نخلتان عند الغروب

المدونة

الأرشيف ←

الإصدارات

صدر حديثًا

الحافة المطلة على العالم

ثماني قصص قصيرة تتخللها فصول من سيرة الكاتب؛ كل قصة تقابل لحظة من حياته.

عن الكتاب ←
غلاف أيام وكتب: عامٌ أوّلرواية، ٢٠٢٢اقرأ ←
غلاف بيتقصص، ٢٠٢١اقرأ ←
غلاف طرق ومدنرواية، ٢٠١٩اقرأ ←
غلاف دوائررواية، ٢٠١٥

كل الإصدارات ←

سوانح

قراءة مذكرات نجيب المانع تكشف لك أزمة الثقافة العربية منذ منتصف القرن الماضي، وكيف أنها خاضعة وتابعة.

أحد أكثر النقاط العجيبة، حينما يقول إنه عمد إلى طه حسين بمرجعيته التحليلية الفرنسية، والعقاد بمرجعيته التحليلية الأنجلوسكسونية، ليفهم ماذا؟ ليفهم الأدب العربي!

لماذا تحتاج وسطاء ينهلون من ثقافة أخرى لتفهم الأصل؟

هذا غريب. وهو مربط المشكلة، كيف أن المثقف العربي صار يحتاج وسائط دخيلة ليفهم سياقه. مثل الذي يريد تحليل شعر المتنبي وفق نظريات فرويد السيكولوجية، أو الذي يحاول فهم الجاحظ من خلال نظريات ما بعد الحداثة.

هذه نابعة من قناعتهم بأن تلك النظريات كونية وأساسية، بينما أكثرها وُلد في سياقه، ولا يمكن قراءة التاريخ من خلاله.

ما زال الأدب، شعرا ورواية ونقدا، أهم منتجات الثقافة. رغم كل ما فيه من مشاكل.

كل الصناعات الأخرى قاصرة. المحتوى والصحافة والفن والسينما/التلفزيون بدرجة أقل، صناعات تائهة مشتتة تقودها حراكات هشة ورخوة وأشخاص ينقصهم الفكر وتعوِزهم الرؤية، لا تصنع سرديات جديدة ولا أبطال جدد. همهم النجاح المباشر الذي لا يبني ولا يخترق ولا يعمِّر.

صناعة المحتوى، التي يفترض أن تكون وريثة لمؤسسات الصحافة المهترئة وأنا أحد من عملوا في الاثنتين، انعكاس رخو وهش لوسائل التواصل، عمرها مثل عمر الذبابة، عاجزة عن صناعة سرديات أو أبطال، منكفئة على نفسها في لعنة المواكبة وضحالة المعرفة والتجربة. الفن يعيش في جزيرة نائية منفصلا عن الأدب والعمارة والأزياء والموضة. السينما/التلفزيون مدججة بأشخاص تعوِزهم الجرأة على الابتكار أمام أقل تهديدات الخسارة.

ممتعة نعم، لكنها محدودة. صوت جيل نعم، لكنه صوت رخو وتائه. مؤثرة نعم، لكنه تأثير آني منقطع.

الأدب ما زال أهم ما نملك ثقافيا. حضوره وصوته وإنتاجه أكثر أصالة وارتباطا بالواقع والحقيقة. قادر على العيش أطول من غيمة عابرة، يملك مواقف ذوقية مستقلة ومنافحة وتجريبية، المشتغلون فيه عندهم اطِّلاع على كافة أشكال الإبداع والمعرفة ويخوضون تجارب عميقة تتجسد بوضوح في أعمالهم، يختلفون ويتناحرون ويتجادلون ويخلقون حالة جيدة للنقاش. يتداخل مع المجتمع والمتغيرات بجرأة أكثر، ويُطلب من الخارج أكثر من غيره.

المضحك أنه الأكثر إهمالا. هو ليس صناعة حقيقية، إنما تجمُّع هواة. المشتغلون فيه ينجزون أعمالهم دون فائدة حقيقية ملموسة. وربما هذا ما يجعله الأهم، لأنه ليس صناعة. وهذه مفارقة مضحكة، ما ينقذك هو ما قد يقتلك.

إذا استثنينا مشاكل السوق والصناعة والمال، فإن أكبر مشكلة تواجه الإبداع تكمن في هذه المفردة: vibe. الجو، المزاج، النبرة.

يصعب ترجمتها بدقة. هي مزيج الألوان والسمات والإيقاع والمؤثرات في حالة ما.

والصراع الأزلي معها يكون: الڤايب ضد الفحوى. صراع شبيه بالصراع القديم بين المعنى والشكل، لكنه أعقد.

أن تكون مبدعا هو أن تكون ذا موقف. والموقف جملة الأفكار والانطباعات وحصيلة التجارب والاستنتاجات ومخزون القراءة والاطلاع وخلاصة الذوق والنمط المتشكل من الاستكشاف والاستجلاء. لكنك تجلس مع سينمائي أو روائي أو فنان لتكتشف أنهم بلا مواقف، أو سطحيو الموقف، لا يريدون الكلام إلا عن التقنيات والأشكال والأفكار المعلبة المستنسخة التي لم يُخضعها لمحاكمة ذوقية قاسية.

حياد أبيض. الڤايب هو كل ما يملكه. الڤايب مقابل الفحوى.

في هذا العصر بإمكانك أن تكون مبدعا إذا أتقنت خلق أجواء معينة، مزاج معين. أما ماذا تقول؟ ما موقفك؟ ما مدى ارتباطك بمحيطك وتجربتك وسياقك وتاريخك وسياستك؟ لا يهم.

كل سوانح ←

حوارات ومقالات

كل الحوارات والمقالات ←

النشرة

رسالة حين يُنشر نص جديد في المدونة أو يصدر كتاب.