لنفترض أن طفلا في روزاريو يدعى ليو. لم يتعرف عليه كشافوا نادي نيولز أولد بويز، لم يتعافى من مرض نقص الهرمونات، لم يذهب به وكلاء الأعمال إلى برشلونة.
لنفترض.
إنه يعيش الآن في روزاريو، في شارع فيزازورو المهذب والصغير. لقد تخرج من دبلوم التجارة قبل سنوات، ثم عمل في شركة أسبيندار التي يعمل فيها والده، ثم تركها ليعمل الآن وكيلا لبوليصات التأمين. إنه يشعر باستقلالية أكبر، نوعا ما، ولكنه ما زال يبدو مراهقا، وجهه وكسله وبلادته اللامبالية تجاه أشياء كثيرة تجعله يبدو كذلك. لقد تعرف في علاقاته الغرامية على أربع فتيات، آخرهن زوجته أنتنيولا التي كان يعرفها منذ طفولته. هواياته محدودة، بل شبه معدومة.
في صغره، كان ينأى بنفسه في حفلات الشواء العائلية بملل، الى حواف الحديقة الخلفية، يأخذ قطعة تفاح من الشجرة، و”يدقدقها” بقدميه، ويبدو مرتاحا مع الجسم المدور بين قدميه أكثر من راحته مع الآخرين. حينها كان يقال إنه الأكثر موهبة في روزاريو. ولكنه لم يعد يفعل ذلك، ربما كرر هذا مرة او مرتين، بدافع العادة، ولكنه توقف مع الوقت. إنه يُرى منذ ذلك الحين وهو يسير في الحديقة بكسل، أو يجلس على كرسي منعزل في الطرف، أو يلاعب أحد الأطفال، وهكذا. إنه شخص منزو ومتحفظ. لم يعد يذكر شيئا عن كرة القدم. يشجع نيولز اولد بويز، ويميل ليوفنتوس، ولكن دون اهتمام. إنه كسول، بل ربما خامل، ليس لديه فضيلة مميزة. زميله في العمل خوليو يقول له أنت فارغ يا ليو، لاشيء في حياتك، لو سقطت قنبلة بجانبك لا أظنك ستتحرك. ربما هنالك شيء ناقص، هكذا يفكر، وتخبره أنتنيولا أن عليه اتخاذ هواية ما، ولكنه لا يجد هواية تستهويه.
اليوم الذي أنجب فيه تياغو كان حتما يوما في منتهى الغرابة. اللحظات الطويلة في غرف المستشفى المعقمة، الانتظار، الألم، الترقب، الولادة، الصرخة الأولى، الجسد اللزج الذي يحمل نطفة منه. ليس معتادا على مثل هذه الدراما، تياغو كان يوما مليئا بالعاطفة. حينما عادوا، هو وأنتنيولا وتياغو إلى المنزل، كان الجميع هناك، العائلتان والأصدقاء، حفلة ترحيب لطيفة. جلس ليو في أقصى الغرفة وأخذ يراقب الحشد المشتت بهمهمة أصواتهم المكممة، ومن بينهم تلوح زوجته جالسة في أقصى الصالة، ممسكة بالرضيع وتتحدث مع صديقاتها. كان مبتسما باستنزاف مرهق، ابتسامة شبه سكرانة لا تكاد ترى، على ملامحه شرود مسترخ لا همّ فيه، لا تملؤه أي فكرة، مجرد التحديق البليد الفارغ، يغرق أكثر وأكثر في خمول الجلسة الناعسة، ويظن أنه حتما أسعد رجل في العالم، إن الشيء الناقص قد اكتمل. أو أنه اكتمل فعلا؟ أخذ يفكر بعد أشهر، حينما عاد إلى رتابة حياته السابقة. تراه ذات يوم في وقت متأخر من الليل يجلس في حانة، لقد خاض جدالا ضاريا مع زوجته، لا يريد أن يتذكر حتى عن ماذا. قال كلاما لا يقال، قالت هي كلاما لا يقال. يجلس مكتفا ذراعيه على حد البار، وأمامه الكأس الخامسة. الساقي رجل أربعيني، قال له وهو يعطيه الكأس السادسة: “ليس من عادتك أن تشرب كثيرا” ولكن ليونيل لم يرد.
عموما، الأشياء السيئة تتلاشى دائما، ويعود كل شيء إلى طبيعته.
تراه يجلس في عطلة نهاية الأسبوع الذي ذهبت فيه أنتنيولا إلى بيونس آيرس وحيدا في البيت، لا يفعل شيئا سوى الجلوس على الكنبة وشرب البيرة وأكل الشيبسات ومشاهدة الأفلام، إنه يحب الأفلام، خصوصا أفلام الكونفو، يتجول شبه عار في المنزل، يقف في الصالة بخمول، ويستمع إلى الصمت الذي خلّفه غياب الجميع، ويستمتع بهذا الصمت النادر، هذا الفراغ اللذيذ الذي يبدو مريحا لزوجٍ لا ينال كثيرا من الخلوة في منزله. ولكنه يبدأ في الامتعاض منه بعد أيام، ويبدو هذا الفراغ ثقيلا، ويتصل على زوجته وابنه ليسمع صوتهما ويطمئن عليهما.
تراه في فجر يوم أربعاء هامشي، مجرد يوم أسبوعي ليس فيه ما يميزه، والفجر يغلف المكان بزرقته الكريستالية الرقيقة، يحتضن أنتنيولا. لقد مارسا الجنس قبل ساعات وناما على تلك الهيئة، يستيقظ فجأة من نومه، على تلك الهالة الزرقاء الكريستالية، يفتح عينيه عدة لحظات بين الزرقة الشفيفة وأنفاس زوجته الرطبة، عدة لحظات كافية ليدرك كم هو سعيد، ثم يعود إلى النوم، في أمان فراشه، ممسكا بزوجته أكثر. نعم إنه سعيد، ولكن ليس دائما، ويقول له الجميع إن هذا هو حال الجميع، السعادة لا تحدث إلا في تلك اللحظات النادرة العابرة، مثل ذلك الفجر الذي بدا أنه استيقظ فيه فقط ليمسك بإحدى تلك اللحظات النادرة. إنه يحب عائلته، بطريقته الخاصة، كما يحب الجميع عائلاتهم بطرقهم الخاصة. يجتمع معهم باستمرار، يعرف أخبارهم، يهتم بهم. ابن أخيه الصغير، سيزار، طفل مهووس بكرة القدم وبرشلونة تحديدا، فاز بتذكرتين في مسابقة الموقع الرسمي للنادي. والده الذي يعمل مدير استثمار في بنك يقول إنه لا يستطيع الذهاب به، فيطلب الطفل من ليو أن يسافر به. أنتنيولا تخبره أن يذهب، “غيّر جو” تقول له، فيرد: “ولكنني لا أحب كرة القدم كثيرا؟”. ولكنه يذهب رغم ذلك. حماسة سيزار تكاد تكون معدية، ولكن ليو أكثر برودا من أن يتأثر بعدوى الحماس، إنه يجوب برشلونة ويدخل ملعب الكامب نو برضى لامبال، كتجربة مثيرة للاهتمام ولكنها لا تعنيه، إنه فعلا مجرد سائح. ولكن الملعب كبير، كبير جدا، لم يرى شيئا مثله في حياته، شيئا بمثل هذا الجلال. هذه الضخامة والاحتشاد البشري والحركة الشغوفة التي تتجمع في هذه البقعة المحدودة هي تجربة لا يمكن تجاوزها، حتى وإن كنت لا تحب كرة القدم كثيرا، هكذا أخذ يفكر وهو يبتسم باستمتاع متصاعد النشوة. ولكن الغريب أنه لم يتذكر ما الذي كاد أن يحدث قديما، أنه كاد أن يكون لاعب كرة قدم، لم يعد ذلك الاحتمال موجودا حتى في ذاكرته الافتراضية. في الصف أمامهما، هنالك يوناني يقص على أصدقائه حينما شاهد هدف كومان في نهائي أبطال أوروبا عام 1992، وكيف أنه عاش حينها واحدة من أعظم لحظات حياته، وأنها تكاد توازي في تأثيرها لحظات زواجه وولادة ابنه وشراء بيته، ولكنه بدل أن يبدي صدمته تجاه ذلك الاعتراف فإنه أخذ يضحك بطرب ويصفق وهو يصرخ ثم يهتف فيفا بارسا، الكلمتان الكتلونيتان الوحيدتان اللتان يعرفهما. ويبتسم ليو مما سمعه من الرجل باستغراب ساخر، ويحادث سيزار عن هذا، عن هذا الهوس الحماسي تجاه لعبة، ويقول إنه لا يفهم لماذا نقدس اللاعبين هكذا، ونحفظ أسماءهم بشغف، اللاعب لا يعالج ولا يخترع ولا يبني. ولكن الطفل لم يكن مقتنعا، في المسألة أمر ما زال أصغر من أن يفهمه أو أن يشرحه لعمه، إنه يتعلق بأن اللاعب وكرة القدم التي يمثلها جزء من النضج، إنها أكثر الإبداعات الإنسانية قربا من الطفولة، لأنها بسيطة ومباشرة وجسدية، إنها شيء جمالي انطباعي حسي، مثل الموسيقى، وربما هذا هو السبب الذي يجعل معظم الأطفال يُغرمون بعد اللاعبين بالموسيقيين في مراهقتهم المبكرة. حينما يكبر سيزار بعد سنوات، سيفهم وهو يتذكر حديثه مع عمه بضبابية كيف أن اللاعبين هم أول أشكال الابداع والشغف الإنساني العنيف والمندفع بالنسبة للطفل، ولذا يحفظ أسماءهم. قد يكونون أوغادا، قد يكونون فعلا بلا فائدة فعلية حياتية، ولكن هذا لا يهم، ما يهم هو ما يمثلونه من أثر في حياته، وحينما يكبر ستظل ذكريات شغفه بهم أثيرة وإن بدت ساذجة، لأنهم جزء منه، من نضجه، من تكونه، والأهم من طفولته. سيعرف سيزار هذا لاحقا. ولكنه الآن بجانب عمه، يجلسان وهما مبتسمان باستمتاع، ينجرفان مع الحركة الرخيمة من حولهما، حركة الحشد الذي تجمع خصيصا لرؤية شيء ما، متواطئون في طلب متعة ومؤازرة ما، لا يعرفون بعضهم، ولكنهم يجلسون، وينتظرون، ويشجعون، يحفظون نفس القصص، ونفس الكلمات، ونفس الأسماء. كل واحد منهم يملك حكاية تبرر لماذا هو هنا، لماذا ترك أشياء كثيرة كان يمكن القيام بها وفضّل المجيء إلى هنا، ليرى كرة تركل بين 11 لاعبا. الكل سعيد بهذا الطقس اللامجدي، بهذا الاحتشاد الاحتفالي الشغوف، ويسري هذا الشعور بينهم، ويتكاثف، ويبعث ذبذبات تواطئ لذيذة، تجعل كل واحد منهم يشعر أنه يعرف الشخص الذي بجانبه، لا لشيء سوى لأنه يحب كرة القدم مثله، يحب برشلونة مثله، يحب أنيستا ونيمار وبيكيه وبسكويه مثله. ليو جالس هناك، يشرب كل هذا مثل غيره، رغم بروده ولامبالاته، فما يحدث أكثر قوة من ألا تتعرض له. يقول سيزار أنه يريد الذهاب إلى الحمام، ينهض ليأخذه ولكن الطفل يقول إنه يحفظ المكان، سيعرف طريقه، ويثق ليو في ابن أخيه العفريت، ويجلس وحيدا، ويسمع الأغاني والأهازيج وهي ترتفع أكثر، ويرى دخول اللاعبين للإحماء، ويرى تدفق الجماهير بتصاعد متسارع التفويج. يتأخر سيزار، ولكن ميسي لا ينتبه. ويمتلئ الملعب تقريبا، ويستعد الجميع لدخول اللاعبين. وفجأة، يظهر صوت المذيع الداخلي الذي يعلن كثيرا لدرجة أن قليلا من الجماهير صار يلقي له بالا، ولكنه هذه المرة قال شيئا غريبا: “الرجاء القدوم إلى مكتب الأمن، ليونيل ميسي”، ينتبه ليو إلى اسمه باستغراب، ولكن الغريب هو أن الجميع ينتبه لهذا الاسم مثله. ويعيد المذيع القول “ليونيل ميسي، إلى مكتب الأمن”. وترنو لحظة صمت تسري مثل موجة. الرجل الذي كان يأكل الهامبرجر توقف فجأة وحدق إلى الفراغ بحيرة. المرأة التي كانت تلاعب طفلها توقفت وحدقت إلى الفراغ بحيرة. الشاب الذي كان يقص قصة لصديقته توقف وحدق إلى الفراغ بحيرة. الجميع توقف عن الحركة، غرقوا في صمت مطبق دون نفس، وبالتدريج، كان الملعب بأكمله صامتا، صامتا كالموت، يحدق إلى الفراغ بحيرة، والاسم الغامض يتردد أثره بغرابة في الهواء، ينبش شعورا مبهما، شعور يشبه الحنين، الحنين إلى شيء لا يعرفونه، منتزع من أحشاء عمق لا يُدرك كنهه، وكأنهم فقدوا شيئا مهما، شيء كان يفترض أن يكون جزءا من حياتهم، قد لا يكون جزءا مفصليا، ولكنه جزء مهم نوعا ما، ذلك النوع من الأشياء التي تملؤ الحياة اليومية، وتجعلك تتطلع إلى رؤيته والتقاطع معه حتى وإن لم يكن له تأثير فعلي عليك، يحدقون إلى الفراغ، والاسم لازال يتردد أثره في الصمت المطبق، ويدركون أن ثمة شيئا ناقصا، ولكن لا أحد يعرف ما هو. لا أحد يتحرك، لا أحد. عدا واحد، رجل قصير في الدور الثاني الجانبي، يهرول بين الجالسين وهو يلوّح لمأمور واقف عند أحد المخارج: “هيه أنظر هنا أنا ميسي”.