التصنيفات
قصص

أموات الرياض

هنالك أماكن محددة في الرياض، إذا وقفت فوقها في اللحظة المناسبة بعد منتصف الليل: سترى الأموات.

تقف في منفوحة. عواميد النور راكعة، العمارات هاجدة، السيارات مركونة: ثم تحس برجَّة من الأرض، مثل النبض. طب طب طب. تتسارع، بوتيرة نغمية. تتبع وقعها، فترتفع متسقة مع قشعريرة تتكهرب بين جلدك وعظمك. حتى تصل إلى بيت “أم خلوي الدوسري”. تدخل إلى برحة تومض فيها الأنوار المعلقة، وتصبغها الشمغ الحمراء المتكدسة، ويعلو فيها أصوات السامري والطِّيران. وترى شخصا جالسا، يكتفي بهزات رأس منهكة، والعرق يصبغ ثوبه. يبدو وكأنه رقص كل عمره. ويقول إنهم هنا منذ أن كانوا هنا، فمتى كانوا؟ لا يدري. يسألك بعد لحظات من التأمل: “أنت منهم؟”، فترد: “من هم؟”، فيقول: “أنت حي؟”. فتهز رأسك. يحدق إليك، والأصوات مُصمَّة ولكنك تسمعه وكأنه داخل رأسك: “اسمع، أبيك تسأل عن عيالي، وتعلمني لو رجعت”. تسأله: “طيب وش اسمك؟”، ولكنه يبتسم، ثم يضحك ذاهلا: “مدري! مذْكر!”.

تقف في حي المرقب، حيث البيوت التي تقشَّعت صبغتها، وعفى عليها الزمن. كل شيء هاجد. ولكنك تلمح في التفاتة خاطفة رجلا يجلس على الرصيف، لم يكن هناك، بدا وكأنه ظهر من الخفاء. يجلس وقد أسدل يديه على ركبتيه. يقول لك إنه ينتظر حصة، هذا بيتها. البيت أمامه سيارات خردة، وعلى سوره حبل عُلقت عليه وزر هندية. تسأله: “من هي حصة؟”، فيقول: “البنت اللي أبيها”. على شماغه سفطة عقال ليس موجودا، وبين سبابته وأوسطه زقارة لا تنطفئ مهما نفخ منها. ويقول وهو يحدِّق أمامه متفكرا: “والله ما أروح لين يعطيني إياها أو أموت هنا”.

في حي الشمسية، جنوب المربَّع، ستجد رجلا وضع يده على الجدار، وأسلم وجهه إلى الأرض، وهو يسعل دما. يلمحك مارا فيقترب منك: “طلبتك، قل تم”. وجهه شاحب، عيناه حمراوتان، نظراته زائغة. ترد: “تم”. يسعل طويلا حتى تظن أنه سيموت مرة أخرى، ويقول: “أبيك تجي معي، نحفر حفرة عند الوادي”، تسأله لماذا، فيبدو مستغربا، ويقول بنبرة بديهية: “أدفن فيها العيال وأحتري عندها! لهم كم يوم والدود بدا يلعب بهم”. ويقول إن الموت أسرع من قدرة الناس على حفر القبور، وإنَّ على كل شخص أن يحفر قبره بنفسه، ولكنه تعبان لا يكاد يحمل نفسه، وهو هنا ينتظر أحدا يمرُّ منذ أن كان يذكر. يُجيل بصره في المكان مذهولا، وهو لا يعرف ما هذه المباني، ولا يفهم هذا المكان الذي قادته إليه قدماه عشوائيا. ثم يلقي عليك نظرةَ رجاء أخيرة: “تكفى! قل تم!”.

في حي المرقب، يخرج رجل من سكة أمامك، لا ترى منه إلا ظهره النحيل. يحمل عودا، ويمشي. تمشي وراءه، ولكنه حينما يحس بك، يلتفت، ثم يُقبل إليك مسرعا. “يخوي، تعرف وين بيت مبارك؟”، فتهز كتفيك معتذرا. يبدو ممتعضا، يقول إنه يمشي هنا منذ مدة طويلة، يبحث عنه ولكنه لا يجده، حتى أنه لا يتذكر شيئا قبل ذلك. يقترب منك أكثر، ويُسرُّ إليك: “في راسي أغنية، وأبيه يوحيها”. يتأملك طويلا، ثم يأخذ بيدك، ويجلس على بلكة، ويخبرك: “اسمعها، وعلمني”. يخرش العود طويلا، ثم يغني لك: “عينيَ اللي تهلَّ الدمع مثل المطر”. يمر شخص يراك ولا يرى غيرك، فيتوقف مستغربا، ويسلّم، ثم يمضي. ينتبه الرجل، ويسألك: “أنت منهم؟”، فتقول إيه. يضع يده على ساعدك: “تعرفني؟”، وترد: “كلٍّ يعرفك يا بشير”، فتلوِّن وجهه ابتسامة واسعة مستحية: “عجيييب!”.

في شارع الشميسي، ترى شخصا يجلس أمام مبنى متهالك، ينتظر. كلما اقتربتَ منه، بدا مألوفا. تقف أمامه، ويشُلُّ وجهكَ تعبيرٌ ذاهل جامد، فيما تراه يرفع رأسه إليك، ويحدق. وتنفذ كلمة طائشة من فمك لا تكاد تُسمع: “يبه!”. يخزُر عينيه إليك مستكشفا وقد سمع صوت الكلمة ولم يفهمها: “أعرفك يخوي؟”. ولكنك تبتلعها في أعماق جوفك، وتسيطر على ارتباك ملامحك، وتبتسم: “ما ظنيت”. أنت أكبر عمرا منه. تقترب أكثر، وتسأله لماذا هو هنا، فيقول إنه ينتظر الصباح ليحضر موعدا له في مستوصف الحرس. المبنى من ورائه مهجور، نوافذه مهشَّمة، وعلى جداره كُتب بخط أحمر مثل الدم: “قديمك نديمك لو الجديد أغناك”. يزفر بملل وإنهاك، وقد أسدل يديه على ركبتيه: “الصبح عيا يجي. مدري كم لي أنتظر”.

في الصفاة، سيتمايز دُكَّان صغير بين صفة الدكاكين الحديثة، كُتب على لوحته “مكتبة العرب”. يومض وحيدا وسط الأبواب المغلقة المعتمة، وتلوح هيئةُ شخص يقف داخله أمام أحد الرفوف. سيُسمع للباب صريرٌ يدفع الرجل الممسك بكتاب يقرؤه إلى الالتفات، قصير ونحيل. يبدو مذهولا. يتابعك بنظراته، وأنت تتأمل أكعاب الكتب الملونة التي تصبغ الجدران بقتامة حميمة مثل الخشب. تقترب منه، وترى ابتسامة طفيفة ترتسم على وجهه. تستفسر عن كتاب “السوانح والذكريات”، فيرد: “حنا ما نبيع!”، تسأله: “ليه؟”، ولكن حيرة تعلو ملامحه ويرد ببداهة: “ما تقدر تاخذه!”. تسأله مرة أخرى عن الكتاب، يستفسر عن مؤلفه، فتقول إنه حمد الجاسر. يُنزل الكتاب الذي يُمسكه مشدوها: “أنا؟!”. تخبره عن نفسه، عن الكتب التي كتبها، والمؤسسات التي أنشأها، ويُنصت ذاهلا. ثم يقول إنه هنا منذ أن كان يذكر، ولا يذكر شيئا غير ذلك.

في حي السويدي، ستصادفك همهمةٌ غامضة تُسمع خافتةً من مسجد المقرن. الفجر ما زال بعيدا، والحارة نائمة. تقترب من المسجد، وترى الباب مواربا، وتغشاك حالةٌ تشبه النوم الذي يوارب بابه على شكل وسنٍ بطيء يسحبك إليه سحبا، فتقترب أكثر، والهمهمة تتصاعد. تفتحه وترى عشرات من الأشخاص، أكثرهم تجاوز الستين، يجلسون وهم يسبِّحون ويهللون، مولِّين أوجههم شطر المنبر، وكأنهم ينتظرون الصلاة. ترفض قدماك الحركة خطوةً واحدة، وقد شلَّك الموقف مهابةً غامضة لا تدري كُنهها. يلتفت أحدهم، ثم يلتفتون جميعا، وترى مئة عينٍ تحدق إليك، وقد أُطبقت أفواهُهم ولكن همهمتهم ما زالت تُسمع، وكأنها تأتي من مكان خفي لا يُرى ولا يُحدَس. لا يتكلمون، ولا يسألون، ولا يُشيحون النظر.

في حي الرفيعة، تلوح الصالات الرياضية بعيدا، تومض وسط العتمة، ولا شيء حولها. تهبُّ ريحٌ قادمة من الغرب فتحمل معها صوت طلال وهو يغني: “سيدي قم، ما خبرت اللي يحبّ، يشتهي النوم”، ثم يختفي. تمشي إليها، والريح تحمل بين فينة وأخرى ترنُّما يلتهمه الصمت سريعا. تصادف في طريقك أربعة شباب، يجلسون محبطين على الرصيف. ينتبه أحدهم، ويلكز ذراع الآخر، وينهضون جميعا. تقف أمام خزّات أعينهم: “وش؟”، يقترب أحدهم، مترددا. يقول: “حنا نبي نروح للحفلة، بس ما نقدر، الطريق يضيع علينا كل مرة”. ويخبرك أنهم تركوا سيارتهم في قعر وادي حنيفة حينما سقطت بهم، وقرروا المشي على أرجلهم. يتبعونك، تلتفت إليهم بين لحظة وأخرى، وهم يهمهمون بينهم، يتأملون ملابسك وهيأتك وحالتك، تبدو غريبا، ولكنهم لا يسألونك عن شيء. وفي لحظة ما، تلتفت، ولا تجدهم. وتلمحهم بعيدا، في المكان الذي بدأتم منه، يقفون عند الرصيف ذاته، يبدو وكأنهم يحدقون إليك من البعد، فيما يعلو صوت محمد عبده مغنيا: “يوم ناظرت الرياض: مسكن الود الجميل، مربا السعادة الوارفة، دفئ القلوب الخافقة”.

في حي الملز، ترى رجلا يمشي وهو يهتف بأعلى صوته: “يا أهل الرياض، يا أهل نجد، يا أهل الجزيرة، يا أهل الأرض: القيامة اقتربت. تعالوا يا ناس، يا عالم، تعالوا. والله إنها حانت”. يلمحك فيصمت محدِّقا، وتمرُّ لحظة طويلة، ثم يقترب مسرعا، حتى يقف أمامك: “يا هلا ومسهلا! يا هلا! لا تخاف، تعال معي”، ويمد يده. ولكنك تمتنع دون حركة. يُنزل يده، ويقول مبتسما: “لا تخاف. أنا أحتريك، تدري كم لي أحتريك؟”، فتسأله كم، يضحك: “أوووه، لي دهر وأنا أمشي هنا، ولا أحد طلع. وش يخافون منه؟”. عيناه واسعتان، تلمعان. ابتسامته بيضاء. نظراته مترجية. وتكتفي بالسكوت، وتكاد تسمع الصمت صوتاً، وكلاكما واقفان. تسأله أخيرا: “وش يدريك؟”، فيهزُّ رأسه، ويقول إنها رآها، رآها في أشراطها، رآها في أحلامه، رآها في رجل أتى إليه ليلا وطلب منه أنْ يستعد. “والله، إنها جت. تعال وأنا أخوك، تعال معي، تكفى!”.

في شارع التحلية، تتكدس السيارات، دون أدنى حركة. الألتيمات، والصابونات، واللكاسز، والهايلكسات. لا أحد يتحرك. الأوجه تحدق إلى الأمام، لا تلتفت، ولا تتكلم. أعينٌ زائغة، وأفواه مطبقة، ورقاب متصلبة. وفي المكان صمتٌ بشري وسط هديرٍ من المكينات والشكامين. تمشي بينها، ولا أحد ينتبه. ولكن شخصا يلمحك، وكأنه يستيقظ من شرود أزلي. يفتح نافذته، ويهتف مبحوحا: “هيه، أنت”. تقف، وترمقه. “أنت منهم؟”، فتهز رأسك. يتفكر قليلا، ويسأل بين الرجاء والملل: “متى بنتحرك؟”، ولكنك تهز كتفيك: “مدري والله”. يقابلك بنظرة خائبة، ثم يغلق النافذة، ويعود محدقا إلى الأمام.

في مدخل مستشفى دلة، ستجد مسنا يجلس على عربيته، ينتظر. ستعرفه هذه المرة قبل أن تقترب منه. ستحس بنبضات قلبك تتسارع، وبخطواتك تتأنى، وبعقلك يقترح عليك أن تبتعد هذه المرة. ولكن قدماك تسيران إليه، وعيناك تلتقيان بعينيه، وتجد نفسك أمامه، وهو يحدق إليك، نحيلا تبرز كتفاه مثل أعمدة الخيمة في هزاله. تسلم عليه، وتناديه هذه المرة: “يا عم، كيف حالك؟”. يبتسم، وتتحدثان. تنصت إليه، لا تسأله لماذا هو هنا، تعرف لماذا هو هنا، تذكر لماذا هو هنا جيدا. لقد كنتَ معه. ولكنه يبرر مستحيا من جلوسه وحيدا وهو الذي اعتاد أن يحيط به الآخرون: “أحتري ولدي يجيب السيارة، لكنه طوَّل”. وتجد أنَّ عقدة تتهدج في حلقك، ودمعةً تلمع في عينك، وأنت تُقعي أمامه، عند قدميه. وتقول معتذرا: “يمكن ودّه لكن ما يقدر، يا عمّ”.

في حي حطين، عند صبَّات المسار الرياض، ترى طفلة واقفة وسط السكون الموحش. تُمسك بالونة في يدها، وتقف محدقة إليك، دون حركة. كلما اقتربتَ منها تحدَّدت ملامحها: العينان الواسعتان، الخصلات المنسدلة، الوقفة المتصنِّمة. تقف أمامها، وتنتظرها. ولكنها تظل صامتة، صمتا محدِّقا يرسل قشعريرة باردة بين جلدك وعظمك. “يا حلوة، وش تسوين هنا؟”، فتتكلم أخيرا وكأنها لم تسكت إلا برهة من الزمن: “أحتري أهلي”، تصمت مرة أخرى، ذلك الصمت الساكن المقلق، فتسألها: “وينهم؟”. تهز كتفيها: “مدري. راحوا وخلوني يوم صدمتني سيارة”.

تعليقين على “أموات الرياض”

قصة ملفتة، لا أحب أن أتدخل في خيارات الكاتب، لكنني كقارئ كنت أنتظر “قفلة” في النهاية، تكون في مستوى البداية البديعة.
كقارئ متحذلق لم أستطع منع نفسي من إبداء هذا التعقيب : مثنى حمراء، هو حمراوان وليس حمراوتان.
دمت وفيا للكتابة.

اترك رد

اكتشاف المزيد من أحمد الحقيل

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة