسان مثقل بالتعاسة، وكل الجمال الدنيوي شهواني وفاسد – دُونت في كتب ومواعظ. سجية عائلتنا تغيرت بشكل ما وصارت أكثر خفة، ولكنني حينما كنت في عمر الدراسة، أتذكر أقرباء من النساء والرجال المسنين الذين يُصخون السمع إلى أيام الكهنوتية المعتمة ويُفعَمون بشعور الذنب الأبدي وتأليه سوط النفس. إذا كنت ستربى في هذا الجو، وبطريقة ما تربينا هكذا، أظنه سيكون امتحانا روحيا أن ترفض سلوكيات تلك الحياة في الإحساس بالذنب، ونكران الذات، والوجوم، والتوبة. ويبدو لي أنه كان امتحانا روحيا خضع أمامه لورانس.

“هل هذه كاسيوبيا (آلهة إغريقية)؟”، طرحت السؤال أوديت.

“لا عزيزتي”، قال تشادي “هذه ليست كاسيوبيا”.

“من هي كاسيوبيا؟”، قال أوديت.

قلت: “كانت زوجة سفيوس وأم أندروميدا”.

“الطباخة من مشجعي العمالقة (نادي الجاينتس البيسبول في نيويورك)”، قال تشادي.

خيم الظلام لدرجة أننا نستطيع رؤية ضوء الفنار في كيب هيرون يعبر السماء. في الظلمة تحت المنحدر، خبْطُ الأمواج يدكّ متواصلا. وآنذاك، كما يحدث دائما حينما يخيم الظلام وتكون قد شربتْ كثيرا قبل العشاء، بدأت الوالدة تتحدث عن التحسينات والإضافات التي ستنفَّذ يوما ما في المنزل، الأجنحة والحمامات والحدائق.

“هذا المنزل سيغرق في البحر خلال خمس سنوات”، قال لورانس.

“تيفتي النكدي”، قال تشادي.

“لا تناديني تيفتي”، قال لورانس.

“المسيح الصغير”، قال تشادي.

“الجدار المواجه للأمواج متصدع إلى حد خطير”، قال لورانس، “تفحصته هذا العصر. رممتموه قبل أربع سنوات، وكلّف 8 آلاف دولار. لا تستطيعون تكرار ذلك كل أربع سنوات”.

“خلاص يا تيفتي”، قالت الوالدة.

“لا يمكن إنكار الحقائق”، قال لورانس، “إنها فكرة حمقاء وسخيفة أن تبني منزلا عند حافة المنحدر على شريط الساحل المنخسف. خلال حياتي فقط، نصف الحديقة طمرتها المياه وهنالك مياه بطول أربع أقدام في المكان الذي كان فيه الحمام”.

“دعونا نفتح أحاديث عامة”، قالت الوالدة بمرارة، “لنتحدث عن السياسة أو عن حفلة الرقص في النادي”.

“أصلا”، قال لورانس، “المنزل في خطر الآن. إذا داهمتكم أمواج عالية غير معتادة، أو إعصار بحري، سيتهاوى الجدار وسينجرف المنزل. يمكن أن نغرق جميعا”.

“لا أستطيع التحمل أكثر”، قالت الوالدة. ذهبت إلى غرفة الطعام وعادت بكأس ممتلئ بالجين.

لقد كبرتُ الآن في العمر وتجاوزت فكرة أنني أستطيع الحكم على عواطف الآخرين، ولكنني كنت مدركا ما كان بين لورانس والوالدة، وأعرف شيئا من التاريخ الذي خلف ذلك بينهما. لم يكن لورانس قد تجاوز السادسة عشرة حينما قرر أن الوالدة تافهة، ودعّابة، وتخريبية، وقوية عموما. حينما حدد ذلك، قرر أن يفصل نفسه عنها. كان في مدرسة داخلية آنذاك، وأذكر أنه لم يعد إلى البيت في الكريسماس. أمضى الكريسماس مع صديق. صار يجيء إلى البيت نادرا بعد أن أطلق حكمه الممانع تجاه الوالدة، وحينما كان يجيء إلى البيت، فإنه يحاول دائما في أحاديثه أن يذكرها بقطيعته. حينما تزوج روث، لم يخبر الوالدة. لم يخبرها حينما وُلد أبناؤه. ولكن رغم كل هذه المثابرة المبادئية الطويلة، فإنه قد بدا – على عكسنا – وكأنه لم يستمتع أبدا بأي انفصال، وحينما يكونان مع بعضهما، تشعر مباشرة بتوتر بينهما، وانعدام وضوح.

وكان من سوء الحظ، نوعا ما، أن الوالدة اختارت تلك الليلة لتفرط في الشراب. من حقها، وهي لا تفرط في الشراب دائما، ومن حسن الحظ أنها لم تكن عدوانية، ولكن كنا جميعا مدركين لما يحدث. بينما كانت تشرب كأس الجين، بدت وكأنها تنزح عنا بأسف، بدت وكأنها في مخاض الترحال.

ثم تغير مزاجها من الترحال إلى الأذية، والتعليقات المعدودة التي أطلقتها كانت مشاكسة وفي غير موضعها. حينما كان كأسها شبه فارغ، حدقت بغضب إلى الفراغ المظلم أمام أنفها، تحرك رأسها بخفة، مثل مقاتل. علمتُ أنه لم يكن هنالك مساحة في عقلها آنذاك لكل الأذى الذي يزدحم للدخول إليه. أبناؤها حمقى، زوجها غريق، خدمها لصوص، والكرسي الذي تجلس عليه غير مريح. فجأة وضعتْ كأسها الفارغ وقاطعت تشادي الذي كان يتحدث عن البيسبول، “أعرف شيئا واحدا مؤكدا”، قالت بصوت أجشّ. “أعرف أنه إذا كانت هنالك حياة بعد الموت، سأكوّن عائلة مختلفة تماما. لن أنجب غير أبناء مذهلي الثراء، ظرفاء، وفاتنون”. نهضتْ، وفي طريقها إلى الباب كادت أن تسقط. التقطها تشادي وساعدها في الصعود إلى أعلى. أستطيع سماع حنية “تصبحين/تصبح على خير” بينهما، ثم نزل تشادي إلى الأسفل. كنت أظن أن لورانس سيكون الآن منهكا بسبب رحلة عودته، ولكنه ظل جالسا في الشرفة، وكأنه كان ينتظر ليشهد المحظور الختامي، وتركناه هناك وذهبنا لنسبح في الظلام.

حينما استيقظتُ في الصباح التالي، أو استيقظت نصف واع، كان بإمكاني أن أسمع صوت شخص يلفّ ملعب التنس. كان صوتا أخفت وأعمق من أجراس الرياح الحديدية حيث ترن لامتناغمة خارج الحد، التي تنتمي في ذهني إلى بدايات أيام الصيف، محملة بالبشائر الطيبة. حينما نزلت إلى الأسفل، وجدت طفلا لورانس في غرفة الجلوس، يلبسان بدلتي كاوبوي مزخرفتين. طفلان خائفان ونحيلان. أخبراني أن والدهما يلف ملعب التنس ولكنهما لم يرغبا في الخروج لأنهما شاهدا ثعبانا عند الباب. أخبرتهما أن أبناء عمهم وعمتهم – جميع الأطفال – يأكلون الإفطار في المطبخ وأن عليهما اللحاق بهم. بعد هذا التصريح، بدأ الولد في البكاء. ثم انضمت أخته إليه. بكيا وكأن الذهاب إلى المطبخ ليأكلا سوف يحطم أثمن حقوقهما. أخبرتهما أن يجلسا معي. جاء لورانس، وسألته إن كان يرغب في لعب التنس. قال لا شكرا، رغم أنه يفكر ربما في لعب مباراة فردية مع تشادي. كان محقا هنا، لأن كلاهما هو وتشادي يلعبان التنس أفضل مني، وقد لعب فعلا مع تشادي مباراة فردية بعد الإفطار، ولكن لاحقا، حينما نزل الآخرون ليلعبوا زوجيا، اختفى لورانس. نرفزني ذلك – دون سبب، فيما أظن – ولكننا لعبنا مباريات زوجية مثيرة جدا وكان بإمكانه أن يلعب في إحداها لمجرد المجاملة لا أكثر.

في آخر الصباح، حينما أتيت من الملعب وحيدا، رأيت تيفتي في الشرفة، ينقّب لوحا من الجدار بسكينه. “ما الحكاية يا لورانس؟”، سألته، “نمل أبيض؟”. هنالك نمل أبيض في الخشب وقد سبب لنا الكثير من المشاكل.

استعرض أمامي: في أساس كل صف من الألواح، هنالك خط أزرق باهت من طباشير النجارة. “هذا البيت عمره 25 عاما تقريبا”، قال لورانس. “هذه الألواح عمرها 200 سنة تقريبا. لابد أن الوالد اشترى الألواح من كل المزارع هنا حينما بنى المكان، ليبدو موقّرا. تستطيع إلى الآن أن ترى طباشير النجارة يغطي ثقوب المسامير التي علقت منها هذه الألواح الأثرية”.

كان محقا بخصوص الألواح، رغم أنني نسيت ذلك. حينما بُني المنزل، والدنا، أو معماريّه، طلب أن يغطَّى بالألواح المسفوعة بالطقس وأثر الحَزاز. لم أفهم استنتاج لورانس أن هذا يعد فضيحة.

“وانظر إلى هذه الأبواب”، قال لورانس”. “أنظر إلى هذه الأبواب وإطارات النوافذ”. تبعته نحو باب هولندي (مقسوم لنصفين سفلي وعلوي) يفتح نحو الشرفة وتفحصته. كان بابا جديدا نسبيا، ولكن شخصا ما عمل جاهدا لإخفاء جِدّته. خُدش السطح بشدة بأداة حديدية، ودُهن طلاء أبيض داخل الشقوق ليحاكي تفسخا ملحيا وحزازيا ومناخيا. “تخيل إنفاق آلاف الدولارات لتجعل بيتا سليما يبدو مثل خرابة”، قال لورانس. “تخيل تركيبة العقل التي يتطلبها ذلك الفعل. تخيل أن تريد العيش بشدة في الماضي لدرجة أنك تدفع لرجال أجور نجّارين ليمسخوا بابك الأمامي”. آنذاك، تذكرت حساسية لورانس تجاه الزمن وانطباعاته وآراءه حول مشاعرنا تجاه الماضي. لقد سمعته يقول، قبل سنوات، إننا وأصدقاؤنا وأشباهنا من الشعب، وقد وجدنا أنفسنا غير قادرين على التأقلم مع مشاكل الحاضر، فالتفتنا – مثل الأشقياء في بلوغهم سن الرشد – للخلف نحو ما كنا نظنه زمنا أكثر سعادة وبساطة، وإن شهوتنا في عملية الإحياء وتسليط الضوء هذه كانت مقياسا لهذا الفشل المتعذر علاجه. الخط الأزرق الخافت للطباشير ذكّره بتلك الأفكار، الباب المخدوش رسخها، والآن بيّنة إثر بيّنة تقدّم نفسها إليه: الإضاءة الكالحة على الباب، ضخامة المدخنة، اتساع الألواح الأرضية والقطع المثبتة في أطرافها لتماثل ثقوب الأوتاد. بينما كان لورانس يحاضرني عن كل هذه الهشاشات، قدِم الآخرون من الملعب. فور أن رأت الوالدةُ لورانس، تفاعلت، ورأيت أن هنالك أملا طفيفا جدا في الوئام بين الأم المهيمنة والابن المستبدَل 1. تلقفت ذراع تشادي. “لنذهب كي نسبح ونشرب المارتيني عند الشاطئ”، قالت له، “دعنا نقضي صباحا مبهرا”.

البحر في ذلك الصباح كان أحاديّ اللون، مثل الرخام الأخضر الداكن. الجميع ذهب إلى الشاطئ باستثناء تيفتي وروث. “لا يهمني”. قالت الوالدة. كانت مهتاجة، وانحنت بكأسها وسكبت شيئا من الجين على الرمل. “لا يهمني. لا يعنيني كم هو فظ ومروّع وسوداوي. ولكن ما لا أستطيع تحمله هو وجها طفليه الصغيرين البائسين، هذان الطفلان المبهران التعيسان”. بينما يفصل بيننا ارتفاع المنحدر؛ تكلم الجميع بحنق عن لورانس، كيف كبر إلى الأسوء عوضا عن الأحسن، كيف هو مختلف عنا جميعا، كيف يكافح ليُـتلف كل بهجة. شربنا نصيبنا من الجين، الإهانات بدت أنها وصلت إلى ذروتها، ثم آنذاك، واحدا تلو الآخر، ذهبنا لنسبح في الماء أحاديّ الاخضرار. ولكن حينما عدنا لم يذكر أحد لورانس بكلمة جارحة. خطّ حديث الإهانات قد قُطع، وكأن السباحة احتوت قوة التطهير التي يدعيها التعميد. جففنا أيدينا وأشعلنا السجائر، وإذا مر ذكر لورانس فإنه يمر فقط في سياقِ ما يمكن أن يرضيه. ألن يعجبه أن يبحر إلى كهف بارن، أو يذهب إلى الصيد؟

والآن أتذكر أنه بينما كان لورانس يزورنا، ذهبنا للسباحة أكثر مما اعتدنا عليه، وأظن أن هنالك سببا وراء ذلك. حينما قلّص النزق الذي تصاعد نتيجةً لصحبته صبرَنا، ليس مع لورانس فقط ولكن مع بعضنا أيضا؛ كنا نذهب جميعا إلى السباحة ونريق عدائيتنا في الماء البارد. أستطيع أن أرى العائلة الآن، مازالت استنكارات لورانس تستنزفهم وهم يجلسون على الرمل، وأراهم وهم يخوضون ويغوصون ويقفزون في الماء وأسمع في أصواتهم ترميم الصبر وإعادة اكتشاف حسن الطوية الذي لا ينضب. لو أن لورانس لاحظ هذا التغيير – هذا التطهر الوهمي – أظنه سيجد في مفردات علم النفس، أو في ميثولوجيا الأطلسي، اسما متحفظا لها، ولكنني لا أظنه لاحظ هذا التغيير. نعم لقد أهمل تسمية القوى الشفائية للبحر المشرع، ولكنها كانت من فرص التسخيف النادرة التي فاتته.

الطباخة التي كانت لدينا ذلك العام بولندية تدعى آنا أوستروفيك، طباخة صيف. كانت من أعلى درجات نوعية النساء السمينات الحميميات الكادحات التي تأخذ عملها بكل جدية. كانت تحب أن تطبخ وأن ترى الطعام الذي طبخته يُـقدّر ويُؤكل، وكنا كلما رأيناها تحثنا على الأكل. لقد أعدّت لنا في الإفطار الكروسان والبريوش مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، وكانت تجيء بها إلى غرفة الطعام بنفسها وتقول: “كلوا، كلوا، كلوا”. حينما تعيد الخادمة الأطباق إلى الخزانة، نستطيع سماع آنا، التي تقف هناك، تقول: “ممتاز! لقد أكلوا”. لقد أطعمت الزبّال، وبائع الحليب، والبستاني. “كلوا!”، كانت تقول لهم. “كلوا، كلوا!”. في عصرية الخميس، ذهبَت إلى السينما مع الخادمة، ولكنها لم تستمتع بالفيلم، لأن كل الممثلين كانوا نحيلين جدا. تجلس في الصالة المظلمة ساعة ونصف تشاهد الشاشة مترقبة ظهور شخص يستمتع بطعامه. بيتي ديفيز تركت في آنا انطباع أنها امرأة لم تأكل جيدا. “كلهم نحيفون جدا”، تقول بعدما غادرت السينما. في المساء، حينما تكون قد أتخمتنا جميعا، وتفحصت القدور والمقالي، تجمع فضلة الطعام من الطاولة وتذهب بها لتطعم بقية المخلوقات. أكلنا الدجاج عدة مرات هذا العام، ورغم أن المخلوقات أوت لمجاثمها، إلا أنها ترمي الطعام في مواردهم وتحث البومة النائمة على أن تأكل. لقد أطعمت الطيور المغردة في البستان والسناجب في الفناء. محيّاها على حافة الحديقة وصوتها اللحوح – نستطيع سماعها “كل، كل، كل” – صار مثل مسدس الغروب في قارب النادي وعبور الضوء من فنار كيب هيرون، مرتبط بتلك الساعة. “كل، كل، كل”، نستطيع سماع آنا. “كل، كل..”، ثم يحل الظلام.

عندما قضى لورانس ثلاثة أيام هناك، نادتني آنا إلى المطبخ. “قل لأمك”، أخبرتني، “أنه لا يُسمح له أن يدخل مطبخي، إذا ظل يدخل مطبخي دائما، سأذهب. إنه يأتي دائما إلى مطبخي ليخبرني كيف أنني امرأة بائسة. إنه يخبرني دائما أنني أكدّ في العمل وأن ما يُدفع لي لا يكفي وأنني يجب أن أنتمي إلى نقابة عمالية وأن أحظى بإجازات. هه! إنه نحيف جدا ولكنه يأتي دائما إلى مطبخي حينما أكون مشغولة ليُشفق علي، ولكنني أنا مثله، أنا مثل الجميع، ولا أريد أشخاصا مثل هذا يعطلونني دائما ليبدون أساهم نحوي. أنا طباخة رائعة ومشهورة ولدي أعمال في كل مكان والسبب الوحيد الذي يدفعني للمجيء والعمل هنا في الصيف أنني لم أزر جزيرة من قبل، ولكنني أستطيع أن أجد أعمالا غدا، وإذا كان سيأتي إلى مطبخي دائما ليشفق علي، أخبر أمك أنني سأذهب. أنا مثل الجميع ولا أحتاج ذلك النحيف أن يخبرني دائما كم أنا مسكينة”.

كنت سعيدا باكتشاف أن الطباخة كانت في صفنا، ولكنني شعرت أن الوضع حساس. إذا طلبَت الوالدة من لورانس أن يبقى خارج المطبخ، سيستغل الطلب للتشكي. إنه يستطيع أن يتشكى من أي شيء، ويبدو أحيانا وهو يجلس متجهما عند طاولة العشاء، أن أي كلمة تعبّر عن الاستهانة، أينما وُجهت، تبلغ مستقرها إليه. لم أذكر شكوى الطباخة لأحد، ولكن بطريقة ما لم تحدث أي مشاكل أخرى في هذا الجانب.

المسبب التالي من لورانس لتصاعد الخصومة طرأ خلال لعبنا الباك جامون.

حينما نكون في Laud’s Head، نلعب الباك جامون كثيرا. في الساعة الثامنة، بعد أن نشرب قهوتنا، نُخرج عادةً لوح اللعبة. بطريقة ما، إنها من أكثر لحظاتنا الحلوة. القناديل في الغرفة ما زالت مطفأة، يمكن رُؤية آنا في الحديقة المعتمة، وفي السماء من فوق رأسها هنالك قارات من الظلال والنار. تشعل الوالدة الضوء وتهز النرد إشارةً للبدء. نلعب بالعادة ثلاث جولات لكل شخص، كل واحدة منها مع الآخرين. نقامر، وتستطيع أن تكسب أو تخسر مائة دولار في جولة، ولكن الرهان غالبا أقل من ذلك بكثير. أظن أن لورانس اعتاد أن يلعب – لا أذكر – ولكنه كفّ عن اللعب. إنه لا يقامر. ليس لأنه فقير أو لأنه يتخذ أي موقف تجاه المقامرة، وإنما لأنه يظن أن اللعبة سخيفة ومضيعة للوقت. ولكنه على أية حال مستعد ليهدر وقته في مراقبتنا نلعب. ليلة إثر ليلة، حينما تبدأ اللعبة، يضع كرسيا بجانب اللوح، ويراقب النرد والأقراص. تعابير وجهه ازدرائية، ورغم ذلك يراقب بتمعن. تساءلت لماذا استمر يراقبنا ليلة إثر ليلة، وأظن أنني – عبر مراقبة وجهه – اكتشفت السبب.

لورانس لا يقامر، ولذا لا يمكنه أن يفهم الإثارة في أن تخسر المال أو أن تكسبه. لقد نسي كيف يلعب اللعبة، على ما أظن، ولذا فإن احتمالاتها المعقدة تعجز عن إثارة اهتمامه. تفحصه كان مقيدا بإدراك أن الباك جامون لعبة خاملة ولعبة حظ، وأن اللوح، الموسوم بالنقاط، كان رمزا لتفاهتنا. وبما أنه لا يفهم المقامرة أو احتمالات اللعبة، فكرت أن ما يثير اهتمامه هو أفراد عائلته. في إحدى الليالي وأنا ألعب جولة مع أوديت، وكنت قد كسبت 37 دولارا من الوالدة وتشادي، أظن أنني رأيت ما كان يدور في ذهنه.

أوديت سوداء الشعر والعينين، إنها حذرة دائما ألا تُعرّض وجهها وبشرتها البيضاء للشمس مدة طويلة، لذا فإن التمايز اللافت بين السواد والشحوب لا يتغير في الصيف. إنها تحتاج وتستحق الإعجاب، وهي السِّمة التي تسرّها. وسوف تغازل، بغير جدية، أي رجل. كتفاها حاسران في تلك الليلة، رداؤها مفصل ليبرز تقاسيم ثدييها ويظهرهما حينما تنحني فوق اللوح لتلعب. استمرت تخسر وتغازل وتجعل خساراتها تبدو جزءا من مغازلتها. تشادي كان في الغرفة الأخرى. خسرتْ ثلاث جولات، وحينما انتهت الجولة الأخيرة، أسندت ظهرها على الصوفا، وهي تحملق فيني، وقالت شيئا حول الذهاب إلى الكثبان معي لتسوّي خسارتها. سمعها لورنس. نظرت إلى لورانس. لقد بدا مصدوما وراضيا في الوقت ذاته، وكأنه كان يشك طوال اللعبة أننا لم نكن نلعب مقابل شيء واه مثل المال. قد أكون مخطئا، بالطبع، ولكنني أظن أن لورانس شعر أنه بمشاهدتنا نعلب الباك جامون كان يرصد تصاعد مأساة تهكمية يتمظهر فيه المال الذي كسبناه وخسرناه رمزا لما هو أكثر من رهاناتنا المحتدمة. إنه طبع لورانس أن يحاول قراءة مغزىً وحتميةً وراء كل إيماءة نمارسها، وإنه متوقع من لورانس أنه حينما يجد المنطق الضمني لسلوكنا، سيكون الاستنتاج منحطا.

تشادي جاء ليلعب ضدي. كلانا لا يحب أن يخسر أمام الآخر. حينما كنا صغارا، كنا ممنوعين من اللعب سويا، لأن اللعبة تنتهي دائما بشجار. كلانا يظن أنه يعرف جَـلَد الآخر عن قرب. أظن أنه متبصر، ويظن أنني غبي. هنالك دائما ثارات حينما نلعب أي شيء، التنس أو الباك جامون أو الكرة، ويبدو أحيانا وكأننا نلعب مقابل حيازة امتيازات الآخر. حينما أخسر ضد تشادي، لا أستطيع النوم. وهذه فقط نصف حقيقة علاقتنا التنافسية، ولكنها نصف الحقيقة التي ستكون مدركَةً أمام لورانس، وحضوره عند الطاولة أفقدني التركيز لدرجة أنني خسرت جولتين. حاولت أن أبدو غير غاضب وأنا أنهض مبتعدا عن اللوح. لورانس كان يراقبني. خرجت نحو الشرفة لأتكبد هناك في الظلمة الغضب الذي أشعر به دائما حينما أخسر ضد تشادي.

حينما عدت إلى الغرفة، كان تشادي والوالدة يلعبان. لورانس ما زال يراقب. من خلال استنتاجاته، خسرَتْ أوديت عفتها لي، خسرتُ ثقتي لتشادي، والآن أتساءل ما الذي يراه في هذه المباراة. راقب مستغرقا، وكأن الأقراص القاتمة واللوح الموسوم تَجسَّد ليكون مقايضات لمصادر قوة حاسمة. إلى أي حد بدا له اللوح دراماتيكيا، في حلبة أفكاره، واللاعبان الصامتان وتهشم البحر في الخارج! هنا افتراس البشر لبعضهم روحانياً مرئيٌّ، هنا، أمام عينيه، دلائل الانتفاع الشّرِه الذي يمارسه البشر في حق بعضهم.

الوالدة تلعب لعبا فطنا وانفعاليا ولحوحا. يدها دائما في منطقة خصمها. حينما تلعب ضد تشادي، المفضّل لديها، فإنها تلعب باهتمام. لابد أن لورانس لاحظ هذا. الوالدة امرأة عاطفية. قلبها طيب ويحركه الدمع والوهن بسهولة. خصلةٌ – مثل أنفها الوسيم – لم يتغير بتاتا مع مرور الزمن. أسى الآخرين يهيّضها بعمق، وتبدو أحيانا وكأنها تحاول أن تستنبط لدى تشادي شيئا من الأسى والفقد تستطيع أن تغيثه وتستدركه، حتى تحيي العلاقة التي تستمتع بها معه حينما كان صغيرا ومريضا.  إنها تحب أن تدافع عن الضعفاء وأشباه الأطفال، والآن ونحن كبار، فإنها تتوق إلى ذلك. عالم الأعمال والديون، الرجال والحرب، صيد الجوارح والأسماك، ألقى عليها تأثيرا متفاقما. (حينما غرق الوالد، تخلصت من سنارته وبندقيته). لقد حاضرتنا جميعا بلا نهاية عن الاعتماد على النفس، ولكن حينما نعود إليها بحثا عن المواساة والمساعدة – تشادي بالتحديد – تبدو وكأنها تشعر أنها على طبيعتها أكثر من أي وقت آخر. أفترضُ أن لورانس ظن أن المرأة الكبيرة وابنها كانا يلعبان الظفر بروح الآخر.

لقد خسرَتْ. “يا ساتر”، هكذا قالت. بدت منكوبة وثكلى، كما تبدو دائما حينما تخسر. “أحضروا نظارتي، أحضروا دفتر شيكاتي، أحضروا لي شرابا”. نهض لورانس أخيرا وتمطى بقدميه. حدق إلينا جميعا بكآبة. الريح والبحر قد تصاعدا، وفكرت لو أنه يسمع الأمواج، فإنه سيسمعها حتما على شكل أجوبة قاتمة لكل أسئلته القاتمة، وأنه سيظن أن المد والجزر قد محى جمر نار نزهتنا. أن تكون في صحبة أكذوبة فإنه مما لا يطاق، وقد بدا تجسيدا لأكذوبة. لم أستطع أن أشرح له البساطة والانفعال في أن تلعب مقابل الظفر بالمال، وقد بدا لي خطأ بشعا أن يجلس على حافة اللوح وأن يستنتج أننا كنا نلعب مقابل الظفر بروح الآخر. لقد لفّ الغرفة مضطربا مرتين أو ثلاث مرات، ثم رمى كالعادة طلقة ختامية: “يجب أن أستنتج أنكم صرتم مجانين. محشورين في هذا المكان مع بعضكم هكذا، ليلة إثر ليلة. تعالي يا روث، أنا ذاهب إلى الفراش”.

في تلك الليلة، حلمتُ بلورانس. رأيت وجهه الاعتيادي متضخما في البشاعة، وحينما استيقظت في الصباح، أحسست بالمرض، وكأنني عانيت من خسارة روحية كبيرة بينما كنت نائما، مثل خسارة الشجاعة أو الجسارة. كان من الحمق أن أسمح لأخي أن يغمّني. لقد احتجت عطلة. احتجت أن أسترخي. في المدرسة، نعيش في السكن التابع لها، نأكل مجتمعين عند طاولة المنزل، ولا يتسنى لنا النأي أبدا. لا أدرّس اللغة في الصيف والشتاء فحسب ولكنني أعمل في مكتب المدير وأطلق رصاص المسدس في تجمعات المضمار. احتجت أن أنأى عن هذا وعن أي شكل من أشكال القلق، وقررت أن أتجنب أخي. باكرا في ذلك الصباح، أخذت هيلين والأطفال للإبحار، وبقينا في الخارج حتى وقت العشاء. في اليوم التالي، ذهبنا في نزهة. ثم كنت مضطرا للذهاب إلى نيويورك ليوم، وحينما عدت كانت هنالك حفلة الرقص التنكرية في قارب النادي. لم يكن لورانس سيذهب، وكانت تلك حفلة أقضي فيها وقتا ممتعا دائما.

بطاقات الدعوة في ذلك العام تسمح لك بالمجيء في أي زيٍّ تريد. بعد عدة محادثات، قررنا أنا وهيلين ما سنرتديه. أخبرتني أن الشيء الذي أرادت أن تكونه مرة أخرى، هو أن تكون عروسة، ولذا قررتْ أن ترتدي فستان زفافها. فكرت أن هذا كان اختيارا جيدا، صادق ومرح وغير مكلف. اختيارها أثّر في اختياري، وقررت أن أرتدي زي كرة قدم (أمريكية) قديم. الوالدة قررت أن تحضر على أنها جيني ليند، لأنه كان هنالك زي لجيني ليند في السقيفة. الآخرون قرروا أن يستأجروا أزياءهم، وحينما ذهبت إلى نيويورك أحضرت معي الملابس. لورانس وروث لم يشاركا في أي من هذا.

هيلين كانت ضمن لجنة الرقص، وأمضت أغلب يوم الجمعة تزخرف النادي. ذهبتُ مع تشادي وديانا في رحلة بحرية. في نهاية إبحارنا، توقفنا عند النادي لنُركب هيلين. اللجنة كانت تحاول أن تجعل قاعة الرقص تبدو مثل غواصة، واقترابهم من النجاح في تحقيق ذلك الوهم قد جعل هيلين سعيدة جدا. عدنا جميعا إلى  Laud’s Head، كانت عصرية بديعة تلك التي أمضيناها، ولكن في طريقنا إلى المنزل كان بإمكاننا أن نشم الريح الشرقية – الريح المظلمة كما كان سيسميها لورانس – تأتي من البحر.

زوجتي هيلين في الثامنة والثلاثين من العمر، وشعرها سيكون أشيب، كما أظن، لو أنه لم يكن مصبوغا، ولكنه مصبوغ بصفرة غير مزعجة – في لون باهت – حتى أنه صار يمثّلها. في تلك الليلة، مزجتُ الكوكتيلات بينما كانت تلبس، وحينما صعدتُ بكأس إليها رأيتها لأول مرة بعد زواجنا في فستان عرسها. غنيٌّ عن القول إنها بدت لي أكثر جمالا من يوم عرسنا، ولكن لأنني كبرت في العمر واكتسبت كما أظن مشاعر أعظم عمقا، ولأنني أستطيع أن أرى في وجهها تلك الليلة كلا الشباب والكهولة، كلا تفانيها للمرأة الفتية التي كانتها والمقامات التي تخلت عنها بأريحية للزمن، فأظن أنني لم أتأثر بنفس ذلك العمق من قبل. كنت قد لبست بدلة كرة القدم، وحمولتُها المتمثلة في ثقل البنطلون وحاميات الكتف أعملت تغييرا فيني، وكأنني عبر ارتداء هذه الملابس القديمة قد خلعت ما يُتوقع من قلق ومشاكل حياتي. لقد شعرنا وكأننا قد عدنا إلى سنوات ما قبل زواجنا، إلى سنوات ما قبل الحرب.

عائلة كولاردز أقامت حفلة عشاء كبيرة قبل الرقصة، وذهبتْ عائلتنا – باستثناء لورانس وروث – إليها. مضينا بالسيارة إلى النادي، وسط الضباب، قرابة الساعة التاسعة والنصف. كانت الفرقة الموسيقية تعزف الفالس. بينما كنت أعلق جاكيتي، ربّت أحدهم على ظهري. كان تشَكِي إيونغ، والمضحك أن تشكي يلبس أيضا بدلة كرة أمريكية. لقد بدا هذا كرتونيا للغاية لكلينا. كنا نضحك ونحن ننزل سويا إلى قاعة الرقص. توقفت عند الباب وأمعنت النظر في الحفلة، وكانت جميلة. لقد علّقت اللجنة شباك صيد على الأطراف وتحت السقف العالي. الشباك تحت السقف مكدسة بالبالونات الملونة. كانت صورة جميلة؛ الضوء ناعم ومتفاوت، والناس – أصدقاؤنا وجيراننا – يرقصون في الضوء الناعم على أغنية “Three O’clock in the Morning”. ثم لاحظت عدد النساء اللاتي توشحن بالأبيض، ثم أدركت أنهن، مثل هيلين، كن يلبسن فساتين العرس. بتسي هيويت والسيدة جير وفتاة لاكلاند عبرن وهن يرقصن الفالس، بلبس العرائس. ثم جاء بيب تالكوت إلى حيث كنا نقف أنا وتشكي، كان في زي هنري الثامن ملك إنجلترا، ولكنه أخبرنا أن التوأمان أويرباتش وهنري باريت ودوايت مكريغور يلبسون جميعا زي لاعب كرة قدم أمريكية، وأنه مع آخر تعداد كان هنالك عشر عرائس على قاعة الرقص.

هذه الصدفة، هذه الصدفة الطريفة، واصلت إضحاك الجميع، وجعلت هذه الحفلة من أكثر الحفلات المرحة التي حضرناها في النادي. في بادئ الأمر ظننت أن النساء خططن مع بعضهن لارتداء فساتين العرس، ولكن اللاتي رقصت معهن قلن إنها صدفة وكنت متأكدا أن هيلين قد اتخذت قرارها لوحدها.

كل شيء مر بسلاسة بالنسبة لي حتى اقترب منتصف الليل. رأيت روث تقف على حافة قاعة الرقص. كانت تلبس فستانا أحمرا طويلا. كل ما فيه خطأ. لم يكن متسقا مع روح الحفلة بتاتا. رقصت معها، ولكن لا أحد طلبها غيري، وكنت غير مستعد أبدا أن أهدر بقية الليلة في الرقص معها وسألتها أين لورانس. قالت إنه هناك في المرفأ. أخذتها إلى البار وتركتها هناك وخرجت لأجيء بلورانس.

الضباب الشرقي كان كثا ورطبا، وكان يقف لوحده على المرفأ. لم يكن يلبس زيا. لم يزعج نفسه أن يأتي في زي صياد أو بحار. بدا جليّ التجهم. الضباب يهب من حولنا مثل الدخان البارد. تمنيت أنها كانت ليلة صافية، لأن الضباب الشرقي بدا أنه يصب في صالح ضغينة أخي تجاه البشر. وعلمت أن العوامات – بأنّاتها وأجراسها التي يمكننا سماعها – ستبدو له نصف بشرية، أو صرخات غرق تقريبا، رغم أن كل بحّار يعلم أن العوامات لوازم ضرورية وفعالة، وعلمتُ أن أبواق الفنارات قد تعني له التيه والضياع وأنه قد يحرّف بناءً على ذلك جذل موسيقى الرقص. قلت: “تعال يا تيفتي. أرقص مع زوجتك أو أجلب لها رفقاء رقص آخرين”.

“ولماذا أفعل ذلك؟”، رد علي، “لماذا أفعل ذلك؟”. ومشى نحو النافذة وحدق إلى الحفلة. “شوف”، وكرر: “شوف”.

تشَكِي إيونغ كان قد سيطر على بالون وأخذ يحاول تنظيم خط مباراة في وسط المكان. الآخرون كانوا يرقصون السامبا. وعلمت أن لورانس كان يرى الحفلة بقتامة مثلما كان قد رأى ألواح الخشب المتهالكة بفعل الطقس في بيتنا، وكأنه يرى هنا تعسفا وتشويها للزمن، وكأن الرغبة في أن نكون عرائس ولاعبي كرة قدم قد كشفت حقيقة أننا بعد أن أطفئت جذوة الشباب داخلنا قد صرنا عاجزين عن إيجاد جذوة أخرى نمضي بها، وأننا – مجردون من الإيمان والمبادئ – أضحينا حمقى وبائسين. وقد أغضبني أنه كان يفكر هكذا عن مجموعة من الأشخاص السعداء والكرماء، وجعلني أشعر أمامه بقدر من الاشمئزاز غير الطبيعي لدرجة أنني شعرت بالخجل من أنه أخي ومن آل بومروي. وضعتُ ساعديّ على كتفيه وحاولت إجباره على الدخول، ولكنه امتنع.

عدت قبيل بدء الجراند مارتش، وبعد أن أُعطيت الجائزة لأفضل زي وأُنزلت البالونات إلى الأرض. كانت الغرفة حارة، وقد فتح أحدهم الأبواب الكبيرة المؤدية إلى المرفأ، حيث لفت الريح الشرقية الغرفة وخرجت، حاملة عبر المرفأ وحتى البحر معظم البالونات.

انطلق تشَكِي إيونغ ركضا خلف البالونات، وحينما رآها تتجاوز المرفأ وتستقر على الماء، خلع بدلة كرة القدم وغطس. ثم غطس إثره إريك أورباخ وغطس بعده ليو فيليبس ثم غطست أنا، ومن المعروف حتما كيف يبدأ الناس في حفلات منتصف الليل بالقفز في الماء. استعدنا معظم البالونات وجففنا أنفسنا وذهبنا إلى الرقص، ولم نعد إلى بيوتنا إلا في الصباح.

اليوم التالي كان يوم محفل الزهور. الوالدة وهيلين وأوديت كن ضمن المشاركين. طلبنا غداء، ثم ذهب تشادي بالنساء والأطفال إلى المحفل. غفوت، ثم في منتصف الظهيرة لبست سروال السباحة وأخذت منشفة، وأثناء خروجي من المنزل تجاوزت روث في غرفة الغسيل. كانت تغسل الملابس. لا أعلم لماذا يجب أن تبدو دائما وكأنها تقوم بمهام أكثر من الآخرين، ولكنها دائما تغسل أو تكوي أو تعتني بالملابس. ربما لُقنت وهي صغيرة إما أن تقضي وقتها هكذا أو أنها سترزح تحت رحمة هوس تطهيري. تبدو وكأنها تفرك وتكوي باحتدام توّاب، رغم أنني لا أستطيع أن أتخيل الخطيئة التي تظن أنها ارتكبتها. طفلاها كانا معها في غرفة الغسيل. عرضت عليها أن آخذهما معي إلى الشاطئ، ولكنهما لم يرغبا في الذهاب.

كنا في آخر أغسطس، والعنب البري الذي ينمو غزيرا في أرجاء الجزيرة جعل رائحة الريح مثل النبيذ. هنالك بستان من أشجار البهشية في نهاية الدرب، ثم ترتقي كثبانَ الرمل، حيث لا شيء ينمو سوى العشب الخشن. بإمكاني أن أسمع البحر، وأتذكر أنني كنت أفكر كيف أنني وتشادي اعتدنا الحديث بماورائية عن البحر. حينما كنا صغارا، قررنا أنه لا يمكننا العيش في الغرب لأننا سنفتقد البحر. “إن هذا المكان لطيف جدا”، اعتدنا القول بلباقة حينما نزور الناس في الجبال، “ولكننا نفتقد المحيط الأطلسي”. اعتدنا أن ننظر شزرا بتكبر للناس الذين جاؤوا من آيوا وكولورادو ممن حُرموا هذا الاكتشاف، كما أننا كنا نزدري المحيط الهادي. بإمكاني الآن أن أصغي للأمواج، التي تُسمع غزارتها مثل الصدى، مثل اللغط، وقد أسرّتني مثلما أسرّتني وأنا صغير، وبدا أن لها قوة مليّنة، وكأنها أخلَت ذاكرتي – بجانب صور أخرى – من صورة الاحتدام التوّاب لروث في غرفة الغسيل.

ولكن لورانس كان عند الشاطئ. هناك يجلس. ولجتُ البحر دون أن أكلمه. الماء كان باردا، وحينما خرجت، لبست قميصا. أخبرته أنني سأمشي متجها إلى Tanners Point، وقال إنه سوف يخاويني. حاولت أن أمشي بجانبه. رجلاه ليستا أطول من رجلي، ولكنه يفضّل دائما أن يسبق مماشيه. وأنا أسير بالقرب خلفه، محدقا إلى رأسه المنحني وكتفيه؛ تساءلت كيف سيكون انطباعه عن هذا المنظر أمامه.

كانت هنالك الكثبان والمنحدرات الصخرية، ثم هنالك حقولٌ منحنية إلى الأسفل وقد بدأت تتحول من اللون الأخضر إلى الأصفر والبني. الحقول كانت تستخدم كلأ للأغنام، وأخمّن أن لورانس قد لاحظ أن التربة قد تآكلت وأن الأغنام ستسرّع هذا التفسّخ. خلف هذه الحقول هنالك عدة مزارع ساحلية، بمبان مربعة ولطيفة، ولكن لورانس بإمكانه إبراز القطعة الصلدة لمزارِعي الجزيرة. البحر، من الجهة الأخرى، كان واجهة مشرعة إلى مد البصر. كنا دائما نخبر الضيوف أنه هناك من جهة الشرق يستقر ساحل البرتغال، وبالنسبة للورانس ستكون خطوة سهلة من ساحل البرتغال إلى الدكتاتورية في إسبانيا. الأمواج تكسرت بضجيج يشبه “مرحى، مرحى، مرحى”، ولكن بالنسبة للورانس فإنها ستشبه “فُرقى، فرقى”. أظن أنه سيطرأ على عقله المهلِك الثاقب أن الساحل كان نهاية الركام المُثلجيّ في نهر جليدي، الذي يمثل حافة عالم ما قبل التاريخ، وحتما سيطرأ عليه أننا سرنا بمحاذاة حافة العالم المكتشف، حقا، بنفس القدر روحيا. وحتى لو أنه قد غفل عن إدراك ذلك، فقد كانت هنالك طائرات من سلاح الجو تقصف جزيرة غير مأهولة ستنبهه.

ذلك الشاطئ كان مدى شاسعا ونظيفا بفضل قوة خارقة. كأنه قطعة من القمر. الأمواج المتكسرة أسوت الأرض، لذا كان من السهل المشي عليها، وكل شيء يُترك على الرمل تمسحه الأمواج مرتين. كان هنالك عامود صدفة فقري، عصا مكنسة، جزء من زجاجة وجزء من طوبة كلاهما مكسوران ومطحونان إلى درجة غير قابلة للتمييز، وأفترض أن عقل لورانس التعيس – لأنه ظل مطأطئ الرأس – أخذ يقفز من شيء مكسور إلى الآخر. صحبة تشاؤمه بدأت تغيظني، فلحقت به ووضعت يدي على كتفه. “إنه يوم صيفي لا أكثر يا تيفتي”، قلت له، “يوم صيفي لا أكثر، ما المشكلة؟ ألا تحب هذا المكان؟”.

“لا أحب هذا المكان”، قال بحيادية، دون أن يرفع عينيه. “سأبيع حصتي من البيت لتشادي. لم أتوقع أن أستمتع هنا. السبب الوحيد الذي جعلني أعود هو أن أقول وداعا”.

تركته يتجاوزني مرة أخرى ومشيت خلفه، أحدق إلى كتفيه وأفكر في كل تلك الوداعات التي قام بها. حينما غرق الوالد، ذهب إلى الكنيسة وقال وداعا له. ثم لم تمر سوى ثلاث سنوات فحسب حينما خلُص إلى أن الوالدة تافهة وقال وداعا لها. خلال سنته الأولى في الجامعة، كان على علاقة صداقة جيدة بزميله في السكن، ولكن الرجل كان يشرب كثيرا، ومع بداية الترم الصيفي غيّر لورانس رفيق السكن وقال وداعا لصديقه. حينما أمضى سنتين في الجامعة، خلُص إلى أن الأجواء كانت احتجازية جدا وقال وداعا لجامعة ييل. سجل في جامعة كولومبيا ونال شهادة القانون هناك، ولكنه وجد أول من وظفه مخادعا، وفي نهاية الشهر السادس قال وداعا لوظيفة جيدة. تزوج روث في مبنى إدارة المدينة وقال وداعا للكنيسة الأسقفية البروتستانتية، ثم ذهبا للعيش في الأحياء المنزوية في قرية توكاهو وقال وداعا للطبقة المتوسطة. في عام 1938 ذهب إلى واشنطن للعمل محاميا حكوميا، بعد أن قال وداعا للقطاع الخاص، ولكن بعد 8 أشهر في واشنطن خلُص إلى أن إدارة روزفلت كانت عاطفية وقال وداعا لها. تركا واشنطن من أجل ضواحي شيكاغو، حيث قال وداعا لجيرانه، واحدا تلو الآخر، محملا بتهم السكر والفظاظة والغباء. قال وداعا لشيكاغو وذهب إلى كانساس، قال وداعا لكانساس وذهب إلى كليفلاند. والآن قال وداعا لكليفلاند وعاد إلى الشرق، متوقفا عند Laud’s Head بما يكفي من الوقت ليقول وداعا للبحر.

لقد كان رثائيا وكان شديد التعصب وضيق الأفق، لقد افترض خطأ أن التحفظ جزء من الشخصية، وقد أردت مساعدته. “أخرج مما أنت فيه”، قلت له، “أخرج مما أنت فيه يا تيفتي”.

“أخرج من ماذا؟”

“أخرج من هذا التجهم. أخرج منه. إنه يوم صيفي فحسب. إنك تفسد وناستك وتفسد وناسة الآخرين. نحتاج عطلة يا تيفتي. أحتاج عطلة. أحتاج أن أرتاح. كلنا في حاجة لذلك. وقد جعلتَ كل شيء متوترا ومزعجا. أسبوعان في رصيدي خلال السنة فحسب. أسبوعان. أحتاج أن أستمتع بوقتي مثلما يحتاج البقية أن يستمتعوا بوقتهم. نحتاج أن نرتاح. تظن أن تشاؤمك امتياز، ولكنه ليس سوى عزوف عن استيعاب الحقائق”.

“وما هي الحقائق؟”، رد لورانس، “ديانا امرأة حمقاء ومنحلة. وكذلك أوديت. الوالدة سكّيرة، إذا لم تضبط نفسها ستكون في المستشفى خلال سنة أو سنتين. تشادي مخادع، منذ أن كان. البيت سيهوي إلى البحر”، حدق إلي وأضاف، بعد تفكر: “وأنت مغفل”.

“وأنت ابن كلب كئيب”، قلت له، “أنت ابن كلب كئيب”.

“أبعد وجهك السمين عن وجهي”، قال لي ومضى مبتعدا.

حملت جذعا، مقبلا نحوه من الخلف، رغم أنني لم أضرب رجلا من الخلف من قبل، أرجعت الجذع المثقل بماء البحر خلف كتفي، وسرّعتْ وقوة الدفع ساعدي وأعطيته – أخي – ضربة على الرأس أجثته على ركبتيه فوق الرمل، ورأيت الدم يتدفق ويسوّد شعره. ثم تمنيت أنه ميت، ميت وعلى وشك أن يدفن، لم يدفن ولكن على وشك أن يدفن، لأنني لم أرِد أن أُحرم من مراسم وطقوس أن يوضع بعيدا، أن يوضع بعيدا خارج وعيي، ورأيت بقيتنا – تشادي والوالدة وديانا وهيلين – في الحداد في المنزل الواقع على شارع بيلفدير الذي هدم قبل عشرين سنة، ونحن نحيي ضيوفنا وأقاربنا عند الباب ونتجاوب مع تعازيهم المهذبة بأسفنا المهذب. كل شيء لائق ومحتشم لدرجة أنه حتى لو مات مقتولا في الشاطئ بالفعل، سيشعر أي واحد قبل انتهاء المراسم المضجرة أن تيفتي وصل إلى شتاء حياته، وأن حكم الطبيعة – في لحظة جميلة – قضى أن تيفتي يجب أن يدفن في البرد، في البرد المحيط بكل شيء.

كان ما زال جاثيا على ركبتيه. تطلعت حولي. لم يرنا أحد. الشاطئ العاري، مثل قطعة من القمر، انبسط إلى الخفية. دفقة موج، في رشحة ومضية، انقذفت حيث يجثو. كنت سأظل راغبا في أن أقضي عليه، ولكنني الآن بدأت أتصرف مثل رجلين، القاتل والمُنجد. في هدير خاطف، مثل صوت مجوّف، امتدّت موجة بيضاء إليه وطوقته، وهي تغلي فوق كتفيه، فأمسكت به وحميته أمام تيار الأمواج الارتجاعية. ثم قدته إلى مكان أعلى. الدم انتشر على امتداد شعره، حتى بدا أسودا. خلعت قميصي ومزقته لأربط به رأسه. كان في وعيه، ولم أكن أظن أن إصابته بليغة. لم يتكلم. ولم أتكلم أنا. ثم تركته هناك.

سرت قليلا في امتداد الشاطئ ثم التفت نحوه لأحدق إليه، وكنت أفكر في نجاتي فقط آنذاك. كان قد وقف على قدميه وبدا ثابتا. ضوء النهار ما زال صافيا، ولكن في رياح البحر كانت أبخرة الأجاج تهب مثل ضباب شفيف، وحينما مشيت مبتعدا عنه قليلا، كنت بالكاد أستطيع رؤية هيئته الداكنة في ظل هذا الغبش. على امتداد الشاطئ أستطيع رؤية هبوب الهواء الملحي الثقيل. ثم أعطيته ظهري، وبينما كنت أقترب من المنزل، ذهبت للسباحة من جديد، كما اعتدت أن أفعل بعد كل مواجهة مع لورانس في ذلك الصيف.

حينما عدت إلى المنزل، استلقيت في الشرفة. عاد الآخرون. أستطيع سماع الوالدة تشنّع بباقة الزهور التي فازت بالجائزة. ولا واحدة من باقاتنا فازت بأي شيء. ثم هدأ المنزل، كما يحدث دائما في مثل تلك الساعة. ذهب الأطفال إلى المطبخ ليأكلوا العشاء والآخرون صعدوا ليستحموا. ثم سمعت تشادي يعدّ الكوكتيلات، والحديث عن المحكمين في محفل الزهور قد استؤنف. ثم صرخت الوالدة: “تيفتي! تيفتي! آه، تيفتي!”

وقف عند الباب، يبدو شبه ميت. نزع الضمادة المضرجة وقبض عليها بيده. “أخي فعل ذلك”، قال للجميع. “أخي فعلها. ضربني بحجر أو شيء عند الشاطئ”، صوته انقطع مشفقا على نفسه. ظننت أنه سيبكي. لا أحد تكلم. “أين روث؟”، صرخ. “أين روث؟ قلت أين روث؟ أريدها أن تبدأ بحزم حقائبنا، ليس عندي أي وقت فائض لأضيعه هنا. عندي أشياء مهمة يجب أن أفعلها. عندي أشياء مهمة يجب أن أفعلها”، ثم مضى إلى الدور العلوي.

غادروا إلى اليابسة في الصباح التالي، عبر قارب الساعة السادسة. استيقظت الوالدة لتقول وداعا، ولكنها كانت الوحيدة، وكان مشهدا قاسيا وسهلا تخيله: الأم المهيمنة والابن المستبدل يحدقان إلى بعضهما بارتياع سيبدو وكأن قوى الحب قد عكسته. سمعت أصوات الأطفال والسيارة تمضي، فنهضت وذهبت إلى النافذة، ويا له من صباح! الله، يا له من صباح! الريح كانت شمالية. الهواء كان صافيا. في الوهج الباكر، الورود في الحديقة تفوح مثل مربى الفراولة. بينما كنت ألبس، سمعت القارب يصفر، الصافرة التنبيهية أولا، ثم الصافرتان المزدوجتان، وأستطيع أن أرى الناس الطيبة على سطح السفينة تشرب القهوة من أكواب البلاستيك الهشة، ولورانس في المقدمة، يقول للبحر: “ثالاسا، ثالاسا 2″، بينما طفلاه الخجولان والتعيسان شاهدا الكون من طوق ذراعي والدتهما. العوامات ستقرع برثاء من أجل لورانس، وبينما يكون مجِهدا بسبب بريق الضوء ألا تقذف يديك في الهواء وتهتف بجذل، فإن عينا لورانس ستتبعان أثر البحر الأسود منجرا إلى ما وراء السفينة، وسيفكر في القاع، مظلما وغامضا، حيث يرقد في عمق خمس قامات كاملة والدنا 3.

أخّ، ما الذي يمكنك فعله مع رجل مثله؟ ما الذي يمكنك فعله؟ كيف تصرف عينه في الحشود ألا تسعى وراء الوجه المرقع بحب الشباب، واليد الواهنة؛ كيف تعلمه أن يتجاوب مع العظمة النفيسة للتنافس، ومظهر الحياة القاسي الجميل؛ كيف تضع أصبعه بنفسك على الحقائق المتعنتة التي يقف أمامها الرعب والخوف مجرّدا القوة؟ البحر في ذلك الصباح كان قزحيا وقاتما. زوجتي وأختي ديانا وهيلين كن يسبحان ورأيت رأسيهما البارزين، أسودا وآخر ذهبيا في الماء القاتم. رأيتهما يخرجان ولاحظت أنهما عاريتان، بلا خجل، جميلتان ومشبعتان بالألق، وراقبت المرأتين تمشيان خارج البحر.

 

 

 

1- (في الكلمتين إحالات لسياقات ثقافية. الأم المهيمنة: matriarch وتعني المرأة الأم التي تتسيد جماعة أو منظومة اجتماعية وتأتي أحيانا ضمن سياق النظام الأمومي المضاد للنظام الأبوي، والابن المستبدل: changeling يعني الرضيع الذي استُبدل بآخر ليس هو الابن الحقيقي للأم والأب).

2- آلهة البحر في الميثولوجيا الإغريقية.

3- Full fathom five our father lies مقتبسة من مسرحية شكسبير “العاصفة”. حيث أن القامة – fathom وحدة طول مستخدمة لقياس عمق الماء.

⁂

أحمد الحقيل

روائي وقاص سعودي. عن الكاتب ←

النشرة

رسالة حين يُنشر نص جديد في المدونة أو يصدر كتاب.

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة